المخرج الإيراني المعارض جعفر بناهي يحصد السعفة الذهبية في مهرجان «كان»

البرازيلي فاغنر مورا أفضل ممثل… والفرنسية نادية مليتي أفضل ممثلة

المخرج الإيراني جعفر بناهي يحمل جائزة السعفة الذهبية (إ.ب.أ)
المخرج الإيراني جعفر بناهي يحمل جائزة السعفة الذهبية (إ.ب.أ)
TT

المخرج الإيراني المعارض جعفر بناهي يحصد السعفة الذهبية في مهرجان «كان»

المخرج الإيراني جعفر بناهي يحمل جائزة السعفة الذهبية (إ.ب.أ)
المخرج الإيراني جعفر بناهي يحمل جائزة السعفة الذهبية (إ.ب.أ)

فاز المخرج الإيراني المعارض جعفر بناهي، السبت، بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان «كان» السينمائي بدورته الثامنة والسبعين، عن فيلمه «مجرد حادث» الزاخر بالانتقادات للسلطات في طهران والذي صُوّر في السرّ.

وتمكّن المخرج البالغ 64 عاماً من حضور مهرجان «كان» لأول مرة منذ مدة طويلة، وتسلّم جائزته التي قدمتها إليه رئيسة لجنة التحكيم جولييت بينوش.

وكان آخر حضور شخصي لبناهي، الذي اعتُقل عدة مرات بسبب عمله في الإخراج، في المهرجان عام 2003، عندما عُرض فيلمه «الذهب القرمزي» الذي أهله لجائزة لجنة التحكيم آنذاك.

ويدور فيلم «مجرد حادث» حول وحيد الذي يؤدي دوره وحيد مبصري والذي يخطف رجلاً بساق صناعية يشبه تماماً الرجل الذي عذبه في السجن ودمّر حياته. وينطلق وحيد للتحقق مع ناجين آخرين من أن هذا الرجل هو بالفعل من عذبهم في السجن ثم يقرر ما سيفعله معه.

وقال بناهي باللغة الفارسية، بحسب ترجمة قدمها المهرجان: «أعتقد أن هذه اللحظة المناسبة لسؤال كل الناس، جميع الإيرانيين، بكل آرائهم المختلفة عن الآخرين، في كل مكان في العالم، في إيران أو في العالم، أسمح لنفسي أن أطلب شيئاً واحداً: دعونا نضع جانبا (...) كل المشاكل والاختلافات، الأمر الأكثر أهمية في هذه اللحظة هو بلدنا وحرية بلدنا».

أفضل ممثل

وفاز البرازيلي فاغنر مورا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان «كان» عن دوره كرجل مطارد في فيلم «العميل السري» لمواطنه المخرج كليبر ميندونسا فيليو.

المخرج البرازيلي كليبر ميندونسا فيليو (أ.ف.ب)

ويُعدّ الممثل البالغ 48 عاماً أحد أشهر الوجوه في السينما البرازيلية بفضل أعماله الدولية، لا سيما مسلسل «ناركوس» على «نتفليكس»، الذي أدى فيه دور زعيم تجارة المخدرات الكولومبي بابلو إسكوبار.

وقال كليبر ميندونسا فيليو خلال تسلمه الجائزة نيابة عن الممثل الفائز بقصر المهرجانات في «كان»: «إنه ممثل استثنائي، ولكنه أيضاً إنسان مميز للغاية. آمل في أن يعود عليه هذا التكريم بالنفع الكبير». وفي فيلم «العميل السري»، وهو أول عمل سينمائي يُصوّره في البرازيل منذ عام 2012، يؤدي فاغنر مورا دور أستاذ جامعي تتم مطاردته لأسباب غامضة إبان حكم نظام ديكتاتوري عسكري. وقال مورا بمقابلة في «كان»: «الشخصية التي أؤديها لا تريد إلا أن تعيش وفقاً للقيم التي تمثلها. من المؤسف أنه في الأوقات البائسة، يكون التمسك بقيم الكرامة أمراً خطيراً».

أفضل ممثلة

بدورها، حصلت الممثلة الفرنسية نادية مليتي البالغة 23 عاماً، على جائزة أفضل ممثلة في المهرجان عن أول دور سينمائي لها في فيلم «الأخت الصغيرة» للمخرجة حفصية حرزي.

الممثلة الفرنسية نادية مليتي (رويترز)

وتؤدي هذه الطالبة الرياضية التي رُصدت في اختبار أداء، دور فاطمة ابنة السبعة عشر عاماً، وهي شابة مسلمة تكتشف مثليتها الجنسية.

الفيلم مقتبس من رواية سيرة ذاتية للكاتبة فاطمة دعاس صادرة عام 2020.

وأوضحت الممثلة الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها «عندما قرأت الكتاب، شعرت فوراً بتواصل مع القصة لأنها أثرت فيّ بعمق، وكذلك مع هذا السعي للتحرر. لقد شعرت بالقرب منها كثيراً (...) بسبب محيطها وخلفيتها الاجتماعية».


مقالات ذات صلة

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

يوميات الشرق مهرجان الطبول يحتفي بالفنون الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

عاد «مهرجان الطبول» ليُنعش شوارع القاهرة ومراكزها الثقافية ومسارحها في دورته رقم 12 التي بدأت في 19 يونيو (حزيران) الجاري وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

مارسيل جان: «مؤسسة البحر الأحمر» دعمت مشروعات دولية للرسوم المتحركة

قال المدير الفني لمهرجان «أنسي الدولي لأفلام الرسوم المتحركة»، مارسيل جان، إن إعداد برنامج المهرجان أصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل أكثر من عقد.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين»...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما «المحطة» (جورج فيلمز)

شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

على الرغم من أن فيلم سارة إسحاق يعرض وضعاً سياسياً ومجتمعياً عاماً يعيشه اليمنيون في ظل الميليشيات والحروب الأهلية وفوضى الحياة في بعض أقاليم اليمن...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي، وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها.

أحمد عدلي (القاهرة )

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

TT

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

توفي كلايف ديفيس، المحامي وقطب صناعة التسجيلات الأميركي، الذي يعتبر من أقوى الشخصيات في صناعة الموسيقى، حيث أطلق الحياة المهنية لنجوم بارزين أمثال جانيس جوبلين وويتني هيوستن وكارلوس سانتانا وأليشيا كيز، عن عمر يناهز 94 عاماً، حسبما أكدت عائلته.

وفي وقت سابق من العام الجاري، تم نقل ديفيس إلى المستشفى بعد إصابته بمشكلة في الجهاز التنفسي وخرج بعد بضعة أيام. وأكدت وكيلته الإعلامية أليزا رابينوف، التي شاركت أيضاً في بيان العائلة، أن ديفيس وافته المنية في شقته في مانهاتن.

وجاء في البيان: «بالنسبة للعالم، كان والدنا أسطورة الموسيقى الشهير الذي شكّلت رؤيته وإحساسه وسعيه الدؤوب لتحقيق التميز الموسيقى التصويرية لعدد من الأشخاص لا حصر لهم. لقد اكتشف وأرشد ودافع عن أعظم الفنانين في تاريخ الموسيقى الحديث، وترك بصمة لا تمحى على الثقافة ستستمر لأجيال».

وعلى عكس أقطاب التسجيلات الأخرى الذين تضاءل تأثيرهم مع تقدمهم في السن، يبدو أن ديفيس كان ينمو خلال مسيرته المهنية، التي امتدت إلى أنواع متعددة. وفي الثمانينات من عمره، كان يدير أعمال عدد كبير من النجوم بدءاً من باري مانيلو وحتى الفائزين ببرنامج «أميركان أيدول» كاري أندروود وكيلي كلاركسون.


هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد
TT

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

3 مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان. يتَّصل الأول بالأصل «الشعبي» المقصود لوظيفة «العرضحالجي»، وهي مهنة كتابة «العرايض» أو «العرائض» التي يتولاها «شخص» متعلِّم يعرف أصول كتابة «الشكاوى» بصياغات قانونية معروفة. وكاتب «العرايض» يأخذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حكومية، غالباً، حال المشتكي. وكتاب «غيلان» يلتزم في أغلب مفاصله بهذا المعنى والوظيفة لكاتب الـ«عرايض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيراً في الدلالة السردية لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية للكاتب والمجتمع العراقي الذي عاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المحاصرين. وهو، كذلك، سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها. وفي الدلالة الأخيرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «التدوين» اليومي، العشوائي، ربما، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور.

كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟

في البدء، ثمة خشية أولى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مماثلة لمنطق شاع في عراق ما بعد صدام، وفي زمن محايث له أيضاً، عن كتابة «المذكرات» و«السير» الشخصية لشخصيات سياسية، وحتى ثقافية، غلب عليها الكذب والافتعال، بل الرغبة الشديدة بالانتقام وتمرير «بطولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المذكرات في مجتمعات ما بعد الديكتاتور؛ فنجده يسأل نفسه: «ماذا سأكتب؟ سيغضب البعض... وربما يفرح البعض». فهل هذا مسوِّغ كافٍ لكتابة تخوض عميقاً في «الشر» و«الخير» على السواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتماً كثيراً بالإجابة قدر اهتمامه بإظهار أقصى قدر من الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كاتب عرايض، فيعدنا بأن: «سأقول ما يمليه عليَّ ضميري وللوقائع التي عشتها».

لكن الكتابة عن حافة الموت قهراً وتعسفاً لا تساوي مسألة الصدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما في حالة الكتابة السيرية في ظل سلطة قاهرة، وعنها لاحقاً؛ ثمة ما هو أهم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الذاتية كما يفترض فيليب لوجون. والميثاق هنا يتحدَّد بالأصول الثلاثة الرئيسة التي بدأنا بها هذه المراجعة لكتاب أساسي كما نرى. وهو كذلك لأنه يتخطى عقبة الثأر أو الانتقام من كتَّاب ومثقفي العهد البعثي، لينشغل بما هو أساسي، بالضبط بما، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بحياة الناس في ظل حكم الديكتاتور. هذا أمر ذو فائدة أساسية. ولكن لماذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كبرى لسببين. يختصُّ الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّاناً يجمع شكاوى الناس اليومية، الشخصية والرسمية، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية.

وفي تلك «العرايض» نجد الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان. وقد تكون تلك «العرايض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثاراً يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همساً في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أنّ العريضة تُكتب بموجب موافقات حكومية أصولية، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيراً في حياة الناس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُعدُّ ولا تُحصى. ويؤلف «الشكل» اللساني للعريضة سبباً ثانياً لما يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فهي بعض خطاب السلطة، وبعض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الشعبية. نحن، هنا، إزاء «يوميات» منتظمة يؤلفها كاتب «العرايض»، كل صباح يعيد صياغة حكايات الناس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أمٌّ تشكو أباً «يزني»، يومياً بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب العفو الأول وهو، ذاته، الوحيد القادر على إنهاء حياة أي «مواطن» في بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد.

حياة كاملة نتعرَّف عليها في يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغم ذلك، في بلاد الواق واق، نعرف منها «الوجه الآخر» لحياة عراقي في أقسى الأزمنة، زمن الجوع والحاجة الماسة للفرار من البلاد، وهو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب العرايض يعود بنا إلى لحظة عراقية سابقة سبق لي، شخصياً، أن استمعت لملخصات عنها، كان ذلك بُعيد احتلال البلاد، وكان صاحبها فؤاد التكرلي يشرح لي، في مكان بعيد عن البلاد التي طحنتنا، كيف أنّ باب المحكمة التي دخلها قاضياً، هو نفسه باب الحكاية المختلفة في عراق الخمسينات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخر»، كناية كلية عن المنظور المختلف للحكاية، عامة، وللقصة المفارِقة، جذرياً، عن قصص اليسار العراقي ذات الصياغات السردية الجاهزة. كان باب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي في تلك الحقبة، والمحكمة وعوالمها الرهيبة كانت هي روح وجوهر «الوجه الآخر» في قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب العرايض؛ فقد أعفته من ذلك الـ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحكاياتهم «عرائضهم»، وهو نفسه، ربما، عالم السلطة القبيح.

عن حياة الليل الشحيحة

في مقابل حياة النهار المشبعة باليأس والمراقبة والتحايل، أيضاً ثمة عالم الليل وحياة المدينة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات السكارى والمشردين وصعاليك الحياة والشعر على السواء. لا فرق؛ فالليل أرشيف الحكايات المؤجلة، وهو كذلك ميدان زوار الليل وبوابة كبرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح السيرة الأخرى للمدينة، مما لا يمكن ذكره أو معاقرته نهاراً. أفكِّر بأن حياة المدينة ليلاً هو يومياتها الملغاة، وهي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبدُّ بالبلاد وناسها. هذا بعض ما تقدِّمه يوميات المدينة النائمة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نفسها؛ ثمة صورة بانورامية موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونرى في تفاصيلها وجوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع.

أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعراً شعبياً قادماً من هوامش الجنوب العراقي الفقير والمقصي إلى مدينة مسيَّجة بالحرس والليل والشكوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة البلاد، وهي مكان السلطة بأجهزتها المختلفة. هذه حقيقة أساسية حاكمة ومتحكمة بإشكالية أية «يوميات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً.

أتحدَّث هنا عن «المكان» أو «الموقع» الذي سيرى من خلاله الكاتب للمدينة التي تقصيه، بينما يرتاب به حاكمها وعسسه. الملمح الأول والأساسي شكل السكن وموقعه. أقول «شكل» السكن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره من شعراء وكتَّاب الهوامش العراقية، لا يجد بيتاً يستأجره ونجده يتخذ من الفنادق الرخيصة مكاناً للسكن والحياة. وسكان أو شاغلو الفنادق، لا سيَّما الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الطارئون عليها المعرَّضون للطرد منها في أي لحظة.

وسيكون الفندق الرخيص في «الميدان»، وسط بغداد، موقعاً مثالياً للكتابة ورؤية هوامش بغداد. هكذا سيكتب المهمشون أنفسهم عن فنادقهم وحياتهم الرثة، وسيكتب الراحل «ناظم السعود» عن ظاهرة «أدباء الفنادق»، كما سيكتب المسرحي والشاعر العراقي «عبد الخالق كيطان» عن الظاهرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. من تلك الغرفة الفقيرة سنرى بغداد في لياليها الملتهبة. ورغم ذلك لا نجد في يوميات كاتب العرايض بغضاً للمدينة ولا كرهاً لناسها؛ ولِم الكره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحه في بغداد الشاسعة. ولا شيء سوى الشعر وشكاوى الناس والخمر الرخيص في الليالي المتخمة باليأس.

«يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حقاً؛ أسهمت عوامل كثيرة في صناعة هذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه من شجاعة استثنائية يندر أن نجدها لدى كتَّاب عراقيين عاشوا محن البلاد، وخرجوا منها بيد وقلب وضمير حي ونظيف، وأحدهم كاظم غيلان، الساخر المتفرِّد من آلامه الشخصية، غالباً، ومن مكائد أصدقائه الألدَّة؛ فنراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقد ختم بها تصدير يومياته: «أتمنَّى نومة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم». هذه اليوميات سيعود إليها مؤرخون كُثر؛ فقد كُتبت بالجمر والألم حد الموت قهراً ويأساً، وهي عن محنة الناس والبلاد، كما أنها عن محنة حاكم المدينة كذلك؛ لِم لا؟!


«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن
TT

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

صدرت مؤخراً عن «دار عرب» في العاصمة البريطانية لندن، رواية «حواليس» للكاتب والإعلامي العُماني الدكتور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي.

تأتي هذه الرواية لتؤكد مجدداً الحضور السردي لليحيائي، الحائز على جائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023 عن روايته «الحرب»، مستفيداً من خلفيته المهنية كصانع أفلام ومصور ومحقق صحافي، وهي العوامل التي انعكست بوضوح على انشغاله بالتاريخ العماني وإعادة تأمله.

تقع الرواية في 260 صفحة، وتميل إلى التكثيف والاقتصاد، مع اعتماد الحوار الداخلي وتعدد مستويات السرد، وهو ما يجعل القارئ شريكاً في إعادة تركيب الأحداث، لا مجرد متلقٍ لها.

استلهم اليحيائي عنوان روايته من الموروث الشعبي العُماني والخليجي؛ إذ إن «حواليس» هي لعبة تقليدية يشبهها البعض بالطاولة، يمارسها الصيادون عبر حفرٍ في الرمال وتحريك القواقع والحجارة. ويحمل هذا الاختيار دلالة رمزية لافتة، حيث تبدو الرواية أشبه برقعة تاريخية تتداخل فيها الإرادات والأقدار، وتتحرك عليها الشخصيات بين التقدم والتراجع، والربح والخسارة، والصراع بين السلطة والقبيلة.

تفتتح الرواية صفحاتها بعبارة شهيرة للروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا: «الرواية تدريب على الحرية»، لتكشف سريعاً عن ملامح لعبة روائية مبتكرة تتنقل بالقارئ عبر فضاء زمني ممتد لأكثر من قرن؛ يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى تسعينات القرن العشرين.

تنطلق «حواليس» من فكرة سردية وتقنية روائية مغايرة في بناء النص الأدبي (تعدد الأصوات وكسر الجدار الرابع بين المؤلف ونصّه)؛ وشخصيات الرواية لا تعيش داخل الحدث فحسب، بل تُبدي وعياً مقلقاً بكونها شخصيات مكتوبة، تعلّق على فعل السرد نفسه، ومشدودة إلى كاتبٍ يمنحها الحياة أو يحجب عنها مصائرها.

وبلغة دقيقة ومشحونة بالتوتر، تفكك «حواليس» بنى العنف السياسي، والولاء، والخيانة، وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والشرعية والتاريخ الرسمي، من خلال شخصيات تقف على تخوم السلطة أو في ظلالها.

تؤدي شخصيات الرواية أدواراً سياسية واجتماعية وإنسانية، أبرزها شخصية «القومندان»، وهو جنرال سابق يرمز إلى فئة أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وتقاطعت أدوارها مع السلطة والنفوذ الاقتصادي. وكذلك الشيخ عبد الله بن راشد، الذي اغتيل بطعنات خنجر غامضة بعد عقود من نضاله؛ ويجسد تياراً من تيارات المقاومة القبلية والشعبية للتدخلات الأجنبية، وبين هاتين الشخصيتين يأتي أبناء الشيخ عبد الله ومساعد القومندان، الذين يوسعون مساحة الحوار داخل الرواية، بما يعزز التوازن بين الذاكرة الجماعية والواقع الاجتماعي وتحولاته على مدى نصف قرن.

الرواية والتاريخ

نجح الروائي اليحيائي في روايته «حواليس» في إنتاج عمل أدبي جريء يزاوج بين السياسي والإنساني، ويؤكد قدرة الرواية على مساءلة الذاكرة الجماعية دون الوقوع في خطاب آيديولوجي مباشر، وتضع الرواية القارئ مباشرة أمام الثمن الإنساني الباهظ للتحولات الكبرى، لتطرح سؤالين جوهريين: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يملك حق روايته؟

سبق لليحيائي أن قال في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عن اهتمامه بتقديم الحدث التاريخي كمادة أدبية للرواية، إن «كل كتابة هي نصّ تاريخي. لكن الرواية ليست وثيقة تاريخية. والرواية تنهض على الحدث التاريخي. ولا توجد رواية لم تنهض على حدث تاريخي».

وقال: «أنا مهتم بالتاريخ إجمالاً، وبتاريخ عُمان على نحو أخص، ودارس للتاريخ، وأظن أن تاريخنا مادة خام لم نحسن، حتى الآن، توظيفها في أعمال أدبية وفنية، بما في ذلك المسرح والسينما، لكن من المهم التنبه إلى أن الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية وحدهما لا يكفيان لكتابة رواية أو إنتاج عمل فني، بل ربما يكون التاريخ معيقاً لذلك، إذا لم نمتلك القدرة على نقد التاريخ ومساءلته، وإذا لم نمتلك حرية الخيال في تهشيم المقدس في تاريخنا وفي ماضينا وجعله عادياً، بل ومادة للعب».

من أجواء الرواية

«هل شعرنا بالإحباط لأنها أخذته منا؟ نعم، ولكن بدرجات متفاوتة، تفاوت المكانة التي يحتلها كل واحد منا في الرواية، كما ستكتشفون بأنفسكم، إذا ما عاد إلى الكتابة، وإذا ما قُدّر لمصائرنا أن تمضي إلى نهايتها، وللرواية أن تنشر».