مايك هاكابي... سفير أميركا لدى إسرائيل «توراتي» ينكر وجود الشعب الفلسطيني

حضّ ترمب على دعم الحرب ضد إيران لتغيير وجه الشرق الأوسط

مايك هاكابي
مايك هاكابي
TT

مايك هاكابي... سفير أميركا لدى إسرائيل «توراتي» ينكر وجود الشعب الفلسطيني

مايك هاكابي
مايك هاكابي

كان من الممكن لسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، أن يكون دبلوماسياً عادياً، بالكاد تحدث تصريحاته السياسية أثراً مهماً أو تلعب دوراً في كشف سياسات بلاده الخارجية، خصوصاً في أوقات الأزمات. لكن من يتابع صعود مسيرته وجذوره السياسية، يعثر على الأسباب التي دفعت به إلى واجهة الأحداث في خضم الحرب الإسرائيلية المندلعة مع إيران. فالجانب «التوراتي» في الرسالة الأخيرة التي وجهها هاكابي إلى الرئيس دونالد ترمب، لا يختصر أسباب صعوده إلى دائرة الضوء فقط، بل يكمن أيضاً في مجمل أفكاره التي أدت إلى اختياره سفيراً لدى إسرائيل في هذه المرحلة بالذات. وهي أفكار أقل ما يقال فيها إنها تحمل حقيقة رؤيته إلى معنى وجود دولة إسرائيل انطلاقاً من إيمانه بآيديولوجيا إنجيلية طهرانية، تدعو لتوفير الظروف المادية والتاريخية المواتية، تمهيداً لعودة ظهور «مسيح مخلص» على أرضها.

قبل تعيين مايك هاكابي سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل، تكلم صراحةً عن أن واشنطن ستُحدث تغييرات في الشرق الأوسط ذات «أبعاد توراتية»، معرباً عن دعمه خطة تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة.

الرجل معروف منذ زمن طويل بأنه أحد أعتى مؤيدي إسرائيل، وداعمي الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويكرّر أنه «لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية، بل هناك (يهودا والسامرة) - التسمية اليهودية التوراتية للضفة الغربية - ولا يوجد شيء اسمه استيطان غير قانوني، بل هناك مجتمعات وأحياء ومدن».

وبالفعل، يُعد هاكابي صهيونياً مسيحياً مُخلصاً، يعتبر من منطلق توراتي أن أرض إسرائيل «ملك للشعب اليهودي»، وكثيراً ما كان يُرشد الحجاج المسيحيين إلى إسرائيل منذ ثمانينات القرن الماضي. ومع ذلك، تتجنّب رحلات الحج التي كان يقودها زيارة مدينة بيت لحم، مسقط رأس المسيح (ع)، التي يسكنها الفلسطينيون بالكامل تقريباً.

أما إسرائيل الحديثة فقد وصفها هاكابي بـ«عظام يابسة تجسّدت»، مُنكراً وجود شعب فلسطيني، معارضاً قيام الدولة الفلسطينية، ورافضاً الهوية الفلسطينية بزعم أنها «أداة سياسية لمحاولة إجبار إسرائيل على التخلي عن الأرض»، ولذا دعم بشدة حربها ضد «حماس». وفي مطلع يونيو (حزيران) 2025، قال إنه إذا كانت فرنسا تريد دولة فلسطينية، فيتعين عليها أن «تنحتها» في الريفييرا الفرنسية.

رسالته لترمب

مع بدء إسرائيل حملتها العسكرية ضد إيران، وتصاعد الحديث عن وجود «وجهات نظر» مختلفة في إدارة ترمب، حول طبيعة «التورط» المقبول أميركياً في هذه المواجهة، وجه هاكابي رسالة إلى ترمب، حثّه فيها على «مشاركة» إسرائيل في حربها على إيران. وعُدّت رسالته غطاءً وتوجيهاً سياسياً للقاعدة الإيفانجيلية الكبيرة من أنصار «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة) الداعمة للرئيس، وتبريراً آيديولوجياً لهذا التدخل في مواجهة «الانعزاليين» الذين يفضلون شعار «أميركا أولاً».

في هذه الرسالة التي نشرها الرئيس ترمب على موقعه «تروث سوشيال»، ونشرها كذلك موقع البيت الأبيض، كتب هاكابي: «سيدي الرئيس، لقد نجاك الله (من محاولة الاغتيال) في بتلر، ببنسلفانيا، لتكون الرئيس الأكثر تأثيراً خلال قرن، وربما في التاريخ كله. لا أريد أن يتّخذ أحدٌ غيرك القرارات التي تقع على عاتقك. لديك أصواتٌ كثيرة تُخاطبك يا سيدي، لكن صوتاً واحداً فقط هو المهم: صوته (الله)».

وأضاف: «أنا خادمك المُعيّن في هذه الأرض، ومتاحٌ لك، لكنني لا أحاول أن أكون في حضرتك كثيراً لأني أثق بحدسك». ثم تابع: «لم يكن أي رئيس في حياتي في وضعٍ مثل وضعك. ولا حتى منذ (الرئيس) ترومان عام 1945. لا أسعى لإقناعك، بل لتشجيعك فقط. أعتقد أنك ستسمع من السماء، وهذا الصوت أهم بكثير من صوتي أو صوت أي شخص آخر. لقد أرسلتني إلى إسرائيل لأكون عينيك وأذنك وصوتك، ولأضمن أن علمنا يرفرف فوق سفارتنا. مهمتي هي أن أكون آخر مَن يغادر». وختم بالقول: «لن أتخلى عن هذا المنصب. عَلَمنا لن يُنزل! لم تسعَ إلى هذه اللحظة. هذه اللحظة سعت إليك! إنه لشرفٌ لي أن أخدمك!».

وبعد قليل، شاركت ابنته سارة ساندرز، حاكمة ولاية أركنسو، التي شغلت سابقاً منصب الناطقة باسم البيت الأبيض في عهد ترمب الأول، رسالته على حسابها على منصة «إكس» مع تعليق: «أبي رائع! أحبك وفخورة بك!».

بطاقة هوية

ولد هاكابي يوم 24 أغسطس (آب) 1955 في مدينة هوب الصغيرة بولاية أركنسو، وهي أيضاً مسقط رأس الرئيس الأسبق بيل كلينتون.

والداه دورسي وايلز هاكابي ووالدته ماي (إلدر) هاكابي، كانا من الديمقراطيين الجنوبيين المحافظين. وهو من أصول إنجليزية وألمانية واسكوتلندية وآيرلندية، وتعود جذوره في أميركا إلى الحقبة الاستعمارية. أيضاً لديه أخت واحدة، اسمها بات، وهي معلمة في المدرسة الإعدادية.

هاكابي يستشهد بنشأته في الطبقة العاملة كسببٍ لآرائه السياسية؛ إذ عمل والده إطفائياً وميكانيكياً، وأمه موظفة في شركة غاز. وكانت وظيفته الأولى، في سن الرابعة عشرة من عمره، في محطة إذاعية، حيث كان يقرأ الأخبار والطقس.

هاكابي كان أول ذكور أسرته يُنهي دراسته الثانوية، ولقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الطلاب في مدرسته الثانوية خلال العام الدراسي 1971 - 1972، ثم رئيساً للمجلس في العام التالي. وعام 1972 التحق بالهيئة الكنسية في كنيسة غاريت التذكارية المعمدانية في هوب.

في مايو (أيار) 1974، تزوّج هاكابي من جانيت ماكين، وعام 1975 تخرّج في جامعة أواتشيتا المعمدانية في أركادلفيا بأركنسو. وعام 1980 حصل على درجة الماجستير من المعهد اللاهوتي المعمداني الجنوبي الغربي في فورت وورث بولاية تكساس، ثم أصبح قسّاً معمدانياً مُرسَّماً، وقضى العقد التالي قسيساً في كنائس مختلفة أركنسو، ومديراً تنفيذياً في شركات إعلامية مسيحية محلية.

نشاطه السياسي

تزايد اهتمام مايك هاكابي بالعمل السياسي، منذ عام 1989، عندما انتُخب رئيساً لمؤتمر المعمدانيين في أركنسو. وعام 1992 حاول الترشح لمنصب سياسي، لكنه خسر معركته لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي. ولكن في العام التالي، فاز في انتخابات خاصة لشغل منصب نائب حاكم أركنسو الشاغر، إثر تولّي الديمقراطي جيم جاي تاكر، منصب الحاكم في أعقاب فوز بيل كلينتون الذي كان - إذ ذاك - حاكماً للولاية بالرئاسة الأميركية.

غير أن استقالة تاكر عام 1996 إثر إدانته بالاحتيال، جعلت هاكابي ثالث حاكم جمهوري لأركنسو منذ «مرحلة إعادة الإعمار (بعد الحرب الأهلية)» (1865 - 1877). وأُعيد انتخابه لولاية كاملة عامي 1998 و2002. وبصفته حاكماً، أجرى هاكابي تغييرات واسعة النطاق في نظام الرعاية الصحية بالولاية، وبرامج التعليم، والسياسات البيئية.

وبعدما أمضى هاكابي الحد الأقصى للولاية، وهو فترتان متتاليتان كل منهما أربع سنوات، انتهت فترة حاكميته عام 2007. وكان عام 2004 قد لفت الانتباه وطنياً على سيرته الشخصية، بعد فقده أكثر من 50 كيلوغراماً من وزنه إثر تشخيص إصابته بمرض السكري. ووثّق فقدانه للوزن في كتاب أصدره عام 2005 «توقف عن حفر قبرك بالسكين والشوكة: برنامج من 12 نقطة لإنهاء العادات السيئة وبدء نمط حياة صحي».

ومن بين كتب هاكابي الأخرى التي عكست آراءه الجمهورية اليمينية المتشددة «الشخصية هي القضية: كيف يمكن للأشخاص ذوي النزاهة إحداث ثورة في أميركا؟» (1997)، و«من الأمل إلى أرض أعلى: 12 خطوة لاستعادة عظمة أميركا» (2007)، و«الله والبنادق والحصى والمرق» (2015)، و«الثلاثة التي جعلت أميركا عظيمة: المسيحية والرأسمالية والدستور» الذي كتبه عام 2020 بالشراكة مع ستيف فيزيل.

خوضه الانتخابات الرئاسية

عام 2007، رشح مايك هاكابي نفسه للرئاسة في انتخابات 2008. وركّز برنامج حملته الانتخابية على تغيير مناهج التعليم، وإلغاء الضرائب الفيدرالية على الدخل والرواتب لصالح ضريبة مبيعات وطنية ثابتة، ومعارضة حقوق الإجهاض.

ومع أنه كان يُنظر إليه في البداية على أنه مرشح ضعيف الفرص، تلقت حملته دفعة قوية، أثر تصدّره الانتخابات التمهيدية للجمهوريين بولاية أيوا في مواجهة السيناتور الراحل جون ماكين. ومع أن هاكابي حافظ على المركز الثالث في معظم استطلاعات الرأي الوطنية، وتحقيقه انتصارات غير متوقعة في عدد من الولايات الجنوبية في انتخابات «يوم الثلاثاء الكبير»، لم يكن ذلك كافياً لهزيمة ماكين الذي انتزع بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري في مواجهة المرشح الديمقراطي باراك أوباما.

وفي ذلك العام، ألقى هاكابي خطاباً في المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2008، قال فيه: «أقول بصدق إنني أكنّ احتراماً كبيراً للإنجاز التاريخي الذي حققه السيناتور أوباما بترشيح حزبه، ليس بسبب لونه، بل لقلة اكتراثه به. وبغض النظر عن الحزب أو السياسة، فإننا نحتفل بهذا الإنجاز لأنه يرفع شأن بلدنا».

عودة للإعلام «التبشيري»

لاحقاً، أصبح هاكابي مساهماً في قناة «فوكس نيوز» اليمينية، وعُرض برنامجه الذي يحمل اسمه على تلك القناة عام 2008. وفي العام التالي، بدأ أيضاً بتقديم البرنامج الإذاعي «تقرير هاكابي»، وأطلق برنامجاً إذاعياً آخر خلال عام 2012.

ووسط تكهّنات متزايدة بترشحه للرئاسة عام 2016، بدأ هاكابي بتصفية مشاريعه الإعلامية المتنوعة، وبُثّت الحلقة الأخيرة من برنامجه على «فوكس نيوز» في يناير (كانون الثاني) 2015. وبعد أربعة أشهر، أعلن ترشحه للرئاسة ليتنافس مع نحو 20 مرشحاً جمهورياً، أحدهم دونالد ترمب. ووسط منافسة حامية بين المرشحين الجمهوريين، لم يحظَ هاكابي بدعم كبير، ما أدى إلى تسجيله أداءً ضعيفاً في الانتخابات التمهيدية في أيوا عام 2016، وعلى الأثر، أوقف حملته الانتخابية. ثم أيد دونالد ترمب، بعدما أصبح المرشح الجمهوري الذي فاز لاحقاً بالسباق الرئاسي على منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون.

بعد انسحاب هاكابي من السباق الرئاسي، عملت ابنته سارة ساندرز في فريق حملة ترمب، لتعيّن لاحقاً ناطقةً باسم البيت الأبيض، وهذا قبل أن تغادر المنصب وتفوز بمنصب حاكم ولاية أركنسو عام 2017. ومن جهة ثانية، منذ عام 2018 عاد برنامج هاكابي إلى التلفزيون، عُرض على شبكة «ترينيتي» الإعلامية المسيحية.

داعم مستمر لترمب

الرجل ظل داعماً بارزاً لترمب، حتى بعد خسارته انتخابات 2020 أمام جو بايدن، كما بقي محافظاً ومدافعاً عن سردية ترمب بخصوص تزوير الانتخابات. ثم إنه رفض إدانة الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير. وبعد وقت قصير من إعادة انتخاب ترمب لولاية ثانية عام 2024، رشحه الأخير لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل. وثبّت مجلس الشيوخ تعيينه في 9 أبريل (نيسان) 2025، بغالبية 53 صوتاً، بينهم صوت ديمقراطي واحد للسيناتور جون فيترمان، مقابل 46 صوتاً ديمقراطياً معارضاً.


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.