ما الذي يجعل منشأة «فوردو» النووية هدفاً بالغ الحساسية؟

TT

ما الذي يجعل منشأة «فوردو» النووية هدفاً بالغ الحساسية؟

صورة فضائية لمنشأة «فوردو» النووية التقطها قمر شركة «ماكسار»... (إ.ب.أ)
صورة فضائية لمنشأة «فوردو» النووية التقطها قمر شركة «ماكسار»... (إ.ب.أ)

في قلب جبل صخري قرب مدينة قم، وعلى عمق يصل إلى نحو 90 متراً تحت الأرض، تقع منشأة «فوردو» النووية، التي تُعد من أكثر المواقع تحصيناً في البنية التحتية النووية الإيرانية. هذه المنشأة، التي كان يُحظر على إيران بموجب اتفاق 2015 استخدامها لأغراض التخصيب، أصبحت اليوم تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهي نسبة تقترب تقنياً من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية.

ومع تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية، وازدياد المؤشرات على تحرك عسكري محتمل، تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت «فوردو» ستصبح الهدف التالي في المواجهة.

ويشكل موقع «فوردو» تحدياً كبيراً لأي عملية عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني. ولا تمتلك إسرائيل، رغم قدراتها الجوية، الوسائل اللازمة لاختراق عمق التحصينات الجبلية المحيطة بالموقع.

وتشير تصريحات المسؤولين الأميركيين إلى أن تدمير الموقع يتطلب قدرات لا تمتلكها إسرائيل وحدها، بل تحتاج إلى دعم أميركي مباشر، مما يفتح الباب أمام سيناريو تدخل أوسع قد يجعل من «فوردو» الشرارة التي تُشعل صراعاً مباشراً بين واشنطن وطهران.

وحذرت طهران من أن أي هجوم أميركي قد يؤدي إلى رد إيراني يستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، مما قد يجرّ واشنطن إلى صراع طويل الأمد مع طهران.

ويعتقد محللون عسكريون أن إسرائيل قد تحتاج إلى مساعدة عسكرية أميركية لتدمير محطة «فوردو». وتعد الولايات المتحدة التي نشرت حاملة طائرات ثالثة في المنطقة، الدولة الوحيدة التي تملك قنبلة «جي بي يو-57» القادرة على تدمير المنشآت النووية الإيرانية الموجودة في عمق الأرض، في «فوردو».

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ذكر مسؤول أمني إسرائيلي كبير سابق لـ«رويترز» أن الدعم العسكري الأميركي ضروري لتدمير منشأة «فوردو». وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن المنشأة النووية الإيرانية في «فوردو»، حيث تم حفر موقع التخصيب في جبل، هي مشكلة ستُحل «بالطبع».

وفي إشارة إلى تدمير أو تفكيك محطة «فوردو» الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «نحن الوحيدون الذين لدينا القدرة على فعل ذلك. لكن هذا لا يعني أنني سأفعل ذلك».

وقال السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل لايتر، لقناة «فوكس نيوز» الجمعة: «العملية بأكملها يجب أن تُستكمل بالقضاء على (فوردو)».

ونقل موقع «أكسيوس» الأربعاء، عن مسؤول أميركي رفيع قوله: «القنبلة الخارقة للتحصينات ستنجح. ليست هناك مشكلة قدرات، لدينا الإمكانات. لكن هناك خطة كاملة وراءها، الأمر لا يقتصر على إسقاط قنبلة وإعلان النصر».

وأضاف: «نهاية اللعبة لنا واضحة: لا لسلاح نووي. قد يختلف ذلك بالنسبة إلى الإسرائيليين. وإذا اقتضى الأمر، نحن مستعدون لضربة دقيقة، إذا كانت منطقية وفعّالة، حسب رأي الرئيس».

وقال مسؤول أميركي إن الإسرائيليين أبلغوا إدارة ترمب بأنهم قد لا يتمكنون من اختراق الجبل بالقنابل، لكنهم «قد يتمكنون من ذلك عبر العمليات البشرية».

محطة «فوردو» لتخصيب الوقود

أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الاثنين، أن أعمق موقع تخصيب في إيران، والمحفور في جبل، لم يتعرض لأضرار وفقاً لما يمكن رؤيته.

ورغم أنه لا يعمل فيه سوى نحو ألفي جهاز طرد مركزي، فهو ينتج الغالبية العظمى من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، باستخدام العدد نفسه من أجهزة الطرد المركزي تقريباً التي كانت تعمل في محطة التخصيب التجريبية في نطنز، لأنه يعتمد على التغذية باليورانيوم المخصب إلى 20 في المائة في تلك السلاسل، مقارنةً مع 5 في المائة في محطة «نطنز» التجريبية.

وبالتالي، أنتجت «فوردو» 166.6 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى 60 في المائة في الربع الأخير. ووفقاً لمقياس «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، فإن ذلك يكفي من حيث المبدأ، إذا ما جرى تخصيبه بدرجة أكبر، لأقل من أربعة أسلحة نووية بقليل، مقارنةً بنحو 19.2 كيلوغرام في محطة تخصيب الوقود النووي التجريبية، أي أقل من نصف الكمية اللازمة لقنبلة.

تقع منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم، في منطقة جبلية قرب قرية «فوردو»، على بُعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة قم، وعلى مسافة تقارب 90 إلى 100 كيلومتر من العاصمة طهران.

لم يسمح الاتفاق الذي تسنَّى التوصل إليه عام 2015 مع القوى الكبرى لإيران بالتخصيب في «فوردو» على الإطلاق. ولديها الآن أكثر من ألفَي جهاز طرد مركزي تعمل هناك، ومعظمها من أجهزة «آي.آر-6» المتقدمة التي يعمل 350 جهازاً منها على التخصيب حتى نسبة نقاء 60 في المائة.

في عام 2009 أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن إيران كانت تبني منشأة «فوردو» سراً لسنوات، وأنها تقاعست عن إبلاغ وكالة الطاقة الذرية. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما آنذاك: «لا يتفق حجم هذه المنشأة وتكوينها مع برنامج سلمي».

صورة فضائية من قمر «ماكسار» تُظهر جزءاً من منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم الواقعة جنوب العاصمة طهران (أ.ف.ب)

بُنيت المنشأة داخل جبل صخري، ووفقاً لمصادر متعددة، فإن الأجزاء الحساسة منها تقع على عمق يتراوح بين 80 و90 متراً تحت الأرض. وقد صُممت بهذا الشكل تحديداً لحمايتها من الهجمات الجوية والضربات الصاروخية بعيدة المدى.

وتتمتع منشأة «فوردو» بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وتحصيناتها الطبيعية. وهي مُحاطة بشبكة دفاع جوي قوية تضم منظومات مثل «باور 373» الإيرانية و«إس 300» الروسية، المنتشرة في محيط مدينة قم، بالإضافة إلى منظومات رادارية متقدمة، لكنَّ هذه القدرات تراجعت بشكل كبير جراء الهجمات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، وكذلك الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الدفاعات الجوية الإيرانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

إلى جانب الدفاعات الجوية، تنتشر في محيط الموقع وحدات من «الحرس الثوري» الإيراني، وقوات التعبئة (الباسيج)، التي توفر حماية مباشرة من الهجمات البرية أو الإنزالات الخاصة. كما تُستخدم المنطقة المحيطة، بما في ذلك شبكة الطرق والجسور، لنقل المعدات والدعم اللوجيستي بشكل مستمر.

في الأشهر الأخيرة، بثت وسائل إعلام إيرانية تقارير مصورة عن تفعيل الدفاعات الجوية في قم، وتحديداً قرب منشأة «فوردو»، بعد تداول أنباء عن استهداف الموقع بضربات إسرائيلية. ورغم عدم وقوع إصابات بشرية، أفادت المصادر الإيرانية بوجود انفجارات قرب المنشأة. ويوم الاثنين سجَّل مركز الزلزال الإيراني هزة أرضية بقوة 2.5 على مقياس ريختر.

ويقول الخبراء إن هذه المعطيات تدل على أن منشأة «فوردو» ليست مجرد موقع نووي تقني، بل تُعد جزءاً من البنية العسكرية الدفاعية لإيران. ويتطلب تدميرها أو اختراقها عسكرياً تنسيقاً معقداً، وقد يجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة. لذلك، تظل «فوردو» من أكثر الأهداف حساسية في أي سيناريو محتمل للصراع بين إيران وإسرائيل أو مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

ترمب يلغي اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المتظاهرين

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يلغي اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المتظاهرين

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء إنه ألغى جميع اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين، احتجاجاً على ما وصفه بـ«القتل العبثي للمتظاهرين» في إيران، موجهاً…

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد إيرانيون يسيرون بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها «إيران وطننا» في «ساحة انقلاب» بطهران (إ.ب.أ)

من هم شركاء إيران التجاريون الذين يواجهون رسوماً أميركية بنسبة 25 %؟

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن أي دولة تتعامل مع إيران فستواجه رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على التجارة مع بلاده. فمن أبرز شركاء إيران التجاريين؟

شؤون إقليمية سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية بطهران (رويترز)

مسؤول إيراني: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات

قال ‌مسؤول ‌إيراني، لوكالة «رويترز»، إن ‌نحو ألفيْ قتيل سقطوا ‌خلال الاحتجاجات ‍في إيران، ‍وسط تحذيرات من احتجاجات أكبر إذا تأخرت معالجة الأزمة المعيشية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية في طهران (رويترز) play-circle

إيرانيون يلجأون إلى «ستارلينك» مع استمرار انقطاع الإنترنت

قال ثلاثة أشخاص من داخل إيران إن بعض الإيرانيين لا يزالون يستخدمون خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية (ستارلينك) رغم انقطاع الاتصالات في جميع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط (رويترز)

النفط يرتفع بعد تهديد ترمب شركاء إيران التجاريين بالرسوم

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف، الثلاثاء، حيث طغت المخاوف بشأن إيران واحتمال انقطاع الإمدادات على توقعات زيادة إمدادات النفط الخام من فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

ترمب يلغي اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المتظاهرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يلغي اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المتظاهرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء إنه ألغى جميع اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين، احتجاجاً على ما وصفه بـ«القتل العبثي للمتظاهرين» في إيران، موجهاً رسالة مباشرة إلى المحتجين أكد فيها أن «المساعدة في طريقها إليهم»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية.

وأضاف ترمب، في رسالة نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، أن قراره يأتي إلى حين توقف ما وصفه بعمليات القتل، داعياً المتظاهرين إلى «مواصلة الاحتجاج» و«الاستيلاء على مؤسساتهم»، وحثهم على توثيق أسماء المسؤولين عن أعمال العنف والانتهاكات، قائلاً إن هؤلاء «سيدفعون ثمناً باهظاً».

وتأتي تصريحات ترمب في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية في مدن إيرانية عدة، وسط تقارير حقوقية عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى واعتقال الآلاف، بالتزامن مع انقطاع واسع للاتصالات وخدمات الإنترنت داخل البلاد.


احتجاجات إيران: 2000 قتيل وضغوط دولية متزايدة (تغطية حية)

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (رويترز)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (رويترز)
TT

احتجاجات إيران: 2000 قتيل وضغوط دولية متزايدة (تغطية حية)

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (رويترز)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (رويترز)

تتصاعد الضغوط الدولية على إيران مع استمرار الاحتجاجات للأسبوع الثالث وسط تقارير عن سقوط مئات القتلى واعتقال الآلاف، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً جمركية بنسبة 25% على أي دولة تواصل التعامل التجاري مع إيران، مؤكداً أن «جميع الخيارات» ما زالت مطروحة.

وقال مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» إن نحو 2000 شخص لقوا حتفهم في الاحتجاجات، محملاً ما وصفه بـ«جماعات إرهابية» مسؤولية أعمال العنف، في حين لم تعلن السلطات حصيلة رسمية.

وحذر نواب إيرانيون من أن تجاهل المطالب المعيشية وعدم استقرار العملة قد يقود إلى موجة احتجاجات أشد، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن «واجب الحوار» وتعد بمعالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، مع تحميل «تدخلات خارجية» مسؤولية العنف.


مسؤول إيراني: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات

سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية بطهران (رويترز)
سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية بطهران (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات

سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية بطهران (رويترز)
سيارات محترقة في الاحتجاجات الإيرانية بطهران (رويترز)

قال ‌مسؤول ‌إيراني، لوكالة «رويترز»، اليوم ⁠الثلاثاء، إن ‌نحو ألفيْ قتيل سقطوا ‌خلال الاحتجاجات في إيران، ‍محمّلاً «إرهابيين» مسؤولية مقتل ​المدنيين وأفراد الأمن، في حين حذّر برلمانيون في طهران من أن الحكومة ستواجه احتجاجات أكبر ما لم تعالج مطالب المواطنين، وذلك بعد أكثر من أسبوعين من مظاهرات حاشدة عمّت البلاد وشكلت تحدياً لشرعية الحكام.

وردّت السلطات على أحدث موجة من الاحتجاجات الشعبية الناجمة عن أوضاع اقتصادية متدهورة بحملة قمع، قالت منظمات حقوقية إنها أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص واعتقال الآلاف.

وعبّر مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، اليوم، عن ««صدمته»، إزاء ‌تصاعد العنف ⁠الذي ​تمارسه ‌قوات الأمن الإيرانية ضد المتظاهرين السلميين.

وقال تورك، في بيان ألقاه المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ‌جيريمي لورانس: «لا ‍يمكن أن تستمر هذه الدوامة من العنف المروّع. يجب الاستماع إلى الشعب الإيراني ​ومطالبه بالإنصاف والمساواة والعدالة».

ورداً على سؤال بشأن عدد القتلى، قال لورانس، نقلاً عن مصادر الأمم المتحدة في إيران: «العدد الذي نسمعه يصل إلى المئات».

كانت منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها أوسلو، قد ذكرت، الاثنين، أن بعض التقديرات يشير إلى احتمال مقتل أكثر من ستة آلاف شخص. وقالت منظمات ومراكز أخرى إن مستشفيات عدة «ممتلئة» نتيجة تدفق المصابين وتراجع إمدادات الدم، مشيرة إلى أنها تأكدت من مقتل ما لا يقل عن 648 متظاهراً منذ بداية الاحتجاجات.

وفي وقت لاحق، قالت منظمة حقوقية، مقرها الولايات المتحدة، تُعرف باسم «هرانا»، إنها تحققت، حتى وقت متأخر من مساء الاثنين، من مقتل 646 شخصاً، بينهم 505 متظاهرين، و113 من العسكريين وقوات الأمن، وسبعة مدنيين، مشيرة إلى أنها تحقق في 579 حالة وفاة أخرى أُبلغ عنها. وأضافت المنظمة أنه جرى اعتقال 10721 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات.

وتقول منظمات حقوقية إن السلطات الإيرانية قطعت الإنترنت في جميع أنحاء إيران لطمس الحقائق بشأن قمع المظاهرات المستمرة منذ أسابيع، ما يصعّب التحقق، بشكل مستقل، من التقارير المتعلقة بالعنف. وأشارت هذه المنظمات إلى إصابة الآلاف خلال الاحتجاجات، قائلة إن عدد الضحايا المعلَن قد يكون أقل بكثير من العدد الحقيقي.

وأفادت «هرانا» بأنها تلقت تقارير ومقاطع فيديو من مقبرة بهشت زهرا في طهران تُظهر أفراداً من عائلات الضحايا «يتجمعون عند مواقع الدفن ويهتفون بشعارات احتجاجية». ولم تعلن السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى، وألقت اللوم في إراقة الدماء على «تدخلات خارجية»، وما تصفه بـ«إرهابيين مدعومين من إسرائيل والولايات المتحدة»، في حين ركزت وسائل الإعلام الرسمية على مقتل عناصر من قوات الأمن.

في هذا السياق، أفاد التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن اعتقلت ما وصفه بـ«جماعات إرهابية مرتبطة بإسرائيل» في مدينة زاهدان جنوب شرقي البلاد، قال إنها دخلت عبر الحدود الشرقية، وكانت تخطط لتنفيذ عمليات اغتيال وأعمال تخريب. ولم تُقدم تفاصيل إضافية حول هذه المزاعم.

وتداولت منصات معارِضة مقطع فيديو يُظهر الأوضاع في ميدان فلسطين بطهران، مساء الأحد، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات. ومع الانقطاع الكامل للإنترنت في إيران خلال الأيام الماضية، يظل تداول الصور والمقاطع المصورة محدوداً.

وتقول منظمات حقوقية إن السلطات الإيرانية قطعت الإنترنت في جميع أنحاء إيران لطمس الحقائق بشأن قمع المظاهرات المستمرة منذ أسابيع، ما يصعّب التحقق بشكل مستقل من التقارير المتعلقة بالعنف.

تحذيرات برلمانية

وقال محمد رضا صباغيان، الذي يمثل عدداً من الدوائر في محافظة يزد وسط إيران، خلال جلسة برلمانية: «ينبغي ألا ننسى نقطة واحدة: لدى الناس حالات من عدم الرضا، وعلى المسؤولين في الحكومة والبرلمان معالجتها، وإلا فإن الأحداث نفسها ستتكرر ولكن بوتيرة أشد».

بدوره قال النائب عن طهران، حسين صمصامي، خلال الجلسة العامة للبرلمان الإيراني، إن اعتماد سياسات غير مناسبة ومُضرة بالمعيشة أسهم في خلق حالة من السخط الشعبي، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يفاقم التوترات.

وأوضح صمصامي، وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة بهشتي في طهران أيضاً، أن السبب الرئيسي لحالة الاستياء الأخيرة يعود إلى عدم استقرار سعر الصرف وتقلب الأسعار، وعَدَّ أن هذه الاضطرابات جاءت نتيجة سياسات غير ملائمة جرى اتخاذها خلال الشهر الماضي، وداعياً إلى تجنّب قرارات اقتصادية من شأنها تعميق الضغوط المعيشية على المواطنين. وردّاً على الانتقادات، قال رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف: «نعدّ أنفسنا ملتزمين بالعمل على مدار الساعة لتحقيق المطالب المشروعة للشعب»، وفقاً لوكالة «دانشجو» التابعة لـ«الحرس الثوري».

ووجّه «النواب» إنذاراً إلى وزير الرفاه والعمل أحمد ميدري، في حين انتقد النائب المتشدد حميد رسائي التأخر في إعلان تسلم طلبات استجواب الوزراء. وفي المقابل، رد رئيس قاليباف قائلاً: «نفضل أن يقدم الوزراء استقالاتهم، بدلاً من إخضاعهم للاستجواب».

وبالتوازي مع استمرار الاحتجاجات، خففت السلطات الإيرانية، الثلاثاء، بعض القيود المفروضة على الاتصالات، وسمحت للمواطنين بإجراء مكالمات دولية عبر الهواتف المحمولة، للمرة الأولى منذ أيام، في حين استمر حجب الإنترنت الخارجي وخدمات الرسائل النصية القصيرة.

وقال شهود في طهران إن الاتصال اقتصر على إجراء مكالمات إلى الخارج، بينما ظل الإنترنت محصوراً بمواقع محلية معتمدة من الحكومة، دون وضوح بشأن ما إذا كانت القيود ستُخفف، بشكل أوسع، بعد الانقطاع شبه الكامل منذ الخميس الماضي.

وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على خلفية تراجع قيمة العملة المحلية، قبل أن تتسع لتتحول إلى مظاهرات أوسع احتجاجاً على الضائقة الاقتصادية الحادة، ورافقتها دعوات متحدّية لإسقاط المؤسسة الحاكمة المتجذّرة في الحكم منذ أكثر من 45 عاماً.

وعلى الرغم من اتساع رقعة الاحتجاجات، لا توجد مؤشرات على انقسامات داخل القيادة أو في الجيش وقوات الأمن، في حين يفتقر المحتجّون إلى قيادة مركزية واضحة، وتعاني المعارضة التشرذم، وفق تفسير وكالة «رويترز».

مواقف حكومية داخلية

وقالت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء: «لدينا واجب الحوار، وسنقوم به، بالتأكيد». وأضافت أن الرئيس مسعود بزشكيان أمر بتشكيل وِرش عمل تضم علماء اجتماع وخبراء مختصين، بهدف الوقوف على الأسباب العميقة لغضب الشباب ومعالجة جذور الاحتقان الاجتماعي، مؤكدة أن «الحكومة تنظر إلى المدافعين (قوات الأمن) والمحتجّين على أنهم أبناؤها، وبقدر استطاعتنا حاولنا وسنحاول الاستماع إلى أصواتهم».

وأوضحت مهاجراني أن الحكومة ترى في الاحتجاجات تعبيراً عن مطالب اجتماعية واقتصادية يجب التعامل معها عبر القنوات القانونية والمؤسسية، محذرة، في الوقت نفسه، مما وصفته بمحاولات «استغلال الحراك» ودفعه نحو العنف. وشددت على أن القيود المفروضة على الاتصالات والإنترنت «ليست خياراً سياسياً مفضلاً»، بل جاءت بقرار من الأجهزة الأمنية في ظل ما وصفته بـ«الظروف الأمنية الاستثنائية»، مؤكدة أن حق الوصول إلى الإنترنت «حق أصيل للمواطنين» وستُعاد الخدمات فور استقرار الأوضاع.

واتهمت مهاجراني «جماعات إرهابية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل» بالسعي إلى تحويل الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات عنيفة، قائلة إن «استهداف الممتلكات العامة وإشعال العنف لا يخدم مطالب المحتجين»، ومؤكدة أن السلطات ستواصل «الفصل بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب»، مع التزامها، وفق تعبيرها، بمسار الحوار ومعالجة المطالب الاجتماعية عبر مؤسسات الدولة.

ضغوط وتحركات خارجية

وفي خطوةٍ تزيد الضغوط على إيران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت متأخر من مساء الاثنين، أن الصادرات إلى الولايات المتحدة من أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، وهي مصدر رئيسي للنفط، ستخضع لرسوم جمركية جديدة بنسبة 25 في المائة.

ولم تردَّ طهران علناً على هذه الخطوة، لكنها قُوبلت بانتقادات سريعة من الصين، المستورد الرئيسي للنفط الإيراني. وقالت السفارة الصينية في واشنطن إن بكين ستتخذ «جميع الإجراءات اللازمة» لحماية مصالحها، معارضة «أي عقوبات أحادية غير مشروعة».

وكانت السلطات الإيرانية قد قالت، يوم الاثنين، إنها تُبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن، في وقتٍ يدرس فيه ترمب كيفية الرد على حملة القمع، بما في ذلك التلويح بإمكانية اتخاذ إجراء عسكري.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات صحافية، إن طهران تدرس أفكاراً طرحتها واشنطن، لكنها «غير متوافقة» مع التهديدات الأميركية، مضيفاً أن الاتصالات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف «مستمرة قبل الاحتجاجات وبعدها».

من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن ترمب يفضّل الدبلوماسية، رغم أن «جميع الخيارات» تبقى مطروحة، في وقتٍ تتواصل فيه الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران، بالتوازي مع استمرار الاحتجاجات في الداخل الإيراني.

وأضافت: «ما تسمعونه علناً من النظام الإيراني يختلف تماماً عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة الأميركية سراً، وأعتقد أن الرئيس مهتم باستكشاف هذه الرسائل».

في سياق الردود الدولية استدعت إسبانيا، الثلاثاء، السفير الإيراني لديها لإبداء «الاستنكار والإدانة الشديدين» لحملة القمع التي تقوم بها سلطات طهران للاحتجاجات، والتي أسفرت، وفقاً لمنظمات حقوقية، عن مقتل المئات. وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، لإذاعة كاتالونيا: «يجب احترام حق الإيرانيين، رجالاً ونساء، في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير، ويجب الكف عن الاعتقالات التعسفية». وأضاف ألباريس: «يجب على إيران العودة إلى طاولة الحوار والتفاوض، وسنولي، بالطبع، حقوق المرأة اهتماماً خاصاً».

واستدعى وزير الخارجية البلجيكي مكسيم بريفو، السفير الإيراني في بروكسل وعبّر له عن «قلقه»، مطالباً طهران بـ«الإصغاء إلى المطالب السلمية» للمتظاهرين. في المقابل، شجب سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو «محاولات التدخل الخارجية» في الشأن الإيراني. واستدعت طهران، الاثنين، سفراء أو القائمين بأعمال كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا في طهران، مُبدية أسفها للدعم الذي عبّرت عنه هذه الدول للمتظاهرين، وفق بيان لـ«الخارجية» الإيرانية نقله التلفزيون.