عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره الإسباني

رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)

ضمن مساعٍ تستهدف تعميق التعاون، توجه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى إسبانيا لبحث سبل تطوير «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، والتشاور في عدد من القضايا الإقليمية.

وتأتي زيارة عبد العاطي ضمن مساعي القاهرة لحشد تأييد أوروبي ودولي لمواقفها بشأن مواجهة تحديات المنطقة، وفق دبلوماسيين مصريين سابقين أشاروا إلى «توافق مصري إسباني في عدد من الملفات، لا سيما الأوضاع في غزة ورفض سيناريوهات تهجير الفلسطينيين»، إلى جانب رغبة مصر في تعزيز الاستثمارات الإسبانية ورفع مستوى التعاون الاقتصادي.

وحسب إفادة لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين، «سيعقد عبد العاطي مشاورات سياسية مع نظيره الإسباني لبحث تطوير الشراكة الاستراتيجية»، إلى جانب «تبادل الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك».

وتطورت العلاقات بين البلدين الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى مدريد في فبراير (شباط) 2025، التي تضمّنت «توقيع الإعلان المشترك لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية»، وترتب عليها حينها توقيع مذكرات تفاهم في مجالات النقل والاقتصاد والصحة.

ملك إسبانيا فيليبي السادس مستقبلاً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)

كما أجرى ملك إسبانيا فيليبي السادس برفقة قرينته زيارة إلى مصر في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وسط احتفاء رسمي وشعبي واسع، بوصفها أول زيارة رسمية يجريها للقاهرة منذ توليه العرش عام 2014.

وتنطلق زيارة وزير الخارجية المصري لمدريد من مسار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، الأمين العام لوحدة الشراكة المصرية-الأوروبية السابق، السفير جمال بيومي، الذي أشار إلى أن «مسار التعاون يشهد مشاركة في عدد من المجالات على الصعيد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي».

وقال بيومي لـ«الشرق الأوسط» إن المشاورات المصرية-الإسبانية «تأتي في توقيت حرج بالمنطقة، تسعى فيه القاهرة لحشد تأييد دولي وأوروبي وعربي وأفريقي لمواقفها في مواجهة التحديات الراهنة». وأضاف أن «التنسيق بين البلدين حاضر بشأن تداعيات الحرب الإيرانية وأيضاً حرب غزة والحرب الأوكرانية»، منوهاً إلى أن «إسبانيا تقدّر مواقف مصر لا سيما في دعم القضية الفلسطينية».

وتعارض مدريد مقترحات «تهجير الفلسطينيين»، كما تُعدّ من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للهجمات الإسرائيلية على لبنان وإيران. وقال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، في أبريل (نيسان) الماضي، إن «بلاده ستطلب من الاتحاد الأوروبي فسخ اتفاق الشراكة مع إسرائيل التي تنتهك القانون الدولي».

وأشار بيومي إلى الشراكة المصرية-الإسبانية، قائلاً إنها لا تنفصل عن منحنى علاقات القاهرة مع الاتحاد الأوروبي التي جرى رفعها إلى مستوى الشراكة، منوهاً إلى حرص الاتحاد الأوروبي على دعم الاقتصاد المصري عبر منح ومساعدات واستثمارات مشتركة، في إطار تعاون الجانبين في مجالات عديدة، خصوصاً مواجهة الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب.

وتستهدف زيارة عبد العاطي إلى مدريد رفع مستوى العلاقات الاقتصادية، لترتقي إلى مستوى العلاقات السياسية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير يوسف الشرقاوي الذي أشار إلى أن القاهرة تسعى على الصعيد الثنائي لتوسيع الاستثمارات الإسبانية خصوصاً في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، إلى جانب «تعزيز التعاون في مجال ربط الموانئ والنقل البحري والسياحة والبنية التحتية ومشروعات الطاقة المتجددة والربط الكهربائي والتبادل التجاري بين البلدين».

وسجل حجم التبادل التجاري، بين مصر وإسبانيا 3.1 مليار دولار خلال العام الماضي، مقابل 3.2 مليار دولار عام 2023. وبلغت قيمة الاستثمارات الإسبانية في مصر 123 مليون دولار خلال العام المالي الماضي، وفق الجهاز المركزي للإحصاء المصري.

وقال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»: «المواقف الإسبانية الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية من أكثر المواقف التي تحظى بتقدير من الجانبَين العربي والمصري»، مضيفاً: «مواقفها عادة في صالح القضايا العربية، خصوصاً القضية الفلسطينية، لا سيما رفض تهجير الفلسطينيين، ودعم إقامة دولة مستقلة».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أول زيارة لرئيس فنلندي إلى مصر منذ 17 عاماً تفتح آفاقاً تجارية واستثمارية

شددت مصر على «رفضها الكامل» وإدانتها للاعتداءات غير المبررة على دول الخليج وسائر الدول العربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

تصاعد الخلافات القضائية والسياسية بين الجزائر وفرنسا رغم القنوات المفتوحة

هاجمت وكالة الأنباء الجزائرية ممثل النيابة الفرنسية، مؤكدة وفق «مصدر مأذون من وزارة الخارجية الجزائرية» أن اتهاماته «اعتداء عبثي على الجزائر».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز، وذلك غداة زيارة للجزائر العاصمة.

وأورد دارمانان خلال برنامج بثته إذاعة وقناة تلفزيون خاصتان: «ذكّرنا بأنه يجب إعادة كريستوف غليز، لا إلى فرنسا، بل إلى والدته»، مضيفاً أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «سيكون متفهماً لذلك، في أي حال (...) أنا أثق به في هذا الأمر»، مشيراً إلى أنه أجرى معه «محادثات معمقة جداً».

كان الصحافي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو (أيار) 2024 في منطقة القبائل، شمال شرق الجزائر، حيث كان ينجز تحقيقاً صحافياً، وحُكم عليه في يونيو (حزيران) 2025 بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وكشفت عائلته أنه سحب في مارس (آذار) طعناً قضائياً في مسعى إلى إفساح المجال لعفو من الرئيس تبون.

واعتبر وزير العدل الفرنسي أن الرئيس الجزائري قادر على «القيام بهذه المبادرة من أجل هذه العائلة، وبالطبع من أجل علاقتنا الجيدة».

وأجرى دارمانان زيارة استمرت يومين للجزائر لبحث قضية غليز، إضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين. وجسدت هذه الزيارة تهدئة بين البلدين بدأت في الأشهر الأخيرة، بعد أزمة حادة استمرت نحو عامين.


المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

قال ‌مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، إن الليبي خالد الهيشري، المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا، كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»، مما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل». ويمثل هذا الإجراء أول مثول فعلي لمتهم أمام المحكمة، يواجه اتهامات بجرائم ارتكبت داخل الأراضي الليبية منذ بدء تفويض المحكمة قبل نحو 15 عاماً. وذكر المدعون العامون أن الهيشري (47 عاماً) كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا. مضيفين حسب وكالة «رويترز» أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير ‌إنسانية، وتعرضوا ‌للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وقالت نزهة ‌شميم ⁠خان، نائبة المدعي ⁠العام، في بداية الجلسات التي تستمر ثلاثة أيام، والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به: «كان الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة، يمارس التعذيب وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة».

وأضافت، خلال الجلسة، أن قضية الهيشري تمثل «محطة مفصلية ومهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا، بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم»، مشددة على أن القضية تبعث برسالة واضحة مفادها أن «لا أحد فوق القانون».

وفي عرض الادعاء، نقلت نائبة المدعي العام عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان «من أسوأ المحرّضين على العنف»، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ«ملاك الموت». لافتة إلى أن «إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، حسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصاً في الساق والركبة». كما كان «يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف»، وفق الادعاء. وتحدّثت عن ظروف «لا يمكن تصوّرها» داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري، الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء، استخدم الأمراض «سلاحاً» من خلال وضع المعتقلين في زنازين يحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء. كما أوضح المدعون أن ⁠الهيشري اعتدى شخصياً على سجينات، وعذبهن واغتصبهن ‌في إطار نمط ‌من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة ضده، من بينها ارتكاب ‌جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير «شباط» 2015 حتى أوائل 2020.

كما تشمل لائحة الاتهام الموجهة للمسؤول السابق في السجن، الذي احتجز فيه آلاف الأشخاص لفترات طويلة، ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي ضد المحتجزين.

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة للمحكمة أن هناك «أسساً قوية» تدعو للاعتقاد بأن الهيشري يتحمل مسؤولية جنائية فردية عن هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن المتهمين استغلوا حالة «الإفلات من العقاب»، والفراغ الأمني الذي أعقب سقوط نظام القذافي، واستمرار النزاع المسلح غير الحكومي لتمرير جرائمهم.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري، الذي اعتقل ⁠في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من ‌القضاة رفض التهم، وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية.

في هذا السياق فند محامي الدفاع عن الهيشري التهم الموجهة لموكله أمام المحكمة، مؤكداً أن الوقائع المنسوبة إليه صيغت «على خلاف الحقيقة»، ودفع بأن سجن «معيتيقة» هو مؤسسة تابعة رسمياً للنيابة العامة، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة العدل الليبية، وليس لسيطرة «جهاز الردع».

ويعتقد الدفاع بأن «جهاز الردع» هو جهة «حكومية شرعية»، منشأة بموجب قرارات سيادية صادرة عن الدولة، وليس «جماعة أو ميليشيا مسلحة كما روجت له النيابة العامة للمحكمة».

وإذا أكد القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. يشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011. وتهدف هذه الجلسات الإجرائية إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإثبات وجود «أسباب جوهرية» للاعتقاد بأن المتهم قد ارتكب هذه الجرائم؛ وفي حال اعتماد الدائرة التمهيدية تهمة واحدة أو أكثر، ستحال القضية رسمياً إلى الدائرة الابتدائية لبدء مرحلة المحاكمة الفعلية.

وبالتزامن مع بدء الجلسات، نظم عدد من الناشطين والحقوقيين وقفة تأييد أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما ينظر مراقبون إلى هذه القضية باهتمام بالغ، كونها تفتح «الصندوق الأسود» لانتهاكات المجموعات المسلحة في طرابلس، خصوصاً وأن سجن معيتيقة خاضع لسيطرة واحدة من أقوى الفصائل الأمنية والعسكرية في الغرب الليبي، مما يضع ملف المحاسبة الدولية على طاولة الصراع الراهن بين سلطة الدولة وقوة السلاح.


رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

عادت وقائع «الهجرة غير الشرعية» إلى الواجهة في مصر بعد سقوط ضحايا جدد على متن ما يُعرف بـ«قوارب الموت» التي تُقلهم إلى السواحل الأوروبية، ما دفع نواب في البرلمان للتحرك وتقديم طلبات إحاطة حول أسباب استمرار تجاوب المصريين مع عصابات التهريب في القرى والنجوع رغم تشديد الإجراءات الأمنية على السواحل.

وجددت المأساة التي شهدتها منطقة سيدي براني بمحافظة مرسى مطروح بشمال غربي البلاد، الجمعة الماضي، مع العثور على جثامين 17 شخصاً لقوا حتفهم في أثناء محاولة الهجرة، تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها الحكومة للحد من الظاهرة، ومدى انعكاسها على جهود تضييق الخناق على «الهجرة غير النظامية»، وأسباب استمرارها.

وجاءت الواقعة الأحدث بعد أيام من تحرير مئات من المصريين سعوا إلى الهجرة لأوروبا في رحلات غير نظامية، واحتُجزوا في ليبيا. وخلال الأشهر الماضية لقي آخرون حتفهم في حوادث غرق قرابة السواحل الأوروبية، في ظل استمرار المناشدات التي توجهها جهات حكومية بضرورة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وعدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر، والابتعاد تماماً عن السفر عبر الطرق غير القانونية.

تحرك برلماني

وتقدم وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب ياسر الهضيبي، الثلاثاء، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزارات الخارجية والشباب والرياضة والتضامن الاجتماعي والعمل والتربية والتعليم، بشأن ازدياد استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن من قبل سماسرة الهجرة غير الشرعية، وتحول بعض القرى والمناطق إلى بيئات طاردة للشباب ومحفزة للهجرة غير النظامية.

«الخارجية» المصرية أعادت في السابق مهاجرين غير شرعيين هربوا إلى ليبيا قبل وصولهم إلى سواحل أوروبا (وزارة الخارجية)

وجاء في طلب الإحاطة أن «بعض المحافظات والقرى المصرية تشهد خلال السنوات الأخيرة تنامياً خطيراً في ثقافة الهجرة غير الشرعية، بعدما تحولت لدى عدد من الأسر إلى حلم جماعي يتم الترويج له بوصفه الطريق الأسرع لتحسين الأوضاع المعيشية؛ الأمر الذي خلق بيئة خصبة تستغلها شبكات السمسرة والاتجار بالبشر في استقطاب الشباب والأطفال، ودفعهم إلى خوض رحلات شديدة الخطورة عبر الحدود البحرية والبرية».

وأكد الهضيبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة تولي اهتماماً بمواجهة الظاهرة، وأنها كثفت من إجراءاتها الأمنية واستحدثت إدارات شرطية تتبع «إدارة الأموال العامة» لضبط شبكات التهريب، ونجحت بالفعل في ضبط كثير من القضايا التي استهدفت تهريب مصريين أو أجانب يوجدون على الأراضي المصرية، لكنه شدد أيضاً على أن «التعامل الأمني وحده لا يكفي للتعامل مع الأزمة التي تأخذ أبعاداً مختلفة».

ويطالب الهضيبي، وهو أيضاً سكرتير عام حزب «الوفد»، بوجود تعاون مشترك بين وزارات الإعلام والأوقاف والتعليم والتضامن الاجتماعي إلى جانب مؤسسة الأزهر للتعرف على أسباب اتجاه الشباب نحو الهجرة، وتعريفهم بخطورة المسارات غير النظامية، وتوجيههم نحو فرص شرعية للسفر الجيد الذي يلبي طموحاتهم إذا اقتضى الأمر ذلك.

أعداد في ازدياد

لم يكن تحرك الهضيبي هو الوحيد، إذ سبقه وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب أيمن محسب، الذي تقدم أيضاً بطلب إحاطة «بشأن تصاعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، وما تمثله من تهديد لحياة الشباب واستقرار المجتمع، في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر عبر مسارات الهجرة غير النظامية».

وأوضح محسب أن البيانات الدولية تشير إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب.

وأضاف: «رغم نجاح الدولة منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة مباشرة من السواحل المصرية، فإن شبكات التهريب أعادت تشكيل نشاطها عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط». وطالب بإعادة تقييم السياسات الحالية، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية والتوعية والتأهيل الاقتصادي في المناطق التي تتصدر الهجرة غير الشرعية.

«ثغرة» الحدود

ويرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أيمن زهري، أن مصر ما زالت تعاني «كابوس الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أن نشاط هذه العمليات يزداد خلال أشهر الصيف بسبب مخاوف عصابات التهريب والمهاجرين من الإبحار في الشتاء خشية من تقلبات الجو ونوات البحار، وبالتالي فإن تعدد الحوادث أخيراً يُعد «نمواً طبيعياً يرتبط بالظروف المناخية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة المصرية تبذل جهوداً ضخمة للحد من الظاهرة، وهناك لجنة وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية تتشارك فيها 30 وزارة وجهة مختلفة، بالإضافة إلى تشريعات رادعة تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وهناك عقوبات تم تغليظها مؤخراً على المشاركين في عمليات التهريب، إلى جانب الضبط الأمني شبه الكامل على السواحل الشمالية».

ويؤكد زهري أن الثغرة الحالية تتعلق بالحدود الغربية مع ليبيا، وقال: «الظروف الأمنية الصعبة في ليبيا تجعل الظروف غير مواتية لتحقيق سيطرة كاملة، كما أن مصر تواجه صعوبات في السيطرة على أكثر من 1000 كيلومتر من الحدود المشتركة».

وتابع بقوله إن استمرار نشاط التهريب يعود أيضاً «إلى التواطؤ بين الراغبين في الهجرة والمُهربين، وبالتالي تكون البلاغات ضئيلة للغاية، وهو أمر توظفه شبكات التهريب للإيقاع بالشباب وتشجيعهم على السفر».

ويبقى الأمل في فرص معيشية أفضل من أكبر العوامل وراء السعي إلى الهجرة غير النظامية رغم كل ما يحيق بها من أخطار.