«حزب الله» يتحدث عن «مساحة تفاهم واسعة» مع الرئيس اللبناني

يشترط «خطوات عملية» بينها انسحاب الجيش الإسرائيلي وإطلاق الأسرى

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يتحدث عن «مساحة تفاهم واسعة» مع الرئيس اللبناني

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

استبق «حزب الله» تفعيل الحراك الرسمي اللبناني لمعالجة ملف سلاحه بإشهار شروطه التي تطالب إسرائيل بخطوات عملية قبل مناقشة الملف، وفي مقدمها الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الأسرى ووقف الخروقات، رغم «مساحة التفاهم الواسعة» مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، التي أكدها رئيس كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب محمد رعد، مشيراً إلى «أبواب مفتوحة» معه «لتبادل الأفكار».

وعشية زيارة الوفد النيابي من «حزب الله» لرؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة لتقديم التهنئة بـ«عيد المقاومة والتحرير»، وهي الذكرى الـ25 لانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، قال الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني نعيم قاسم، الأحد، إن الحرب مع إسرائيل لم تنتهِ بعد، «لأنها لم تلتزم بترتيبات وقف إطلاق النار». وقال: «لا تطلبوا منا شيئاً بعد الآن، فلتنسحب إسرائيل وتوقف عدوانها وتفرج عن الأسرى، وبعد ذلك لكل حادث حديث»، محمّلاً الولايات المتحدة المسؤولية لأنها «هي التي ترعى العدوان الإسرائيلي كما رعته في غزة».

وجاء تصريح قاسم بالتزامن مع ختام الانتخابات المحلية (البلدية)، وهو موعد (انتهائها) الذي كانت قد قطعته السلطات اللبنانية للبدء بتفعيل ملف معالجة سلاح الحزب بالتواصل معه، التزاماً بما كان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد خطط له في الأشهر الماضية، وذلك ضمن آلية حوار مع الحزب، وسيكون رئيس مجلس النواب نبيه بري داعماً ومسهلاً لها، حسبما قالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط». ولفتت المصادر إلى «قرار رسمي جدي بمعالجة هذا الملف»، في حين قالت مصادر وزارية أخرى إن عون «يأمل أن يحرز تقدماً في هذا الملف قبل الانتخابات النيابية المقبلة في مايو (أيار) 2026».

محادثات مع «حزب الله»

ويتصدر ملف حصرية السلاح بيد السلطات اللبنانية الرسمية قائمة أولويات المجتمع الدولي الذي يضغط على بيروت لمعالجة هذا الملف، بالتزامن مع تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية. وبينما حدّد لبنان موعداً رسمياً للبدء بتفكيك السلاح الفلسطيني من المخيمات، بدءاً من 16 يونيو (حزيران) المقبل في 3 مخيمات فلسطينية (من أصل 12 مخيماً)، أخذ عون على عاتقه معالجة ملف سلاح «حزب الله» ضمن محادثات لم تتضح معالمها بعد، «بالنظر إلى أن آليات الحوار، لم يُحكَ فيها بعد، ويتوقع أن تتم المعالجات على مراحل»، حسبما قالت مصادر وزارية.

رعد يتحدث على منبر القصر الجمهوري بعد لقاء وفد نيابي من «حزب الله» مع الرئيس عون (الرئاسة اللبنانية)

ويشترط الحزب «خطوات عملية» من جانب إسرائيل، يتصدرها انسحاب جيشها من النقاط المحتلة، ووقف الخروق لاتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة الأسرى وإعادة الإعمار. وينظر المستوى السياسي اللبناني إلى هذه المطالب على أنها «خطوات ضرورية يجب أن تقدمها إسرائيل لتسهيل الحوار على السلاح»، ومن شأنها «أن تدعم موقف الدولة اللبنانية في المباحثات»، خصوصاً في ظل «الانفتاح الذي يبديه الحزب على الحوار حول سلاحه».

عون – «حزب الله»

وزار وفد نيابي من الحزب، الاثنين، القصر الرئاسي اللبناني، لتقديم تهنئة لعون بمناسبة «عيد المقاومة والتحرير»، وهي ذكرى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في عام 2000، ضمن جولة الوفد على الرؤساء عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام.

وتعد هذه الزيارة المعلنة، هي الأولى منذ الكشف عن أن عون سيتولى حواراً مباشراً مع «حزب الله» حول سلاحه. ولم تحصل اتصالات مباشرة بين عون والحزب خلال الفترة الماضية، حسبما قالت مصادر وزارية، في ظل انشغال القوى السياسية بملف الانتخابات المحلية التي بدأت في 4 مايو الحالي واختُتمت السبت.

وقال رعد، بعد اللقاء: «تداولنا مع رئيس الجمهورية في حفظ السيادة الوطنية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والخروقات المدعومة من الدول الضامنة، وإعادة الإعمار وحفظ الاستقرار وتحرير المؤسسات عبر الاستحقاقات».

وأضاف: «ليس هناك من أبواب مغلقة لتبادل الأفكار مع رئيس الجمهورية في أي مستوى من المستويات والأبواب مفتوحة منذ إتمام الاستحقاق الرئاسي».

وتابع رعد: «اللبنانيون تنعموا بالتحرير بفضل المقاومة وتحمل أهالي الجنوب معاناة الاحتلال»، مضيفاً أن «الدولة ليست لها امتيازات خاصة دون أن تكون عليها واجبات تلتزم بها». وأكد أن «مساحة التفاهم مع رئيس الجمهورية واسعة ويعول عليها»، لافتاً إلى «أننا لا نجد أننا ملزمون بتوقيت ولا بمكان ولا بأسلوب معين، طالما أن الرئيس يحرص على تحقيق الأولويات، وفي طليعتها حفظ السيادة، وإنهاء الاحتلال، ووقف الخروق».

بري

وكان الوفد قد استهل جولته بلقاء رئيس البرلمان نبيه بري، ووصفته مصادر مطلعة على أجواء بري بأنه إيجابي. وقال رعد بعد اللقاء: «نحن في (حزب الله) و(كتلة الوفاء للمقاومة) لا يسعنا بمناسبة عيد المقاومة والتحرير إلا أن نمر في هذه الدار الوطنية لنحيي رمز المقاومة فيها، ولنشد على أيدي رئيس مجلس النواب نبيه بري لمواقفه الوطنية المقاومة ولحرصه على خيار المقاومة والتحرير وعلى خيار التنمية».

بري يستقبل وفداً نيابياً من «حزب الله» (رئاسة البرلمان اللبناني)

أوضح رعد أن «أهل الجنوب يراهنون على خيار ومعادلة المقاومة والتحرير الثلاثية من أجل تحرير ما تبقى من أرض ومن أجل طرد الاحتلال ومن أجل إعادة إعمار القرى المهدمة بفعل العدوان». وقال: «تحياتنا إلى كل اللبنانيين أيضاً بهذه المناسبة الوطنية التي تتناغم فيها قوى الجيش والشعب والمقاومة من أجل إنجاز الاستحقاق الوطني الكبير الذي نعمنا بفيئه طوال 25 عاماً مما مضى، وسنعاود أن ننعم بفيئه فيما تبقى بعد إنجاز التحرير إن شاء الله في وقت قريب».


مقالات ذات صلة

قائد الجيش اللبناني: مهماتنا مستمرة على الحدود وبالداخل

المشرق العربي مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

قائد الجيش اللبناني: مهماتنا مستمرة على الحدود وبالداخل

أكد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل أن مهمات الجيش مستمرة على الحدود وفي الداخل لمكافحة الإرهاب والاتجار بالأسلحة والمخدرات ومنع التهريب

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شحنة ضخمة من المواد المخدرة قادمة من الأراضي اللبنانية عبر معبر جديدة يابوس

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

أعلنت إدارة مكافحة المخدرات إحباط محاولة تهريب أكثر من ‌‏100 ألف حبة ‌‏كبتاغون، كانت ‏مخبأة داخل الإطار ‏الاحتياطي ‏لشاحنة تبريد متجهة إلى السعودية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أنصار لـ«حزب الله» يلوحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

القضاء اللبناني يتوسّع بالتحقيق في شحنة أسلحة «حزب الله»

توالت المواقف السياسية اللبنانية المطالبة بتسريع تفكيك البنية العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

أمطار الخريف تربك ساكني المنازل المتضررة في ضاحية بيروت الجنوبية

دفعت الأمطار الأخيرة سكاناً وأصحاب متاجر في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مواجهة جانب آخر من آثار الحرب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مناصر لـ«حزب الله» يرفع علمه في موقع قصف إسرائيلي تزامن مع إنزال ببلدة النبي شيت شرق لبنان مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لبنان يتشدد بملاحقة أسلحة «حزب الله» من سوريا… وفي الداخل

يتشدد لبنان في ملاحقة أسلحة «حزب الله» وذخائره التي يهربها من سوريا إلى لبنان، وكان آخرها شحنة متفجرات ضُبطت على حاجز أمني في منطقة ضهر البيدر، شرقي لبنان.

يوسف دياب (بيروت)

فرنسا تدعو السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن تأجيل الانتخابات

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
TT

فرنسا تدعو السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن تأجيل الانتخابات

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

قال متحدث باسم وزارة ​الخارجية الفرنسية، الأحد، إن باريس تأسف لقرار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تأجيل الانتخابات التشريعية ‌والرئاسية، وتدعوه إلى ‌إعادة ​النظر ‌في ⁠القرار.

وأعلن ​عباس، السبت، تأجيل الانتخابات التشريعية إلى 11 سبتمبر (أيلول) 2027 بعد أن كانت ⁠مقررة الشهر ‌المقبل، ‌ودعا إلى ​إجراء انتخابات ‌رئاسية في التاريخ ‌نفسه، وألقى بالمسؤولية على إسرائيل والوضع الأمني بالأراضي الفلسطينية ‌في قرار التأجيل.

وقال المتحدث باسم وزارة ⁠الخارجية ⁠الفرنسية في بيان: «تدعو فرنسا السلطات الفلسطينية إلى التراجع عن قرارها وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في أنحاء فلسطين بأقرب وقت ​ممكن».


قائد الجيش اللبناني: مهماتنا مستمرة على الحدود وبالداخل

مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

قائد الجيش اللبناني: مهماتنا مستمرة على الحدود وبالداخل

مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

أكد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل أن مهمات الجيش مستمرة على الحدود وفي الداخل لمكافحة الإرهاب والاتجار بالأسلحة والمخدرات ومنع التهريب، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، حيث قتل الأحد شخص جراء انفجار جسم مشبوه من مخلفات العدوان الإسرائيلي في بلدة فرون الجنوبية.

وخلال رعايته السباق الثاني للجيش لمسافتي 10 كيلومترات و5 كيلومترات، بمشاركة نحو 3500 عدّاء، شدّد هيكل على عمق العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمواطنين، مؤكداً أنها «قديمة جداً ومتجذرة ولم تكن ضعيفة في أي وقت»، وأن الجيش «يستمد قوته منهم».

وقال هيكل إن «الجيش موجود قرب كل منزل في مختلف المناطق وعند الحدود»، مشيراً إلى أن مهماته مستمرة في مختلف المراحل، سواء على الحدود أو في الداخل، وتشمل مكافحة الإرهاب والاتجار بالأسلحة والمخدرات ومنع التهريب.

ودعا المواطنين إلى مساعدة الجيش والتحلي بالانتباه والوعي، عادّاً أنهم يشكلون مصدر أمان للمؤسسة العسكرية، ومشدداً على ضرورة إبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي أمر مشبوه. وأضاف: «نحن على درجة عالية من الوعي الأمني لنصل بلبنان إلى بر الأمان».

مقتل مواطن

في المقابل، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على جنوب لبنان، حيث قُتل المهندس حسين علي رمضان، وأصيب شخص آخر، إثر انفجار جسم مشبوه من مخلفات العدوان الإسرائيلي في محلة وادي الخنازير في بلدة فرون، أثناء قيامهما بقطف الزيتون، حسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

وأشارت إلى اندلاع النيران في المنطقة، ما استدعى تدخل فرق الدفاع المدني لإخمادها. كما انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثّق لحظة سحب جثمان الضحية من مكان الانفجار.

امرأة لبنانية تقطف الزيتون في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ميدانياً، استهدف قصف مدفعي إسرائيلي، صباح الأحد، وادي زبقين وأطراف بلدة برعشيت والمنصوري ومجدل زون، فيما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات على بلدات المنصوري وكفرتبنيت وطلوسة.

كذلك، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنطقة الواقعة بين وادي حلتا وأطراف بلدة كفرشوبا، في إطار الاعتداءات المتواصلة على المناطق الجنوبية.

وبعد الظهر ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية في ساحة بلدة النبطية الفوقا، ونفّذ الطيران الحربي غارات وهمية في أجواء مدينة صور والبلدات المحيطة.

في موازاة ذلك أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن إسرائيل لم تتمكن من تحديد هوية جسم جوي رُصد آتياً من لبنان قبل 12 ساعة، مشيرة إلى استمرار عمليات التمشيط جواً وبراً منذ صباح الأحد، في محاولة لفهم ملابسات الحادثة.


أبو زرعة المحرمي... مهندس المنظومة العسكرية والأمنية في اليمن

عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (حساب القوات المسلحة على «إكس»)
عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (حساب القوات المسلحة على «إكس»)
TT

أبو زرعة المحرمي... مهندس المنظومة العسكرية والأمنية في اليمن

عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (حساب القوات المسلحة على «إكس»)
عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (حساب القوات المسلحة على «إكس»)

يبرز اسم عضو «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني، عبد الرحمن «أبو زرعة» المحرّمي، بوضوح مع تصاعد الأحداث في اليمن وتجدد التحولات الميدانية، بوصفه أحد الفاعلين الميدانيين والسياسيين المؤثرين في المشهد. ويظهر الرجل، الذي نشأ في كنف العلم وبين غبار المعارك، بوصفه أحد الوجوه البارزة في المرحلة المفصلية الراهنة من تاريخ اليمن، بدور يجسد الانتقال من حسم الجبهات إلى المشاركة في صياغة القرار القيادي من أعلى هرم السلطة.

رحلة في كنف العلم

ولد عبد الرحمن صالح زين عقيل المحرمي، المعروف بـ«أبو زرعة»، في الثالث من فبراير (شباط) عام 1980 بمديرية خنفر في محافظة أبين اليمنية، ونشأ في كنف أسرة عريقة ذات خلفية عسكرية؛ فوالده الراحل صالح زين عقيل المحرمي كان من القيادات الأمنية البارزة في المحافظة، وتوفي خلال أحداث يناير (كانون الثاني) عام 1986.

ترك رحيل والده أثراً في نفسه طفلاً وهو ينتقل مع أسرته إلى عدن؛ حيث قضى مراحل نشأته وتلقي تعليمه الأساسي والثانوي بها، وبدأ مسيرته التعليمية في روضة «أروى» ومدرسة «30 نوفمبر» الابتدائية، واصل بعدها تعليمه الثانوي في ثانوية «عثمان عبده» وثانوية «النهضة» بمديرية الشيخ عثمان، وحفظ القرآن الكريم كاملاً في وقت مبكر قبل إتمامه المرحلة الثانوية.

وطد «أبو زرعة» مساره العلمي والفكري عقب إنهائه تعليمه الثانوي بالارتحال إلى مديرية دماج بمحافظة صعدة شمال اليمن، التي ستترك هي الأخرى جرحاً عميقاً في نفسه بسبب الأحداث التي لحقت بها بعد ذلك، وفيها التحق بدار الحديث، وتتلمذ على يد عدد من كبار المشايخ، متعمقاً في دراسة العلوم الشرعية واللغة العربية.

ومع عودته لاحقاً إلى عدن، واصل تلقي العلم على أيدي نخبة من طلبة العلم البارزين، قبل أن ينخرط في مجالات العمل التجاري والمقاولات العامة، إلى جانب إسهاماته الفاعلة خطيباً وداعيةً ومعلماً للأجيال، لترسم هذه المحطات ملامح شخصية قيادية جمعت بين الصرامة العسكرية والعمق الشرعي والإداري.

مسار عسكري نما وفق الأحداث

مع تمدد ميليشيات الحوثي الإرهابية نحو المحافظات الجنوبية ووصولها إلى عدن عام 2015، انبرى «أبو زرعة» في العمل ضمن صفوف المقاومة الجنوبية، وبرز بوصفه أحد قادتها الميدانيين، حتى دحر الميليشيات من عدن ومناطق واسعة في الجنوب.

وعقب التحرير، أسهم في تأسيس الأحزمة الأمنية وقوات الدعم والإسناد، وقاد عمليات نوعية حاسمة لمكافحة تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في عدن وأبين ولحج، كان من أبرزها تطهير مديرية المنصورة في عدن.

وفي أواخر عام 2016، انتقل المحرمي إلى الساحل الغربي ليتولى قيادة عمليات عسكرية بارزة ضمن معركة «الرمح الذهبي» التي أثمرت تحرير باب المندب وشريط الساحل وصولاً إلى مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي، إلى جانب السيطرة على «معسكر خالد بن الوليد».

وشهدت هذه المرحلة محطة مفصلية بتأسيسه وقيادته لـ«ألوية العمالقة الجنوبية»، التي أصبحت القوة الضاربة بالساحل الغربي؛ حيث قادها عام 2018 في زحف ميداني واسع وصل إلى مشارف مدينة الحديدة.

وفي مطلع عام 2022، توج المحرمي مسيرته العسكرية بقيادة عملية «إعصار الجنوب»، التي تمكنت خلالها قوات العمالقة من تحرير مديريات بيحان بمحافظة شبوة والاندفاع نحو مديرية حريب بمحافظة مأرب، في واحدة من أنجح التحولات الميدانية التي ثبتت موقعه بوصفه من أبرز القادة العسكريين في المشهد اليمني.

من هرم القيادة إلى «فجر اليمن»

شهد السابع من أبريل (نيسان) 2022 محطة فارقة في مسيرة المحرمي بتعيينه عضواً في «مجلس القيادة الرئاسي»، لينتقل إلى هرم السلطة السياسية، قبل أن يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب في عدن في 19 أبريل من العام نفسه.

وفي أغسطس (آب) 2024، اتسع نطاق مسؤولياته بتكليفه رسمياً بإدارة ملف الأمن ومكافحة الإرهاب، والإشراف المباشر على القوات الأمنية وإعادة هيكلتها وتنظيمها، وخلال السنوات التالية، واصل المحرمي الجمع بمرونة بين أدواره السياسية في «مجلس القيادة»، ومسؤولياته العسكرية والأمنية، ليترسخ دوره بوصفه أحد أبرز مهندسي المنظومة العسكرية والأمنية في البلاد.

وخلال عام 2026، مع إعلان عملية «فجر اليمن»، التي انطلقت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إحدى أوسع وأبرز العمليات العسكرية الاستراتيجية في مسار الصراع اليمني، برز الدور القيادي الميداني للواء عبد الرحمن المحرمي «أبو زرعة»؛ إذ أسندت إليه مهام الإشراف المباشر والقيادة الميدانية لـ«وحدات القوات المسلحة» و«ألوية العمالقة الجنوبية».