الجزائر وفرنسا تفتحان مجدداً باب إعادة «تطبيع» علاقاتهما الثنائية المضطربة

قلق من الجانبين إزاء احتمال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة العام المقبل بفرنسا

اجتماع الوفدين الجزائري والفرنسي يوم الاثنين بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)
اجتماع الوفدين الجزائري والفرنسي يوم الاثنين بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)
TT

الجزائر وفرنسا تفتحان مجدداً باب إعادة «تطبيع» علاقاتهما الثنائية المضطربة

اجتماع الوفدين الجزائري والفرنسي يوم الاثنين بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)
اجتماع الوفدين الجزائري والفرنسي يوم الاثنين بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)

قد يكون من المبكر الحكم على النتائج التي أفضت إليها زيارة اليومين (الاثنين والثلاثاء)، التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر بدعوة من نظيره سعيد سعيود. إلا أن الثابت، وفق القراءة الفرنسية، أنها «فتحت كوة في حائط العلاقات الثنائية بين البلدين»، التي وصلت خلال العام الماضي إلى أسوأ حقباتها.

محاولة إعادة «تطبيع» العلاقات

ثمة ثلاثة عوامل رئيسية أسهمت في «استرخائها»: الأول رحيل برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليمين الفرنسي عن حكومة سيباستيان لوكورنو. والسبب أن روتايو، وفق أكثر من مصدر في باريس «جعل من العلاقات مع الجزائر حصاناً انتخابياً؛ لأنه أراد الظهور بمظهر الشخصية الحديدية، التي لا تنحني أمام مطالب الجزائر، وتريد تطبيق مبدأ السيادة الفرنسية» في المسائل المتنازع عليها بين الجانبين.

وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز خلال الاجتماع الذي ضمه في الجزائر يوم الاثنين مع نظيره الجزائري سعيد صعيود (أ.ف.ب)

وروتايو الذي أعلن ترشحه مؤخراً لمنصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة ربيع عام 2027، يمثل الجناح المتشدد في حزبه. وخلال فترته الوزارية، دعا علناً إلى اتباع نهج «لي الذراعّ مع الجزائر في مسائل الهجرات، واستعادة الجزائر مواطنيها الذين يفقدون حقهم في البقاء على الأراضي الفرنسية، وإعادة النظر بالاتفاقيات المبرمة بين فرنسا والجزائر منذ الحقبة التي أعقبت استقلال الجزائر في ستينات القرن الماضي».

ويتمثل العامل الرئيسي الثاني في وصول نونيز إلى وزارة الداخلية؛ إذ إنه، من جهة، نقيض سلفه، ويحرص على البقاء في الإطار التقني لوزارته فيما يخص الملفات العالقة مع الجزائر. ومن جهة ثانية، فإن نونيز، وبفضل المناصب السابقة التي تولاها (مدير الإدارة العامة للأمن الداخلي، أي المخابرات الداخلية ومنسق الأجهزة المخابراتية بين عامي 2020 و2022، ومحافظ العاصمة والمسؤول الأمني الأول فيها...). وبفضل هذه المهمات؛ كان نونيز على تواصل دائم مع نظرائه الجزائريين.

أما العامل الثالث، فهو أن فرنسا في حاجة إلى الجزائر والعكس صحيح. وتتناول المصالح المشتركة المجال الأمني الخارجي (الوضع في بلدان الساحل، حيث مصالح البلدين مهددة)، والملف الديبلوماسي (فرنسا طرف رئيسي في الاتحاد الأوروبي، ويمكنها الدفع بالملفات التي تخص الجزائر إلى الأمام. كما أن باريس في حاجة إلى الجزائر ليبقى لها حضور وازن في المغرب العربي ومنطقة الساحل).

وفي المجال الاقتصادي، هناك (الغاز، القمح، الاستثمارات، البنوك، صناعة السيارات، الطاقة، والمبادلات التجارية...). وفضلاً عن ذلك، لا يمكن القفز فوق الحضور الإنساني المتبادل للجانبين، وضرورة تطبيع الأمور اليومية، مثل منح التأشيرات أو التعاون الأمني، خصوصاً في ملفات محاربة الإرهاب، واستعادة الجزائر مواطنيها ومحاربة التهريب والمهربين.

وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (يمين) يتجول في مدينة مرسيليا بمعية وزير الإسكان فإنسان جونبران 13 الحالي (أ.ف.ب)

ثمة قناعة متجذرة في باريس تفيد بأن النتائج التي حققتها زيارة نونيز لن تعيد العلاقات بين الدولتين إلى عصرها الذهبي، أو حتى للأجواء التي سادت إبان زيارة الدولة التي قام بها الرئيس ماكرون إلى الجزائر صيف 2022؛ ذلك أن الصدمة التي أحدثتها رسالة ماكرون إلى العاهل المغربي نهاية يوليو (تموز) من عام 2024، والتي اعترف فيها بالسيادة المغربية على الصحراء لم تمح من أذهان القيادة الجزائرية، التي رأت فيها تخلي فرنسا عن مواقف باريس التقليدية إزاء ملف الصحراء، والتزامها بما تقوله الأمم المتحدة.

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال (رويترز)

بيد أن الجزائر، وكما تقول مصادر فرنسية، تعي أن ماكرون لم يعد بإمكانه التراجع عن خطوته. ومن هنا؛ فالبحث بين الطرفين عن كيفية تطويق تبعاتها، خصوصاً وأن ما أقدمت عليه باريس يندرج في السياق «الأكثري» للمواقف الدولية إزاء هذا الملف. وبكلام آخر، فإن الجزائر راغبة في تخطي مفاعيل هذه الأزمة، وتريد من باريس أن توفر لها الحجج والمعطيات لتسهيل عملية إعادة التطبيع بين الجانبين. والحال، أن عامي 2024 و2025 شهدا تصعيداً للمواقف، ومبادرات «عدائية» متبادلة، تمثلت في استدعاء السفيرين المعتمدين، وطرد ديبلوماسيين والتهديد بإلغاء اتفاقيات سابقة، والتضييق على الحاملين للجوازات الديبلوماسية، ثم اعتقال الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، وبعده على الصحافي الرياضي كريستفر غليز.

* ذوبان جليد العلاقات

مع انطلاق عام 2026، بدأت معالم ذوبان الجليد بين الطرفين، وأفضل مؤشر على ذلك العفو الذي أصدره الرئيس عبد المجيد تبون عن صنصال بفضل الوساطة الألمانية، التي رأت فيها باريس مؤشراً على رغبة الجزائر في التقارب مجدداً معها. وثمة معلومات متداولة فرنسيا تفيد أن الصحافي غليز الذي قضت محكمة الاستئناف بسجنه لسبع سنوات يمكن أن يصدر أيضاً عفو رئاسي عنه، بعد أن تبت محكمة التمييز في الأمر، وتصدر حكمها النهائي بحقه. وبعدها يستطيع الرئيس تبون إصدار عفو رئاسي عنه. كما أن هناك مؤشراً آخر على الرغبة التصالحية من الجانب الجزائري؛ إذ إن الجزائر عمدت مؤخراً إلى شراء كميات من القمح الفرنسي بعد أن قاطعته في العامين السابقين.

يعدّ توصل البلدين إلى اتفاق أمني يقضي، وفق نونيز، بـ«إعادة تشغيل آلية تعاون أمني رفيعة المستوى للغاية» أمراً بالغ الأهمية، بالنظر إلى تداعياته الداخلية في فرنسا، وإمكانية استغلاله في النقاش السياسي الداخلي. فالبلاد قادمة على انتخابات بلدية الشهر المقبل، والأهم على الانتخابات الرئاسية ربيع عام 2027. ولا شك أن السلطات الجزائرية تراقب من كثب الميزان السياسي الداخلي في فرنسا، والتقدم الكبير الذي حققه اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، الذي يقوده الثنائي مارين لوبن وجوردان بارديلا. وتبين استطلاعات الرأي بصورة متواترة تقدمهما الكبير على منافسيهما؛ ما يعني أنه لم يعد من المستبعد أن يصل اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا عبر صناديق الاقتراع. ويعرف الجزائريون برنامج «التجمع الوطني» إزاء الهجرات والإرهاب والإسلام وأيضاً إزاء العلاقات مع الجزائر.

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

يقول المثل الشائع إن طائر السنونو وحده لا يحمل الربيع، وهذا المثل يصح على العلاقات المعقدة بين باريس والجزائر التي تتخطى الثنائية لتصبح علاقات مثلثة مع المغرب. ومن المتعارف عليه أن التقدم الذي تحقق خلال زيارة نونيز لن يحل المشاكل الصعبة كافة بين البلدين (ملفات الذاكرة وتعويضات التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، والهجرات والأصول التي تشغلها باريس في الجزائر...). إلا أنها تبقى خطوة مهمة تفتح الباب لخطوات لاحقة، تدفع إليه بقوة ضرورة العمل المشترك بين الطرفين لمواجهة الأزمات التي تهددهما معاً.


مقالات ذات صلة

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المنتخب الجزائري للسيدات (منصة إكس)

الجزائر إلى مونديال السيدات للمرة الأولى بعد بلوغ نصف نهائي كأس أفريقيا

ضَمِن المنتخب الجزائري للسيدات تأهله إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما بلغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المقامة في المغرب.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية تُقيم في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مُسجَّل عليه عدد من خطوط الهاتف الجوال (الشرائح) التي لا تعلم عنها شيئاً، ما دفعها إلى توكيل المحامي حسن شومان لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقّب هذه الأرقام، تجنباً لتورطها في أي مشكلة أو مسؤولية قانونية بسببها.

ويؤكد شومان لـ«الشرق الأوسط» أنه بمجرد حصوله على التوكيل الذي ستُحرره سمر في السفارة المصرية بكندا سيتوجه إلى فرع شركة الجوال لتوقيع إنكار ملكية، ثم يحرر محضراً في قسم الشرطة لحماية موكلته من التورط في أي جريمة من الممكن ارتكابها بهذه الخطوط.

ورغم ما حققته أزمة خطوط الجوال الأخيرة من قلق وارتباك لدى المصريين في الداخل، فقد حققت أضعاف ذلك للمصريين بالخارج، ممن قد يتعرض أحدهم للتوقيف في المطار بسبب حكم في جريمة لا يعلم عنها شيئاً.

ويزيد من صعوبة موقف المغتربين، عجز الكثيرين منهم عن مجرد الاستعلام عن هذه الخطوط، إذ يتطلب أبلكيشن «ماي نترا»، التابع لـ«الجهاز القومي للاتصالات»، رقماً مصرياً، يتم عبره إرسال رقم سري لاستكمال خطوات التسجيل، وهو ما فشل أحمد إبراهيم، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، فيه.

ويقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إنه تابع ما حدث مع المصري عمرو عمارة بقلق، وحاول الاستعلام وحمّل التطبيق، لكنه لا يملك خطّاً مصرياً، إذ إنه مغترب منذ 10 سنوات وخطه القديم جرى إيقافه.

وعمارة، هو طالب مصري جامعي، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة تستخدم خطاً مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدّم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجّلت خطاً باسمه، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل إلى هذه العصابة.

وأضاف إبراهيم، الذي يعمل في المجال الطبي، أنه لم يكن يستطيع أن يأخذ أي رد فعل فوري لو اكتشف تسجيل خطوط باسمه، مضيفاً: «توكيل المحامي يحتاج للذهاب إلى السفارة، ومواعيد عملها تتعارض مع مواعيد عملي».

مصريات في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وواجهت السيدة المصرية المقيمة في كندا مشكلة إبراهيم نفسها، ويوضح محاميها شومان، أنه «لم يكن لديها خط مصري يعمل حتى تستعلم من خلاله عن الأرقام المرتبطة برقم هويتها، فلجأت إلى حيلة بإدخال رقم والدتها المصري، وتمكنت في النهاية من التسجيل»، لافتاً إلى أن «هذه المشكلة تواجه كثيراً من المصريين في الخارج، وعلى (الجهاز القومي للاتصالات) الانتباه لها وحلها، بأن يكون التسجيل مقصوراً على الرقم القومي فقط».

ورأى وكيل نقابة المحامين سابقاً، مجدي سخي، أن حالة الإرباك التي يعيشها المصريون في الخارج هي جزء من الأزمة، مضيفاً: «إذا كان مصريو الداخل لا يعلمون الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها تجاه هذه الأزمة، فما بالنا بالخارج»، ناصحاً كل من وجد خطوطاً دون علمه فعليه توكيل محامٍ يتحرك نيابة عنه في الإجراءات.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف الجوالة الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

وتلقى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق ما أوضحه المتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم، في تصريحات إعلامية.

وبينما يحاول المصريون في الخارج الوصول إلى الأرقام المسجلة بأسمائهم، يتخوف جزء آخر منهم من أن الأزمة الأخيرة سيترتب عليها تحديث للبيانات يستوجب وجود صاحب الخط بنفسه، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه، ما قد يعرض خطوطهم المصرية للوقف رغم ما ترتبط به من حسابات ومعاملات، مطالبين عبر «السوشيال ميديا» بوضع حالاتهم في الحسبان، وإتاحة وسائل للتحقق وتقديم الشكاوى عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.


انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
TT

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه». مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

صراف ليبي خلال معاملة مالية مع أحد الزبائن في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب (إعلام المجلس)

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.


«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
TT

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال وما يتعرضون له من ظروف قاسية في أثناء العمل، في ظل تجاهل قوانين تحظر عملهم.

وأسفر الحادث عن وفاة 18 شخصاً وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 أعوام و50 عاماً، وأظهرت التحقيقات أن سبب الحادث يعود إلى «انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى»، وفق بيان للنيابة العامة المصرية، الأربعاء.

وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، وبينهم أطفال، في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية، حيث كانوا يستقلون شاحنات صغيرة مكتظة، دائماً ما تستخدم لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر.

وقالت جومانة وليد البالغة 16 عاماً، والتي نجت من الحادث، إن آخر ما قالته شقيقتها التي توفيت متأثرة بإصابتها هو: «أريد أن أرى أمي»، ولفتت إلى أنها كانت مرهقة ونائمة؛ «لأننا نستيقظ كل يوم في الساعة الخامسة صباحاً من أجل العمل». وأضافت: «لم أشعر بأي شيء حتى انقلبت الشاحنة»، وفق تصريحات أدلت بها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعرّضت عائلة مصرية إلى مأساة قاسية بعد أن فقدت 7 من أبنائها في الحادث، وأعلنت «عائلة الداؤدي» عبر «فيسبوك» وفاة 7 من أبنائها، بينهم أشقاء، مع تشييع جثامينهم في الساعات الأولى من صباح الأربعاء.

ويُظهر آخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.

كما تُقدّر منظمة «اليونيسيف»، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر، بنحو 6.6 مليون طفل.

ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67 في المائة من إجمال الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق «منظمة العمل الدولية». فيما تشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 63 في المائة من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعاني من ضعف الرقابة.

محافظ الإسماعيلية يطمئن على أحد المصابين (محافظة الإسماعيلية)

ورغم أن الحكومة المصرية أقرت في مطلع عام 2025، قانوناً جديداً للعمل يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، فإن أحمد مصيلحي، محامي ورئيس «شبكة الدفاع عن الطفل»، قال: «إن بيئة العمل ما زالت تجذب الأطفال، وأن الاعتماد فقط على تطبيق القانون دون وجود منظومة متكاملة تقوض دوافع الأسر للموافقة على عمل أبنائهم في سن صغيرة، يبقى بلا نتائج مرجوة على الأرض».

ويسمح قانون العمل المصري للأطفال التدريب من سن 14، ويمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة.

ويشير مصيلحي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من القوانين التي يتم إقرارها، لا تؤدي لمنع الجريمة، وهو أمر ينعكس على أوضاع عمالة الأطفال في مصر، مضيفاً: «رغم أن قانون الطفل وضع آليات واضحة لحماية الأطفال من استغلال سوق العمل، فإن الأزمة تبقى في التطبيق؛ إذ إنه أقر بتشكيل لجان فرعية في كل مركز شرطة، دورها حماية الطفل من أي مخاطر، بالإضافة إلى دعم اجتماعي ومادي للأسر التي فقدت من يعولها».

وأكد أن تنفيذ القوانين المنظمة لعمل الأطفال يتطلب مشاركة متكاملة من عدة وزارات، أبرزها «التضامن الاجتماعي» لتقديم الدعم المالي، ويكون ذلك بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز دور وزارة التربية والتعليم في منع التسرب التعليمي، وتوفير بيئة تعليمية ملائمة تجذب الطلاب إلى المدرسة، وكذلك تعزيز دور مراكز الشباب لتوعية الأطفال وإتاحة ممارسة أنشطة مفيدة لهم.

ويُرجع الخبراء أسباب عمالة الأطفال في مصر إلى عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى، إلى جانب موروثات ثقافية ترى في عمل الطفل دعماً ضرورياً للأسرة.

سيارة تقل جثامين ضحايا حادث الإسماعيلية (وزارة الصحة)

واعتبر حزب «العدل» المعارض أن «حادث الإسماعيلية تحول من مجرد ملف يتعلق بسلامة الطرق، إلى أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية متكاملة»، مشيراً إلى أن «طفلاً في الثالثة عشرة من عمره لا يفترض أن يكون على متن سيارة لنقل العمال في السادسة صباحاً، وإنما مكانه الطبيعي في المدرسة أو المنزل أو أحد مراكز الشباب المناسبة لسنه».

وأوضح أن «وجود الأطفال داخل سيارات نقل العمال لا يمكن اعتباره مجرد اختيار فردي للأسر، وإنما انعكاس لظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها بعض الأسر، وأن الحادث لا يمكن فصله عن ارتفاع الأسعار وتآكل القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة».

وطالب «الاتحاد العام لنقابات عمال مصر» «بتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، ومراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة ونقل العمال، والتأكد من عدم وجود أطفال دون السن القانونية بين العاملين في مواقع العمل أو وسائل نقل العمال» .