الجزائر تتقدم في مكافحة غسل الأموال وتستعد لمغادرة «المنطقة الرمادية»

«جافي» تعلن زيارة ميدانية للتأكد من نجاعة إصلاحات بنكية وتشريعية

من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
TT

الجزائر تتقدم في مكافحة غسل الأموال وتستعد لمغادرة «المنطقة الرمادية»

من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)
من اجتماع سابق لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (متداولة)

أحرزت الجزائر تقدماً جوهرياً في تنفيذ خطة عملها، المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفقاً لما أكدته «مجموعة العمل المالي»، المعروفة اختصاراً بـ«جافي»، في تقرير لها صدر في شهر فبراير (شباط) الحالي، يتضمن تقييماً لمجهودات بلدان مصنَّفة «الأقل التزاماً بمكافحة مصادر المال المشبوه».

وحمل التقرير عنوان «دول تحت المراقبة المشددة»، حيث أشارت فيه «جافي» إلى أن الجزائر «استكملت، بشكل واسع، خطة العمل المتفَق عليها»، وهو ما دفع الهيئة الدولية المعنية برقابة المعاملات المالية، والمدعومة من «مجموعة السبع»، إلى اتخاذ قرار بإجراء زيارة ميدانية «قريباً» لـ«التحقق من بدء تنفيذ الإصلاحات واستدامتها، والتأكد من استمرار الالتزام السياسي بضمان فاعليتها مستقبلاً».

وبهذه الخطوة، باتت الجزائر في وضع مريح يمهّد لسحب اسمها من «القائمة الرمادية» للمجموعة، ومن ثم «القائمة السوداء» للاتحاد الأوروبي، وهي تصنيفات تخص تحركات البلدان التي تسجل أدنى مستويات الاستجابة لمتطلبات مكافحة الجريمة المالية.

وكان اسم الجزائر قد أُدرج، الصيف الماضي، ضمن «القائمة الرمادية»، التي تضم الدول ذات مستويات الامتثال المنخفضة، وقد تبنّتها المفوضية الأوروبية في يونيو (حزيران) 2025 لتقييم جهود الدول في هذا المجال.

إصلاحات هيكلية ورقابة صارمة

وفق تقرير «جافي»، تمثَّل أبرز «القفزات النوعية التي حققتها الجزائر» في تعزيز الرقابة القائمة على المخاطر، ولا سيما في القطاعات الحساسة، مثل البنوك وشركات المحاماة والتوثيق، وذلك عبر اعتماد أدلة توجيهية وإجراءات تفتيش صارمة، وفق التقرير، مع تطبيق عقوبات رادعة ومتناسبة.

من اجتماعات «مجموعة العمل المالي» بمقرها في باريس (جافي)

كما نجحت الجزائر في إرساء منظومة فعالة لجمع المعلومات حول «المستفيدين الحقيقيين» من الشركات والجمعيات والمؤسسات العمومية، مع تطوير آليات الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، وفق التقرير نفسه.

وعلى الصعيد التشريعي، أفاد التقرير بأن الإطار القانوني والمؤسساتي، المخصص للعقوبات المالية المستهدفة، «أظهر كفاءة عالية»، عقب تعديل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بداية 2023. وينص التعديل على منع الأشخاص أو الكيانات المتورطة في الإرهاب من ممارسة أنشطة معينة، وتجميد أو مصادرة أموالهم، وتعزيز التحقيقات المالية التي تُجريها الجهات المختصة.

كما تبنّت السلطات الجزائرية نهجاً متوازناً في الرقابة على المنظمات غير الهادفة للربح، يضمن حماية النظام المالي دون عرقلة أنشطتها المشروعة.

دور القطاع المصرفي

وفق تقرير «مجموعة العمل المالي»، تُشدد الجزائر على دور البنوك في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، استناداً إلى نظام بنك الجزائر، الصادر في 24 يوليو (تموز) 2024، والذي يُلزم البنوك والمؤسسات المالية، بما في ذلك «بريد الجزائر»، بتطبيق «واجب اليقظة» عبر برامج مكتوبة للوقاية، والكشف عن العمليات المشبوهة.

محافظ بنك الجزائر (البنك)

كما تؤكد لوائح بنك الجزائر المركزي، وفق التقرير نفسه، ضرورة اعتماد تدابير فعالة لـ«معرفة العميل»، مع تحديد مستوى هذه التدابير، بناء على تقييم فردي دقيق للمخاطر، يأخذ في الحسبان خصائص كل عميل وطبيعة معاملاته، بما يعزز حماية المنظومة المالية الوطنية من أي استغلال، أو اختراق غير قانوني.

وفي ختام اجتماعٍ لها عقدته في باريس بين 20 و25 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، رفعت «جافي» توصيات إلى الجزائر، شددت فيها على ضرورة استمرار الجهود لتعزيز تحديد المستفيدين الفعليين للشركات لضمان الشفافية، وتوسيع الرقابة على القطاع غير المالي، مثل المهن القانونية والعقارية والمحاسبية، وتحسين الشفافية في التحويلات المالية عبر الحدود، مع مراقبة التحويلات غير الرسمية، بالإضافة إلى متابعة «الكيانات عالية المخاطر»، وتطوير نظام الإشراف القائم على المخاطر والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

كما أعلنت المجموعة، في الاجتماع نفسه، شطب أربع دول أفريقية من «قائمتها الرمادية»، وهي جنوب أفريقيا ونيجيريا وموزمبيق وبوركينا فاسو، دون إضافة أي دولة جديدة إليها.

«الوداع الأخير» للسيولة

اتخذ «بنك الجزائر» خطوات متسارعة، في الأشهر الأخيرة، لتجهيز المنظومة المصرفية والمالية للانتقال نحو بيئة رقمية متكاملة؛ وهي الخطوة التي تهدف إلى تقليص دائرة الاقتصاد الموازي، وتعزيز موقف الجزائر في مساعيها للخروج من «القائمة الرمادية» للدول الأقل امتثالاً لمعايير مكافحة التدفقات المالية المشبوهة. تأتي هذه التحركات تنفيذاً لرؤية محافظ البنك المركزي، صلاح الدين طالب، التي كشف عنها في شهر أكتوبر الماضي، في تصريحات، لوكالة الأنباء الجزائرية.

رجال أعمال جزائريون في السجن بتهمة غسل أموال (الشرق الأوسط)

وفي أفقٍ لا يتجاوز ثلاث سنوات، تتطلع الجزائر لإعلان «الوداع الأخير» للسيولة الورقية في المبادلات التجارية، والتحول الكامل نحو نموذج «الصفر نقدي»، بحلول عام 2028. وأوضح طالب، في تصريحاته، أن القانون النقدي والمصرفي الجديد (صدر في يونيو «حزيران» 2023) يمثل «خريطة طريق» لتحديث النظام البنكي، ولا سيما من خلال «اللجنة الوطنية للدفع»، التي تضطلع بمهمة تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية للرقمنة الشاملة للمعاملات المالية».


مقالات ذات صلة

فرنسا ترفض الإفراج عن قنصلي جزائري يشتبه في تورطه في خطف ناشط بباريس

شمال افريقيا أمير بوخرص يعد من أشهر المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

فرنسا ترفض الإفراج عن قنصلي جزائري يشتبه في تورطه في خطف ناشط بباريس

رفض القضاء الفرنسي الإفراج عن مسؤول قنصلي جزائري موقوف بشبهة التورط في خطف المعارض والمؤثر أمير بوخرص، المعروف باسم «أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا أعضاء «سلطة الانتخابات» (سلطة الانتخابات)

معارضة الجزائر تعد عزوف الناخبين «إنذاراً جماعياً» للسلطة

احتجت قوى المعارضة في الجزائر على توجيه أصابع الاتهام إليها من طرف «سلطة الانتخابات» وقطاع من وسائل الإعلام، بشأن «مسؤولية» العزوف الكبير عن صناديق الاقتراع...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

صندوق النقد الدولي يشيد بخروج الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

«أصوات الموتى» تُشعل الطعون في «تشريعيات» الجزائر

بدأت الطعون في نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر تتقاطر، اليوم (الثلاثاء)، على المحكمة الدستورية، عقب 24 ساعة من إعلان «سلطة الانتخابات» النتائج المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا كريم خلفان الرئيس المؤقت للهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات يتحدّث خلال مؤتمر صحافي للإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية الجزائرية في العاصمة الجزائر - 6 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

«جبهة التحرير الوطني» تتصدر الانتخابات التشريعية في الجزائر

حصلت «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية على 90 مقعداً من أصل 407 في الانتخابات التشريعية التي شهدتها الجزائر فيما سجّلت نسبة المشاركة أرقاماً متدنية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
TT

عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)

قرر الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الخميس، العفو عن ناشطتين حقوقيتين تقبعان في السجن منذ أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن أدانتهما المحكمة بتهم، منها الإساءة لشخص رئيس الجمهورية.

شمل العفو الرئاسي كلاً من مريم الشيخ وقامو عاشور، وهما ناشطتان في حركة (إيرا) الحقوقية، دخلتا البرلمان الموريتاني في الانتخابات التشريعية الأخيرة (2023)، وقد اعتقلتهما الشرطة إثر ظهورهما في بث مباشر على منصة «فيسبوك» أوائل أبريل الماضي، تضمن عبارات وصفت بأنها «إساءة شخصية» للرئيس.

عفو الرئيس عن البرلمانيتين المسجونتين أثار جدلاً واسعاً في البلاد (الرئاسة)

ووجهت النيابة العامة إلى الناشطتين تهماً، من أبرزها «المساس بالرموز الوطنية عن قصد عبر وسائل التواصل الرقمي»، وحكمت الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية نواكشوط الغربية، في مايو (أيار) الماضي، بإدانة البرلمانيتين، وسجنهما أربع سنوات نافذة، لكن محكمة الاستئناف خففت، الأربعاء، الحكم إلى عامين نافذين، وأضافت حكماً بالمنع من الحقوق السياسية والمدنية خلال خمس سنوات، وهو ما يعني فقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، والحرمان من الترشح للانتخابات المقبلة (2028).

عفو ولكن!

ونص المرسوم الذي وقعه الرئيس الموريتاني على إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية الصادرة بحق الناشطتين، بالإضافة إلى إعفائهما من الغرامات والمصاريف القضائية، فيما قالت الرئاسة الموريتانية إن قرار العفو «يأتي تأكيداً لحرص رئيس الجمهورية على ترسيخ قيم التسامح والعفو، وتعزيز السكينة والانسجام الوطني».

وأضافت الرئاسة أن القرار «يندرج في إطار نهج الرئيس الرامي إلى توطيد الوحدة الوطنية، وتعميق روح المسؤولية والمواطنة، في ظل احترام دولة القانون، واستقلال السلطة القضائية ومؤسسات الجمهورية».

غير أن مرسوم العفو الرئاسي، الذي حظي بترحيب واسع من طرف الموريتانيين، سكت عن الشق المتعلق بالحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، وهو ما أكد خبراء ومحامون أنه يعني خروجه من العفو، وبالتالي تأكيد قرار المحكمة بفقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، وهو ما أثار الجدل.

مناورة سياسية

في المقابل، قوبل المرسوم الرئاسي بهجوم لاذع من قبل النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» الحقوقية، بيرام الداه اعبيد، الذي وصف قرار العفو بأنه مجرد «مخادعة، ومحاولة لتغليف الظلم الممارس بحق النائبتين من طرف القضاء».

بيرام ولد الداه ولد اعبيد (أ.ف.ب)

وقال ولد اعبيد: «العفو يكون بحق من أجرم، أما البرلمانيتان فلم ترتكب أي منهما جريمة لتنال العفو»، مضيفاً أن ولد الغزواني «لم يعفُ عن النائبتين، بل عفا عن نفسه وعما لحقه من عار بسبب سجنهما»، مشيراً إلى أنه لم يسبق لأي رئيس موريتاني أن سجن النساء.

وأكد ولد اعبيد أن الهدف من كل الإجراءات والمحاكمات هو منع الناشطتين من مقعديهما في البرلمان، وعبر عن رفضه لما قال إنه «تدخل الرئاسة من أجل تبييض الجرائم ضد المنتخبين وقلب الحقائق وتزويرها». ووصف العفو الرئاسي بأنه «تثبيت لحكم قضائي مرفوض أصلاً، ولا أساس له من الناحية القانونية».

لكن موقف ولد اعبيد واجه هو الآخر انتقادات حادة من الأوساط السياسية الموالية؛ حيث اعتبر النائب البرلماني السابق والمستشار المكلف بالاتصال في ديوان الوزير الأول الموريتاني، اباب ولد بنيوك، أن رفض قرار العفو والتقليل منه يكشف عن «غياب للحصافة السياسية والمرونة في التعاطي مع المبادرات الوطنية».

وأوضح ولد بنيوك أن ولد اعبيد «اختار تحويل المبادرة الرئاسية، التي نالت إشادة واسعة، إلى محطة جديدة للتصعيد وإذكاء الاحتقان، مغلّباً الخصومة السياسية على منطق الحكمة والمسؤولية»، على حد تعبيره.

ووصف ولد بنيوك تصريحات ولد اعبيد بأنها «خطاب تفرقي لا يخدم التماسك الوطني في بلد متعدد المكونات، يستحضر مفردات الفرز والتقسيم الفئوي والشرائحي، وتغذية مشاعر المظلومية»، مشيراً إلى أن «التجاوزات المتكررة للقانون والتحريض المستمر على المؤسسات من قِبل ولد اعبيد هما اللذان يؤديان إلى هذه الأزمات».

وخلص مستشار الوزير الأول إلى التأكيد بأن ولد الغزواني «يثبت قولاً وعملاً أن الوحدة الوطنية خيار استراتيجي لا يقبل المساومة».

عفو «سياسي»

من الناحية القانونية والدستورية، أثار المرسوم تساؤلات جوهرية حول طبيعة وتجزئة العقوبات؛ حيث أدلى الخبير القانوني والمحامي، محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم، بقراءة تحليلية للمرسوم، مستنداً إلى المادة الـ37 من الدستور الموريتاني التي تمنح رئيس الجمهورية حق العفو.

واجهة البرلمان الموريتاني (البرلمان)

ورأى الخبير القانوني أن الطابع السياسي للمرسوم غلب على حقيقته الدستورية، مشيراً إلى ما سماه «تجزئة العقوبة»، حيث أكد أن العفو «شمل إسقاط عقوبة الحبس والغرامات والمصاريف القضائية الزهيدة، لكنه استبقى عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية (لمدة 5 سنوات)».

وأوضح الخبير القانوني أن «الإبقاء على عقوبة الحرمان السياسي يسوغ حمله على أنه يخدم الأغلبية الحاكمة عبر إقصاء الخصوم، ومنع البرلمانيتين من ممارسة أنشطتهما العامة».

وأضاف الخبير ذاته أن حق العفو منحه الدستور للرئيس في إطار ما يسمى «سلطة الرحمة»، مشيراً إلى أن الإشكال الدستوري الذي يثير العفو الأخير هو استخدام سلطة الرحمة بصورة انتقائية لتحقيق مآرب سياسية، وهو ما اعتبر أنه يشكل «انحرافاً في استعمال السلطة الدستورية».


تجدد الصراع الأميركي - الإيراني يقلّص فرص نمو الاقتصاد المصري

سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
TT

تجدد الصراع الأميركي - الإيراني يقلّص فرص نمو الاقتصاد المصري

سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

يُقلص تجدد الصراع الأميركي - الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، فرص النمو الاقتصادي لمصر، مع الارتفاعات الجديدة المتوقعة في أسعار النفط عالمياً، في حين لا تزال قطاعات اقتصادية عدّة تعاني آثار شهور الحرب الماضية، وفق مختصين.

وخفض «صندوق النقد الدولي» في تقريره قبل أيام حول «آفاق الاقتصاد العالمي»، توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد المصري من 4.8 في المائة والتي صدرت في أبريل (نيسان) الماضي إلى 4.4 في المائة خلال العام المالي 2027 - 2026، وأرجع ذلك إلى «استمرار آثار الحرب الإيرانية، خصوصاً غلق مضيق هرمز، على الشرق الأوسط، وضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف التمويل، واستمرار حالة عدم اليقين».

الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، يرى أن «خفض معدل النمو ليس مقتصراً على مصر، بل يشمل الاقتصاد العالمي بوجه عام في ظل آثار الحرب، وهو أمر طبيعي ومتوقع».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفترة الحالية التي تتسم بالمناوشات بين الجانبين يمكن عدّها فترة تسويات، لتمرير النفط وتحجيم الارتفاعات الكبيرة في الغذاء وغيره من القطاعات»؛ ما ينذر - وفق النحاس - بـ«فترة أسوأ قادمة حال تجدد الحرب».

مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن«التوترات الجيوسياسية، هي السبب الرئيسي لتراجع معدلات النمو».

ويتحدث عن التحديات أمام الاقتصاد المصري في ظل هذه الأوضاع، قائلاً إنها تتمثل في «ارتفاع تكاليف التمويل (الاقتراض)، وإحجام البعض عن تقديم تمويلات جديدة، بالإضافة إلى تراجع الاستثمار الأجنبي، وركود القطاع الخاص، وخسائر قناة السويس».

وقدَّر الرئيس عبد الفتاح السيسي في وقت سابق خسائر قناة السويس بـ10 مليارات دولار، في ظل التوترات الإقليمية وتأثيرها على حركة الملاحة في البحر الأحمر.

ويشير الباحث في أسواق المال، إلى أن «استمرار الصراع خلال الفترة المقبلة سوف يضغط أكثر على الاقتصاد المصري»، ويقول: «عندما انخفضت أسعار النفط عالمياً إلى ما دون 70 دولاراً، لم تُخفض الحكومة المصرية الأسعار، لكن بمجرد أن بدأت أسعار النفط في الارتفاع مجدداً تجدد الحديث في البلاد عن التسعير التلقائي وضرورة رفع أسعار الوقود».

توترات المنطقة أثرت على إيرادات مصر من قناة السويس (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة في مارس (آذار) الماضي، عقب 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة.

ويخشى النحاس أن تعود أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع لأكثر من 100 دولار للبرميل في اليوم، خصوصاً وأنه «مُحدَّد في الموازنة العامة للدولة خلال العام المالي الحالي بنحو 75 دولاراً للبرميل». ويلفت إلى أن «أي زيادة سترفع فاتورة استيراده وتفاقم عجز الموازنة»، ويتخوف من أن يؤدي ذلك أيضاً إلى رفع أسعار الوقود مجدداً في البلاد ما يفاقم أزمة الغلاء.

وسجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي في يونيو (حزيران) الماضي، نحو 14.3 في المائة مقابل 14.6 في المائة في مايو (أيار).

لكن الخبير الاقتصادي يرى، أن «بعض القطاعات مثل قطاع السياحة، لديه فرص جيدة للنمو رغم تجدد الصراع الأميركي - الإيراني».


مصر لإسناد إدارة وتشغيل «مطار الغردقة» إلى القطاع الخاص

مطار الغردقة الدولي (صفحة المطار على «فيسبوك»)
مطار الغردقة الدولي (صفحة المطار على «فيسبوك»)
TT

مصر لإسناد إدارة وتشغيل «مطار الغردقة» إلى القطاع الخاص

مطار الغردقة الدولي (صفحة المطار على «فيسبوك»)
مطار الغردقة الدولي (صفحة المطار على «فيسبوك»)

في إطار اتجاه حكومي للارتقاء بمنظومة المطارات بالبلاد، تقترب مصر من «إسناد إدارة وتشغيل مطار الغردقة الدولي إلى القطاع الخاص». وأجرى وزير الطيران المدني سامح الحفني سلسلة اجتماعات لمتابعة اللمسات النهائية لبرنامج طرح إدارة وتشغيل المطار بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC).

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء»، الجمعة، فقد تناولت الاجتماعات استعراض الإجراءات النهائية لعملية الطرح بما يضمن تنفيذها وفق أعلى معايير الشفافية والتنافسية، لرفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمسافرين بما يتوافق مع أحدث الممارسات العالمية في مجال إدارة وتشغيل المطارات.

ويعد «مطار الغردقة» ثاني أكبر مطارات مصر من حيث عدد الركاب، واستقبل خلال السنة المالية 2024 - 2025 نحو 10.5 مليون مسافر بنسبة نمو بلغت 22 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب وزارة الطيران المدني.

وأكد الحفني أن «الوزارة تمضي في تنفيذ رؤية متكاملة لتطوير منظومة المطارات ترتكز على تطبيق نماذج تشغيل حديثة، والاستفادة من الخبرات الدولية، ونقلها إلى الكوادر الوطنية بما يرتقي بجودة الخدمات ويزيد الطاقة الاستيعابية للمطارات، لمواكبة النمو المتسارع في حركة النقل الجوي والسياحة».

ويوجد في مصر 23 مطاراً، وتستهدف الحكومة زيادة طاقاتها الاستيعابية من 66.2 مليون راكب سنوياً إلى 109.2 مليون بحلول 2030، وفق البيانات الرسمية.

مصطفى مدبولي خلال ترؤس اجتماع مجلس الوزراء المصري الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وبحسب تفسير الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن «الدولة ترغب أن يكون هناك شراكة استراتيجية في المشروعات القومية، ومنها المطارات؛ لذا تقدم تسهيلات للمستثمرين في ذلك».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه يُقصد من طرح المطارات لإدارة وتشغيل القطاع الخاص، أن «يكون للمستثمر حق الإدارة والرؤية الاستثمارية الخاصة به مثلاً في خلال مدة معينة 10 أو 15 سنة، ويكون هناك جزء إداري للحكومة مسؤولة عنه مثل الإجراءات الأمنية في المطار، وغير ذلك».

ويتابع أن «المستثمر يستطيع إضافة نشاطات وخطوط طيران جديدة وعمل رحلات (شارتر) أو رحلات قصيرة المدة، بحيث يستفيد من فترة إدارته المطار في زيادة حركة الطيران والنقل، وذلك بسبب خلفيته المميزة في إدارة المطارات بالخارج».

ووفق وزير الطيران المدني، يوم الجمعة، فإن برنامج إسناد إدارة وتشغيل «مطار الغردقة» إلى القطاع الخاص يُجسّد توجّه الدولة نحو تعزيز مشاركة القطاع الخاص باعتباره شريكاً رئيسياً في تحقيق التنمية، من خلال نماذج تشغيل احترافية تسهم في تعظيم كفاءة إدارة الأصول، وتعزيز العائد الاقتصادي، ودعم استدامة تطوير قطاع الطيران المدني.

كما يؤكد في الوقت ذاته «الالتزام الكامل بالحفاظ على ملكية الدولة للمطارات وسيادتها على جميع أصولها باعتبارها أحد الثوابت الوطنية».

جانب من مطار الغردقة الدولي (صفحة المطار على «فيسبوك»)

وتنفي الحكومة بشكل متكرر «بيع المطارات»، وتشير إلى أنه «سيتم إسناد إدارتها وتشغيلها للقطاع الخاص». وقالت في مارس (آذار) 2025 إن «القطاع الخاص هو الأجدر في إدارة وتشغيل المشروعات والمرافق المختلفة، بما يُسهم في جذب مزيد من الاستثمارات، وتعظيم العائد الاقتصادي في مجال النقل الجوي».

ويوضح الوزير الحفني أن برنامج الإسناد يسير وفق الجدول الزمني المحدد تمهيداً للانتقال إلى مراحله التنفيذية المقبلة، ويشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استكمال عدد من الإجراءات التنفيذية، بما يعزز تنافسية المطارات المصرية، ويدعم مكانتها كمحاور إقليمية للنقل الجوي، ويسهم في تحقيق مستهدفات «رؤية مصر 2030»، ودعم النمو المستدام لقطاعَي الطيران والسياحة.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها من أهم مصادر الدخل القومي. وأعلنت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي تحقيق نمو شهري في مجال السياحة بنسبة 20 في المائة منذ بداية العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وكان وزير الطيران المدني قد أعلن في سبتمبر (أيلول) الماضي اعتزام الحكومة طرح 11 مطاراً أمام القطاع الخاص، ضمن خطة للتوسع في «تخصيص» إدارة المنافذ الجوية، من بينها مطارات «شرم الشيخ»، و«الغردقة»، و«الأقصر»، و«أسوان»، مؤكداً حينها أن «مطار القاهرة» يحتاج طرحاً استثمارياً مختلفاً؛ نظراً لخصوصيته ومحوريته في حركة النقل الجوي.

ويرى الخبير الاقتصادي بدرة أن «قيام القطاع الخاص بالإدارة والتشغيل سوف يعزز تجربة السفر، ويقدم خدمات للمسافرين؛ لأن المستثمر سوف يقوم بعمل توسعات في المطار لاستيعاب أكبر عدد من الرحلات، ويعقد اتفاقات مع شركات السياحة، مما يحقق زيادة الدخل».

ويلفت إلى أن «هذا الاتجاه الحكومي سوف يخدم الموازنة العامة للدولة، وسيفيد شركات الطيران بسبب زيادة عدد الطائرات، فتحقق أرباحاً وإيرادات أكثر، فضلاً عن أن المسافر أو السائح سوف يحصل على رحلة سفر أفضل، مما يدعم زيادة الحركة السياحية».

وتحدث مراقبون عن أن «سعي الحكومة لمضاعفة عدد السياح يستوجب التوسع في عديد من المطارات عبر المشروعات لتسهيل حركتَي الوصول والمغادرة منها».

واستقبل مطار الغردقة خلال أحد أيام شهر أبريل (نيسان) الماضي «نحو 32 ألف سائح أجنبي على متن 159 رحلة طيران دولية قادمة من مختلف الأسواق السياحية»، وفق «الطيران المدني».