ما الذي يجعل منشأة «فوردو» النووية هدفاً بالغ الحساسية؟

TT

ما الذي يجعل منشأة «فوردو» النووية هدفاً بالغ الحساسية؟

صورة فضائية لمنشأة «فوردو» النووية التقطها قمر شركة «ماكسار»... (إ.ب.أ)
صورة فضائية لمنشأة «فوردو» النووية التقطها قمر شركة «ماكسار»... (إ.ب.أ)

في قلب جبل صخري قرب مدينة قم، وعلى عمق يصل إلى نحو 90 متراً تحت الأرض، تقع منشأة «فوردو» النووية، التي تُعد من أكثر المواقع تحصيناً في البنية التحتية النووية الإيرانية. هذه المنشأة، التي كان يُحظر على إيران بموجب اتفاق 2015 استخدامها لأغراض التخصيب، أصبحت اليوم تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهي نسبة تقترب تقنياً من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية.

ومع تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية، وازدياد المؤشرات على تحرك عسكري محتمل، تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت «فوردو» ستصبح الهدف التالي في المواجهة.

ويشكل موقع «فوردو» تحدياً كبيراً لأي عملية عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني. ولا تمتلك إسرائيل، رغم قدراتها الجوية، الوسائل اللازمة لاختراق عمق التحصينات الجبلية المحيطة بالموقع.

وتشير تصريحات المسؤولين الأميركيين إلى أن تدمير الموقع يتطلب قدرات لا تمتلكها إسرائيل وحدها، بل تحتاج إلى دعم أميركي مباشر، مما يفتح الباب أمام سيناريو تدخل أوسع قد يجعل من «فوردو» الشرارة التي تُشعل صراعاً مباشراً بين واشنطن وطهران.

وحذرت طهران من أن أي هجوم أميركي قد يؤدي إلى رد إيراني يستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، مما قد يجرّ واشنطن إلى صراع طويل الأمد مع طهران.

ويعتقد محللون عسكريون أن إسرائيل قد تحتاج إلى مساعدة عسكرية أميركية لتدمير محطة «فوردو». وتعد الولايات المتحدة التي نشرت حاملة طائرات ثالثة في المنطقة، الدولة الوحيدة التي تملك قنبلة «جي بي يو-57» القادرة على تدمير المنشآت النووية الإيرانية الموجودة في عمق الأرض، في «فوردو».

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ذكر مسؤول أمني إسرائيلي كبير سابق لـ«رويترز» أن الدعم العسكري الأميركي ضروري لتدمير منشأة «فوردو». وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن المنشأة النووية الإيرانية في «فوردو»، حيث تم حفر موقع التخصيب في جبل، هي مشكلة ستُحل «بالطبع».

وفي إشارة إلى تدمير أو تفكيك محطة «فوردو» الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «نحن الوحيدون الذين لدينا القدرة على فعل ذلك. لكن هذا لا يعني أنني سأفعل ذلك».

وقال السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل لايتر، لقناة «فوكس نيوز» الجمعة: «العملية بأكملها يجب أن تُستكمل بالقضاء على (فوردو)».

ونقل موقع «أكسيوس» الأربعاء، عن مسؤول أميركي رفيع قوله: «القنبلة الخارقة للتحصينات ستنجح. ليست هناك مشكلة قدرات، لدينا الإمكانات. لكن هناك خطة كاملة وراءها، الأمر لا يقتصر على إسقاط قنبلة وإعلان النصر».

وأضاف: «نهاية اللعبة لنا واضحة: لا لسلاح نووي. قد يختلف ذلك بالنسبة إلى الإسرائيليين. وإذا اقتضى الأمر، نحن مستعدون لضربة دقيقة، إذا كانت منطقية وفعّالة، حسب رأي الرئيس».

وقال مسؤول أميركي إن الإسرائيليين أبلغوا إدارة ترمب بأنهم قد لا يتمكنون من اختراق الجبل بالقنابل، لكنهم «قد يتمكنون من ذلك عبر العمليات البشرية».

محطة «فوردو» لتخصيب الوقود

أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الاثنين، أن أعمق موقع تخصيب في إيران، والمحفور في جبل، لم يتعرض لأضرار وفقاً لما يمكن رؤيته.

ورغم أنه لا يعمل فيه سوى نحو ألفي جهاز طرد مركزي، فهو ينتج الغالبية العظمى من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، باستخدام العدد نفسه من أجهزة الطرد المركزي تقريباً التي كانت تعمل في محطة التخصيب التجريبية في نطنز، لأنه يعتمد على التغذية باليورانيوم المخصب إلى 20 في المائة في تلك السلاسل، مقارنةً مع 5 في المائة في محطة «نطنز» التجريبية.

وبالتالي، أنتجت «فوردو» 166.6 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى 60 في المائة في الربع الأخير. ووفقاً لمقياس «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، فإن ذلك يكفي من حيث المبدأ، إذا ما جرى تخصيبه بدرجة أكبر، لأقل من أربعة أسلحة نووية بقليل، مقارنةً بنحو 19.2 كيلوغرام في محطة تخصيب الوقود النووي التجريبية، أي أقل من نصف الكمية اللازمة لقنبلة.

تقع منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم، في منطقة جبلية قرب قرية «فوردو»، على بُعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة قم، وعلى مسافة تقارب 90 إلى 100 كيلومتر من العاصمة طهران.

لم يسمح الاتفاق الذي تسنَّى التوصل إليه عام 2015 مع القوى الكبرى لإيران بالتخصيب في «فوردو» على الإطلاق. ولديها الآن أكثر من ألفَي جهاز طرد مركزي تعمل هناك، ومعظمها من أجهزة «آي.آر-6» المتقدمة التي يعمل 350 جهازاً منها على التخصيب حتى نسبة نقاء 60 في المائة.

في عام 2009 أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن إيران كانت تبني منشأة «فوردو» سراً لسنوات، وأنها تقاعست عن إبلاغ وكالة الطاقة الذرية. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما آنذاك: «لا يتفق حجم هذه المنشأة وتكوينها مع برنامج سلمي».

صورة فضائية من قمر «ماكسار» تُظهر جزءاً من منشأة «فوردو» لتخصيب اليورانيوم الواقعة جنوب العاصمة طهران (أ.ف.ب)

بُنيت المنشأة داخل جبل صخري، ووفقاً لمصادر متعددة، فإن الأجزاء الحساسة منها تقع على عمق يتراوح بين 80 و90 متراً تحت الأرض. وقد صُممت بهذا الشكل تحديداً لحمايتها من الهجمات الجوية والضربات الصاروخية بعيدة المدى.

وتتمتع منشأة «فوردو» بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وتحصيناتها الطبيعية. وهي مُحاطة بشبكة دفاع جوي قوية تضم منظومات مثل «باور 373» الإيرانية و«إس 300» الروسية، المنتشرة في محيط مدينة قم، بالإضافة إلى منظومات رادارية متقدمة، لكنَّ هذه القدرات تراجعت بشكل كبير جراء الهجمات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، وكذلك الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الدفاعات الجوية الإيرانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

إلى جانب الدفاعات الجوية، تنتشر في محيط الموقع وحدات من «الحرس الثوري» الإيراني، وقوات التعبئة (الباسيج)، التي توفر حماية مباشرة من الهجمات البرية أو الإنزالات الخاصة. كما تُستخدم المنطقة المحيطة، بما في ذلك شبكة الطرق والجسور، لنقل المعدات والدعم اللوجيستي بشكل مستمر.

في الأشهر الأخيرة، بثت وسائل إعلام إيرانية تقارير مصورة عن تفعيل الدفاعات الجوية في قم، وتحديداً قرب منشأة «فوردو»، بعد تداول أنباء عن استهداف الموقع بضربات إسرائيلية. ورغم عدم وقوع إصابات بشرية، أفادت المصادر الإيرانية بوجود انفجارات قرب المنشأة. ويوم الاثنين سجَّل مركز الزلزال الإيراني هزة أرضية بقوة 2.5 على مقياس ريختر.

ويقول الخبراء إن هذه المعطيات تدل على أن منشأة «فوردو» ليست مجرد موقع نووي تقني، بل تُعد جزءاً من البنية العسكرية الدفاعية لإيران. ويتطلب تدميرها أو اختراقها عسكرياً تنسيقاً معقداً، وقد يجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة. لذلك، تظل «فوردو» من أكثر الأهداف حساسية في أي سيناريو محتمل للصراع بين إيران وإسرائيل أو مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق هرمز في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

تحقيق أميركي في تداولات نفط مشبوهة مرتبطة بحرب إيران

قال مدير قسم إنفاذ اللوائح في لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية ديفيد ميلر، الخميس، إن اللجنة تحقق في أنشطة تداول نفط مشبوهة مرتبطة بالحرب الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات الآتية من إيران في وقت تكدست مئات الشاحنات بالمعابر الحدودية

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفينة شحن تُبحر باتجاه مضيق هرمز (أ.ب)

«الحرس الثوري» يعلن إصابة 7 ناقلات… ويهدد القوات الأميركية

أعلن «الحرس الثوري»، الخميس، إصابة 7 ناقلات نفط بضربات وألغام بحرية في مضيق هرمز، وهدد باستهداف القوات الأميركية إذا واصلت واشنطن مرافقة السفن عبر المضيق.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران ترفع السقف قبل القرار الأميركي

رفعت إيران سقف مواقفها السياسية والعسكرية، في انتظار قرار نهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب، وسط مؤشرات على احتمال جولة ثالثة من المواجهة.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الجمعة، إن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي.

ودعا إلى دعم السعودية واليمن في الدفاع عن نفسيهما وتمهيد الطريق لاستئناف مفاوضات جادة مع الحوثيين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

واجتمع وزراء خارجية ثماني دول أوروبية وشرق أوسطية في إسطنبول، الجمعة، في صيغة غير مسبوقة، لإجراء محادثات حول مضيق هرمز والأزمات في المنطقة.

والتقى وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول المعروفة باسم «مجموعة الثلاث» (إي 3)، بالإضافة إلى إيطاليا، ونظرائهم من مجموعة «آر 4» التي تشكلت حديثاً وتضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر، لمناقشة القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن ومنطقة مضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وانطلقت المحادثات في فندق في إسطنبول يطلّ على مضيق البوسفور، بعد اجتماعات منفصلة بين الوزراء والوفود، وفق ما أفاد مصدر في وزارة الخارجية التركية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إن «الجميع سيكون خاسراً» في حال تجدّد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، محذّراً من «تداعيات خطيرة جداً على أسعار الطاقة».

وأضاف للصحافيين على هامش المحادثات في إسطنبول: «لذلك، فإن أول ما ستقوم به هذه المجموعة المؤلفة من ثماني دول هو دعوة الطرفين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، لأننا لا نستطيع تحمّل تصعيد جديد في المنطقة».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن الهدف يتمثّل في العمل على «خفض التصعيد لضمان حرية الملاحة»، مضيفاً: «لا أعتقد أن هذه الأزمة قابلة للحلّ بالوسائل العسكرية فقط».

وتابع: «إذا أردنا إعادة فتح مضيق هرمز، وهو حيوي لاقتصاداتنا، فعلينا تشجيع الحوار وإفهام إيران أن نهجها هذا لا يمكن أن يستمر».

وذكر مكتب وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قبل انطلاق المحادثات، أنها ستتمحور خصوصاً حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية». وأضاف أن ميليباند «سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة (هرمز) يعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة».

وسيشدد أيضاً على «تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة، حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس».


أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تتزايد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد التهديدات المتبادلة، واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وتكثيف الحديث عن ضربات جديدة قد تستهدف منشآت نووية وعسكرية وبنى تحتية استراتيجية. وبينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذّر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل، وسط تحركات دبلوماسية أوروبية وإقليمية لتفادي اتساع المواجهة.

قال ترمب، الجمعة، إن الولايات المتحدة تستطيع إنهاء الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا كان من الأفضل السعي إلى إنهائها سريعاً أو ترك الصراع يتلاشى تدريجياً، عادَّاً أن إيران «تتجه نحو الانهيار».

وأضاف، في تصريحات للصحافيين قبل مغادرته واشنطن متجهاً إلى ولاية فلوريدا: «أنجزنا عملاً جيداً جداً في إيران». وتابع أن الولايات المتحدة ستُبقي إيران في حالة «شلل تام»، مؤكداً أن واشنطن قادرة على السيطرة على البلاد والاستيلاء على نفطها.

وكان الرئيس الأميركي قد أكد، خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا مساء الخميس، أن الحرب ستنتهي قريباً «بطريقة أو بأخرى»، في تصريحات تعكس ثقته بقدرة واشنطن على فرض مسار النهاية، من دون أن توضح ما إذا كان ذلك سيتحقق عبر تسوية سياسية أم تصعيد عسكري إضافي.

في المقابل، حذر المبعوث الأميركي توم براك من احتمال شن ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. ورداً على سؤال، خلال بودكاست الجمعة، بشأن إمكانية وقوع هجوم خلال الأسبوع، أجاب بالإيجاب، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق، لكنها اختارت استخدام مضيق هرمز ورقة للضغط والمساومة.

وقال براك إن الإدارة الأميركية لم تعد تضع تغيير النظام الإيراني في صدارة أهدافها، وإنها أبدت استعداداً للحوار في محطات عدة. ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن قد تركز على انتزاع تنازلات محددة، خصوصاً في الملف النووي وأمن الملاحة، بدلاً من تبني هدف معلن لتغيير النظام.

وتأتي هذه التصريحات وسط تكهنات بشأن احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في وقت تحدثت فيه تقارير صحافية عن استعدادات لعملية قد تستمر أياماً عدة وتستهدف منشآت نووية ومخازن للصواريخ والطائرات المسيّرة وبنى تحتية للطاقة. ولم تتوافر، وفق المعلومات الواردة، تأكيدات بصدور قرار نهائي بتنفيذ تلك العملية، في حين تؤكد جميع التقارير أن مضيق هرمز والملف النووي يشكلان عقدتين أمام استئناف المفاوضات بين الطرفين.

رهان على الضغط الاقتصادي

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في موازاة التلويح بالخيار العسكري، أكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال الإدارة في أن تدفع الضربات والعقوبات الاقتصادية طهران إلى تقديم تنازلات كبيرة.

وقال والتز، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، نُشرت الجمعة، إن واشنطن تأمل في عودة إيران إلى المفاوضات بجدية، محذراً في الوقت نفسه من احتمال أن تجد الولايات المتحدة نفسها، بعد عام، في حالة جمود مع طهران، من دون اتفاق بشأن برنامجها النووي أو عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها السابقة للحرب.

وأضاف أن الرئيس الأميركي والبحرية الأميركية قادران على مواصلة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في المستقبل المنظور، مشيراً إلى أن الإدارة تعمل على تشديد الضغوط الاقتصادية. وشدد على أن منع إيران من الاحتفاظ بمواد نووية عالية التخصيب يمثل هدفاً استراتيجياً لواشنطن.

وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة في الحسابات الأميركية: فبينما تتحدث الإدارة عن إمكانية إنهاء الحرب سريعاً، فإنها تستعد أيضاً لاحتمال استمرار المواجهة من دون اتفاق، مع الاعتماد على الحصار والضغط الاقتصادي لإضعاف موقف طهران التفاوضي.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرتبطاً بقدرة واشنطن على منع التصعيد من دون الانجرار إلى حرب أوسع، وبمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية.

إيران تعيد تشغيل مصانع الصواريخ

صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

في المقابل، تسعى طهران إلى إظهار أنها لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية تسمح لها بالرد على أي هجوم جديد. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مسؤولين أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل منشآت تحت الأرض، وأعادت تشغيل مرافق مخصصة لهذا الغرض رغم الضربات التي تعرضت لها.

وحسب التقرير، لا تزال إيران تمتلك مخزونات مهمة من الصواريخ والمسيّرات، وإن لم تتوافر أرقام محددة بشأن حجم الإنتاج المستأنف أو الكميات المتبقية في الترسانة الإيرانية.

ونقلت الصحيفة أيضاً عن مسؤولين أميركيين أن إيران ربما حصلت على مساعدة من جهات صينية تمثلت في صور التقطتها أقمار اصطناعية، يُحتمل أنها استُخدمت لتعقب مواقع سفن حربية أميركية. لكن هذه المعلومات لم تُؤكد بصورة قاطعة، كما لم تتضح هوية الجهات التي يُشتبه في تقديمها الصور أو صلتها بالحكومة الصينية.

في سياق متصل، حذرت طهران، وفق ما أوردته الصحيفة، عبر تصريحات علنية وقنوات دبلوماسية خاصة، من أن أي استئناف للحملات الجوية الأميركية والإسرائيلية قد يقابل بردود تتجاوز القواعد الأميركية والسفن الحربية.

وتشمل الأهداف التي لوحت إيران بإمكانية استهدافها مطارات وخطوط أنابيب ومنشآت اقتصادية وأهدافاً مدنية في الدول المجاورة، فضلاً عن تهديدات بتوسيع نطاق الردود لتشمل كابلات الإنترنت البحرية.

وتهدف هذه الرسائل، وفق التقرير، إلى ردع واشنطن وتل أبيب عن شن هجمات جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من انتقال المواجهة إلى دول أخرى، بما قد يهدد البنية التحتية الحيوية وحركة النقل والطاقة والاتصالات في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إبعاد مزيد من العسكريين والموظفين الدبلوماسيين عن مناطق الخطر المحتملة، في مؤشر إلى استمرار الاستعدادات لاحتمال اتساع نطاق المواجهة.

طهران تتمسك بدور رئيسي في «هرمز»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لـ«الحرس الثوري» بمضيق هرمز 17 فبراير الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

بات مضيق هرمز أحد أبرز محاور الصراع بين واشنطن وطهران، بعدما قيَّدت إيران حركة الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب، في حين فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية.

وتتمسك طهران بدور رئيسي في الإشراف على حركة العبور عبر المضيق وفق مسار تحدده، في حين ترفض واشنطن وأطراف أخرى هذا الطرح، في خلاف يتجاوز البعد العسكري إلى أمن إمدادات الطاقة العالمية وحرية الملاحة الدولية.

ويمنح الموقع الاستراتيجي للمضيق أي تصعيد جديد أبعاداً تتجاوز حدود المواجهة الثنائية؛ إذ إن اضطراب حركة السفن أو استهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ويزيد الضغوط على أسواق النفط والاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، تبدو السيطرة على حركة الملاحة ورقة ضغط متبادلة: تستخدمها طهران لتعزيز موقفها في مواجهة الحصار، في حين تسعى واشنطن إلى إعادة فتح الممر البحري والحد من قدرة إيران على توظيفه سياسياً وعسكرياً.

بين الحسم العسكري والتسوية

وتواجه الإدارة الأميركية معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى انتزاع تنازلات بشأن البرنامج النووي وإعادة الملاحة في مضيق هرمز، لكنها تدرك أن استمرار الحصار والضغط العسكري لا يضمن بالضرورة التوصل إلى اتفاق، وقد يدفع طهران إلى توسيع ردودها.

وفي المقابل، تراهن إيران على الاحتفاظ بقدراتها الصاروخية والمسيّرة، واستخدام موقعها الجغرافي وأوراق الضغط الإقليمية لرفع تكلفة أي هجوم جديد. لكن توسيع الاستهداف ليشمل منشآت مدنية أو بنى تحتية في دول الخليج قد يحول المواجهة إلى أزمة إقليمية أوسع، ويزيد عزلة طهران ومخاطر تعرضها لردود إضافية.

وبين حديث ترمب عن نهاية قريبة للحرب وتحذيرات مسؤولين أميركيين من احتمال استمرار الجمود عاماً آخر، يبقى المسار المقبل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين للعودة إلى مفاوضات جدية، وبقدرتهما على تجنب خطوات عسكرية قد تجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة.

وفي ظل غياب مؤشرات مؤكدة على تسوية وشيكة أو قرار نهائي بشن هجوم جديد، تظل المنطقة أمام احتمالين متوازيين: تصعيد عسكري قد تتسع تداعياته إلى ما وراء إيران، أو ضغوط متبادلة تفتح الباب أمام تفاوض صعب بشأن النووي والملاحة وأمن المنطقة.


ترمب: يمكننا إنهاء الحرب مع إيران بسرعة كبيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
TT

ترمب: يمكننا إنهاء الحرب مع إيران بسرعة كبيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)

​قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، ‌إن ‌الولايات ​المتحدة ‌تستطيع إنهاء ​الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا ‌كان ينبغي ‌لواشنطن ​السعي ‌إلى إنهائها ‌سريعاً أو ترك الصراع ‌يتلاشى تدريجياً.

وأضاف ترمب، وفقاً لوكالة «رويترز»: «يمكننا إنهاءها بسرعة كبيرة. والسؤال هو: هل نريد حسمها أم نتركها ​تتلاشى؟».

وأكد الرئيس الأميركي: «يمكننا الاستيلاء على كل النفط في إيران».

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني باستهداف القوات الأميركية الموجودة في المنطقة إذا واصلت مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، محذراً من توسيع المواجهة.