السفير الفرنسي في الجزائر «شخص غير مرحب به»

مع بدء سيغولين روايال مساعي لإعادة الروابط المفككة منذ صيف 2024

ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

السفير الفرنسي في الجزائر «شخص غير مرحب به»

ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)
ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)

في وقت أعلنت الجزائر، أن السفير الفرنسي لديها ستيفان روماتيه، «شخص غير مرغوب فيه» على خلفية «قضية وثائقي تلفزيوني مسيء»، بدأت الاثنين، الوزيرة الاشتراكية الفرنسية السابقة سيغولين روايال زيارة إلى الجزائر بصفتها رئيسة جمعية تعمل، منذ تأسيسها في ستينات القرن الماضي، على تلطيف الأجواء بين البلدين عند تعرض علاقاتهما لأزمات.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً جديداً حاداً مساء الأحد، إثر إعلان «القناة الدولية الجزائرية»، الحكومية، أن السفير الفرنسي، روماتيه، بات شخصاً «غير مرحب به» فوق التراب الجزائري، وذلك رداً على مشاركته في برنامج استقصائي بثته القناة الفرنسية العمومية الثانية مساء الخميس الماضي، عدَّته السلطات الجزائرية «اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة ورموزها، وتجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية المعمول بها».

السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه (موقع السفارة)

«معاملة بالمثل»

وفي خطوة تعكس تمسك الجزائر بمبدأ المعاملة بالمثل، كشفت القناة عن قرار السلطات بمنع عائلة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن سبع سنوات في الجزائر بتهمة «الإرهاب»، من زيارته، رداً على حرمان عائلة دبلوماسي جزائري مسجون في فرنسا من زيارته.

وتكرس هذه القرارات، وفق مراقبين، حالة الانسداد الشامل في القنوات الرسمية، التي تضررت بشدة منذ صيف 2024 عقب إعلان «الإليزيه»، دعمه مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية؛ وهو ما أدى حينها إلى سحب الجزائر سفيرها لدى باريس بشكل فوري.

ويأتي هذا الاستنفار الدبلوماسي ليعمّق الهوة التي بدأت تتسع فعلياً منذ أبريل (نيسان) 2025، حين استدعت باريس سفيرها روماتيه للتشاور عقب أزمة طرد متبادل لموظفين قنصليين (12 دبلوماسياً من كل جهة)، إثر اتهام وسجن دبلوماسي جزائري بباريس، بتهمة «خطف واحتجاز» اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص، الذي يملك اللجوء السياسي بفرنسا.

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (حسابه على مواقع التواصل)

وعرض برنامج «فرنس 2» تحقيقاً استقصائياً مثيراً للجدل تناول ما يصفه بـ«حرب سرية» بين فرنسا والجزائر، تقوم على صراع سرديات وتبادل اتهامات، وحملات تأثير إعلامي وسياسي متبادلة، في سياق توتر دبلوماسي غير مسبوق منذ استقلال الجزائر. واستند التحقيق إلى شهادات ووثائق تتحدث عن ضغوط ومحاولات تأثير وتجسس مزعومة، في مسعى لتفكيك آليات إدارة الأزمة بين البلدين.

ويسرد الوثائقي مذكرة للأمن الداخلي الفرنسي، تتعلق بحادثة وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حيث يُزعم أن مستشارة بلدية فرنسية من أصول جزائرية من منطقة باريس، دُعيت إلى القنصلية الجزائرية في كريتاي بضواحي العاصمة الفرنسية، لإجراء لقاء دام ساعتين مع عنصر من الاستخبارات الجزائرية. وقد وبّخها، حسب المذكرة، على تدشينها لوحة شارع تخليداً لذكرى المغني الأمازيغي المغتال سنة 1998 لونيس معطوب، مع الاكتفاء بذكر صفته كـ«قبائلي»، دون الإشارة إلى جنسيته الجزائرية.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يلقي خطاباً في وزارة الدفاع 9 أكتوبر الماضي (الرئاسة)

وظهر في الوثائقي أمير بوخرص، حيث هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وزعم أنه أعطى «الضوء الأخضر» لتنفيذ عملية خطفه واحتجازه سنة 2024 في ضواحي باريس. وبحسب تحقيقات الأمن الفرنسي، كانت العملية تهدف إلى تصفية المعارض، لكنها فشلت في النهاية، وأسفرت عن توجيه التهمة إلى ثمانية جزائريين، من بينهم دبلوماسيان، أُودِع أحدهما السجن.

كما ظهر السفير روماتيه في العمل التلفزيوني، معلقاً على التوترات بين البلدين، ومؤكداً أن البلدين «يملكان القدرة على تجاوز المشكلات الحالية».

وترى السلطات الجزائرية أن مشاركة السفير في هذا العمل «خطيئة كبرى»، وبمثابة تأييد من الحكومة الفرنسية، وهذا ما حمله مضمون بيان أصدرته وزارة الخارجية، الخميس، تعلن فيه استدعاء القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية.

ووصف البيان الجزائري، الوثائقي الفرنسي بأنه «مليء بالأكاذيب والافتراءات والإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها». مشدداً على «خطورة تورط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، عادّا ذلك «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية».

كما انتقد البيان «مشاركة السفارة والسفير شخصياً في الوثائقي»، ما عدَّته الجزائر «حملة عدائية غير مسبوقة، تمثل تصعيداً في الممارسات المعادية للجزائر»، مشيراً أيضاً إلى «رفض الجزائر القاطع لأي تصرفات تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية، مع احتفاظها «بحق اتخاذ الإجراءات المناسبة».

محاولة إنقاذ...

وسط هذا الجو المشحون بالتصعيد، بدأت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال زيارة إلى الجزائر، الاثنين، حسبما أعلنت عنه قبل يومين بحسابها بالإعلام الاجتماعي.

رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال (حسابها على مواقع التواصل)

وأكدت مصادر صحافية، أن زيارة وزيرة البيئة سابقاً، ومرشحة الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2007، إلى الجزائر، جاءت استجابة لدعوتين مشتركتين من «الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة» و«غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية»، حيث سيتم استخدام ملفات الاستثمار والتجارة والشراكة الاقتصادية القوية بين البلدين، غطاءً لإعادة وصل الروابط المتفككة منذ عام ونصف العام.

وعندما انتخبت نهاية 2025 على رأس الجمعية، التي أُسست عام 1963 بهدف «تعزيز الحوار والصداقة بين الشعبين الفرنسي والجزائري»، صرَحت روايال، بأن الأزمة بين البلدين «عميقة، ومن اختاروني لهذه المهمة على دراية بحريتي في التعبير، وبصلابة قناعاتي».

وتتبنى السياسية الفرنسية السبعينية، خطاباً جريئاً يدعو صراحة إلى «الاعتراف بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها»، شرطاً أساسياً لتطبيع العلاقات. ومن المرتقب أن تشمل محادثاتها قضايا حساسة، مثل معالجة آثار التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1961 - 1967)، واسترجاع مدفع «بابا مرزوق»؛ وهو سلاح برونزي جزائري ضخم يعود إلى عام 1542، نقل إلى مدينة بريست بفرنسا عام 1830 عقب الاحتلال.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

شمال افريقيا صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

استعاد صنصال حريته في 12 نوفمبر بموجب عفو رئاسي من الرئيس عبد المجيد تبون وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنها استجابت لطلب بذلك، من الرئيس الألماني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ العالم

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة خطية من رئيس كازاخستان

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، تتصل بالعلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان يتحدث مع الأمير ويليام خلال جولتهما في الدرعية التاريخية (واس) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام، أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزير أوشلجون أجادي بكاري في الرياض (واس)

وزيرا خارجية السعودية وبنين يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع أوشلجون أجادي بكاري، وزير خارجية بنين، الأربعاء، المستجدات الإقليمية والدولية والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).


مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)

لوَّح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بـ«اتخاذ إجراءات استثنائية (تدريجية) حال استمرار حرب إيران». وقال في تصريحات، السبت، إنه «حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا». وأوضح أن «هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب الإيرانية وعودة الأمور لطبيعتها».

بينما بعثت الحكومة برسائل طمأنة جديدة للمواطنين بشأن «توافر السلع في الأسواق رغم التحديات الراهنة». وأكدت أنها «تتبع (سياسة التدرج) في اتخاذ القرارات؛ لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان».

جاء حديث مدبولي خلال مؤتمر صحافي استعرض فيه مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية وتداعياتها على العالم ومصر.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء أنَّ «قرار (الإغلاق المبكر) للمحال العامة والمقاهي وقاعات الأفراج والمولات التجارية، كان ضرورياً في ظلِّ الوضع الحالي لخفض فاتورة الاستهلاك»، لافتاً إلى أن «جدوى القرار لا تقتصر على استهلاك الطاقة الكهربائية فحسب؛ بل يمتد ليشمل تقليل حركة المركبات التي يستخدمها المواطنون للذهاب لهذه الأماكن، مما يسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة استهلاك الوقود للدولة».

واستثنت الحكومة، الجمعة، المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، إلى جانب محال عامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة من قرار «الإغلاق المبكر».

وتؤكد حرصها على ضمان تقديم تجربة سياحية متكاملة وآمنة ومتميزة لجميع زائري المقصد المصري، بما يعكس المكانة الرائدة التي تحتلها مصر بوصفها إحدى أهم الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وحقَّقت مصر أرقاماً قياسية في استقبال السائحين من الخارج، ووصل عدد السائحين العام الماضي، 2025، إلى أكثر من 19 مليون سائح، بمعدل نمو يصل إلى 21 في المائة مقارنة بالعام السابق، 2024. وتستهدف استراتيجية وزارة السياحة والآثار المصرية الوصول بعدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

كما تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً؛ وذلك لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المُستخدَمة في توليد الطاقة؛ تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي».

وشدَّد مدبولي على أنَّ الحكومة بدأت بنفسها في تنفيذ إجراءات حازمة لخفض فاتورة استهلاك السولار والبنزين، حيث تمَّ الإعلان عن «الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين» لمدة شهرين على الأقل، وكذا التوجيه الفوري بخصم وتخفيض مخصصات الوقود للسيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30 في المائة.

وتحدَّث مدبولي، كذلك خلال المؤتمر الصحافي، السبت، عن الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة والوقود عالمياً خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن «الحكومة تتابع من كثب تطورات الأسواق الدولية». وأشار إلى أنَّ «الزيادات الأخيرة في الأسعار تمَّ احتسابها على أساس سعر إغلاق برميل البترول عند مستوى 105 دولارات، في حين سجَّلت الأسعار العالمية، الجمعة، نحو 112 دولاراً للبرميل عند الإغلاق، مما يعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة المنتجات».

وبحسب مدبولي فإنَّ الحكومة تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، لذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.

مصطفى مدبولي استعرض السبت مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية (مجلس الوزراء المصري)

أيضاً أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه تمَّ التوافق على بدء تفعيل «منظومة العمل عن بُعد»، يوم الأحد من كل أسبوع، اعتباراً من أول أبريل (نيسان) المقبل ولمدة شهر. وقال: «إن المنظومة ستُطبَّق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية»، موضحاً أنه «تمَّ التوافق على عدم تطبيق منظومة العمل عن بُعد في المدارس والجامعات؛ نظراً لأن الفترة المتبقية من العام الدراسي قصيرة وتُقدَّر بنحو شهر ونصف الشهر، ولتجنب أي تأثير سلبي على العملية التعليمية في هذه المرحلة».

ووفق مدبولي فإنَّ الدولة المصرية تعيش مرحلةً مغايرةً تماماً لما شهدته خلال عامَي 2023 و2024. ويفسر: «إننا (اليوم) في وضع مختلف كلياً عمّا واجهناه سابقاً؛ حيث كانت هناك أزمة حادة في العملة الصعبة أدت لتعذُّر تدبير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، أما (اليوم) فإن تأكيدات (اتحاد الغرف التجارية) و(اتحاد الصناعات) تشير إلى توافر مخزون من المواد الخام والمستلزمات يكفي لأشهر عدة مقبلة».

كما تحدَّث مدبولي عن الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة المصرية لإيقاف الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «مصر لا تتوانى عن بذل جميع الجهود الدبلوماسية الممكنة في سبيل إيقاف هذه الحرب».

وسلَّط الضوءَ على الجولة «شديدة الأهمية» التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي لدول الخليج العربي، والتي شملت المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، مؤكداً أن «هدف هذه الزيارات كان نقل دعم مصر الكامل - قيادة وحكومة وشعباً - للأشقاء في دول الخليج، ومساندتهم الكاملة في هذه الحرب، مع التعبير عن رفض مصر التام للاعتداءات التي تتم على هذه الدول»، والتأكيد على أن «أمن مصر يبدأ من أمن دول الخليج العربي».


تحركات إسرائيل بـ«الخط الأصفر» في غزة تهدد مسار «خطة ملادينوف»

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تحركات إسرائيل بـ«الخط الأصفر» في غزة تهدد مسار «خطة ملادينوف»

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل ترسيخ وجودها في الخط الفاصل المعروف باسم «الخط الأصفر» في قطاع غزة، في وقت تنص فيه خطة مقترحة للممثل السامي لغزة بـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف على انسحابها التدريجي، مع نزع سلاح الفصائل بالقطاع.

تلك التحركات في «الخط الأصفر» تهدد مسار «خطة ملادينوف» وجهود الوسطاء للتوصل مع «حماس» لتفاهمات بشأن كيفية نزع السلاح، والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مستبعدين تراجع إسرائيل عن هذا المسار الذي يعطل تحقيق السلام بالمنطقة، على الأقل في ظل استمرار حرب إيران.

ويُعد «الخط الأصفر» خطاً افتراضياً داخل قطاع غزة، انسحب إليه الجيش الإسرائيلي مؤقتاً بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على أن يُنفذ انسحابات أخرى لاحقاً، ويفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالوجود فيها.

وأكدت «الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني» (حشد) -وهي غير حكومية- في بيان، السبت، «تسارع خطوات سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الأرض في قطاع غزة، لتكريس ما يُعرف بـ(الخط الأصفر) كحدود أمر واقع دائم، وضم نحو نصف مساحة القطاع، وذلك في ظل انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واستغلال هذا الانشغال لفرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة».

وتشير المعطيات الميدانية، حسب «حشد» إلى أن «قوات الاحتلال تعمل بشكل ممنهج على تحويل هذا الخط إلى حدود دائمة، من خلال إقامة 32 موقعاً عسكرياً ونقاط تمركز، وإنشاء حواجز ترابية وبنى هندسية عسكرية، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو تثبيت السيطرة طويلة الأمد، وإعادة رسم الجغرافيا داخل القطاع، عبر تحويل (الخط الأصفر) من إجراء مؤقت إلى خط فصل فعلي».

وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، قد تحدثت، الجمعة، عن أن «الخط الأصفر» في قطاع غزة تحوله تل أبيب إلى خط فصل ميداني ثابت وواقع دائم، عبر إقامة 32 موقعاً عسكرياً وبناء حاجز بري بطول نحو 17 كيلومتراً، لافتة إلى أن هذا يعد ترسيخاً متزايداً على الأرض، ويشكل محوراً رئيسياً للانتشار العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، يرى أن اتفاق وقف إطلاق النار في ظل الوضع الحالي يمكن وصفه بـ«المجمَّد»؛ وخصوصاً أن إسرائيل تتصرف كما تشاء في قطاع غزة، وتسعى لجعل ذلك الخط خط فصل دائماً، لافتاً إلى أنه ربما بعد انتهاء حرب إيران نستيقظ على أوضاع في غزة والضفة تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ولخطتي ملادينوف وترمب.

طفلان فلسطينيان نازحان يقومان بتنظيف مياه الأمطار خارج خيمة عائلتهما بعد هطول أمطار غزيرة في خان يونس (أ.ف.ب)

ويؤكد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أنه يتضح يوماً بعد يوم أن دفع واشنطن باتفاق غزة كان لتحسين صورة تل أبيب، وتسلُّم الرهائن، وتحويل الأمور لقضايا إنسانية وأمنية فقط؛ مشيراً إلى أن ما ترسخه إسرائيل في «الخط الأصفر» هو ترسيخ لمصالحها، وتوسيع لمساحة سيطرتها، غير عابئة بأي اتفاق، وبالتالي لن تقبل بأي انسحاب قد تفرضه خطة ترمب أو خطة ملادينوف؛ خصوصاً في ظل انشغال أميركي دولي بحرب إيران.

ويشار إلى أن نزع سلاح «حماس» أحد بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها الأسبوع الماضي في مجلس الأمن، وتوضح وثيقة بشأنها نقلتها «رويترز» أنها تتطلب موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

لكن «حشد» ذكرت أن هذا الطرح «قوبل برفض فلسطيني واسع، نظراً لما تنطوي عليه من تحريف لمضامين اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث يتم تقديم نزع السلاح كشرط مسبق، مقابل تجاهل التزامات الاحتلال الإسرائيلي».

وتوقَّع مسؤول فلسطيني مقرَّب من المحادثات تحدث لـ«رويترز»، أن تسعى «حماس» لإدخال تعديلات وتحسينات عليها، لافتاً إلى أن الخطة لم تقدم ضمانات لتنفيذ إسرائيل التزاماتها، وتخاطر بالتسبب في عودة الحرب، من خلال ربطها بين إعادة الإعمار وتحسين ظروف المعيشة، وقضايا سياسية مثل نزع السلاح.

ويشير هريدي إلى أن الأزمة ليست لدى «حماس»؛ لكن لدى تل أبيب وواشنطن بتضخيمهما لقوة «حماس» للتنصل من التزام الانسحاب من القطاع بصورة دائمة، لافتاً إلى أن السلاح الذي لدى «حماس» حالياً لا يتجاوز بنادق أو مسدسات خاصة بعد عامين من الحرب، وبالتالي هناك تضخيم مقصود لتهديد الاتفاق.

بينما يرى نزال أن «المقاومة في فلسطين -وليست (حماس) فقط- تعلم أنه حتى لو سلَّمت كل سلاحها، فإن إسرائيل لن تنسحب؛ خصوصاً أن اتفاق غزة الذي أبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لم يمنعها من استمرار الخروقات والقتل في الشعب الفلسطيني».

ويوضح أن «خطة ملادينوف» ستُفشلها إسرائيل متعمدة وليست «حماس» ولا بقية الفصائل الفلسطينية التي ستطالب بضمانات للانسحاب الإسرائيلي، ولن تجد ذلك، وستتضح أمور كثيرة بعد حرب إيران».