«الوكالة الذرية» تدين إيران بـ«عدم الامتثال» لمعاهدة حظر الانتشار

القرار صدر بعد 20 عاماً من آخر توبيخ رسمي ويهدد بإحالة ملف طهران إلى مجلس الأمن

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
TT

«الوكالة الذرية» تدين إيران بـ«عدم الامتثال» لمعاهدة حظر الانتشار

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين

صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، على قرار يدين إيران لعدم امتثالها لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، في أول خطوة من نوعها منذ 20 عاماً، ما ينذر بتفعيل العقوبات الأممية مجدداً على طهران في وقت لاحق من هذا العام.

وجاء القرار في ظل توترات متصاعدة، حيث سبق للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أن لوّح بإمكانية توجيه ضربات جوية ضد المنشآت النووية الإيرانية في حال فشل المفاوضات.

وهذا أول اجتماع لـ«الوكالة الذرية» منذ تولي ترمب مهامه لولاية ثانية في يناير (كانون الثاني) الماضي. ويتزامن مع المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران الذي انطلق قبل شهرين.

وأيّدت النصّ الذي أعدّته لندن وباريس وبرلين وواشنطن 19 دولة من أصل 35، على ما أفادت مصادر دبلوماسية عدة. وصوّتت الصين وروسيا وبوركينا فاسو برفض النصّ، في حين امتنعت 11 دولة عن التصويت، حسبما صرح دبلوماسيون.

ورحبت الدول الأربع باعتماد القرار المتعلق بتنفيذ إيران لاتفاق الضمانات، معتبرةً أنه يعزز نظام عدم الانتشار النووي. وأكدت أن أمام إيران فرصة للامتثال الكامل والإجابة بشفافية على أسئلة الوكالة حول المواد والأنشطة النووية غير المعلنة.

وأعربت عن أملها في أن يُظهر التقرير المرفوع لاحقاً إلى مجلس الأمن تغيّراً إيجابياً في سلوك إيران، مشيدةً بعمل مدير الوكالة وفريقه.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قوله، اليوم (الخميس)، إن قرار «الوكالة الذرية» سيزيد من تعقيد المحادثات النووية مع الولايات المتحدة، المتوقع إجراؤها يوم الأحد المقبل في عُمان.

غروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي الاثنين الماضي (الوكالة الذرية)

ولم تتمكن باراغواي وفنزويلا من المشاركة لعدم سدادهما الإسهامات المالية الكافية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وهذه أحدث الخطوات الدبلوماسية في مساعٍ بدأت قبل سنوات لتقييد أنشطة إيران النووية، وسط مخاوف غربية من مساعٍ لطهران لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.

وتُخصّب إيران اليورانيوم بالفعل إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، ويُمكن رفع هذه النسبة بسهولة إلى نحو 90 في المائة، وهي الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة.

ويُظهر معيار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أن إيران لديها كمية من المواد عند هذا المستوى تكفي لصنع 10 أسلحة نووية إذا واصلت تخصيبها.

وتقول «الوكالة الذرية» إنها لا تستطيع حالياً «تقديم ضمانات بأن برنامج إيران النووي سلمي تماماً»، مؤكدة أنه لا يوجد بلد آخر خصَّب اليورانيوم إلى هذا المستوى العالي دون إنتاج أسلحة نووية.

تلويح بمجلس الأمن

ويدعو القرار إيران إلى «العمل بشكل عاجل على إصلاح مسألة عدم امتثالها» لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. كما يعبر القرار عن «أسفه العميق» لأن طهران «رغم النداءات المتكررة من مجلس المحافظين والفرص العديدة المُتاحة... لم تتعاون بشكل كامل مع الوكالة». وعدّ القرار أن «عجز الوكالة الذرية... عن تقديم ضمانات بأن البرنامج النووي الإيراني سلمي حصراً، يثير تساؤلات تقع ضمن اختصاص مجلس الأمن الدولي»، الذي يمكنه فرض عقوبات. وتسعى الوكالة التابعة للأمم المتحدة منذ سنوات للحصول على توضيحات بشأن مواد ومعدات نووية عُثر عليها في مواقع غير مُعلنة، ناجمة عن نشاطات غير مُعلنة نُفذت حتى أوائل القرن الحادي والعشرين. ويشتبه مسؤولون غربيون في أن هذه الآثار قد تكون دليلاً على برنامج سري للأسلحة النووية أوقفته إيران عام 2003.

وينصّ القرار على أن «فشل إيران المتكرر منذ 2019 في التعاون الكامل وفي الوقت المناسب مع الوكالة بشأن المواد والأنشطة النووية غير المعلنة... يشكّل خرقاً لالتزاماتها وفق اتفاق الضمانات».

وبموجب اتفاقية الضمانات، التي هي جزء من معاهدة حظر الانتشار النووي، تُلزم إيران بالإعلان عن جميع المواد النووية والسماح بالتفتيش للتحقق من الاستخدامات السلمية فقط.

ويشير القرار إلى أن عجز الوكالة عن التأكد من سلمية البرنامج الإيراني «يثير تساؤلات، تدخل في اختصاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وتدعم المسودة المسار الدبلوماسي، ما يشير إلى «أهمية التوصل إلى حلّ من خلال الحوار، بما يشمل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة».

مصورون يلتقطون صوراً للسفير الإيراني الجديد لدى المنظمات الدولية بفيينا رضا نجفي (الوكالة الذرية)

ويأتي القرار عقب تقرير شامل أصدرته الوكالة، وصف فيه تعاون إيران بشأن آثار اليورانيوم في عدة مواقع بأنه «أقل من مرضٍ». وجرى الكشف عن أحد تلك المواقع تم كشفه عام 2018 من قِبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة له في الأمم المتحدة، وادّعى أنه «مستودع نووي سري» داخل منشأة لتنظيف السجاد. ونفت إيران ذلك، لكن المفتشين اكتشفوا فيه لاحقاً آثاراً مشعة.

وفي حين أشار القرار إلى إحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي، قال دبلوماسيون إن الأمر سيتطلب قراراً ثانياً لإحالتها مثلما حدث في المرة السابقة التي أُعلن فيها عدم امتثالها في سبتمبر (أيلول) 2005، ثم جرت الإحالة في فبراير (شباط) 2006.

فرصة للدبلوماسية... ولكن تحت ضغط الوقت

وعبّرت الدول الغربية عن قلق متزايد من تطور البرنامج النووي الإيراني، في اجتماع مجلس محافظي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» المنعقد في فيينا، على ضوء تقرير المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، الذي سلّط الضوء على استمرار تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة.

وشهدت جلسات مجلس المحافظين، التابع لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مداولات حثيثة بشأن اعتماد مشروع قرار يوبخ طهران، ويعيد طرح ملفها على مجلس الأمن.

ورغم التصعيد، قال دبلوماسي غربي رفيع إن القرار «خطوة جادة»، لكنه أكّد أن «باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً». وحذّر من أنه في حال استمرار عدم التعاون الإيراني، قد يُعقد اجتماع استثنائي خلال الصيف لإحالة الملف إلى مجلس الأمن.

وأكّدت الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، في بيان مشترك، أنها لن تدخر جهداً في السعي لحلّ دبلوماسي، لكنها حذرت من أنها قد تلجأ إلى تفعيل آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات إذا لم تقدم إيران إجابات فنية موثوقة.

وتنتهي صلاحية استخدام هذه الآلية في أكتوبر المقبل، ما يعني أن الغرب يسابق الزمن للضغط على إيران قبل فقدان هذه الورقة القانونية.

من جانبه، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلق بالغ» من «التوسع المقلق» للأنشطة النووية الإيرانية، معتبراً أن إيران اكتسبت قدرات لا يمكن التراجع عنها في مجال التخصيب. وشدّد الاتحاد على أن ضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي «أولوية أمنية أساسية»، داعياً إلى استئناف الشفافية وتنفيذ البروتوكول الإضافي، محذراً من تداعيات استمرار التصعيد الإيراني على الأمن الإقليمي والدولي.

من جانبها، أكّدت الولايات المتحدة عبر مبعوثها بالإنابة أن إيران «تواصل تسريع برنامجها النووي دون مبرّر مدني»، معتبراً أن تراكم اليورانيوم عالي التخصيب يثير «قلقاً بالغاً» بشأن نيات طهران.

وجدّدت واشنطن التزامها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، داعية طهران إلى وقف التصعيد، والعودة الفورية للامتثال الكامل، وقبول مفتشي «الوكالة».

وقال القائم بالأعمال الأميركي، هاورد سولومون، في بيانه، خلال اجتماع «الوكالة الذرية»، إن «الولايات المتحدة تتفاوض بحسن نية للتوصل إلى اتفاق يسمح لنا بالقول بثقة ما دأب الرئيس ترمب على قوله؛ لن تمتلك إيران سلاحاً نوويّاً أبداً». وأضاف أن «لدى إيران الآن فرصة سانحة لبناء الثقة، من خلال توفير شفافية أكبر للوكالة» و«وقف نشاطاتها النووية التصعيدية».

وشدّد على أن استمرار السلوك الإيراني الحالي «لن يقربها من أهدافها، ويقلّص فرص التوصل إلى اتفاق».

وقبيل التصويت، هدّدت طهران بـ«الردّ بقوة» عن طريق تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حال تبني القرار.

وقال دبلوماسيون إن القرار يهدف إلى زيادة الضغط على إيران. ويأتي القرار في خضم مباحثات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمان.

وأجرى البلدان 5 جولات تفاوض منذ أبريل (نيسان)، سعياً إلى إيجاد بديل لاتفاق 2015 الذي هدف إلى كبح برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها.

وتتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه أصبح «أقل ثقة» بشأن التوصل إلى اتفاق مع إيران حول الملف النووي.

وهدّدت إيران، الأربعاء، باستهداف قواعد عسكرية أميركية في المنطقة في حال اندلاع نزاع.

ومن المقرر إجراء جولة جديدة من المحادثات بشأن الملف النووي، في مسقط، الأحد.


مقالات ذات صلة

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

أفاد إشعار ‌نشر على ‌الموقع ​الإلكتروني ‌لوزارة الخزانة ​الأميركية بأن إدارة ‌الرئيس ‌دونالد ​ترمب ‌أصدرت عقوبات ‌جديدة تتعلق ‌بإيران تستهدف 16 فردا و10 كيانات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.