لماذا على واشنطن أن تسعى لتطبيع العلاقات مع بيلاروسيا؟

الباحث إبسكوبوس: موقعها يجعل منها ساحة محتملة للتموضع العسكري في حال نشوب صراع بين روسيا وحلف «الناتو»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في تسيولكوفسكي (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في تسيولكوفسكي (د.ب.أ)
TT

لماذا على واشنطن أن تسعى لتطبيع العلاقات مع بيلاروسيا؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في تسيولكوفسكي (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في تسيولكوفسكي (د.ب.أ)

تُشكل بيلاروسيا حلقة جيوسياسية محورية في شرق أوروبا، ما يجعلها هدفاً مهمّاً لأي مقاربة أميركية تسعى لتعزيز الاستقرار والتأثير الإقليمي، في ظل التحولات العالمية المتسارعة. ويقول الباحث الأميركي مارك إبسكوبوس في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» إن السياسة الأميركية في أوروبا الشرقية خلال الأشهر الستة الماضية ظلّت خاضعة لمبادرة البيت الأبيض الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

لوكاشينكو مع حليفه بوتين (أ.ب)

لكن، حتى مع تقدّم مسار السلام، ينبغي على الإدارة الأميركية أن تظل حريصة على استغلال الفرص قصيرة الأجل لتعزيز المصالح الأميركية في أوروبا الشرقية. وتُعد أكبر هذه الفرص بلا منازع هي إمكانية التوصل إلى اتفاق تطبيع مع بيلاروسيا، تلك الدولة المحورية التي تُشكل لاعباً متأرجحاً بين روسيا والغرب.

وتُعد «شرفة بيلاروسيا» موقعاً استراتيجياً رئيسياً بين «الناتو» وروسيا، ما يجعل منها فاعلاً أمنياً ذا أهمية مفرطة في مسائل التموضع العسكري التقليدي والنووي. كما أن موقعها الجغرافي يتيح لها أن تلعب دوراً اقتصادياً محتملاً بصفتها مركزاً حيوياً بين الشرق والغرب.

مقاتلات بيلاروسية في طلعات استعراضية في يوم الاستقلال (أ.ب)

لقد ظلّت المقاربة الغربية تجاه بيلاروسيا تسير على نمط تلقائي منذ الانتخابات الرئاسية في عام 2020، حين انضمّت الولايات المتحدة إلى الدول الأوروبية في فرض عقوبات صارمة على حكومة الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، بسبب ما وصفه مسؤولون ومنتقدون بأنه تزوير لنتائج الانتخابات وقمع للاحتجاجات المناهضة للحكومة. وتم تعزيز نظام العقوبات وسياسة الضغط الأقصى بشكل كبير بعد «اتفاقية مينسك» السماح بمرور القوات الروسية، وتقديم الدعم لها خلال غزو أوكرانيا في عام 2022.

ولم يُحقق هذا النهج العقابي أياً من النتائج المرجوة، وفقاً لإبسكوبوس، فقد حصّنت مينسك نفسها ضد مطرقة العقوبات الغربية من خلال تعميق علاقاتها مع روسيا، والسعي إلى إقامة علاقات واسعة النطاق مع عدد من الجهات غير الغربية، وعلى رأسها الصين. كما أن سنوات من جهود الإحلال المحلي للبضائع، وتطبيق آليات للتحايل على العقوبات، ومحاولة تنويع الشركاء التجاريين خارج الغرب، قد زادت من قدرة بيلاروسيا على الصمود في وجه الضغوط الغربية.

رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية - مينسك 26 يناير 2025 (د.ب.أ)

ويضيف إبسكوبوس، الأسوأ من ذلك، أن اتباع الغرب لنهج قائم على «العصا فقط من دون جزرة» قد حرم نفسه من أنجع أدوات التأثير في بيلاروسيا. إذ إن غالبية البيلاروسيين، رغم صداقتهم مع روسيا، يرون أنفسهم أوروبيين، ويعلون من شأن الاندماج في الفضاء التجاري والثقافي الغربي. وإذا أتيحت لهم الفرصة، فإنهم سيرغبون في اقتناء أجهزة «آيفون» وقيادة سيارات «فورد»، أو ربما «تسلا» بالنظر إلى الشعبية اللافتة للسيارات الكهربائية في العاصمة مينسك.

وتعد هذه النظرة المجتمعية، التي يلمسها أي زائر لبيلاروسيا، بمثابة دعوة صريحة لاستثمار القوة الناعمة الأميركية. وقد انعكس هذا التوجه في ما كان الرئيس ألكسندر لوكاشينكو يصفه بسياسة «التوجه المتعدد» في العلاقات الخارجية، التي كانت تهدف إلى الحفاظ على السيادة البيلاروسية من خلال المناورة بين الشرق والغرب. ويوفر هذا النموذج من «المقايضة الجيوسياسية» للولايات المتحدة إطاراً جاهزاً للتعامل مع بيلاروسيا بتكلفة منخفضة ومخاطر محدودة وفرص فورية لتحقيق مكاسب.

الحدود البيلاروسية البولندية (أ.ف.ب)

ويرى إبسكوبوس أن بناء علاقة بنّاءة مع بيلاروسيا، وهي واحدة من الأطراف الفاعلة الإقليمية القليلة المتبقية التي تتأرجح بين روسيا والغرب، من شأنه أن يُحقق مكاسب كبيرة على صعيد الأمن والاستقرار في أوروبا الشرقية، وذلك في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعطاء الأولوية لحضورها في مناطق أخرى من العالم، وعلى وجه الخصوص منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

إن موقع بيلاروسيا يجعل منها ساحة محتملة للتموضع العسكري، أو حتى ساحة معركة محتملة في حال نشوب صراع بين روسيا وحلف «الناتو». ومن ثم، فإن تعزيز علاقات مينسك السلمية مع جيرانها الغربيين يعد وسيلة مباشرة لتقليل مخاطر دوامات التصعيد المستقبلي بين روسيا و«الناتو». كما أن إعادة دخول الشركات الأميركية والأوروبية إلى السوق البيلاروسية؛ حيث أصبحت الصين تتمتع بموطئ قدم راسخ، سيساعد البلاد على تنويع اقتصادها بطرق تعود بالنفع على كل من بيلاروسيا والغرب.

الحدود البيلاروسية البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

ويقول إبسكوبوس إن الوقت قد حان منذ زمن بعيد للشروع في رسم ملامح اتفاق تطبيع بين الولايات المتحدة وبيلاروسيا. أما التفاصيل الدقيقة، فسيتعين التفاوض بشأنها ميدانياً بين الدبلوماسيين الأميركيين والبيلاروسيين، لكن يمكننا استعراض مكوناتها الرئيسية بشكل عام. وستعرض الولايات المتحدة التزاماً بنموذج واضح لتخفيف العقوبات، وفتح محادثات بشأن فرص الاستثمار أمام الشركات الأميركية، بما يشمل مجالات الطيران والطاقة وصناعة السيارات.

كما سيُقدم البيت الأبيض ضمانات تفيد بأنه لا يسعى إلى تغيير النظام في بيلاروسيا بالقوة، ولا يدعم ذلك. وكانت هذه بالفعل حقيقة واقعة بحكم الأمر الواقع منذ فترة، ولكن تدوينها على الورق من شأنه أن يقطع شوطاً كبيراً في استعادة الثقة المتبادلة بين البلدين. وإضافة إلى ذلك، ستعرض الإدارة الأميركية القيام بدور الوسيط للمساعدة في إصلاح علاقة بيلاروسيا المتوترة مع جارتيها الغربيتين، بولندا وليتوانيا.

منطقة عسكرية في بيلاروسيا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وفي المقابل، ستتعهد بيلاروسيا بعدم تسهيل أو تمكين أو الانخراط في أي أعمال عدوانية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (هجين)، ضد جيرانها. وسيكون هذا مشروطاً بآليات تحقق لضمان الالتزام، كما أنها لن تشمل حالات الدفاع عن النفس، ومن ثم لا تتعارض مع التزامات بيلاروسيا بموجب معاهدتها مع روسيا. وستلتزم بيلاروسيا أيضاً ببذل جهد لمعالجة مصادر التوتر في علاقاتها مع جيرانها الغربيين، بما في ذلك الاتهامات المستمرة بشأن تمكين تدفقات غير نظامية للمهاجرين.

ومن المهم هنا الإقرار بأن اشتراط التطبيع بقطع بيلاروسيا علاقاتها الأمنية مع روسيا ليس فقط وصفة مؤكدة لإجهاض الحوار، بل أيضاً أمر غير ضروري لتحقيق الأهداف الأمنية الأساسية للولايات المتحدة. فالهدف الحقيقي يتمثل في دعم الاستقرار الإقليمي من خلال إغلاق الباب أمام احتمال وقوع عدوان مسلح ينطلق من الأراضي البيلاروسية. ولا توجد مصلحة أميركية حقيقية أو ملحة في إرغام بيلاروسيا على اتخاذ قرار حضاري بين روسيا والغرب. مثل هذا الخيار مرفوض قطعاً من قبل مينسك، وإذا تم الضغط باتجاهه حتى النهاية، فقد يؤدي إلى رد روسي كارثي.

صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ويرى إبسكوبوس أنه ليس من الحكمة ربط أي إعادة انفتاح مع بيلاروسيا بإنهاء الحرب في أوكرانيا، إذ إن هذا الربط لا يحسن من موقف الولايات المتحدة تجاه بيلاروسيا، ولا يُعزز محادثات السلام بشأن أوكرانيا، بل على العكس، فإن الولايات المتحدة لديها كل الأسباب التي تدعوها إلى الانخراط مع بيلاروسيا بصفتها دولة ذات سيادة تسعى إلى تحسين علاقاتها مع الغرب، وبناء هذا المسار على أسس ثنائية مباشرة.

وليس من المفيد أيضاً، في هذه المرحلة، الدخول في جبهة موحدة مع الأوروبيين، الذين سيدخلون بطبيعتهم شروطهم ومتطلباتهم الخاصة.

وختاماً يقول إبسكوبوس إن إدارة ترمب شخَّصت بشكل صحيح أن السياسة الأميركية تجاه أوروبا تحتاج إلى إصلاح عاجل، وتعد بيلاروسيا ربما الاختبار الأوضح لقدرة الولايات المتحدة على تصحيح المسار، فالنهج المعتمد تجاه بيلاروسيا قد فشل بشكل لا لبس فيه، وهناك مسار أفضل متاح الآن، وينبغي اغتنامه. وسيعد التوصل إلى اتفاق على هذا النحو إنجازاً دبلوماسياً بارزاً يُمكن تحقيقه في فترة زمنية قصيرة نسبياً، وكل ما يتطلبه الأمر هو توفر الإرادة السياسية للمضي قُدماً.


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.