كيف تُوظّف الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي التوليدي لصالحها؟

أدوات مخصصة لتأمين احتياجاتها... ومنصات مطورة لمختلف المشروعات

توظيف الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة يعزز نموها
توظيف الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة يعزز نموها
TT

كيف تُوظّف الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي التوليدي لصالحها؟

توظيف الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة يعزز نموها
توظيف الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة يعزز نموها

مع تقبّل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بعض الشركات الكبرى، لا تزال الآراء متباينة بخصوص توظيفها في الشركات الصغيرة، كما كتبت سارة دوليزال(*).

حماس وتشكّك... وتردد

وتشمل ردود الفعل على التكنولوجيا الجديدة: الحماس، والتشكك الغاضب، والتردد، وكلها تظهر في التقارير الإخبارية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليقات الإلكترونية. وتتمحور ردود الفعل السلبية حول مخاوف العمال من أن يستحوذ الذكاء الاصطناعي على وظائفهم، أو يولد معلومات غير دقيقة، أو يُنتج منتجات عمل رديئة مثل كتابة محتوى باهت أو صور مسروقة.

حل المشكلات الكبيرة للشركات الصغيرة

بعيداً عن الأضواء، يُحلّ الذكاء الاصطناعي مشكلات كبيرة للعديد من الشركات الصغيرة. إذ تُظهر الأبحاث والاستطلاعات الحديثة حول حالات استخدام الذكاء الاصطناعي أن 40 في المائة من الشركات الصغيرة في الولايات المتحدة تستخدم بالفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي في مهام مثل جمع رؤى العملاء، وإدارة العلاقات، وتوظيف المواهب، وفقاً لتقرير غرفة التجارة الأميركية لعام 2024 حول تمكين الشركات الصغيرة. وتُخطط 49 في المائة أخرى من الشركات الأميركية لاعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي خلال العامين المقبلين، ما قد يُعيد تشكيل مستقبل ريادة الأعمال.

تطوير أدوات ذكية خصوصية

في حين لا توجد بيانات موثوقة حول عدد رواد الأعمال الذين طوّروا أدوات الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات أعمالهم، فإن هناك روايات تُشير إلى أن الشركات الصغيرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة تكتشف وتُطور أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة لمواجهة تحدياتها التشغيلية.

بالإضافة إلى ذلك، «يُجادل بعض الباحثين بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُمكن، من الناحية النظرية، أن يُساعد في سد الفجوة في التكنولوجيا والأداء بين الشركات الصغيرة والكبيرة»، وفقاً لمكتب الإحصاء الأميركي.

رواد الأعمال المنفردون يواكبون تطورات الذكاء الاصطناعي

* ذكاء اصطناعي لصفقات العقارات. في مارس (آذار)، أسست أنيتا أورتيز، وهي مستثمرة ووكيلة عقارات في سان أنطونيو بولاية تكساس، منصة «Shift Smart AI»، وهي منصة تسويق تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مصممة لمعالجة التحديات الشائعة في قطاعها، مثل تدفق العملاء المحتملين، وإتمام الصفقات، وتحقيق حرية العمل.

وأمضت أنيتا أورتيز أكثر من 8 أشهر في بناء «Shift Smart AI»؛ حيث استخدمت منصة برمجية مفتوحة المصدر، وخصصتها لشركتها من خلال الأتمتة ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وغيرهما.

وصرحت أنيتا أورتيز بأنها أسست الشركة لتواكب تطورات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وقالت في رسالة بريد إلكتروني: «أسست (Shift Smart AI) ليشاركني زملائي الوكلاء والمستثمرون رحلتي في هذا المجال... هناك طلب كبير على المعرفة بأدوات الذكاء الاصطناعي في مجال العقارات، وأعتقد بصدق أن الذكاء الاصطناعي سيُغير طريقة عملنا جميعاً».

وتُساعد المنصة المحترفين على تنظيم أعمالهم، وتبسيط العمليات، وتوليد عملاء محتملين باستمرار دون إرهاق. يجمع هذا النظام بين وظائف أساسية أو حالات استخدام، مثل إدارة علاقات العملاء، وتتبع المبيعات، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، والتوقيعات الرقمية، وجدولة منصات التواصل الاجتماعي، وإنشاء مواقع الويب، وسير العمل الآلية، ومساعدي الذكاء الاصطناعي، وقنوات الاتصال المتكاملة.

حلول ذكية دون الحاجة إلى مهارات تقنية عميقة

وصرحت أنيتا أورتيز بأنها متفائلة بشأن قيام رواد الأعمال المنفردين الآخرين بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تُعالج نقاط ضعفهم. وأضافت أنه يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء أدوات بأسعار معقولة تُحسّن الإنتاجية التجارية والشخصية، مستخدمةً شركتها مثالاً على كيفية بناء حلول ذكاء اصطناعي متطورة دون الحاجة إلى مهارات تقنية عميقة، وذلك باستخدام الأدوات الحالية التي تُمكّن رواد الأعمال من حل مشكلات مُحددة.

وقالت أنيتا أورتيز: «الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على شركات التكنولوجيا العملاقة، بل أصبح للجميع». وأضافت: «سواء كنت تُدير مخبزاً محلياً، أو تُدير عقارات مُؤجرة، أو حتى تُخطط لجدولك اليومي، فإن هذه الأدوات يُمكنها أن تُبسط الحياة وتُسهّل العمل».

أدوات ذكية لشركات الإقراض المالي

* ذكاء اصطناعي لصفقات القروض. مثال آخر هو شركة «نكتار» (Nectar) ومقرها أتلانتا، التي شارك في تأسيسها ويديرها ديريك باركر. فهي تستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتميز نفسها شركةً للقروض لمشروعات العقارات التجارية الصغيرة، مثل المجمعات السكنية. وعلى عكس شركات الإقراض التقليدية، تُبسّط «نكتار» عملية الإقراض؛ حيث تستهدف في الغالب معاملات بقيمة مليون دولار أميركي بدلاً من قروض بملايين الدولارات، ما يُسهّل إتمام الصفقات.

وأضاف باركر: «لقد طوّرت (نكتار) عمليةً قياسية. نستخدم أدوات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التي تُمكّننا من تجميع كميات كبيرة من البيانات والوثائق بسرعة فائقة».

وتستخدم «نكتار» أدوات الذكاء الاصطناعي الفريدة، التي طوّرها باركر، لتبسيط عملية التعامل مع الوثائق التي قد تستغرق وقتاً طويلاً، بل مملةً في الواقع. ويقوم الذكاء الاصطناعي تلقائياً بمراجعة البيانات والموافقة عليها واستخراجها أثناء قيام العملاء بتحميل الملفات إلى بوابتها الإلكترونية. وتُخزّن هذه المعلومات في قواعد بيانات «نكتار» لكلٍّ من المقترضين والمقرضين. وأوضح باركر أن أدوات الذكاء الاصطناعي تُقلّل الوقت اللازم لإتمام مذكرة الاكتتاب من 3 إلى 5 أيام إلى ساعتين فقط.

أدوات فريدة تدعم عمليات الأعمال المتنوعة

* تطوير أدوات مفتوحة المصدر. قامت شركة «Team-GPT» في سان فرنسيسكو -التي لا ينبغي الخلط بينها وبين «ChatGPT»- بتطوير أداة ذكاء اصطناعي للمؤسسات باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر وحقوق الملكية الفكرية الخاصة بها، ما يُسهّل التعاون بين فرق العمل في الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الكبيرة، بما في ذلك الكليات والجامعات الأميركية الراقية. ويرى الفريق في هذه الأداة وسيلةً لتعزيز الإنتاجية والتواصل بين الفرق، من خلال دمج قدرات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إنجاز المهام المختلفة، وتحسين سير العمل بشكل عام.

يقول إيليا فالتشانوف، الرئيس التنفيذي للشركة، إن الأداة تُتيح لفرق التسويق منصةً مركزيةً تُبسّط إنشاء المحتوى التعاوني. ويوفر هذا النهج الوقت والموارد مع ضمان اتساق هوية الشركة ونبرتها. ويضيف فالتشانوف: «يوفر المسوقون نحو 12.5 ساعة أسبوعياً مع (Team-GPT)، وبالنسبة لفريق تسويق نموذجي، يُوفر هذا ما يصل إلى 9750 ساعة سنوياً؛ أي ما يُقارب 585000 دولار أميركي من حيث التكلفة».

على سبيل المثال، قال إن وكالة الإعلانات «ذا كرو» زادت كفاءة إنتاج محتواها بنسبة 60 في المائة بعد اعتماد منصة «Team-GPT»، وضاعفت شركة «هاوس أوف غروث»، وهي وكالة متخصصة في تحسين محركات البحث، إنتاجها الشهري من 80 إلى 160 مقالة دون الحاجة إلى موظفين إضافيين.

وأضاف: «أطلقت (Team-GPT) للتو 4 تكاملات رئيسية كان المسوقون يطالبون بها: (غوغل درايف-Google Drive)، و(نوشن-Notion)، و(شيربوينت-SharePoint)، و(وان درايف-OneDrive). وتتيح هذه التكاملات للفرق تحسين مخرجات الذكاء الاصطناعي».

وأشار فالتشانوف إلى أن الشركة أنفقت 300 ألف دولار أميركي لبناء «Team-GPT»، واستثمرت نحو مليوني دولار أميركي حتى الآن. وتوفر مكتبة الأوامر الفورية من هذه الأداة الذكية للمستخدمين سيناريوهات مختلفة حول كيفية استخدام منصتها.

نهج حذر: جرّب الأدوات قبل الانضمام إلى ركب الذكاء الاصطناعي

تقول ماكنزي رودولف، مسؤولة توظيف «عباقرة الذكاء الاصطناعي» في شركتها «ذا لينك»، وهي شركة توظيف في مينوت، داكوتا الشمالية، إنه ينبغي على الشركات الصغيرة توخي الحذر قبل أن يبني رواد الأعمال أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة ويستخدموها.

ورغم قدرة الذكاء الاصطناعي على حل العديد من مشكلات الشركات الصغيرة، فإنها نصحت باتباع نهج أولي حذر نظراً لارتفاع مخاطر إنفاق مبالغ طائلة على منتج جديد قد يفشل.

كما حذّرت رودولف الراغبين في التحول إلى الذكاء الاصطناعي من مراعاة المخاطر الأمنية قبل الانغماس الكامل في التكنولوجيا الجديدة، وبدلاً من ذلك، توصي الشركات الصغيرة باستكشاف حلول الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، وتجري تجربة عند اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة. وقارنت استخدام أداة ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر بتطبيق قالب موقع ويب تجاري، بدلاً من بناء أو تخصيص قالب.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

40 %

من الشركات الصغيرة استخدمت الذكاء الاصطناعي عام 2024 في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

«ذئب روبوتي» يُرعب الدببة في اليابان بعد هجمات قاتلة

يوميات الشرق ذئب آلي يطارد خوف اليابانيين من الدببة (أ.ف.ب)

«ذئب روبوتي» يُرعب الدببة في اليابان بعد هجمات قاتلة

تتعرَّض شركة يابانية تصنع ذئاباً «روبوتية» شرسة المظهر لفيض من الطلبات، وذلك بعد تسجيل أعداد قياسية من هجمات الدببة القاتلة على البشر في العام الماضي...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شركات تأمين أميركية تتراجع عن تغطية مخاطر الذكاء الاصطناعي

شركات تأمين أميركية تتراجع عن تغطية مخاطر الذكاء الاصطناعي

ازدياد ادعاءات الموظفين بالتمييز... وانتهاكات الملكية الفكرية

كريس موريس (واشنطن)
علوم حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

تحفظ أنواعاً مختلفة من المعلومات كالتعليقات العفوية والتصريحات المُصحّحة بسرعة والنكات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» في رسم توضيحي (رويترز)

طفرة الذكاء الاصطناعي تضع «إس كيه هاينكس» على أعتاب نادي التريليون دولار

باتت شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية على أعتاب دخول نادي الشركات ذات القيمة السوقية البالغة تريليون دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول )
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر أسعار أسهم «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم الذكاء الاصطناعي... و«قمة بكين» في دائرة الضوء

ارتفعت الأسهم الأوروبية، الخميس، بعدما عزز التفاؤل المرتبط بقطاع الذكاء الاصطناعي شهية المستثمرين للمخاطرة، في وقت استمرت فيه المخاوف بشأن تعثر محادثات السلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
TT

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)

ليست الأسود ولا العناكب ولا الحيتان الحيوانات الأكثر حصداً لأرواح البشر، بل البعوض الصغير الذي يلدغ ويسبب حكة وينقل الأمراض، إلى حدّ أن فكرة القضاء عليه تصبح في كثير من الأحيان موضع جدل.

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً، بحسب بيانات رسمية، إذ ينقل نحو 17 في المائة من الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

وبسبب التغير المناخي، تنتشر هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم خلال فصول الصيف التي باتت أطول، ما يُثير مخاوف من أزمات صحية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، ألا يمكن للبشر القضاء على البعوض القاتل؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما تأثيره على البيئة؟

تشير عالمة الأحياء هيلاري رانسون من كلية ليفربول للطب الاستوائي في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى عدم الحاجة للقضاء على مختلف أنواع البعوض، إذ من 3500 نوع معروفة تقريباً لا يلدغ البشر سوى نحو مائة، بينما تُعدّ 5 أنواع فقط مسؤولة عن نحو 95 في المائة من العدوى لدى البشر.

وتوضح أن الأنواع الخمسة الناقلة للأمراض «تطورت لتكون شديدة الارتباط بالبشر»، لا سيما من خلال التغذية والتكاثر على مقربة منهم.

وتؤكد أنّ القضاء عليها نهائياً، وهو أمر «مقبول» بالنظر إلى الضرر الذي تُسببه، لن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي ككل، لافتة النظر إلى أنّ أنواعاً من البعوض متشابهة جينياً، لكنها أقل فتكاً «ستسدّ سريعاً هذه الفجوة البيئية».

جدل أخلاقي

من جهته، يعدّ عالم الحشرات دان بيتش من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات لمقارنة القضاء النهائي على البعوض بخيارات أخرى، ويقول: «نحن لا نعرف ما يكفي عن بيئة معظم أنواع البعوض لاتخاذ قرار نهائي في أي من الاتجاهات».

ويضيف أن البعوض «ينقل عناصر غذائية من موائله المائية التي يفقس فيها» إلى مناطق أخرى، ويُعدّ غذاء لكائنات حية أخرى كأنواع من الحشرات والأسماك. كما أنه يُلقّح النباتات، مع العلم أنّ هذه الظاهرة «ليست مفهومة بشكل جيد، وقد تختلف بحسب الأنواع».

وترى رانسون أن الجدل الأخلاقي الدائر بشأن القضاء على كائنات حية مشروع، مشيرة أيضاً إلى أنّ البشر يُبيدون أصلاً أنواعاً كثيرة منها من دون قصد.

ومن بين التقنيات الحيوية الواعدة للقضاء على البعوض، تقنية «الدفع الجيني» التي تقوم على تعديل كروموسوم لنقل صفة معينة إلى كل نسله. وقد نجح علماء عدّلوا جينات إناث بعوض أنوفيلة غامبية الناقل لمرض الملاريا لجعلها عقيمة، في القضاء على مجموعة من هذه الحشرات خلال بضعة أجيال فقط داخل مختبرات.

وتعتزم مبادرة «تارغيت ملاريا» (استهداف الملاريا)، الممولة من مؤسسة غيتس الأميركية، إجراء تجارب في دولة متضررة من الملاريا بحلول عام 2030.

وقد واجهت المبادرة انتكاسة في بوركينا فاسو، حيث أوقف المجلس العسكري الحاكم خلال العام الفائت مشروعاً يتعلق بسلالات معدلة وراثياً من البعوض، ولكن من دون استخدام تقنية الإجبار الجيني (إجبار جين معين على الظهور على نحو تفضيلي في الأجيال الآتية)، وذلك عقب انتقادات من المجتمع المدني وحملات تضليل إعلامي.

وتتمثل استراتيجية واعدة أخرى بجعل بعوض الزاعجة المصرية مُصابة ببكتيريا ولباكيا (الولبخية) التي تمنع انتشار الفيروس. ومن شأن ذلك أن يقلل من أعدادها أو يحدّ من قدرتها على نقل حمى الضنك.

«لا حلّ سحرياً»

تثير هذه التقنيات تساؤلاً آخر بشأن الحاجة الفعلية للقضاء على هذه الحشرات.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 أن إطلاق بعوض مُصاب ببكتيريا ولباكيا في مدينة نيتيروي البرازيلية خفّض حالات حمى الضنك بنسبة 89 في المائة. وحالياً، يتمتع أكثر من 16 مليون شخص في خمس عشرة دولة بالحماية بفضل هذه البعوضات «من دون مواجهتهم أي آثار سلبية»، على ما يقول مؤسس البرنامج العالمي لمكافحة البعوض سكوت أونيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في غضون ذلك، يسعى مشروع آخر يهدف إلى «منع انتقال العدوى بشكل تام» إلى استخدام تقنية تحوير الجينات لمنع إناث بعوضة الأنوفيلة الغامبية من نقل الملاريا. تشير أبحاث مخبرية نُشرت في مجلة «نيتشر» أواخر عام 2025 إلى أن العلماء يقتربون من تحقيق هذا الهدف، ومن المتوقع بدء تجربة ميدانية عام 2030.

مع ذلك، أظهرت النكسة في بوركينا فاسو أن هذه المشاريع تتطلب قدراً من «الدعم السياسي أو موافقة» الدول التي تُجرى فيها التجارب، بحسب ما يؤكد معدّ الدراسة ديكسون ويلسون لويتويرا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدل التعويل فقط على «حلّ تكنولوجي سحري» والذي عادة ما تموّله مؤسسة «غيتس»، تدعو رانسون إلى «حلّ أكثر شمولاً» لمكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عبر الحشرات.

وتقول رانسون إن هذا الحل يتضمن تعزيز إتاحة التشخيص والعلاجات واللقاحات الأكثر فاعلية لسكان الدول المتضررة. لكن بحسب منظمات غير حكومية، يهدّد خفض المساعدات الدولية من الدول الغربية الذي بدأ عام 2025، التقدم المُحرز في مكافحة معظم الأمراض التي ينقلها البعوض.


القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة
TT

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

يقوم جيفري جيفورد، وهو محامٍ في سان أنطونيو، متخصص في حوكمة الشركات والأوراق المالية وعمليات الاندماج والاستحواذ في مكتب دايكيما للمحاماة بدور حارس أمن... قبل بدء الاجتماعات الافتراضية! كما كتبت سارة كيسل(*).

ويقول لموقع «ديل بوك»: «قبل بدء الاجتماع، عندما أرى برنامج تدوين الملاحظات الذكي يظهر، أقول (للمشاركين): (مرحباً مايك، جيم، باربرا، لقد رأيت برنامج تدوين الملاحظات الذكي. سأقوم بإيقافه وإخراجه من الاجتماع)».

إن هذا الأمر يتكرر حالياً بشكل متزايد. ويضيف يفورد: «الجميع يستخدم هذه البرامج، من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء مجالس الإدارة ورجال الأعمال غير التنفيذيين».

رواج «الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي»

يُطلق على عملية تخطّي الاجتماعات وعدم المشاركة فيها، وإرسال مُدوّن ملاحظات يعمل بالذكاء الاصطناعي اسم «أحدث صيحة في عالم الأعمال». وقد أصبحت أجهزة التسجيل صغيرة الحجم التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسجيل التفاعلات المباشرة من فئة المنتجات الرائجة. بل إنّ أحد الرؤساء التنفيذيين على الأقل أيّد فكرة إضافة عضو مجلس إدارة يعمل بالذكاء الاصطناعي (ربما كان مُبرمجاً ليتصرف مثل وارن بافيت - رجل الاعمال الشهير).

ذكاء اصطناعي في الاجتماعات- قنبلة موقوتة

لكن بالنسبة لمحامين مثل جيفورد، فإنّ دعوة روبوت ذكاء اصطناعي إلى الاجتماعات تُشكّل قنبلة موقوتة من المخاطر القانونية.

تعليقات عفوية... ودعاوى قضائية

النصوص المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، التي تُتيح بعض تطبيقات مكالمات الفيديو للمستخدمين تفعيلها افتراضياً، تحفظ أنواعاً مختلفة من المعلومات - كالتعليقات العفوية، والتصريحات المُصحّحة بسرعة، والنكات - التي نادراً ما يُدوّنها البشر في محاضر الاجتماعات. وتظهر هذه النصوص في اجتماعات ما كانت لتُسجّل لولا ذلك.

وفي الدعاوى القضائية أو التحقيقات، قد يُصبح كل ما يُقال قابلاً للكشف.

بل الأسوأ من ذلك، كما يقول محامو الشركات إنّ «مشاركة الاجتماع مع روبوت ذكاء اصطناعي قد تُبطِل سرية العلاقة بين المحامي وموكله؛ ما يجعل المحادثات التي ما كانت لتخضع للكشف في الظروف العادية، متاحةً للطعن في الدعوى القضائية».

تحذيرات حقوقية من حضور الروبوت في الاجتماع

أصدرت نقابة المحامين في مدينة نيويورك، العام الماضي، رأياً رسمياً بشأن برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحثت المحامين على «النظر فيما إذا كان تسجيل المحاضر وتفريغها وتلخيصها إجراءً تكتيكياً مناسباً في الظروف الخاصة بكل حالة»، ونصحوا الزبائن الذين يستخدمون هذه الأدوات (بالتمعّن) «بمساوئ القيام بذلك».

ومن بين المخاوف دقة هذه البرامج؛ فعلى سبيل المثال، قد يسجل برنامج تدوين الملاحظات المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبارة «مهم» على أنها «غير مهم». وإذا ما طُرحت هذه الجملة في المحكمة بعد سنوات، فقد يصعب تذكُّر الخطأ.

كما يشعر محامو الشركات بالقلق إزاء افتقار برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى فهم السياق والتقدير. فعلى سبيل المثال، قد يكون تسجيل كل كلمة في اجتماع مجلس الإدارة، مهما كانت الملاحظة هامشية، أمراً محفوفاً بالمخاطر القانونية.

مشكلات «امتياز السرية القانونية»

يتوقع المسؤولون التنفيذيون ومجالس الإدارة عموماً أن تتمتع المحادثات مع فريقهم القانوني بشأن المسائل القانونية، بامتياز السرية بين المحامي والموكل. ويفقدون هذه الحماية إذا شاركوا المعلومات نفسها مع جهات خارجية، ومن المحتمل أن يكون لبرامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التأثير نفسه.

ويُزعم أن الشركات التي تُصنّع هذه الأدوات قد تتمكن من الوصول إلى نصوص المحادثات والبيانات المتعلقة بها.

اجتهادات القضاة

وبينما لم تتناول المحاكم هذه المسألة بشكل مباشر، فقد نظرت في مسائل مماثلة. ففي فبراير (شباط) الماضي، وعندما طلب المدعى عليه استشارة قانونية منه، قضى القاضي جيد س. راكوف، من المحكمة الجزئية الأميركية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، بأن نصوص المحادثات التي تم إنشاؤها باستخدام تطبيق «كلود» للذكاء الاصطناعي لا تتمتع بامتياز السرية بين المحامي والموكل.

وكتب القاضي أنه لا يحق للمدعى عليه توقع أي خصوصية عند استخدام نموذج مُدرّب على مدخلات المستخدم، الذي يتضمن إخلاء مسؤولية صريحاً في سياسة الخصوصية الخاصة به بشأن قدرته على مشاركة المعلومات مع جهات خارجية (بما في ذلك «السلطات التنظيمية الحكومية«).

من جهة أخرى، اتخذ القاضي غيرشوين أ. درين، من محكمة المقاطعة الأميركية في ديترويت، نهجاً مختلفاً؛ فقد قضى، في فبراير أيضاً، بأنه لا يمكن إجبار المدعية التي مثّلت نفسها بفعالية في المحكمة على تسليم نصوص محاضر جلسات «تشات جي بي تي» المتعلقة بالقضية.

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».