الحوثيون يشيعون أجواءً من الرعب في صنعاء والحديدة

وسط تأهب لموجة ثامنة من الضربات الإسرائيلية

قادة الحوثيين عادوا للظهور بعد توقف الضربات الأميركية (إعلام حوثي)
قادة الحوثيين عادوا للظهور بعد توقف الضربات الأميركية (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يشيعون أجواءً من الرعب في صنعاء والحديدة

قادة الحوثيين عادوا للظهور بعد توقف الضربات الأميركية (إعلام حوثي)
قادة الحوثيين عادوا للظهور بعد توقف الضربات الأميركية (إعلام حوثي)

قبل ساعات من طلب جيش الدفاع الإسرائيلي إخلاء 3 موانئ يمنية يسيطر عليها الحوثيون، أشاعت الجماعة أجواءً من الرعب وسط سكان عدد من أحياء العاصمة المختطفة صنعاء ومديرية باجل في محافظة الحديدة، حين طلبت منهم إخلاء مساكنهم بحجة أن هناك ضربات إسرائيلية وشيكة سوف تستهدف تلك التجمعات المدنية.

ووفق ما أفاد به لـ«الشرق الأوسط» سكان في صنعاء والحديدة، فإن مخابرات الحوثيين استبقت التحذير الإسرائيلي، وطلبت من السكان في منطقة شملان شمال غربي صنعاء إخلاء المنطقة، بما فيها مصنع للمياه المعدنية ومستشفى.

وامتدت هذه التحذيرات إلى مساكن الطلاب في جامعة صنعاء، وهو ما أثار حالة من الذعر بعد انتشار الخبر وسط سكان المدينة، مع تأكيدات الحوثيين بأن هذه الأماكن معرضة لضربات إسرائيلية وشيكة.

وتسببت أوامر مخابرات الحوثيين - وفق المصادر - في نزوح الأسر والطلاب، وإغلاق مصنع المياه والمستشفى، حيث لجأ معظم هؤلاء إلى أقارب لهم في المدينة، في حين تُرك الآخرون دون مأوى، إذ أبلغهم الحوثيون بأن عليهم استئجار أماكن في الفنادق على نفقتهم الخاصة.

خلافاً لواشنطن تركز تل أبيب على ضرب البنى التحتية ومصادر دخل الحوثيين (إعلام محلي)

حالة الرعب التي امتدت إلى معظم أحياء المدينة، وأعادت إلى الأذهان قوة الضربات الإسرائيلية، أثارت الاستغراب أيضاً؛ لأنه لا توجد منشآت عسكرية في تلك الأماكن التي تم إخلاؤها.

كما أن مخابئ قادة الحوثيين وسط التجمعات السكنية، وعلى افتراض وجودها، فإنها غير مستهدفة من المقاتلات الإسرائيلية، التي تركز في ضرباتها على المنشآت التي تدر دخلاً على الحوثيين والبنى التحتية، ولا تستهدف منذ بدايتها القيادات الحوثية أو مواقع تخزين الأسلحة كما كانت الحال مع المقاتلات الأميركية.

ترويع واستغلال

وحدث الأمر نفسه في المدينة السكنية المجاورة لمصنع أسمنت باجل في محافظة الحديدة الساحلية، حيث ذكر سكان أن الحوثيين طلبوا إخلاء المدينة من ساكنيها بحجة أنها ستكون مستهدفة بغارات وشيكة.

وتسبب ذلك - وفق المصادر - في حالة من الرعب وترك هذه الأسر في العراء دون مأوى، كما أثار التحذير استغراب هذه العائلات لأنهم ليسوا هدفاً لأي غارة متوقعة، مؤكدين أن ضحايا القصف السابق سقطوا نتيجة اندلاع حريق ضخم حين استهدفت المقاتلات الإسرائيلية مخازن الوقود في مصنع الأسمنت.

إعادة إصلاح مدرج مطار صنعاء الذي دمرته المقاتلات الإسرائيلية (إعلام حوثي)

وزاد من حالة الرعب لدى السكان من الاستهداف الوشيك، تجارب سابقة مع مخابرات الحوثيين التي كانت تقوم بإخلاء بعض المواقع أو المساكن قبل وقت قصير من استهدافها، وهو أمر عُدَّ لدى قطاع عريض من السكان تأكيداً على أن هناك أطرافاً دولية تساعد الجماعة على تجنب الخسائر من خلال الإبلاغ المسبق عن المواقع المستهدفة، وهو أمر أكدته واشنطن مؤخراً.

لكن معارضين للجماعة الحوثية يرون أن قرار إخلاء المصانع والمستشفى لم يأتِ من باب الحرص على المدنيين، بل كان تمهيداً لاستخدام هذه الأماكن للاختباء أو كمخازن للأسلحة، كما فعلوا من قبل في المدارس والمستشفيات والمساجد، واتهموا الجماعة بالسعي للتضحية بالمدنيين في سبيل ما يخدم مشروعهم.

تحذير بحري

كانت هيئة عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة نبهت في إشعار أمني حديث إلى أن منطقة البحر الأحمر تشهد نشاطاً عسكرياً مستمراً منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، وقالت إنه تم الإبلاغ مؤخراً عن ضربات استهدفت مواقع بالقرب من ميناء الحديدة في اليمن؛ ما يشير إلى وجود تهديد مستمر بوقوع أضرار جانبية للسفن الأخرى.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية مشددة على السكان في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

وبيّنت الهيئة المعنية بسلامة الملاحة أن السفن التي تقترب حتى مسافة 1000 متر من الشاطئ و/أو المرافق المينائية قد تكون عرضة بشكل أكبر لخطر الأضرار الجانبية، خاصةً إذا حاولت الرسو أو لم تغادر الميناء بعد.

وقالت إنه من المحتمل أن يستمر خطر الأضرار الجانبية في حال حدوث ضربات إضافية تستهدف المرافق في هذه الموانئ.

ومع تأكيدها أن الإشعارات الأمنية لهذا التحذير تستمر لمدة 24 ساعة من وقت الإصدار، قالت إنه في حال استمرار الوضع بعد هذه الفترة، سيتم إصدار تحديث آخر.

ونصحت جميع السفن بتوخي الحذر الشديد في محيط الموانئ التي تعرضت لضربات، وشددت أنه ينبغي النظر بعناية في مدى جدوى استمرار الملاحة والعمليات في تلك المناطق في ظل المخاطر الحالية.

ترقب للضربات

أعلن الإعلام الأمني للحوثيين، مساء الاثنين، عن تعرُّض محافظة الحديدة لما سماه «عدواناً صهيونياً»، بعد إصدار الجيش الإسرائيلي تحذيراً طالب من خلاله بإخلاء فوري لموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، إلا أنه عاد وحذف الإعلان.

دخان يتصاعد في صنعاء إثر ضربة جوية تعرض لها موقع مفترض للحوثيين (رويترز)

وتبع ذلك تأكيد نصر الدين عامر، مدير وكالة الأنباء الرسمية الحوثية، أنه حتى منتصف الليلة قبل الماضية لم يكن هناك أي هجوم إسرائيلي على مناطق سيطرة الجماعة.

ووفق مصادر يمنية، فإنه عند صدور تحذير الجيش الإسرائيلي، كانت هناك 5 سفن تجارية في رصيف ميناء الصليف، و12 ناقلة وقود في ميناء رأس عيسى، و8 سفن في ميناء الحديدة، وقد تراجعت ناقلتا وقود كانتا تفرغان حمولتهما في ميناء رأس عيسى إلى غاطس الميناء.


مقالات ذات صلة

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي شدد على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها محذراً من محاولة الالتفاف عليها أو عرقلتها مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري لحماية المدنيين

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج قوات «درع الوطن» التابعة للرئاسة اليمنية خلال تأمين إحدى النقاط العسكرية بحضرموت (حساب درع الوطن)

«الانتقالي» يعلن بدء تسليم المواقع لـ«درع الوطن» في حضرموت والمهرة

مع ساعات فجر العام الجديد، شرعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في تسليم عدد من المواقع العسكرية لقوات «درع الوطن» الحكومية، فيما يبدو أنها خطوة تعكس التوصل إلى…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج علم باكستان يرفرف في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان ترفض الخطوات الأحادية في اليمن وتؤكد تضامنها الكامل مع السعودية

أعلنت باكستان تضامنها الكامل مع السعودية، مؤكدة من جديد التزامها بأمن المملكة، وشددت فيه على رفضها أي خطوات أحادية الجانب في اليمن من شأنها تصعيد الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم العربي الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

إقرار حوثي بمقتل عبد الملك المرتضى ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» بعد غارات أميركية في 2025 وسط خسائر نوعية واعترافات متتالية بمقتل قيادات عسكرية بارزة...

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى للانفصال عن اليمن وإخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح (أ.ب)

العليمي يطلب موقفاً دولياً جماعياً لردع تمرد «الانتقالي»

حذّر رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي من استغلال الحوثيين للإجراءات الأحادية، مطالباً بموقف دولي جماعي لردع تمرد «الانتقالي» وحماية وحدة اليمن وأمنه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
TT

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها، محذراً من محاولة الالتفاف عليها، أو عرقلتها، مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري، ومسؤول، هدفه حماية المدنيين، وصون المركز القانوني للدولة، ومنع فرض أمر واقع بقوة السلاح.

وكان العليمي أعلن، الثلاثاء، حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً، ودعا القوات الإماراتية لمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، على خلفية التصعيد العسكري الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، والمهرة بدعم إماراتي، ووجه بأن تقوم قوات «درع الوطن» بتسلم كافة المعسكرات، والمواقع التي سيطر عليها «الانتقالي»، وعودة قوات الأخير من حيث أتت.

وقال العليمي خلال اجتماع بهيئة المستشارين، الخميس، ضمن مشاوراته المستمرة مع سلطات الدولة، ودوائر صنع ودعم القرار، إن هذه القرارات لا تعبّر عن رغبة في التصعيد، أو الانتقام، بل تمثل استجابة قانونية وأخلاقية لواجب الدولة في حماية مواطنيها، والحفاظ على سيادتها، بعد استنفاد كافة فرص التهدئة، والتوافق، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتمنى رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تكون السنة الميلادية الجديدة سنة النصر، والسلام، والأمن، والاستقرار، ونهاية لمعاناة المواطنين، وتحقيق تطلعاتهم في دولة عادلة تكفل الكرامة، وتصون الحقوق، وتفتح آفاقاً حقيقية للتعافي، والتنمية.

ووضع العليمي هيئة المستشارين أمام تفاصيل التطورات الأخيرة، موضحاً أن المهل المتكررة التي منحت لإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية لم تُستثمر بصورة رشيدة من قبل المجلس الانتقالي.

وأوضح أن ذلك ترافق مع دفع المجلس بالمزيد من القوات إلى محافظتي حضرموت، والمهرة، إلى جانب وصول شحنات عسكرية من مصادر خارجية، ما شكّل تهديداً مباشراً للاستقرار، وفرض على الدولة اتخاذ إجراءات حازمة بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، لمنع تحول الأزمة إلى واقع يصعب احتواؤه.

إشادة وتحذير

أشاد العليمي بجهود السلطات المحلية في المحافظات الشرقية، واستجابتها السريعة للقرارات الرئاسية، من خلال تأمين المنشآت السيادية، والبنى الحيوية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات للالتفاف على هذه القرارات، أو عرقلة تنفيذها على الأرض.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة المستشارين في هذه المرحلة المفصلية، باعتبارها غرفة تفكير متقدمة لدعم القرار الوطني، وترشيده، وحشد الطاقات السياسية، والمؤسسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر الدعم لأي تشكيلات خارجة عن الإطار القانوني.

وجدد العليمي تأكيده على عدالة القضية الجنوبية، والالتزام الجماعي بمعالجتها وفق أعلى المعايير الحقوقية، بعيداً عن منطق القوة، والإكراه، أو توظيفها في صراعات مسلحة تسيء إلى عدالتها، وتضر بمستقبلها.

الشراكة مع السعودية

عبّر رئيس مجلس القيادة اليمني عن تقديره العميق لدور السعودية بوصف أنها شريك استراتيجي لليمن، مؤكداً أن حماية هذه الشراكة تمثل مسؤولية وطنية، نظراً لما تحمله من مكاسب تاريخية، ومستقبلية، وما ينطوي عليه التفريط بها من مخاطر جسيمة.

وأوضح العليمي أن قرار إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في بلاده جاء في إطار تصحيح مسار التحالف، وبالتنسيق مع قيادته المشتركة، بما يضمن وقف أي دعم للمكونات الخارجة عن الدولة، دون أن يعني ذلك القطيعة، أو التنكر للعلاقات الثنائية، أو إرث التعاون القائم على المصالح المشتركة.

جنود في عدن موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن (أ.ب)

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن الهدف الجامع لكل إجراء أو قرار سيادي في هذه المرحلة هو خدمة معركة استعادة مؤسسات الدولة، سلماً أو حرباً، وتحقيق تطلعات اليمنيين في الأمن، والاستقرار، والتنمية.

ودعا العليمي كافة المكونات السياسية، والمنابر الإعلامية إلى تجنب خطاب الإساءة، والتحريض، وتغليب لغة الدولة، والمسؤولية، بما يحفظ وحدة الصف الوطني، ويصون فرص السلام، دون الإخلال بمبدأ المساءلة، وسيادة القانون.


«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

أكدت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الخميس)، أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه مبدأ راسخ لا يقبل أي مساومة أو تنازل في مواجهة إقدام إسرائيل على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وشددت المنظمة، في بيان بعد اجتماع للجنة التنفيذية على مستوى المندوبين في جدة بالسعودية، على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يقوض الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ويفتح المجال أمام مزيد من النزاعات والتوترات.

وأوضحت منظمة التعاون الإسلامي أنها تدين الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بأرض الصومال، ووصفته بالانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.

وطالب البيان «بتكثيف الجهود وتوحيد الصفوف والوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية الصومال».


هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.