«التحقيقات الفيدرالي»: المشتبه به في هجوم الحريق بكولورادو خطط له لمدة عام

مهاجر مصري استخدم القنابل الحارقة بدلاً من السلاح الناري

المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان بعد اعتقاله في الولايات المتحدة الأميركية - 2 يونيو 2025 (رويترز)
المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان بعد اعتقاله في الولايات المتحدة الأميركية - 2 يونيو 2025 (رويترز)
TT

«التحقيقات الفيدرالي»: المشتبه به في هجوم الحريق بكولورادو خطط له لمدة عام

المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان بعد اعتقاله في الولايات المتحدة الأميركية - 2 يونيو 2025 (رويترز)
المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان بعد اعتقاله في الولايات المتحدة الأميركية - 2 يونيو 2025 (رويترز)

قال ممثلو الادعاء الاثنين، إن مصرياً متهماً بإلقاء قنابل حارقة على مسيرة مؤيدة لإسرائيل في ولاية كولورادو الأميركية، ما أدى إلى إصابة أكثر من 10 أشخاص، أمضى عاماً كاملاً في التخطيط لهجومه، واستخدم القنابل الحارقة بدلاً من السلاح الناري، لأن وضعه مهاجراً يمنعه من شراء الأسلحة.

المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان بعد اعتقاله في الولايات المتحدة الأميركية - 2 يونيو 2025 (رويترز)

وتفيد وثائق محكمة الولاية والمحكمة الاتحادية بأن محمد صبري سليمان (45 عاماً)، قال للمحققين إنه كان يريد «قتل جميع الصهاينة»، لكنه أرجأ تنفيذ الهجوم الذي وقع في مدينة بولدر إلى ما بعد تخرج ابنته من المدرسة الثانوية. وبحسب الوثائق تم اتهامه بالشروع في القتل والاعتداء وارتكاب جريمة كراهية اتحادية.

ونقلت إفادات الشرطة ومكتب التحقيقات الاتحادي عن المشتبه به، قوله إنه تعلم إطلاق النار من مسدس في فصل تعليمي حضره بغرض الحصول على تصريح حمل سلاح مخفي، لكن انتهى به الأمر باستخدام القنابل الحارقة بسبب وضعه مهاجراً. وقال سليمان للمحققين إنه تعلم كيفية صنع القنابل الحارقة من موقع «يوتيوب».

وقالت السلطات إن سليمان موجود في البلاد بشكل غير قانوني لأنه تجاوز مدة تأشيرته السياحية، ولديه تصريح عمل منتهي المدة.

أعضاء كنيسة يتجمعون للصلاة بجوار نصب تذكاري في موقع هجوم أدى إلى إصابة عدة أشخاص - خارج محكمة مقاطعة بولدر - كولورادو - الولايات المتحدة - 2 يونيو 2025 (رويترز)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن شهود عيان قولهم إن رجلاً ألقى شيئاً يشبه زجاجة حارقة بدائية الصنع (مولوتوف) على مجموعة من المتظاهرين المؤيدين لإسرائيل.

وأعلنت شرطة مدينة بولدر في كولورادو عن اعتقال رجل، لكنها كانت حذرة بدايةً في تحديد الدافع وراء الهجوم الذي أفادت مصادر عدة بأنه استهدف أفراداً من الجالية اليهودية خلال مسيرة سلمية.

يتجمع ضباط الشرطة في شارع بيرل أمام محكمة مقاطعة بولدر (مسرح الهجوم الذي أدى إلى إصابة عدة أشخاص) في كولورادو - الولايات المتحدة - 2 يونيو 2025 (رويترز)

وفي مقطع فيديو للهجوم تم تداوله، يظهر رجل عاري الصدر حاملاً زجاجتين بيديه، بينما يحترق عشب أمامه.

واستغل مسؤولو إدارة ترمب على الفور هجوم يوم الأحد، ليكون مثالاً على سبب اتخاذهم إجراءات صارمة ضد الهجرة غير الشرعية.

وجاء في إفادة خطية من الشرطة تدعم مذكرة اعتقال سليمان أنه ولد في مصر وعاش في الكويت لمدة 17 عاماً، وانتقل قبل 3 سنوات إلى مدينة كولورادو سبرينجز، الواقعة على بعد 161 كيلومتراً جنوب بولدر، حيث عاش مع زوجته وأبنائه الخمسة.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو على موقع «إكس»: «في ضوء هجوم أمس المروع، يجب أن يعلم جميع الإرهابيين وأفراد أسرهم والمتعاطفين مع الإرهابيين الموجودين هنا بتأشيرات دخول، أننا في عهد إدارة ترمب سنجدكم وسنلغي تأشيراتكم ونرحلكم».

وقالت السلطات الاتحادية والمحلية في مؤتمر صحافي عُقد بعد الظهر في بولدر، إن سليمان لم يفعل شيئاً يلفت انتباه سلطات إنفاذ القانون إليه قبل هجوم يوم الأحد. وذكرت السلطات أنها تعتقد أنه تصرف بمفرده.

امرأة تزور نصباً تذكارياً في موقع هجوم أدى إلى إصابة عدة أشخاص - خارج محكمة مقاطعة بولدر - كولورادو - الولايات المتحدة - 2 يونيو 2025 (رويترز)

وجاء في إفادة شرطة بولدر أن سليمان خطط لمدة عام لتنفيذ الهجوم الذي وقع في مركز بيرل ستريت التجاري، وهو مكان تسوق للمشاة يحظى بشعبية ويقع بالقرب من جامعة كولورادو.

وجاء في الإفادة المكتوبة أن المشتبه به «ألقى زجاجتين حارقتين على أشخاص مشاركين في التجمع المؤيد لإسرائيل»، وهو يصيح «فلسطين حرة».

أعضاء كنيسة يتجمعون للصلاة بجوار نصب تذكاري في موقع هجوم أدى إلى إصابة عدة أشخاص - خارج محكمة مقاطعة بولدر - كولورادو - الولايات المتحدة - 2 يونيو 2025 (رويترز)

وكان المصابون، ومعظمهم من كبار السن، يشاركون في فعالية نظمتها منظمة «اركضوا من أجل حياتهم»، التي تكرس جهودها لتسليط الضوء على الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في غزة منذ هجوم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في عام 2023 على إسرائيل.

العثور على 16 زجاجة حارقة

ويعدّ هجوم بولدر أحدث أعمال العنف التي تستهدف اليهود الأميركيين، والمرتبطة بالغضب من الهجوم العسكري الإسرائيلي المتصاعد في غزة، وجاء في أعقاب مقتل موظفَين بالسفارة الإسرائيلية بعد إطلاق النار عليهما خارج المتحف اليهودي بواشنطن الشهر الماضي.

وقالت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي، إن المشتبه به سيخضع للمساءلة بأقصى ما يسمح به القانون على ما وُصف بأنه «هجوم إرهابي معادٍ للسامية».

يتجمع ضباط الشرطة في شارع بيرل أمام محكمة مقاطعة بولدر (مسرح الهجوم الذي أدى إلى إصابة عدة أشخاص) في كولورادو - الولايات المتحدة - 2 يونيو 2025 (رويترز)

وقالت السلطات إنها عثرت على 16 زجاجة مملوءة بالبنزين بالقرب من مكان اعتقال المشتبه به.

وعثرت الشرطة أيضاً على عبوة بنزين بسيارته المتوقفة في موقع قريب، وعلى بخاخة لرش الأعشاب الضارة مملوءة بالبنزين في مكان الواقعة.

وتشير الإفادة الخطية إلى مقطع فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر سليمان «عاري الصدر وهو يسير ذهاباً وإياباً، بينما يحمل ما يبدو أنها قنابل حارقة».

وخلال مثوله الوجيز أمام محكمة أمس (الاثنين)، ظهر سليمان عبر بث مرئي من سجن مقاطعة بولدر، واقفاً ومرتدياً بدلة برتقالية. ورد قائلاً: «نعم» على بعض الأسئلة الإجرائية التي طرحها القاضي، لكنه لم يقُل شيئاً آخر.

وقالت كاثرين هيرولد محامية سليمان خلال الجلسة، إنها ستحتفظ بأي دفوع تتعلق بشروط الكفالة إلى وقت لاحق. وتم احتجازه في البداية مع إمكانية دفع كفالة قدرها 10 ملايين دولار.

ويواجه المشتبه به عقوبة قصوى بالسجن مدى الحياة، إذا ثبتت إدانته بتهمة جريمة الكراهية الاتحادية، لأنه متهم أيضاً بالشروع في القتل بمحكمة الولاية.

وقال مايكل دورتي المدعي العام لمقاطعة بولدر، إن عقوبة تهم الشروع في القتل المتعددة تصل إلى السجن لمدة تصل إلى 384 سنة.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن 8 أشخاص أصيبوا في الهجوم، تتراوح أعمارهم بين 67 و88 عاماً.

ويقول مسؤولون إن المواطن المصري استهدف مجموعة من المتظاهرين المؤيدين لإسرائيل بمركز تجاري مفتوح في بولدر، وهتف: «الحرية لفلسطين».

وحسبما ذكرت عدة مصادر لشبكة «سي بي إس»، وصل المشتبه به إلى كاليفورنيا عام 2022 بتأشيرة لغير المهاجرين انتهت صلاحيتها في فبراير (شباط) 2023.

فيما قال مسؤولون في وزارة الأمن الداخلي إن سليمان دخل البلاد في أغسطس (آب) 2022، بتأشيرة سياحية وقدم طلب لجوء في الشهر التالي، وظل في البلاد بعد انتهاء تأشيرته في فبراير 2023.

في هذه الصورة الملتقطة في 1 يونيو 2025 يظهر المشتبه به في هجوم بولدر (كولورادو) محمد صبري سليمان وهو يطلق النار على المتظاهرين في مركز تجاري مفتوح (أ.ب)

وقال تود لايونز القائم بأعمال مدير وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، خلال مؤتمر صحافي في بوسطن: «هناك الملايين مثله نحاول تحديد أماكنهم من عهد الإدارة السابقة الذين لم يتم التدقيق بشأنهم كما ينبغي، وسُمح لهم بالدخول».

وكتب الرئيس دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه لن يتم التسامح مع مثل هذه الهجمات. وقال: «هذا مثال آخر على سبب وجوب الحفاظ على أمن حدودنا، وترحيل المتطرفين المعادين للولايات المتحدة الموجودين بشكل غير قانوني من وطننا».

وذكرت شرطة بولدر أنه تم نقل 4 نساء و4 رجال، تتراوح أعمارهم بين 52 و88 عاماً، إلى المستشفيات بعد الهجوم. ولا يزال اثنان منهم في المستشفى. وقالت السلطات المحلية الاثنين، إنه تم تسجيل 4 مصابين آخرين حالتهم أقل خطورة. ويأتي هجوم بولدر بعد نحو أسبوعين من إطلاق النار على اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية خارج متحف يهودي في واشنطن، حيث اعتقلت الشرطة مشتبهاً به يبلغ 31 عاماً كان يصرخ «فلسطين حرة».


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج التعاون مستمر بين الجانبين لمكافحة التطرف الرقمي والحد من انتشاره (الشرق الأوسط)

«اعتدال» و«تلغرام» يكافحان التطرف الرقمي بإزالة 97 مليون مادة خلال 2025

أسفرت الجهود المشتركة بين المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) ومنصة «تلغرام»، في مجال مكافحة التطرف الرقمي، عن إزالة 97.611.787 مادة متطرفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر من الأمن الداخلي السوري (صفحة الداخلية السورية على إكس)

الداخلية السورية تلقي القبض على خلية ﻟ«داعش» في ريف دمشق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، القبض على أفراد خلية تتبع لتنظيم «داعش» في ريف دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة...

الشيخ محمد (نواكشوط)

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
TT

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك، اليوم الأحد، عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وقالت كل من ⁠الدنمارك وفنلندا ‌وفرنسا وألمانيا ‍وهولندا والنرويج والسويد ‍وبريطانيا في البيان: «بصفتنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ​نحن ملتزمون بتعزيز أمن القطب ⁠الشمالي باعتباره مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وجاء في البيان أن «التهديد بالرسوم الجمركية يقوض العلاقات عبر الأطلسي وينذر بانحدار ‌خطير».

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية جديدة على أعضاء أوروبيين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لحين موافقتهم على بيع غرينلاند للولايات المتحدة، قلقاً واستنكاراً من قبل بعض الدول الأوروبية.

ويجتمع الأحد ممثلو الدول في جلسة خاصة لمناقشة الأحداث الأخيرة. وقالت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«الاتحاد الأوروبي» لمدة 6 أشهر، في وقت متأخر من السبت، إن سفراء الدول استُدعوا لعقد اجتماع استثنائي بعد ظهر الأحد للرد على أحدث التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة.

ووفق أحدث استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، فإن 85 في المائة من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيده 6 في المائة فقط.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة، هذا الأسبوع، نشر قوات عسكرية في مهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظِّمها الدنمارك في غرينلاند.

ابتزاز... وتفعيل آلية لمكافحة الإكراه

وصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان فيل، هذا التهديد بأنه «ابتزاز». وقال الوزير في حديث للتلفزيون الهولندي: «ما يفعله (ترمب) ابتزاز... وهو أمر غير ضروري. هذا لا يصب ‌في مصلحة (الحلف) ‌أو غرينلاند».

وقال فان ‍فيل إن «مهمة غرينلاند» هدفها أن تظهر للولايات المتحدة استعداد أوروبا للمساعدة في الدفاع عن غرينلاند، مؤكداً اعتراضه على ربط ترمب بين الدبلوماسية بشأن الجزيرة ​والتجارة. ويشدد ترمب على أنه لن يقبل بأقل من الملكية الكاملة ⁠لغرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، ويقول إن لها أهمية بالغة لأمن الولايات المتحدة؛ بسبب موقعها الاستراتيجي ومخزونها المعدني.

ويعتزم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال تواصله الذي يمتد «طيلة اليوم مع نظرائه الأوروبيين»، طلب «تفعيل (آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه)» في حال تنفيذ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية، وفق ما أفاد به مقربون منه.

وتتيح هذه الآلية، التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية ومنع استثمارات معينة. وأوضح مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن التهديدات التجارية الأميركية «تثير تساؤلات بشأن مدى صحة الاتفاقية» المتعلقة بالرسوم الجمركية المبرمة بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي.

وعدّت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على معارضي خطته للاستحواذ على غرينلاند «خطأ»، مشيرة إلى أنها أبلغته وجهة نظرها. وقالت ميلوني للصحافيين خلال زيارة للعاصمة الكورية الجنوبية سيول: «أعتقد أن فرض عقوبات جديدة اليوم سيكون خطأ»، مضيفة: «تحدثتُ إلى دونالد ترمب قبل بضع ساعات وقلت له ما أفكر فيه».

«بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض»

وصرح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بأن غزو الولايات المتحدة غرينلاند «سيجعل بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض». وحذر سانشيز، في مقابلة نشرت الأحد، بأن أي عمل عسكري أميركي ضد جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي سيضر بـ«حلف شمال الأطلسي» ويضفي الشرعية على غزو روسيا أوكرانيا.

وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لا فانغوارديا»: «إذا ‌ركزنا على غرينلاند، ‌فعليّ أن أقول إن ‌غزو ⁠الولايات ​المتحدة ‌تلك المنطقة سيجعل فلاديمير بوتين أسعد رجل في العالم. لماذا؟ لأن ذلك سيضفي الشرعية على محاولة غزوه أوكرانيا». وتابع: «إذا استخدمت الولايات المتحدة القوة، فسيكون ذلك المسمار الأخير في نعش (حلف شمال الأطلسي). وسيكون بوتين سعيداً للغاية».

وكان ترمب قد قال في ‌منشور ⁠على ​منصة ‌«تروث سوشيال»، السبت، إن الرسوم الجمركية الإضافية بنسبة 10 في المائة على الواردات ستدخل حيز التنفيذ في 1 فبراير (شباط) المقبل على البضائع من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، ⁠وهي الدول التي وافقت على المشاركة بأفراد في ‌تدريبات لـ«حلف شمال الأطلسي» ‍في غرينلاند.

رد أوروبي مضاد وحازم

ودعا «اتحاد الشركات الألمانية المصنعة للآلات والأنظمة (في دي إم ايه)» إلى رد أوروبي مضاد وحازم على تهديدات ترمب، وقال رئيس «الاتحاد»، بيرترام كافلات، في فرانكفورت الأحد: «لا يجوز لأوروبا أن تخضع للابتزاز، حتى وإن كان من جانب الولايات المتحدة». وأضاف أن غرينلاند جزء من أوروبا وأنها يجب أن تبقى كذلك، محذراً بأن «استسلام (الاتحاد الأوروبي) في هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تشجيع الرئيس الأميركي على طرح مطالب عبثية جديدة والتهديد بفرض مزيد من الرسوم الجمركية».

وقال قادة الدنمارك وغرينلاند إن الجزيرة ليست للبيع، وأكدوا عدم الرغبة في أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة. ويعقد سفراء دول «الاتحاد الأوروبي»، الأحد، اجتماعاً طارئاً لبحث الرد على ‌تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية.

وفي السياق كان رئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، قد صرح بأنه إذا كانت الولايات المتحدة ‌ترى ‌مشكلة ‌أمنية ⁠في ​غرينلاند، ‌فإنه يجب حلها بين أعضاء «حلف شمال الأطلسي» بصفتهم حلفاء. وقال كوستا، خلال مؤتمر صحافي في ريو دي ‌جانيرو بالبرازيل، الجمعة، «المخاوف الأمنية التي ‍لدى الولايات المتحدة ‍سيجري التعامل معها بشكل صحيح في إطار الجهة المناسبة، ​وهي (حلف شمال الأطلسي)». وكوستا ⁠ورئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، كانا موجودين في أميركا الجنوبية لتوقيع اتفاق تجارة بين «الاتحاد الأوروبي» وتكتل «ميركوسور»، السبت، ‌في باراغواي.

ونُظمت مظاهرات، السبت، في مدن عدّة بالدنمارك وغرينلاند؛ احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة، إذ تجمَّع آلاف المتظاهرين في كوبنهاغن، السبت؛ رفضاً لإعلان الرئيس ترمب عزمه السيطرة على الجزيرة القطبية ذات الحكم الذاتي. وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى البلدية، حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا: «كالاليت نونات!» وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية.

وتأتي المظاهرات بعد 3 أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف؛ إذ أقرَّ وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، بأنه «لم نتمكَّن من تغيير الموقف الأميركي».

وأبدى عدد كبير من القادة الأوروبيين دعمهم الدنمارك، العضو المؤسِّس لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، في حين هدَّد ترمب، الجمعة، بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته لضم غرينلاند.