اجتماع للمعارضة في مقديشو... مبادرة للتوافق أم ورقة ضغط؟

ناقشوا الخلافات مع الحكومة الصومالية بشأن الانتخابات وتوسيع «الحوار الوطني»

معارضون يعقدون لقاءً في مقديشو لمناقشة أوضاع البلاد (وسائل إعلام صومالية)
معارضون يعقدون لقاءً في مقديشو لمناقشة أوضاع البلاد (وسائل إعلام صومالية)
TT

اجتماع للمعارضة في مقديشو... مبادرة للتوافق أم ورقة ضغط؟

معارضون يعقدون لقاءً في مقديشو لمناقشة أوضاع البلاد (وسائل إعلام صومالية)
معارضون يعقدون لقاءً في مقديشو لمناقشة أوضاع البلاد (وسائل إعلام صومالية)

عقد اجتماع للمعارضة في الصومال، عقب تحضيرات للحكومة الفيدرالية لإجراء «حوار وطني» دعا إليه الرئيس حسن شيخ محمود، وسلط الضوء على بنود عدة كان أبرزها الخلافات بشأن «الانتخابات المباشرة» المقررة في 2026.

مخرجات ذلك الاجتماع التي لم تحسم المشاركة بـ«الحوار الوطني» يراها خبير في الشؤون الأفريقية في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مجرد ورقة ضغط لا تحمل أي بنود توافق مستقبلية، مؤكداً أن المعارضة يهمها فقط تغيير الانتخابات المباشرة والبقاء في النظام الحالي القائم على النفوذ القبلي، وهذا لن يقبل به الرئيس الحالي.

وناقش معارضون صوماليون الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد والخلافات القائمة بين الحكومة والمعارضة في قضية الانتخابات، بحسب ما نقله الموقع الإخباري «الصومال الجديد»، السبت.

وشارك في اللقاء، الذي عقد الجمعة، بمقديشو، الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، ورئيسا الوزراء السابقان عمر عبد الرشيد علي شرماركي، وحسن علي خيري، ورئيس البرلمان السابق شريف حسن شيخ آدم، ووزير الخارجية السابق أحمد عيسى عوض، والنائب عبد الرحمن عبد الشكور، وأعضاء آخرون من البرلمان الصومالي.

وانتهت المخرجات إلى «إعلان مساندة الحكومة في الحرب على (حركة الشباب) المتزايدة منذ أسابيع، والمطالبة بتوسيع المشاركة في الحوار الوطني، بخلاف التحذير من أي محاولة للتشبث بالسلطة، وضرورة إجراء انتخابات يتفق عليها أصحاب المصلحة السياسية».

وبرأي الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، فإن ذلك الاجتماع ورقة ضغط من المجتمعين تستهدف تراجع الرئيس الصومالي عن النظام الانتخابي، خصوصاً أنهم غير راغبين في أن ينفذ، ولم يطرحوا أي مبادرة توافق.

ولا تنوي حكومة حسن شيخ محمود، بحسب تقدير إبراهيم، أن تراجع استراتيجياتها في نظام الانتخابات، خصوصاً أن تحالفاتها الجديدة راغبة في ذلك، وأي أمر آخر سيفقدها شعبية وقوة ذلك التحالف، مضيفاً: «سيحاول الرئيس الصومالي ألا يتراجع عن موقفه، فإذا ازداد الضغط عليه وكانت هناك تدخلات خارجية فقد يكون هناك رأي آخر، أما إذا لم تكن هناك معارضة قوية فسيواصل برنامجه الانتخابي وتنفيذ الانتخابات في 2026».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال لقائه قيادات عدد من الولايات في وقت سابق (وكالة الأنباء الصومالية)

وجاء اجتماع المعارضة الصومالية بعد يومين من بدء لجنة من الحكومة الفيدرالية اجتماعاتها للتحضير لـ«الحوار الوطني» بلقاء مع ممثلي منظمات المجتمع المدني، بعد نحو شهرين من إعلان الرئيس حسن شيخ محمود، في 29 مارس (آذار) الماضي، تدشين منصة للقادة السياسيين والمدنيين الصوماليين، بهدف ضمان أن تكون آراء وجهود القادة جزءاً من الجهود الوطنية لمكافحة الإرهاب وتعزيز بناء نظام ديمقراطي وفيدرالي في البلاد عبر الانتخابات المباشرة.

وقبل انطلاق تحضيرات «الحوار الوطني» كانت الخلافات السياسية لافتة، وأسس الرئيس الصومالي في 13 مايو (أيار) الحالي «حزب العدالة والتضامن» ليضُم في صفوفه قيادة الحكومة الفيدرالية، وقادة الولايات الإقليمية، باستثناء رئيسَي بونتلاند سعيد عبد الله دني، وغوبالاند أحمد مدوبي، اللذين غابا عن اجتماع المجلس الاستشاري للبلاد قبل تأسيس الحزب بأيام.

وانتُخب شيخ محمود زعيماً للحزب ومرشحاً له في الانتخابات المباشرة المرتقب عقدها في البلاد عام 2026 بعد 57 عاماً من آخر اقتراع أُجري عام 1968، بديلاً عن نظيرتها غير المباشرة في عام 2000، التي تعتمد بشكل رئيسي على المحاصصة القبلية، في ولاياته الخمس التي جرى العمل بها بعد «انقلابات وحروب أهلية». ولاقى الحزب الجديد رفضاً من دني ومدوبي وقتها في مواقف رسمية منفصلة، تلاها إصدار 15 شخصية سياسية بارزة في الصومال، بياناً دعوا خلاله إلى عقد مشاورات عاجلة لإنقاذ البلاد.

وعن مشاركة المعارضة بـ«الحوار الوطني»، يرى إبراهيم «أهمية أن نحدد من المعارضة أولاً، إذا كان من رئيس إقليمي بونتلاند وغوبالاند، فهما غير مستعدين بمشاركة أي حوار وطني، قبل أن يتراجع الرئيس الصومالي عن التغييرات الدستورية التي قام بها بشأن الانتخابات».

أما المعارضة الأخرى فهم مرشحو الرئاسة وليسوا أحزاباً أو أقاليم، وهم أقل أهمية بالنسبة للحكومة ومن الممكن حدوث توافق وحلول للأزمة السياسية في الصومال.

وبرأي الخبير في الشؤون الأفريقية فإنه «لا بد أن نعرف أن الخلافات السياسية في الصومال، سياسات بالوكالة وتصفية حسابات، فالجهات التي لها تدخلات في الصومال، لا بد أن تكون جزءاً من الحلول أو أن تترك للصوماليين وحدهم حتى يحلوا مشاكلهم؛ لكن ما دام هناك تدخلات خارجية غير إيجابية لا توجد حلول في السياسة الصومالية».


مقالات ذات صلة

«اضطرابات تيغراي»... هل تُغير معادلة الصراع في إثيوبيا؟

شمال افريقيا أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

«اضطرابات تيغراي»... هل تُغير معادلة الصراع في إثيوبيا؟

عادت اضطرابات إقليم تيغراي الإثيوبي الذي استبعدته حكومة آبي أحمد من الانتخابات العامة الأخيرة، في فصل جديد من المواجهات.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
خاص وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل (حسابه على إكس)

خاص وزير الإعلام الإريتري يتحدث عن صفحة تعاون جديدة مع واشنطن

رحب وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل بقرار الولايات المتحدة رفع عقوبات عن بلاده، واصفاً الخطوة بأنها تعكس «رصيداً من حسن النية السياسية البناءة» لدى واشنطن.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدفاع الصومالي ورئيس أركان القوات المسلحة وعدد من قادة الجيش (وكالة الأنباء الصومالية)

«تهديدات رقمية» تُعقّد جهود الحرب على الإرهاب في الصومال

تقنيات حديثة تمتلكها عناصر حركة «الشباب» المتطرفة في الصومال، لاقت مخاوف وتحذيرات من مسؤولين حكوميين في مقديشو.

محمد محمود (القاهرة )

حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب

مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
TT

حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب

مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)
مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)

تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك في الحكومة المنتهية ولايتها، الانتخابات التشريعية التي أقيمت الأربعاء في المغرب، بحصوله على 97 مقعدا، وفق نتائج مؤقتة أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت فجر الخميس.
وحل حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الإئتلاف الحكومي الحالي، في المرتبة الثانية بـ66 مقعدا، متبوعا بحزب الاستقلال (أغلبية حكومية) بـ65 مقعدا، ثم حل حزب العدالة والتنمية الإسلامي (معارضة) رابعا بـ54 مقعدا.

وكان الناخبون في المغرب أدلوا بأصواتهم، الأربعاء، في انتخابات برلمانية ستحدد شكل الحكومة التي ستشرف على المراحل النهائية لخطة تبلغ قيمتها 20 مليار دولار استعدادا لاستضافة ​نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030، وعلى مشروعات تهدف إلى توجيه المكاسب الاقتصادية نحو الشبان المحبطين في البلاد.

وذكرت وزارة الداخلية في بيان بعد إغلاق مراكز الاقتراع، في الساعة السابعة مساء بالتوقيت المحلي، أن نسبة المشاركة بلغت 38.02 بالمئة، مشيرة إلى أن «عملية الاقتراع جرت في ظروف عادية على صعيد كافة جهات المملكة». وعادة ما تُعلن النتائج الأولية في اليوم التالي للانتخابات.

امرأة تدلي بصوتها في مركز اقتراع بالرباط (ا.ب)

ومن غير المتوقع أن تحدث الانتخابات تغييرا جوهريا في ميزان القوى بالمغرب، حيث يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.

لكن مجلس النواب المقبل سيكون مكلفا بتنفيذ مبادرات تركز بصورة متزايدة على التعامل مع استياء الشبان، وهو ما تجلى في محاولة عبور جماعية للحدود نحو جيب سبت وفي احتجاجات قادها جيل زد وأسفرت عن سقوط قتلى العام الماضي.

وتتألف الحكومة ‌الحالية من ثلاثة ‌أحزاب، من بينها حزبان أسسهما مقربون من القصر الملكي، وأطاحت هذه الأحزاب بحزب ​إسلامي ‌معتدل ⁠كان وصل إلى ​السلطة ⁠قبلها بعشر سنوات عقب احتجاجات الربيع العربي عام 2011.

وأدت تلك الاحتجاجات إلى منح البرلمان المنتخب مزيدا من الصلاحيات، قبل أن يعيد الملك لاحقا بسط سيطرته على مجالات مثل الشؤون الخارجية ووزارة الداخلية.

وبموجب دستور أُقر عام 2011، يعين الملك رئيس الوزراء من الحزب الذي يفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان البالغ عددها 395 مقعدا.

ويتوجب على رئيس الوزراء بعد ذلك إجراء مشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي قبل تقديم قائمة بأسماء الوزراء للحصول على موافقة الملك.

ويبلغ عدد المغاربة في سن التصويت نحو 27 مليونا، لكن المسجلين في القوائم الانتخابية لا يتجاوزون 15.8 مليون، بانخفاض يقارب 12 بالمئة مقارنة بانتخابات عام 2021.

رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع في العاصمة المغربية الرباط (إ.ب.أ)

وقالت نعيمة مصباحي (46 عاما) التي ذهبت للإدلاء بصوتها في مركز اقتراع ⁠داخل مدرسة في حي شعبي بوسط الرباط «دائما أتوجه إلى مكاتب التصويت أملا في التغيير ‌وغد أفضل لنا ولأولادنا.. ما نريده بالفعل على وجه الاستعجال هو إصلاح الصحة ‌والتعليم».

وفي حي أكدال الراقي بالرباط، قالت لمياء حسني (27 عاما) لرويترز «صحيح الحكومة المقبلة ​ستكون أمام تحديات كبيرة، على رأسها إصلاح الصحة والتعليم، وخفض ‌الأسعار، لكن المشاركة في عملية التصويت مهمة حتى لا نترك الباب مفتوحا أمام المتلاعبين بالأصوات».

ولدى آخرين شعور كبير بالإحباط، ‌لكنهم يأملون في تحسن الأحوال ولو بالقدر القليل.

وقال توفيق، وهو رجل في مقتبل العمر طلب عدم نشر اسمه بالكامل، لدى خروجه من مركز للاقتراع «ليست لي القناعة بأن الحكومة المقبلة قد تغير شيئا بالفعل في واقع المغاربة، لأن هنالك عوامل أخرى خارجية وداخلية تتحكم في مصائر الشعوب».

وأضاف وهو يفرك يديه للتخلص من أثر حبر التصويت «لكن أتمنى أن تحسن الحكومة المقبلة من ظروف عيش المغاربة ولو قليلا».

خطط الإنفاق

تعهد ‌كل من الحزبين الأكبر في البرلمان الحالي، وهما حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، بتوفير حوالي مليون فرصة عمل خلال الولاية التشريعية المقبلة التي تمتد خمس سنوات، وقدما وعودا ⁠بتحسين الإسكان والأجور والمستشفيات.

ويحكم ⁠الحزبان معا في إطار ائتلاف، لكنهما تبادلا الاتهامات خلال الحملة الانتخابية بشأن الإخفاق في كبح ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من أوجه القصور في السياسات.

وبسبب هذه الخلافات، استبعد قادة حزب الأصالة والمعاصرة الانضمام إلى ائتلاف آخر مع التجمع الوطني للأحرار في حال تصدر نتائج الانتخابات.

أما رئيس الوزراء عزيز أخنوش، رجل الأعمال الملياردير الذي يقود الحكومة منذ عام 2021، فلن يترشح مرة أخرى وذلك بعد تنحيه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار هذا العام.

وانضم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (الاتحاد المغربي لكرة القدم) والوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، قبل أسابيع من الانتخابات إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة. ويترأس لقجع اللجنة المنظمة لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030.

ويضخ المغرب استثمارات ضخمة في الملاعب والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية قبل كأس العالم، التي سيستضيفها بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، ويهدف إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج الاقتصادي بحلول عام 2035.

وقدر صندوق النقد الدولي الإنفاق المزمع بنحو 190 مليار درهم، أو حوالي 20 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 12 بالمئة من الناتج المحلي ​الإجمالي للمغرب في عام 2024.

ومن بين الأحزاب الأخرى ​المتنافسة حزب الاستقلال ذو التوجه القومي المحافظ وهو شريك في الائتلاف الحاكم، وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي تعرض لهزيمة ساحقة في الانتخابات السابقة، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب اليسارية.


الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
TT

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة، بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة دعماً لمسار لجنة الحوار المصغر «4+4»، في وقت جدد فيه رئيس «المجلس الأعلى للدولة » محمد تكالة تمسكه بالمسار الدستوري والاستفتاء على مشروع الدستور المُنجَز عام 2017.

ويعكس الموقفان، بحسب مراقبين، خلافاً يتجاوز التفاصيل الإجرائية للانتخابات، إلى سؤال أوسع يتعلق بالترتيب الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: هل يكون البدء بتوفير الإطار السياسي والقانوني لإجراء الانتخابات، كما يقترح اتفاق «4+4»؟ أم بإتمام الاستحقاق الدستوري عبر طرح مشروع الدستور على الليبيين للاستفتاء قبل الانتقال إلى مؤسسات دائمة؟

رئيس «المجلس الأعلى للدولة» محمد تكالة مجتمعاً مع رئيس هيئة صياغة الدستور (المجلس الأعلى للدولة)

وخلال لقاء عقده، مساء الثلاثاء، مع شخصيات سياسية واجتماعية فاعلة من مدينة مصراتة، أعطى الدبيبة إشارة ضمنية على موافقته على اتفاق «4+4» بين الطرفين الحاكمين في شرق وغرب ليبيا، عاداً إياه «يتوافق مع رؤية حكومته للذهاب إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية، والعبور إلى مرحلة سياسية مستقرة ودائمة»، وفق بيان صادر عن مكتبه.

وذهب إلى القول إن «الرؤية واضحة بأن يكون القرار للشعب الليبي عبر انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين»، مشدداً على رفض ترتيبات من شأنها إعادة إنتاج المراحل والأجسام السياسية القائمة.

ويأتي موقف الدبيبة بعد توقيع لجنة «4+4» اتفاقها في 30 أغسطس (آب) بمقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي وسفراء، وبرعاية المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

وينص الاتفاق على معالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ووضع إطار زمني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع حسم مسألة ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين.

وسبق أن رحب «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر بالاتفاق الذي حظي برعاية من مسعد بولس، كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية الذي يقود تحركاً يركز على توحيد المؤسسات ودفع المسار الانتخابي، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى توسيع قاعدة الدعم للاتفاق والتواصل مع الأطراف السياسية الأخرى.

وفي المقابل، أعاد تكالة ملف الدستور إلى واجهة المشهد السياسي خلال اجتماعه، مساء الثلاثاء، في طرابلس مع رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور مراجع نوح، مؤكداً حرص المجلس على التواصل مع الهيئة باعتبارها الجهة المنتخبة والمختصة بصياغة الدستور.

وشدد تكالة على أهمية استكمال الاستحقاقات الدستورية وتمكين الليبيين من ممارسة حقهم في اختيار نظامهم الدستوري عبر استفتاء حرٍ ونزيه، فيما بحث الاجتماع سبل تجاوز الانسداد السياسي والوصول إلى قاعدة دستورية متفق عليها تمهد لإجراء الانتخابات الوطنية.

وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2014، وأنجزت مشروع الدستور في يوليو (تموز) 2017، لكنه لم يُطرح للاستفتاء حتى الآن، ليبقى الخلاف قائماً حول أولوية الاستفتاء عليه أو اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تمهّد للانتخابات.

ويعيد موقف تكالة التذكير بخلاف سابق حول اتفاق «4+4»، حين رفض المسار باعتباره لا يستند، من وجهة نظره، إلى الإطار المؤسسي الكافي، ودعا إلى التمسك بالمسار الدستوري والقانوني والتنسيق مع مجلس النواب.

ويكشف تباين مواقف الدبيبة وتكالة عن خلاف أوسع داخل المؤسسات السياسية في طرابلس بشأن كيفية تحويل التفاهمات السياسية إلى مسار انتخابي قابل للتنفيذ؛ إذ يتفق الطرفان في المبدأ على إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، لكنهما يختلفان حول الإطار السياسي والقانوني الذي ينبغي أن يقود إليها.


«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
TT

«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»

دخلت التحركات الدولية لوقف الحرب في السودان مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والدبلوماسي، مع تمسك السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بدعم «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية» ورفض الكيانات الموازية، ورفض الخرطوم الموقف الأميركي من شرعية طرفي الحرب، وسط قلق أممي من تواصل أزمة تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتصاعد الخلاف بين واشنطن وقيادة الجيش حول هدنة إنسانية مقترحة لمدة 90 يوماً.

وأكد وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماع تشاوري على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دعمهم «الثابت» لسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على أهمية الحفاظ على «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية»، ورفض أي كيانات موازية من شأنها تقويض سيادة البلاد ووحدتها. كما طالب الوزراء بوقف التدفق غير المشروع للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان، في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة توقف الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

الخرطوم ترفض

وأعلنت الخارجية السودانية، الأربعاء، رفضها للموقف الأميركي الأخير من طرفي الحرب، وقالت إن أي مبادرة للسلام ينبغي أن تنطلق من احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه و«مؤسساته الوطنية الشرعية»، وأن تعالج التدخلات الخارجية ومصادر دعم «قوات الدعم السريع».

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في الرياض (واس)

ورفضت الخارجية مساواة الجيش بـ«الدعم السريع»، أو أن تفضي أي عملية تفاوضية إلى إضفاء الشرعية على واقع فرضته الحرب، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد الخرطوم للتعامل مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين من أجل تحقيق السلام.

وعدد البيان، إلى جانب الولايات المتحدة، السعودية ومصر وقطر وروسيا والصين وتركيا وباكستان، فضلاً عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومنظمة التعاون الإسلامي والمجموعة الأفريقية في مجلس الأمن، ضمن الجهات التي قالت الخرطوم إنها مستعدة للتعاون معها.

قلق غوتيريش

وفي موازاة ذلك، تصاعدت أزمة عدم حصول البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، بعدما نقل السودان الخلاف إلى الأمم المتحدة.

وكان مندوب السودان لدى المنظمة الدولية الحارث إدريس قد وجه رسالة، في 21 سبتمبر (أيلول)، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، طالبه فيها بـ«التدخل الفوري» لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرات للبرهان ووفده. وحذر إدريس من أن استمرار الوضع سيمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلق بسبب رفض واشنطن منح تأشيرة للبرهان (أ.ب)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بـ«قلق بالغ» من عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمانة العامة أثارت القضية على الفور مع السلطات الأميركية وتواصل اتصالاتها معها. وأفادت «رويترز» بأن البرهان أرجأ سفره إلى نيويورك، لكنه لم يتلق إخطاراً رسمياً برفض التأشيرة، فيما قال مصدر سوداني آخر للوكالة إن وزير الخارجية محيي الدين سالم سيلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة بدلاً منه.

هدنة الـ90 يوماً

وتتداخل أزمة التأشيرة مع خلاف أوسع بشأن مقترح أميركي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مطلع على الاتصالات بين الجانبين أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح هدنة من 90 يوماً قدمه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم تعلن الخارجية الأميركية رسمياً أن إصدار التأشيرة مشروط بقبول الهدنة. وقال مصدر سوداني رفيع للوكالة إن البرهان يرفض التعامل مع المقترح بمنطق «اقبل أو ارفض»، ويرى أن أي مبادرة ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والتعديل.

وكان إدريس قد قال إن البرهان أبلغ بولس، في يوليو (تموز)، استعداده للتفاوض وإعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، لكنه ربطها بانسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها، ووضع آليات لمراقبة التنفيذ وضمان إيصال المساعدات. كما قال البرهان في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، الاثنين، إنه يرفض ما وصفه بالتوجيهات الخارجية بشأن الحرب، معتبراً أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة أتاحت لـ«الدعم السريع» وداعميه فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

واشنطن تصعّد

في المقابل، صعّدت واشنطن لهجتها تجاه طرفي الحرب. وقالت الخارجية الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب ملتزم بإنهاء ما وصفته بـ«أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، متهمة الجيش و«الدعم السريع» بعدم إبداء التزام جدي بهدنة فورية، وبتكثيف العمليات القتالية وهجمات المسيّرات التي أوقعت ضحايا مدنيين.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

وقالت واشنطن إنها طلبت مراراً من الطرفين قبول هدنة إنسانية «بالصيغة المطروحة ومن دون شروط مسبقة»، والانخراط في حوار سياسي شامل يقود إلى الانتقال نحو حكومة مدنية.

وحذرت في الوقت نفسه من أنها ستسعى إلى «رفع تكلفة استمرار النزاع» على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الحرب. وكرر بولس الموقف في نيويورك، قائلاً إن الشعب السوداني يستحق هدنة إنسانية تيسر «حواراً سودانياً - سودانياً»، وداعياً إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

سابقة البشير

وتعيد أزمة التأشيرة إلى الواجهة التزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، كما تستدعي سابقة سودانية تعود إلى سبتمبر 2013، عندما تقدم الرئيس السابق عمر البشير بطلب تأشيرة للسفر إلى نيويورك وسط جدل بسبب مذكرتي التوقيف الصادرتين بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. وأعلن البشير آنذاك تمسكه بالسفر، لكن الزيارة لم تتم، وألقى وزير الخارجية في ذلك الوقت علي كرتي كلمة السودان أمام الجمعية العامة.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

وبعد 13 عاماً، يتكرر جانب من المشهد مع البرهان، مع اتجاه محيي الدين سالم، وفق «رويترز»، لإلقاء كلمة السودان بدلاً منه، وإن اختلفت الظروف والأسباب المحيطة بالأزمتين.