أعراض غير متوقعة لاضطراب «الوسواس القهري»

مظاهر متنوعة تحتاج إلى علاجات مختلفة

أعراض غير متوقعة لاضطراب «الوسواس القهري»
TT

أعراض غير متوقعة لاضطراب «الوسواس القهري»

أعراض غير متوقعة لاضطراب «الوسواس القهري»

عندما يفكر معظم الناس في «اضطراب الوسواس القهري (obsessive-compulsive disorder)»، أو اختصاراً «أو سي دي (OCD)»، فقد تتبادر إلى أذهانهم سلوكيات شاهدوها على شاشة التلفزيون، مثل غسل اليدين المتكرر، وتشغيل وإطفاء مفاتيح الإضاءة، وترتيب الأشياء الصغيرة بدقة مراراً وتكراراً.

أعراض متعددة لـ«الوسواس القهري»

لكن هذا «الاضطراب» يتجلى بطرق أخرى عدة، فبعض المرضى ينتابهم هوسٌ بأفكارٍ قد تؤذي الآخرين، بينما يركز آخرون على جوانب معينة من علاقاتهم الشخصية.

على سبيل المثال، وصفت الممثلة الكوميدية ماريا بامفورد «اضطراب الوسواس القهري» لديها بأنه «متلازمة الأفكار غير المرغوب فيها».

وفي برنامج «ذا ليت شو ويذ ستيفن كولبير»، شاركت قصة عن عدم قدرتها على التوقف عن التفكير في أفكارٍ مروعة بشأن أفراد عائلتها.

هواجس وسلوكيات قهرية

على وسائل التواصل الاجتماعي، يصف الناس أنواعاً كثيرة من الهواجس والسلوكيات القهرية: «اضطراب الوسواس القهري في العلاقات (relationship OCD)»، و«اضطراب الوسواس القهري في التوجه الجنسي (sexual orientation OCD)»، و«اضطراب الوسواس القهري المتعلق بالتلوث العاطفي (emotional contamination OCD)».

وهذه ليست تشخيصات منفصلة، ​​بل تعبيرات مختلفة عن الاضطراب نفسه؛ تماماً كما يمكن أن يعاني الأشخاص المصابون بأشكال من «الرهاب (phobias)» من مخاوف مختلفة، كما قالت الدكتورة كارولين رودريغيز، خبيرة «اضطراب الوسواس القهري» وأستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية في «كلية ستانفورد للطب».

فهم الاختلافات لوضع العلاجات

وتضيف رودريغيز أن فهم هذه الاختلافات يمكن أن يساعد الأطباء على وضع خطة علاج دقيقة. ومن المهم أيضاً أن يفهمها الجمهور. وإلا؛ فقد لا يدرك الأشخاص الذين يعانون من الاضطراب أنهم مصابون به.

وتابعت أن الأشخاص الذين يخشون إيذاء الآخرين قد يفكرون في: «ربما أكون قاتلاً... إذا أخبرت أي شخص بهذه الأشياء، فسأُسجن».

تعريف «الاضطراب»

هناك أشياء مهمة تجب معرفتها عن الأشكال المختلفة التي يظهر بها «اضطراب الوسواس القهري»:

- ما «اضطراب الوسواس القهري؟»: يتضمن «اضطراب الوسواس القهري» مجموعة من الهواجس والسلوكيات القهرية التي تسبب ضيقاً شديداً وتؤثر على جودة حياة الناس.

- يمكن أن تشمل الهواجس أفكاراً أو صوراً أو رغباتٍ قهريةً غير مرغوب فيها تسيطر على العقل؛ إذ إن المظاهر القهرية هي أفعالٌ متكررة يقوم بها الناس استجابةً لهواجسهم في محاولةٍ لتحسين شعورهم.

- قد تستغرق أعراض «اضطراب الوسواس القهري» هذه وقتاً طويلاً؛ إذ تستمر لمدة ساعةٍ على الأقل يومياً، وفقاً لـ«دليل التشخيص» الذي يستخدمه اختصاصيو الصحة النفسية.

إذا شعرت امرأةٌ بالقلق الشديد من إشعال النار في المنزل بترك الموقد مشتعلاً عن طريق الخطأ، على سبيل المثال، فقد تنظر مرات كثيرة إلى مقابض الموقد مراراً وتكراراً للتأكد من أن المقابض في وضع الإيقاف.

أسباب جينية وبيئية

يُقدر أن نحو 2.3 في المائة من البالغين الأميركيين قد أصيبوا بـ«اضطراب الوسواس القهري» في مرحلةٍ ما من حياتهم، وفقاً لـ«المعهد الوطني للصحة النفسية». والنساء أكثر عرضةً للتشخيص به من الرجال.

وهناك حاجةٌ إلى مزيدٍ من البحث لفهم أصول «اضطراب الوسواس القهري» بشكل أعمق، ويُعتقد أن له أسباباً وراثية وبيئية.

أنواع مختلفة من «الوسواس القهري»

* ما أنواع «اضطراب الوسواس القهري»؟

في حين أن جميع المصابين بهذا «الاضطراب» يعانون من هواجس وسلوكيات قهرية، فإن جيريمي تايلر، الرئيس المشارك لـ«قسم الطب النفسي المتنقل» في «كلية بيرلمان للطب» بجامعة بنسلفانيا، يقول: «(اضطراب الوسواس القهري) بين المرضى نادراً ما يكون متماثلاً تماماً».

* التشنجات واختلاف مستوى الإدراك. يختلف الأشخاص المصابون بـ«اضطراب الوسواس القهري» في نواحٍ كثيرة، منها ما إذا كانوا يعانون من تشنجات لا إرادية (حركات أو أصوات لا إرادية متكررة). كما يختلف المرضى في درجة «بصيرتهم (insight)»، أي مستوى إدراكهم المرض، وكذلك في شعورهم عند ظهور أعراضه.

* مخاوف التلوث والأفكار المحرّمة: من الجوانب الأخرى التي يختلف فيها المرضى محتوى هواجسهم وسلوكياتهم القهرية.

تقول الدكتورة هيلين بلير سيمبسون، أستاذة الطب النفسي والباحثة في «اضطراب الوسواس القهري» بجامعة كولومبيا، إن المخاوف بشأن التلوث، والحاجة إلى التناسق أو النظام، والأفكار المحرمة، والخوف من إيذاء الآخرين أو النفس... موضوعات شائعة.

وتدرج «المؤسسة الدولية لاضطراب الوسواس القهري» موضوعات أخرى أيضاً؛ بما فيها الأفكار الجنسية؛ والهواجس المتعلقة بالعلاقات؛ والقلق المرتبط بالمسؤولية، كأن يكون الشخص مسؤولاً عن أمرٍ مروع يحدث، أو المخاوف المتعلقة بالكمال، كإظهار قلق مفرط بشأن ارتكاب الأخطاء.

* ابتكار تصنيفات أخرى: وقد صنّف المرضى والمعالجون بعض هذه الموضوعات في المنتديات الإلكترونية، وابتكروا مصطلحات مثل «اضطراب الوسواس القهري المتعلق بالتناسق والنظام (symmetry and order OCD)»، و«اضطراب الوسواس القهري المتعلق بالكمال (perfectionism OCD)». وقال رودريغيز إن ابتكار أسماء مختلفة لتعبيرات «اضطراب الوسواس القهري» قد يساعد المصابين على الشعور بوحدة أقل.

ويشير الخبراء إلى أنه في كثير من الأحيان قد يوجد أكثر من موضوع واحد في الوقت نفسه، وأن محتوى هوس الشخص أو سلوكه القهري قد يتغيران على مدار مدة الاضطراب.

علاج «الوسواس»

* كيف يعالَج «اضطراب الوسواس القهري»؟

يُعالج «اضطراب الوسواس القهري» عادةً بمضادات الاكتئاب، أو العلاج بـ«التعرض ومنع الاستجابة»، أو بكليهما، فيتضمن العلاج: مطالبة المرضى بتجربة المرور بالضغوط وبالقلق دون إصدار أي رد فعل قهري. كما يُشجع المعالجون المرضى على السماح لهواجسهم بالظهور بدلاً من محاولة دفعها بعيداً باستمرار.

وأشار تايلر إلى أهمية معرفة «نوع» الشخص عند تطبيق العلاج بـ«التعرض للقلق ومنع الاستجابة»؛ لأن الأطباء يمكنهم حينها التأكد من تعرض مرضاهم للمواقف المحددة التي تُثير عادةً هواجسهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

يوميات الشرق العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)

لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

يرفض الفيلم الصورة النمطية للأمومة على أنها «اكتمال» تلقائي أو انتقال سلس إلى دور جديد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك ممارسة الرياضة بانتظام مثل الجري أو ركوب الدراجات يمكن أن تساعد في تهدئة ذهنك وتخفيف القلق (بيكسلز)

القلق الاجتماعي... ما هو؟ وما أبرز العلاجات؟

يشعر الكثير منّا بالتوتر في المواقف الاجتماعية، سواءً كان ذلك قبل إلقاء عرض تقديمي أو عند مقابلة شخص جديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

تمرين بدني خفيف يحدث من الداخل يحسِّن تدفُّق الأكسجين إلى الرئتين والدماغ، ويحفِّز القلب والعضلات دون إجهاد.

د. عميد خالد عبد الحميد (نيويورك)
يوميات الشرق يحاول المُتلاعبون التأثير على مشاعرك (رويترز)

تُحوِّل موازين القوى لصالحك... الطريقة الأمثل للرد على المتلاعبين

يكمن سرُّ فاعلية المتلاعبين في قدرتهم على إحداث تأثيرات عاطفية والضغط على مشاعرك... إليك 3 استراتيجيات للسيطرة على ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك سوء الصحة النفسية وارتفاع مستويات التوتر وغياب الدعم الاجتماعي جميعها مرتبطة بتاريخ من الإصابة بالتهاب البروستاتا (بكساباي)

ما تأثير الصحة النفسية على التهاب البروستاتا؟

يمكن للصحة النفسية والتوتر أن يلعبا دوراً في تفاقم أعراض التهاب البروستاتا

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
TT

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)

يُعد التراجع المعرفي جزءاً طبيعياً من مسار التقدم في العمر، إذ تبدأ تغيراته الخفية منذ العقد الرابع، قبل أن تصبح أكثر وضوحاً في منتصف الخمسينات، حين تتكرر هفوات الذاكرة اليومية، من نسيان الأسماء إلى التوقف لحظة في منتصف الغرفة بحثاً عن سبب الدخول إليها.

غير أن دراسة علمية حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة «Nature Aging» كشفت عن أن هذا التراجع لا يسير بوتيرة ثابتة، بل يتسارع بشكل ملحوظ عند ثلاث محطات عمرية محددة هي: 57 و70 و78 عاماً.

ووفق الباحثين، فإن حدة هذا التسارع تختلف من شخص إلى آخر، لكن تعديلات بسيطة في نمط الحياة المتبع على مدار السنوات قد تحافظ على حدة ذهنك، وفقاً لصحيفة «تليغراف».

ممارسة الكتابة الحرة تساعد على تنشيط الدماغ (جامعة يوتا الأميركية)

بروتينات الدماغ تكشف عن توقيت التراجع

اعتمدت الدراسة على تحليل مستويات 13 بروتيناً في الدماغ، ثبت ارتباطها بتسارع شيخوخة الدماغ وبالأمراض العصبية التنكسية. ولاحظ الباحثون أن ارتفاع هذه البروتينات يتزامن مع تحولات بيولوجية واجتماعية كبرى، مثل التغيرات الهرمونية في منتصف العمر، أو الانتقال إلى مرحلة التقاعد.

وتوضح البروفسورة باربرا جي. ساهاكيان، أستاذة الطب النفسي بجامعة كمبردج: «أن هذه الأعمار تمثل نقاط انعطاف تبدأ عندها تغيّرات دماغية عميقة بالظهور»، مشيرةً إلى أن الاستعداد المبكر لها يمكن أن يُحدث فرقاً جوهرياً.

وتضيف: «تماماً كما نتحكم في مستويات الكوليسترول لتجنب النوبات القلبية، فإن إدخال تغييرات مدروسة في نمط الحياة قبل هذه الأعمار بعشر سنوات على الأقل قد يغيّر مستقبلنا المعرفي».

يمر نمو الدماغ البشري بـ«نقاط تحول» محورية (بيكساباي)

عند 57 عاماً... حين يبطأ «إنترنت الدماغ»

في هذه المرحلة، يبدأ تقلص حجم الدماغ بوتيرة أسرع، لا سيما نتيجة تراجع المادة البيضاء، المسؤولة عن سرعة التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. ويُشبّه الخبراء ذلك بتباطؤ شبكة الإنترنت الداخلية للدماغ.

وتشير الدكتورة سابين دوناي، المتخصصة في طب طول العمر وصحة الدماغ، إلى أن زيادة الوزن في منتصف العمر تلعب دوراً محورياً في تسريع هذا التراجع، عبر إضعاف تدفق الدم، وتقليل وصول المغذيات الأساسية، ورفع مستويات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تُلحق ضرراً مباشراً بالخلايا العصبية.

كما تربط أبحاث متزايدة بين ارتفاع الكوليسترول في هذه المرحلة وزيادة خطر الإصابة بالخرف لاحقاً، مما يجعل الفحوصات الدورية ضرورة وليست ترفاً.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن النشاط البدني المنتظم يملك تأثيراً وقائياً واضحاً، إذ يعزز حجم «الحُصين» المرتبط بالذاكرة، ويحسن الأداء المعرفي. وتقول ساهاكيان: «أي حركة ترفع معدل ضربات القلب أفضلُ من الخمول، وأفضل برنامج رياضي هو الذي يمكن الاستمرار عليه».

عند 70 عاماً... «تأثير التقاعد»

في العقد السابع من العمر، يبدأ تراكم بروتين «تاو» المرتبط بضعف الذاكرة والتفكير، بالتوازي مع ترقق القشرة الدماغية وتراجع الروابط العصبية.

وتحذر ساهاكيان من أن الاعتماد المفرط على الخبرة السابقة دون تحديات ذهنية جديدة قد يسرّع هذا المسار، مؤكدةً أن القاعدة الذهبية لصحة الدماغ هي: «استخدمه أو ستفقده».

ما العمل؟

ينصح الخبراء بأنشطة تُحفّز الدماغ بعمق، مثل تعلم لغات جديدة، أو الرقص، أو ممارسة أنشطة تجمع بين الجهد الذهني والحركي، بدل الاكتفاء بالألغاز البسيطة. كما يشددون على أهمية العلاقات الاجتماعية، إذ تُظهر الدراسات أن العزلة قد ترفع خطر الخرف بنسبة تصل إلى 60 في المائة.

الحفاظ على صحة الدماغ من أولويات 2026 (بيكساباي)

عند 78 عاماً... نفاد «الاحتياطي المعرفي»

في هذه المرحلة، يستمر تقلص حجم الدماغ وتراجع تدفق الدم إليه، مع ارتفاع مستويات الالتهاب، ويبدأ ما يُعرف بـ«الاحتياطي المعرفي» في النفاد، وهو الرصيد الذي بناه الدماغ عبر سنوات من التعلم والتحدي.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن بناء الروابط العصبية الجديدة يظل ممكناً في أي عمر. وتدعو ساهاكيان إلى عدم تسليم المهام الذهنية للآخرين، والاستمرار في التعلم والتعليم. فيما تشدد دوناي على دور الغذاء الصحي، والنوم الجيد، وتقليل السكر والإجهاد المزمن، والحد من التعرض للملوثات.

وتختتم دوناي برسالة مطمئنة: «الدماغ مبرمج على البقاء. وإذا وفرنا له الحركة، والتغذية الجيدة، والنوم الكافي، فلا سبب للاستسلام لفكرة أن التدهور الحاد قدر لا مفر منه».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
TT

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة؛ إنه تحوّل عميق في الطريقة التي يتكوّن بها عقل الطبيب نفسه.

الذكاء الاصطناعي لم يدخل عالم التعليم الطبي بوصفه إضافة تقنية عابرة، بل كشريك تعلّم يراقب، ويحلّل، ويُقيّم، ثم يعيد تشكيل المسار التعليمي للطبيب منذ سنواته الأولى. لم يعد الطالب ينتظر «الحالة المناسبة» ليكتسب الخبرة، بل أصبح المريض الافتراضي حاضراً عند الطلب، بكل تعقيداته ومضاعفاته واحتمالات الخطأ فيه.

وهنا لا يعود السؤال: هل سيستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيتغيّر معنى أن تكون طبيباً؟

الإنسان أمام مرآته الرقمية

التعليم بالذكاء الاصطناعي

تقليدياً، بُني التعليم الطبي على ما يمنحه الزمن والمصادفة: مريض حضر، حالة صادفت الفريق، تجربة استقرّت في الذاكرة. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى نموذج مختلف جذرياً، تُبنى فيه الخبرة الطبية على بيانات واسعة، ومحاكاة ذكية، وتعلّم تكيفي.

تُستخدم في كليات الطب التابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) وكلية الطب بجامعة ستانفورد (Stanford University School of Medicine)، أنظمة تعليمية متقدمة تُنشئ مرضى افتراضيين يتغيّرون فسيولوجياً وسلوكياً تبعاً لقرارات الطبيب المتدرّب، فيُظهرون تحسّناً أو تدهوراً، ويكشفون أخطاءً خفية قبل أن تتحوّل إلى كوارث سريرية حقيقية... لم يعد الخطأ وصمة، بل أداة تعليمية آمنة.

* الطبيب المتدرّب تحت مجهر الخوارزمية. تشير دراسات حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة، مثل مجلة لانسيت للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health) ومجلة نيتشر للطب (Nature Medicine)، إلى تحوّل نوعي في فلسفة التعليم الطبي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقيّم ما يحفظه الطالب من معلومات، بل طريقة تفكيره السريري: كيف يصل إلى القرار، ولماذا يختار مساراً دون آخر، وكيف يتعامل مع الشك والاحتمال والخطأ. لم يعد التعليم موحّداً للجميع، بل بات يتكيّف مع عقل كل طبيب على حدة؛ يرصد نقاط الضعف، ويقترح مسارات تدريب، ويعيد التقييم حتى تستقرّ المهارة، لا المعلومة وحدها.

* الجراحة: التعلّم من الخطأ قبل أن يحدث. في الجراحة، حيث الخطأ لا يُغتفر، أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف التدريب من جذوره. لم يعد الجرّاح الشاب ينتظر «الفرصة النادرة»، بل أصبح قادراً على خوض عشرات السيناريوهات المعقّدة داخل بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة عالية.

في مؤسسات طبية أكاديمية كبرى مثل مستشفى مايو كلينك (Mayo Clinic) ومستشفى كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic)، يُستخدم التدريب الجراحي المعتمد على المحاكاة الرقمية ونماذج الواقع الافتراضي بوصفه أداة مساندة للتعليم، تتيح للطبيب المتدرّب مراجعة خطوات الإجراء الجراحي، والتدرّب على سيناريوهات محتملة للمضاعفات، ضمن بيئات تعليمية آمنة. وهذا النوع من التدريب لا يحلّ محل الخبرة السريرية المباشرة، لكنه يُسهم في صقل المهارة وتقليل هامش الخطأ قبل الانتقال إلى غرفة العمليات الحقيقية.

* الأشعة وعلم الأمراض: تعليم بلا حدود. في تخصصات تعتمد على الصورة والنمط، مثل الأشعة وعلم الأمراض، تحرّر التعليم من قيد الندرة. بات الطبيب المتدرّب يتعامل مع آلاف الحالات المتنوعة، ويقارِن تشخيصه بتجارب خبراء من مختلف أنحاء العالم؛ لا بما صادفه في مستشفاه فقط، بل بما تراكم عالمياً من خبرة ومعايير.

في بعض البرامج التدريبية المرتبطة بمستشفيات جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins Medicine)، بدأ المتدرّبون بالاستفادة من أدوات تعليمية رقمية ومحاكاة سريرية وقواعد بيانات بحثية موسّعة، تُكمّل الخبرة السريرية المباشرة ولا تستبدلها. وهذا التوجّه لا يهدف إلى تعميم تجربة عالمية واحدة، بل إلى رفع المستوى المرجعي للتدريب التشخيصي، والمساهمة في تقليص الفوارق التعليمية بين مراكز التدريب، مع الإبقاء على دور الطبيب وخبرته السريرية في صميم القرار الطبي.

حين يلتقي الطب الحديث بالجذور الحضارية

أخلاقيات التعليم الطبي

من يقود القرار في عصر الخوارزمية؟ ومع هذا التقدّم المتسارع، يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله: هل ندرّب أطباء يفكّرون... أم منفّذي قرارات آلية؟ تحذّر أدبيات أخلاقيات التعليم الطبي من خطرٍ خفيّ يتمثّل في تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مرجعية صامتة لا تُناقَش. فالطب ليس معادلة حسابية، والمريض ليس مجموعة أرقام، والرحمة لا تُبرمج. وكما قال ابن رشد: «الآلة قد تُحسن الحساب... لكنها لا تعرف الحكمة».

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي الطبيب، كما لم تُلغِ السماعة الطبية الطبيب قبل قرن، لكنه سيُعيد تعريفه. الطبيب القادم لن يكون أكثر حفظاً، بل أكثر وعياً؛ لن ينافس الآلة في السرعة، بل في الحكمة، وفي القدرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للقرار. وهنا تستعيد المهنة معناها الأسمى، كما قال ابن سينا: «غاية الطب ليست إطالة العمر، بل حفظ إنسانية الإنسان».

العالم العربي: إعادة بناء الطبيب

في العالم العربي، لا يأتي هذا التحوّل في التعليم الطبي متأخراً، بل في توقيتٍ حاسم. فالفجوة التي عانت منها المنطقة لعقود بين التعليم النظري والتدريب السريري المتقدّم، تفتح اليوم نافذة نادرة لإعادة البناء من الأساس، لا لمجرّد اللحاق بالركب، بل للمشاركة في صياغته.

وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف الرعاية الصحية والتعليم الطبي معاً. فبرامج التحول الصحي، وتوسّع كليات الطب، والاستثمار في البنية الرقمية، تهيّئ بيئة مثالية لتبنّي نماذج تعليمية حديثة تُدرّب الطبيب قبل دخوله الميدان، وتقلّص التفاوت بين المدن، وتمنحه خبرة عالمية وهو ما يزال في مقاعد الدراسة.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقدَّم بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة لرفع كفاءته، وحمايته من الخطأ المبكر، وإعادة الوقت والقرار إلى يده. ومع التنوّع السكاني والعبء المتزايد للأمراض المزمنة، تغدو هذه النماذج التعليمية الذكية ضرورة صحية، لا ترفاً تقنياً.

إنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الطبيب العربي وفق معايير المستقبل، مع الحفاظ على جوهر الطب بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون علماً دقيقاً.


أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية
TT

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين، وغياب علاجات شافية حتى اليوم. ورغم التقدم الكبير في علم الوراثة ظلّ فهم العلاقة الدقيقة بين الجينات المعطوبة وما يحدث فعلياً داخل خلايا الدماغ لغزاً علمياً معقداً.

إن الدماغ ليس نسيجاً واحداً متجانساً، بل منظومة شديدة التعقيد تضم أنواعاً متعددة من الخلايا العصبية، والمساندة تختلف في وظائفها وانتشارها. وغالباً ما تُحلل عينات الدماغ بشكل مجمّع، ما يؤدي إلى ضياع إشارات جينية دقيقة تصدر عن خلايا نادرة، لكنها قد تكون محورية في تطور المرض.

في هذا السياق كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلة «Nature Communications» خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن أدوات تحليلية جديدة تمكّن العلماء من قراءة البيانات الجينية بعمق غير مسبوق، وربطها بأنواع محددة من خلايا الدماغ.

قراءة أذكى للبيانات الجينية

• أداة تحليلية جديدة. في الدراسة الأولى المنشورة في 26 نوفمبر، طوّر باحثون من كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية أداة تحليلية جديدة تُعرف باسم BASIC، وهي تقنية تدمج بين بيانات الأنسجة الدماغية الكاملة، وبيانات الخلية المفردة بدل الاكتفاء بدراسة كل نوع من الخلايا على حدة.

وتسمح هذه المقاربة الجديدة باكتشاف التأثيرات الجينية المشتركة بين عدة أنواع من خلايا الدماغ، مع الحفاظ على الخصائص الفريدة لكل نوع. ووفقاً للدكتور بيبو جيانغ الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علوم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الطريقة تمكّن العلماء من استخراج معلومات أعمق من البيانات المتوافرة أصلاً دون الحاجة إلى توسيع حجم العينات.

وقد أظهرت النتائج أن هذه الأداة رفعت القدرة على اكتشاف الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ بنسبة تقارب 75 بالمائة مقارنة بالطرق التقليدية، كما كشفت عن جينات جديدة مرتبطة بألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري بعضها يرتبط بمسارات دوائية معروفة.

• أداة حسابية مطورة. بهدف حل لغز قديم في أبحاث ألزهايمر، سعت الدراسة الثانية المنشورة في 1 أكتوبر، والتي قادها باحثون من جامعتي رايس وبوسطن برئاسة جان بيير روساري من قسم التشريح وعلم الأحياء العصبية بكلية الطب بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، سعت إلى حل تناقض حيّر العلماء لسنوات: فالدراسات الجينية تشير إلى تورط خلايا المناعة الدماغية الميكروغليا Microglia بوصفها خلايا مناعية دماغية، بينما تُظهر فحوصات أدمغة المرضى أن الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة هي التي تتلف فعلياً.

وللإجابة عن هذا السؤال طوّر الباحثون أداة حسابية جديدة تُعرف باسم seismic قادرة على ربط الإشارات الجينية بأنواع دقيقة جداً من خلايا الدماغ، بل وحتى بمناطق محددة داخله.

وباستخدام هذه الأداة تمكّن العلماء لأول مرة من إثبات وجود ارتباط جيني مباشر بين داء ألزهايمر وخلايا الذاكرة العصبية، ما ساعد على توحيد الصورة بين الأدلة الوراثية والواقع المرضي داخل الدماغ.

أمل جديد في مواجهة الخرف

تشير الدراستان إلى تحول مهم في أبحاث الدماغ من التركيز على الجينات بمعزل عن السياق إلى فهم المرض على مستوى الخلية نفسها. وهذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لما يُعرف بـالطب الدقيق، حيث يمكن استهداف مسارات مرضية محددة داخل نوع خلوي معين.

كما أن إحدى النتائج اللافتة هي إمكانية إعادة توظيف أدوية معتمدة أصلاً لعلاج أمراض أخرى بعد أن تبيّن أنها تؤثر في الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ، وهو ما قد يختصر سنوات من البحث، والتجارب السريرية.

ومع تجاوز عدد المصابين بالخرف عالمياً 57 مليون شخص، تمثل هذه الأدوات الجينية المتقدمة خطوة واعدة نحو التشخيص المبكر، وربما التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بسنوات. والأهم أنها تمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً في أن فهم الخلل على مستوى الخلية قد يكون المفتاح لإبطاء المرض، أو إيقافه مستقبلاً.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن مستقبل أبحاث أمراض الدماغ لا يعتمد فقط على جمع المزيد من البيانات، بل على تحليلها بذكاء. ومن خلال دمج علم الوراثة، وتقنيات الخلية المفردة، وعلوم الحوسبة بدأت تتضح خريطة جديدة لأمراض الدماغ قد تغيّر أساليب تشخيصها، وعلاجها خلال السنوات المقبلة.