طرد موظفين فرنسيين يفاقم الأزمة بين الجزائر وباريس

الحادثة أثَرت على مساعي برلمانيين فرنسيين لفتح حوار بين البلدين

عَلَما فرنسا والجزائر في العاصمة الجزائر (أرشيفية - رويترز)
عَلَما فرنسا والجزائر في العاصمة الجزائر (أرشيفية - رويترز)
TT

طرد موظفين فرنسيين يفاقم الأزمة بين الجزائر وباريس

عَلَما فرنسا والجزائر في العاصمة الجزائر (أرشيفية - رويترز)
عَلَما فرنسا والجزائر في العاصمة الجزائر (أرشيفية - رويترز)

بينما يسعى وفد برلماني فرنسي، يزور الجزائر حالياً، إلى جسّ نبض السلطات والسياسيين بشأن مدى الاستعداد لإنهاء التوترات الحادة بين البلدين، دخلت الأزمة الدبلوماسية مرحلةً أكثر تعقيداً وتوتراً، وذلك بعد قرار الجزائر طرد عدد من موظفي السفارة الفرنسية لديها بشكل جماعي، بدعوى أنهم «عناصر مخابرات متخفّون بصفة دبلوماسيين».

وزار الوفد البرلماني الفرنسي، الذي يتكون من نواب من أحزاب اليسار والوسط، الاثنين، «جامع الجزائر» بالعاصمة، وهو أهم صرح ديني في البلاد، حيث التقى مسؤوليه. وعقد لقاءات مع مسؤولين حكوميين، أبرزهم وزير المجاهدين العيد ربيقة بمناسبة حضورهم احتفالات الجزائر بمرور 80 عاماً (مايو/ أيار 1945) على مظاهرات بشرق البلاد قتل فيها آلاف الجزائريين على أيدي الشرطة الاستعمارية الفرنسية، بسبب مطالبتهم بالاستقلال.

وزير المجاهدين الجزائري مع وفد البرلمان الفرنسي (الوزارة)

ونقلت «وكالة الأنباء الجزائرية» الرسمية عن عضو كتلة «الخضر» بالبرلمان الفرنسي دانييل سيمونيه، أن البرلمانيين الذين يزورون الجزائر، «يولون أهمية كبيرة لماضي فرنسا في الجزائر، وجرائم الدولة التي ارتكبتها خلال فترة الاستعمار»، التي استمرت من 1830 إلى 1962، مشيرة إلى وجود «تحركات برلمانية في فرنسا لدفع الدولة إلى الاعتراف بهذه الجرائم، بمساعدة مؤرخين وتنظيمات بالمجتمع المدني». ودعت إلى «فتح صفحة جديدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية».

وصرَح لوران لاردت، النائب الاشتراكي ورئيس «مجموعة الصداقة الفرنسية الجزائرية» في البرلمان الفرنسي، لـ«وكالة الأنباء الجزائرية»، بأن زيارة الوفد الذي يضم 15 نائباً «تعكس حرصنا على إقامة علاقات مبنية على الصداقة والتعاون بين بلدينا»، مشدداً على «ضرورة الذهاب بعيداً في مشروع التعامل مع الذاكرة التاريخية»، في إشارة إلى «لجنة الذاكرة» التي أطلقها البلدان عام 2023، بهدف «عقد مصالحة بين ذاكرتيهما»، وتجمع مؤرخين فرنسيين وجزائريين متخصصين في تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر. غير أن عمل «اللجنة» توقف بسبب اندلاع أزمة دبلوماسية بين البلدين، في يوليو (تموز) الماضي، على إثر انحياز باريس للمغرب في نزاع الصحراء. وتفاقمت مع الوقت مثل كرة ثلج وكانت عاكسة لمشكلات كبيرة بينهما، خصوصاً ما تعلق بالهجرتين النظامية والسرية وظاهرة العنصرية.

البرلمانية صابرينا صبايحي ضمن الوفد الفرنسي الذي يزور الجزائر (حسابها بالإعلام الاجتماعي)

من جهتها، شددت النائبة صابرينا صبايحي، التي تتحدر من أصول جزائرية، على أهمية «الاعتراف رسمياً بمجازر 8 مايو 1945 كجريمة دولة»، مشيدة بـ«دور الدبلوماسية البرلمانية بخصوص إعادة فتح حوار بين البلدين».

وأبدت الحكومة الجزائرية أهمية كبيرة لزيارة البعثة البرلمانية الفرنسية، حيث تم استقبال أعضائها من طرف العديد من المسؤولين الحكوميين، كما عقد النواب لقاءات مع تنظيمات مهتمة بالتاريخ و«الذاكرة».

وفي حين توقع مراقبون أن تكون هذه الزيارة مقدمةً لإنهاء الخلافات، أعلنت السلطات الجزائرية، يوم الأحد، عن طريق وكالة الأنباء الرسمية، عن طرد 15 موظفاً بالبعثة الدبلوماسية الفرنسية، «فوراً بسبب تعيينهم في مناصبهم في ظروف مخالفة للإجراءات المعمول بها». وحسب مصادر جزائرية، يشتغل هؤلاء ملحقين بالسفارة تابعين لجهاز الأمن الداخلي الفرنسي.

واستدعي القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية إلى مقر وزارة الخارجية الجزائرية، في اليوم نفسه، لإبلاغه بهذا القرار. وأفادت «وكالة الأنباء الجزائرية» بأن الموظفين الفرنسيين محل تحفظ من طرف سلطات البلاد، «لم تستوف بشأنهم الإجراءات الواجبة، المتمثلة في الإبلاغ الرسمي المسبق بتعيينهم أو طلب الاعتماد، كما تقتضيه الأعراف والاتفاقات الدولية ذات الصلة»، مؤكدة أن من بينهم اثنين تابعين لوزارة الداخلية الفرنسية، «تم إعلانهما بأنهما غير مرغوب فيهما»، في إشارة إلى خبر أذاعته «قناة الجزائر الدولية»، السبت، يخصّ منع دخول عنصرين من جهاز الأمن الداخلي الفرنسي، كانا يعتزمان الالتحاق بالبعثة الدبلوماسية الفرنسية بالجزائر، مؤكدةً أنهما «حاولا التسلل إلى الجزائر تحت غطاء مهمة دبلوماسية».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل 2025 (الرئاسة الجزائرية)

وفق المصادر الجزائرية ذاتها، منعت شرطة الحدود بمطار الجزائر العاصمة عنصري المخابرات الفرنسية من الدخول يوم الجمعة الماضي «بعد التثبت بأنهما ليسا دبلوماسيين حقيقيين».

يشار إلى عدم صدور بيان من وزارة الخارجية الجزائرية بخصوص الترحيل الجماعي للموظفين الفرنسيين، علماً بأن السفير الفرنسي لدى الجزائر تم سحبه الشهر الماضي، بسبب تفاقم الخلافات.

من جهته، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن فرنسا سترد على قرار الجزائر «غير المبرر» بطرد 15 مسؤولاً فرنسياً، وقال للصحافيين في نورماندي: «رحيل الموظفين الذين يقومون بمهام مؤقتة أمر غير مبرر، ومثلما فعلت الشهر الماضي سنرد على الفور وبطريقة قوية ومتناسبة». وقال بارو: «هذا قرار أشعر بالأسف عليه لأنه ليس في مصلحة الجزائر ولا في مصلحة فرنسا»، ورفض الإدلاء بمزيد من التفاصيل حول رد باريس.

السفير الفرنسي بالجزائر ستيفان روماتيه (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتُعد التطورات الأخيرة جزءاً من سلسلة توترات مستمرة بين البلدين منذ عشرة أشهر، رغم أن الحوار استؤنف بينهما في أبريل (نيسان) الماضي، بمناسبة زيارة وزير الخارجية بارو إلى الجزائر، في السادس من الشهر، حيث أعلن عن اتفاق بين الطرفين لفتح صفحة جديدة في العلاقات، لكن سرعان ما عاد التوتر من جديد حينما أعلنت الجزائر في 12 من الشهر ذاته عن طرد 12 موظفاً فرنسياً من وزارة الداخلية، وطلبت منهم مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، مبررةً ذلك بأنه رد على توقيف وسجن موظف قنصلي جزائري في فرنسا اتهمه القضاء بخطف واحتجاز معارض جزائري لاجئ في فرنسا. وردّت باريس بطرد 12 موظفاً قنصلياً جزائرياً في خطوة دلّت على أن الخلافات تلامس يومياً القطيعة النهائية.

وتدهور العلاقات له عواقب أمنية واقتصادية واجتماعية وخيمة. ووفقاً لمسؤولين فرنسيين، فإن حجم التجارة بين البلدين كبير جداً، وحوالي 10 بالمائة من سكان فرنسا، البالغ عددهم 68 مليون نسمة، تربطهم صلات بالجزائر.


مقالات ذات صلة

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

تصاعد الخلافات القضائية والسياسية بين الجزائر وفرنسا رغم القنوات المفتوحة

هاجمت وكالة الأنباء الجزائرية ممثل النيابة الفرنسية، مؤكدة وفق «مصدر مأذون من وزارة الخارجية الجزائرية» أن اتهاماته «اعتداء عبثي على الجزائر».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وسويسرا لتسريع إجراءات استرداد الأصول الناتجة عن جرائم الفساد

صعّدت الجزائر من ضغوطها على عواصم غربية لتسليمها شخصيات نافذة صدرت بحقها أحكام في قضايا غسل أموال وتهريبها إلى ملاذات ضريبية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

استعاد صنصال حريته في 12 نوفمبر بموجب عفو رئاسي من الرئيس عبد المجيد تبون وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنها استجابت لطلب بذلك، من الرئيس الألماني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ العالم

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج

ما الذي يمكن لـ«الجامعة العربية» فعله حيال الأزمة الليبية المعقّدة؟

اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)
اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)
TT

ما الذي يمكن لـ«الجامعة العربية» فعله حيال الأزمة الليبية المعقّدة؟

اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)
اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

فرضت الأزمة السياسية الليبية المستعصية نفسها على اجتماعات ثنائية كثيرة، عربية ودولية، عُقدت على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في تركيا، وناقشت أبعاد القضية وتعقيداتها وسبل حلحلتها.

وتَصدَّر هذه الاجتماعات لقاء رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، الذي جدّد استعداد جامعته «لمساعدة ودعم ليبيا في كل مسعى جاد يهدف إلى توحيد كلمة الليبيين».

تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

غير أنه في ظل تعقيدات الأزمة المستعصية منذ رحيل الرئيس معمر القذافي، يظل هناك سؤال: هل من حلول في الأفق تستطيع «الجامعة العربية» أن تقدمها للأطراف الليبية المتنازعة على الحكم في هذا البلد النفطي؟

إزاء ذلك، يقول مسؤول ليبي سابق إن «مشكلة بلده باتت أعمق مما قبل، في ظل تقاطع المصالح الدولية الكبيرة، وتمكُّن طرفين فقط من توجيه الأزمة وفق حساباتهما الخاصة»، مشيراً إلى أن ما يجري من حديث حول «ميزانية موحدة»، وتحركات لتوحيد الجيش «يصب في صالح بقائهما».

وخلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أعرب المسؤول السابق عن اعتقاده بأن ليبيا تمضي «إلى انقسام مقنن بين مشروعين، أحدهما في غرب ليبيا ممثل في عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، والثاني في شرقها ويقوده الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني»، وتساءل: «أي دور يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة أو الجامعة العربية بشأن ذلك؟».

وفي اجتماعه مع تكالة، شدد أبو الغيط - الذي أكد على استكمال دور الجامعة في ليبيا - على ضرورة أن يكون الحل «ليبياً - ليبياً» بقيادة وطنية جامعة وبرعاية أممية وعربية داعمة؛ «سعياً إلى تمهيد الطريق لإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإحلال الاستقرار الدائم في البلاد».

وقالت الجامعة، الأحد، إن لقاء أبو الغيط، الذي حضره الأمين العام المساعد حسام زكي مع تكالة، «شهد تبادلاً لوجهات النظر حول آخر مستجدات المشهد السياسي في ليبيا، والجهود المبذولة لدفع مسار التسوية الشاملة بما يحقق تطلعات الشعب الليبي في الاستقرار والوحدة الوطنية».

تطورات الوضع الليبي

وقال جمال رشدي، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للجامعة، إن رئيس المجلس الأعلى للدولة «قدم خلال اللقاء شرحاً مفصلاً حول تطورات الوضع في ليبيا، واستعرض رؤيته لأولويات الحل في المرحلة الراهنة، القائمة على المسارات السياسية والدستورية والاقتصادية»، كما نقل عن تكالة «تثمينه للدور الذي تضطلع به جامعة الدول العربية في دعم المسار السياسي الليبي، ومواقفها الثابتة حيال وحدة ليبيا واستقلال قرارها الوطني».

والدور السياسي الذي تلعبه الجامعة العربية في ليبيا يمتد لسنوات تلت سقوط نظام القذافي؛ وسبق وجمعت رؤساء المجالس الرئيسية الثلاثة في ليبيا (الرئاسي والنواب والدولة): محمد المنفي، وعقيلة صالح، ومحمد تكالة، في 10 مارس (آذار) 2024، واتفقوا حينها على «وجوب تشكيل حكومة موحدة».

أبو الغيط يتوسط صالح (إلى اليمين) والمنفي وتكالة خلال اجتماع بشهر مارس 2024 (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

وثمّن أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي رمضان التويجر أي جهود عربية أو دولية تدعو الليبيين للحوار بهدف الوصول إلى الاستقرار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة، لكنه قال إن «المؤسسات القائمة اليوم تمت تجربتها في كثير من المراحل السابقة، وهذه الأجسام تواصل التخبط في المشهد السياسي».

ويرى التويجر، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن أي حل لا يؤدي إلى إخراج الأجسام السياسية كافة من المشهد بشكل مبدئي ومن ثم التوجّه إلى الانتخابات «لن يؤدي إلى أي حلول عملية من الممكن أن تساعد على توحيد الليبيين».

وذهب إلى أن «النظام السياسي القائم راهناً، الذي نتج عن (اتفاق الصخيرات) بالمغرب، لم يؤدِ إلا إلى تعميق الأزمة وإبقاء الحال كما هي عليه اليوم»، وقال: «هناك إشادات في ليبيا بتوحيد الميزانية؛ وللأسف هي ميزانية موحدة لحكومتين؛ وهذا أمر غير سليم، لذا يجب مراجعة كل ما هو قائم، والبحث عن بدائل للنظام السياسي الحالي».

وانتهى التويجر إلى ضرورة العمل على إيجاد نظام سياسي يعمل على توحيد مؤسسات الدولة بشكل عام، لأن النظام القائم - في رأيه - لا يمكن أن يؤدي إلى أي مخرج للأزمة الليبية.

اجتماع احتضنته الجامعة العربية وضم المنفي وصالح وتكالة مارس 2024 (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

أمور معلقة... وتجاذب سياسي

ومنذ أن اتفق رؤساء المجالس الرئيسية الثلاثة على «وجوب تشكيل حكومة موحدة» مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية و«توحيد المناصب السيادية» في ليبيا، لا تزال الأمور معلقة إثر تجاذب سياسي حاد بين مجلسي «النواب» و«الدولة» من جهة، و«الرئاسي» و«النواب» من جهة ثانية.

وكان أبو الغيط قد قال حينها إن التوافق الذي حدث بين القادة الليبيين «فاق التوقعات»، داعياً الأطراف السياسية إلى العمل على تشكيل حكومة موحدة، تقود لإجراء الانتخابات الليبية المؤجلة، وفقاً لما انتهى إليه اجتماعهم قبل أكثر من عامين.

ومنذ أن توفي السفير التونسي صلاح الدين الجمالي، مبعوث الأمين العام للجامعة العربية إلى ليبيا، في 13 سبتمبر (أيلول) 2019، لم تعين الجامعة خلفاً له حتى الآن.

بدوره، قال المجلس الأعلى للدولة إن اجتماع تكالة مع أبو الغيط تطرق إلى «بحث مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، وسبل دعم المسار السياسي، وتعزيز فرص التوافق بين الأطراف الليبية، بما يسهم في إنهاء حالة الانقسام والوصول إلى تسوية شاملة».

كما تناول الاجتماع دور الجامعة العربية في دعم الاستقرار في ليبيا، والتأكيد على أهمية التنسيق مع المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يعزز الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.

وفي التاسع من مارس الماضي، أبدى المنفي استجابته - على خلفية التنازع بين الحكومتين - لـ«حوار ثلاثي» مع صالح وتكالة، من خلال العودة إلى المسار الذي كان قد بدأ برعاية جامعة الدول العربية، وعدّ ذلك «تعزيزاً للملكية الوطنية، واحتراماً للسيادة والمرجعيات الدستورية القائمة».

وبدعم أميركي، اتفقت الأطراف الليبية المنقسمة على «ميزانية موحدة» للمرة الأولى منذ 13 عاماً، غير أن الاتفاق لم يخلُ من انتقادات وتباينات داخل البلاد.


خطة استراتيجية مصرية لتنمية متكاملة بشمال سيناء

مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)
TT

خطة استراتيجية مصرية لتنمية متكاملة بشمال سيناء

مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)

تُنفذ مصر خطة لتنمية متكاملة في شمال سيناء (شرق البلاد)، حيث تعد القاهرة عملية التنمية بسيناء «ضماناً للأمن القومي».

وبحسب رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي «تتركز رؤية الدولة في تنمية شمال سيناء على أن تكون هذه المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر». وتحدث عن حرص حكومته على «منح كل الحوافز الممكنة لتشجيع الاستثمار، وخدمة أهالي شمال سيناء».

تأكيدات رئيس الوزراء جاءت خلال جولة له، الأحد، على عدد من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء بمرافقة عدد من الوزراء.

وأكد مدبولي أن زيارته للمحافظة والتي تتزامن مع احتفالات الدولة بـ«عيد تحرير سيناء» تأتي في إطار متابعة سير العمل، ودفعه بمختلف المشروعات التنموية والخدمية التي تشمل الرعاية الصحية، ومياه الشرب، ومحطات تحلية مياه البحر، بجانب مشروعات صناعية، ومشروعات حيوية أخرى مثل تطوير مطار العريش، والميناء البحري بالمدينة أيضاً.

ولفت إلى أن «هذه المشروعات وغيرها تأتي في إطار تنفيذ خطة التطوير الاستراتيجي التي تستهدف تحقيق التنمية المتكاملة بشمال سيناء ضمن المشروع القومي لتنمية المحافظة الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي».

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور وليد جاب الله يرى أن «سيناء أصبحت بالفعل واجهة استثمارية كبيرة، وما يقوم به رئيس الوزراء من زيارات يعبِّر عن أن الدولة ماضية في مخططها، وأنها عازمة على استكمال المخطط الخاص بتنمية سيناء خلال المرحلة المقبلة، وتعمل على تحفيز القطاع الخاص من أجل استكمال عمليات التنمية في سيناء».

ويوضح جاب الله لـ«الشرق الأوسط» أن «مشروع تنمية سيناء تم دمجه مع مشروع تنمية محور قناة السويس، وتم ربط سيناء بـ5 أنفاق إضافية فضلاً عن تطوير نفق الشهيد أحمد حمدي لنكون أمام 6 أنفاق بمحاور مرورية متكاملة، فضلاً عن تطوير المعديات وزيادتها، حيث تم خفض زمن العبور إلى القناة».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع أحد المشروعات في شمال سيناء الأحد (مجلس الوزراء المصري)

الخبير العسكري، رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، العميد سمير راغب قال: «وفقاً للأرقام، فإن معظم موازنة التنمية توجد في المشروعات والبنية التحتية لمناطق شرق قناة السويس وسيناء، حيث الكباري وتطوير المعديات والربط ما بين شبه جزيرة سيناء ومحافظات الجمهورية، ومشاريع شرق بورسعيد وشرق التفريعة، ونقل المياه عن طريق سحارة ترعة السلام، بالإضافة إلى المشروعات الزراعية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كل هذا يمثل خطة متكاملة للتنمية تشمل شمال ووسط وجنوب سيناء». ولفت إلى أن «محافظة شمال سيناء من أكثر المحافظات نمواً، ولو نظرنا إلى زيارات رئيس الحكومة لمحافظة شمال سيناء لوجدناها الأكثر عن باقي المحافظات المصرية».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع، أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

وأشار مدبولي، الأحد، إلى أن «الحكومة ماضية بجهود حثيثة في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الدولة لإحداث التنمية المتكاملة في سيناء، والتي تشمل مشروعات عديدة ومتنوعة تغطي قطاعات الزراعة، والصناعة، والتعدين، والتنمية العمرانية، فضلاً عن مواصلة تحسين البنية التحتية من خلال بناء شبكات طرق وجسور وأنفاق، بالإضافة إلى تنفيذ مشروعات التنمية السياحية بالمحافظة».

والعام الماضي، أعلنت الحكومة عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات في البنية التحتية من (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجيستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

جانب من مشروع إنشاء خط السكة الحديدية «بئر العبد - العريش - رأس النقب» (مجلس الوزراء المصري)

ووفق وليد جاب الله، فإن «تم تشغيل خط السكك الحديدية، وتطوير الطرق في سيناء للربط ما بين مناطق التعدين والمواد الخام مع مناطق التصنيع والتصدير، حدث تطوير في البنية التحتية، وإنشاء كثير من التجمعات السكنية في شمال سيناء وجنوبها، فضلاً عن استصلاح الأراضي».

ويوافق «عيد تحرير سيناء» السبت المقبل 25 أبريل (نيسان) الحالي، وقررت الحكومة المصرية، الأحد، أن يكون هذا اليوم إجازة رسمية للعاملين في الوزارات والمصالح الحكومية والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية.

وقال السيسي في كلمته بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لتحرير سيناء، العام الماضي: «لقد كان الدفاع عن سيناء وحماية كل شبر من أرض الوطن عهداً لا رجعة فيه، ومبدأً ثابتاً في عقيدة المصريين جميعاً يترسخ في وجدان الأمة جيلاً بعد جيل ضمن أسس أمننا القومي التي لا تقبل المساومة أو التفريط».

وخاضت قوات الجيش والشرطة على مدار سنوات مواجهة شاملة في شمال سيناء ضد جماعات إرهابية. وعدّ السيسي تعمير شبه جزيرة سيناء بمنزلة «خط الدفاع الأول»، وفق خطاب رئاسي في أبريل 2022، قبل أن يعلن في فبراير (شباط) 2023 «إحباط تحول سيناء إلى بؤرة دائمة للإرهاب، واستمرار الدولة في تنميتها».

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات في شمال سيناء الأحد (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب سمير راغب فإن «تعامل مصر مع سيناء (تجربة فريدة)، وكان فكر القيادة السياسية أن القضاء على الإرهاب ليس قضية عسكرية بحتة؛ لكنها تحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تشمل معالجة البيئة الحاضنة للإرهاب بالتنمية بجميع أنواعها (مجتمعية، واقتصادية، وفكرية) فضلاً عن توفير فرص عمل».

ويتابع: «حققت العمليات ضد الإرهاب بسيناء نتائجها في 2018، وبعد ذلك بدأت أعمال التنمية وبناء مدن جديدة مثل بئر العبد الجديدة، ورفح الجديدة، والشيخ زويد الجديدة». ويشير إلى أن «الدولة نجحت في أن يكون معها في خندق متقدم أهالي سيناء لمكافحة الإرهاب، سواء من حيث الفكرة أو الكشف عن حواضن اختباء العناصر المتطرفة».

بالفعل، شدد مصطفى مدبولي، الأحد، على أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم، وفق توجيه الرئيس السيسي».

خط قطار «القنطرة شرق - بئر العبد» لنقل المواطنين (وزارة النقل المصرية)

في سياق ذلك، تفقد مدبولي خلال زيارته أعمال رفع كفاءة طريق القنطرة شرق - العريش. وأكد وزير النقل المصري، كامل الوزير أن «وزارة النقل تواصل تنفيذ خطتها الشاملة لتطوير شبكة الطرق في سيناء بالتوازي مع إنشاء الممرات اللوجيستية التنموية المتكاملة بما يسهم في تحويل المنطقة إلى محور تنموي متكامل يربط بين مختلف أقاليم البلاد».

كما ذكر مدبولي خلال زيارته إلى ميناء العريش أن «الدولة المصرية تولي اهتماماً كبيراً بتطوير الموانئ بهدف تعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للموانئ المصرية المطلة على البحرين المتوسط والأحمر؛ ما يشكل أهمية محورية لهذه الموانئ في خدمة النقل البحري والأنشطة اللوجيستية إقليمياً ودولياً». ولفت إلى أن موقع ميناء العريش الرابط بين قارتي آسيا وأوروبا «أسهم بشكل عميق في تقديم المساعدات الإغاثية للدول المجاورة، فضلاً عن دوره المنتظر في جهود الإعمار والتنمية لهذه الدول».

كما تفقد أيضاً مشروع تطوير «مطار العريش الدولي»، وأكد «حرص حكومته على تطوير مختلف المطارات المصرية، واتباع منظومة تشغيل متطورة ومدعومة بأحدث النظم في مجالات الملاحة الجوية، بما يدعم مستهدفات زيادة أعداد السائحين الوافدين إلى مصر».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


«الجامعة العربية» قلقة إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في المنطقة

أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
TT

«الجامعة العربية» قلقة إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في المنطقة

أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)

أعربت جامعة الدول العربية عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في دول المنطقة، وأكد أمينها العام أحمد أبو الغيط، «التنسيق مع الشركاء الدوليين والهيئات الأممية لدعم النازحين وتخفيف معاناتهم».

جاء ذلك خلال لقاء أبو الغيط، مساء السبت، مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، على هامش مشاركتهما في أعمال «منتدى أنطاليا للدبلوماسية» في تركيا.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة جمال رشدي، في إفادة رسمية، الأحد، إن اللقاء «تناول تفاقم أزمات اللجوء والنزوح في المنطقة العربية، وفي مقدمتها الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان جراء استمرار النزاع المسلح، وما خلفه من موجات نزوح ولجوء تعتبر الأضخم على مستوى العالم في الوقت الراهن».

لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

وأعرب أبو الغيط عن «قلقه البالغ إزاء الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها ملايين اللاجئين والنازحين في عدد من الدول العربية»، مؤكداً أن «جامعة الدول العربية تولي ملف اللجوء أهمية كبيرة». وقال: «نعمل بالتنسيق مع المفوضية السامية والشركاء الدوليين، من أجل تخفيف معاناة المتضررين وتهيئة الظروف المواتية لعودتهم الآمنة والطوعية إلى ديارهم»، حسب الإفادة.

ووفقاً لموقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فإن «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه مستويات واسعة من النزوح، حيث «تستضيف المنطقة العربية وحدها 53 في المائة من اللاجئين من جميع أنحاء العالم و67 في المائة من إجمالي النازحين قسراً من جميع أنحاء العالم».

وتعمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين «بشكل وثيق» مع جامعة الدول العربية لتعزيز مساحة الحماية للاجئين، في إطار مذكرة تفاهم تركز على «الدعوة للوصول إلى الأمان والحماية من الإعادة القسرية، وتعزيز التسجيل وتحديد وضع اللاجئ، وتعزيز الأطر التشريعية، ومعالجة مخاطر انعدام الجنسية وضمان الأمن من العنف والاستغلال، والعمل على إيجاد حلول دائمة، بما في ذلك زيادة جهود إعادة التوطين»، حسب موقع «المفوضية».

خبير السكان ودراسات الهجرة، الدكتور أيمن زهري يشير إلى أن «مشكلات الهجرة والنزوح في المنطقة العربية لها جذور تاريخيّة تمتد إلى الفترات التي تلت حركات الاستقلال عن الاستعمار»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة شهدت صراعات داخلية ونزاعات طوال السنوات الماضية تفاقمت مع أحداث (الربيع العربي) وما تلاها من نزاعات داخلية وحروب أدت إلى مزيد من موجات الهجرة والنزوح».

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المنطقة تعاني من تصاعد موجات النزوح الداخلي والهجرة، لا سيما مع استمرار النزاع في السودان، والحرب على لبنان»، مشيراً إلى أنه «من الصعب إيجاد حل لمشكلات اللاجئين في المنطقة العربية لا سيما مع طول مدد اللجوء باستثناء محاولات رمزية ومساعدات مالية قد تسهم في تخفيف معاناتهم الإنسانية في منطقة متفجرة بالصراعات».

وتعاني المنطقة العربية من «نزوح داخلي كبير، حيث بلغ عدد النازحين داخلياً 28 مليون نازح في عام 2023»، وفق تقرير منظمة «الإسكوا» عن حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية لعام 2025»، الذي أشار إلى أن «المنطقة العربية أصبحت في عام 2024 موطناً لنحو 44.5 مليون مهاجر ولاجئ، في حين بلغ عدد المهاجرين واللاجئين من الدول العربية نحو 37.2 مليون شخص».

وسبق أن أعربت جامعة الدول العربية مراراً عن خطورة الوضع الإنساني في السودان، وعقدت لقاءات عدة لحل الأزمة في ضوء مبادرة أطلقها أبو الغيط في يونيو (حزيران) 2024 تستهدف تنسيق الجهود المختلفة فيما بين المنظمات والدول الساعية لتحقيق السلام في السودان.