دخان أبيض في سماء الفاتيكان مع أول بابا أميركي

ليو الرابع عشر متحدر من جذور إيطالية وفرنسية وإسبانية... وميوله «فرنسيسية»

TT

دخان أبيض في سماء الفاتيكان مع أول بابا أميركي

البابا ليون الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليون الرابع عشر (أ.ف.ب)

تصاعد الدخان الأبيض الخميس من «الكابيلّا سيستينا» في الفاتيكان، معلناً انتخاب بابا جديد خلفاً للراحل فرنسيس من جانب الكرادلة الناخبين الـ133 الذين التأموا في مجمع منذ بعد ظهر الأربعاء.

وارتفعت صيحات آلاف المحتشدين في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان. وبعيد تصاعد الدخان الأبيض من المدخنة المثبتة على سطح «الكابيلّا سيستينا» قُرعت أجراس كاتدرائية القديس بطرس، بينما واصلت الحشود الهتاف والتصفيق بحماسة.

الدخان الأبيض يتصاعد من مدخنة كنيسة سيستينا بالفاتيكان (إ.ب.أ)

وجاءت المفاجأة من الولايات المتحدة في شخص الكاردينال فرنسيس روبرت بريفوست (اتخذ اسم ليو الرابع عشرر)، المتحدر من جذور إيطالية وفرنسية وإسبانية، حيث أمضى عشرين عاماً بين مرسل وأسقف في بيرو، إلى أن استدعاه البابا فرنسيس وكلّفه بإدارة مجلس الأساقفة. ويقول عارفوه إنه يتميز بقدرته على الحوار والتعاون والإصغاء، ويحظى بتقدير الكرادلة من شتّى الاتجاهات، مما يجعل منه الاختيار المناسب كي يلمّ شمل مجمع لم تعرف الكنيسة مثل تنوّعه، وكان معروفاً بميوله «الفرنسيسية» وقربه من الراحل «بابا الفقراء والمهمشين».

وجاءت الانتخابات في أول يوم كامل من التصويت الذي أجراه الناخبون من الكرادلة، الذين انعزلوا عن العالم الخارجي بعد ظهر الأربعاء خلف أسوار الفاتيكان لاختيار خليفة للبابا الراحل.

توفي البابا فرنسيس في 21 أبريل (نيسان) بعد أن رأس الكنيسة الكاثوليكية، التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص، لمدة 12 عاماً. وسعى خلال فترة ولايته إلى فتح هذه المؤسسة الراسخة أمام العالم الحديث، وقام بمجموعة من الإصلاحات، وسمح بمناقشة قضايا خلافية، مثل السماح للنساء بأن يصبحن كهنة.

الكرادلة يصلون في «الكابيلّا سيستينا» قبل انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني لانتخاب البابا القادم (رويترز)

الدخان الأبيض الذي يعلن انتخاب البابا الجديد لم يكن معروفاً قبل مطلع القرن الفائت. حتى ذلك الحين كان الدخان الأسود فحسب هو الذي يتصاعد من مدخنة «الكابيلّا سيستينا» كلما فشل الكرادلة في التوافق على مرشح. وفي عام 1914 تقرر استخدام الدخان الأبيض للإعلان عن انتخاب البابا الجديد وإطلاق عبارة «Habemus Papam»، أي «لنا بابا»، بعد أن ينال ما لا يقلّ عن ثلثي الأصوات، وبعد أن يقبل الفائز بصريح العبارة الجلوس على كرسي بطرس ويختار اسمه الحبريّ.

وحتى عام 2005 كان هناك أيضاً دخان أصفر يُستخدم للتأكد من حُسن سير المدفأة، استعيض عنه بجهاز إلكتروني حديث لا يحتاج إلى التجربة. في عام 1958، عندما انتخب مجمع الكرادلة البابا يوحنا الثالث والعشرين، خرج دخان رمادي من مدخنة «الكابيلّا سيستينا» وأثار لغطاً في صفوف الذين كانوا يترقبون النتيجة من الخارج، وبعد توضيح السلطات المعنية أن السبب كان عائداً إلى تلبّد السماء بغيوم كثيفة، سرت شائعات عن مؤامرة حيكت خيوطها في الغرف السرية، ومفادها أن الفائز كان الكاردينال جوزيبي سيري، لكنه اضطر لعدم القبول أمام الضغوط التي تعرّض لها.

تجمع الكرادلة قبل بدء المجمع المغلق لانتخاب بابا جديد في «الكابيلّا سيستينا» في مدينة الفاتيكان (إ.ب.أ)

ومنذ ذلك التاريخ تقرر أيضاً أن تُقرع الأجراس مواكبة لتصاعد الدخان الأبيض ومؤكدة انتخاب البابا الجديد. عندما تُحرق قسائم الاقتراع في المدفأة القديمة، وينبعث الدخان الأبيض من المدفأة الثانية الموصولة بها، يكون الكاردينال الذي اختاره المجمع قد قبل التكليف، ويصبح من تلك اللحظة أسقفاً على روما، وبابا على الكنيسة، ورئيساً لمجمع الأساقفة له السلطان الأعلى.

بعد ذلك يتوجه الحبر الأعظم الجديد إلى «قاعة الدموع» حيث يختار ثوباً أبيض، من بين ثلاثة أثواب جاهزة بمقاسات مختلفة، ويعطَى منديلاً ليكفكف به دمعه عند الصلاة. ولدى دخول البابا إلى «الكابيلّا سيستينا» للمرة الأولى بثوبه الأبيض، يجلس على كرسي أسقف روما، ويستمع إلى الكاردينال الذي يرأس المجمع يقول له: «هي العناية الإلهية التي اختارتك لتجلس على كرسي بطرس»، قبل أن يردد ما قاله السيد المسيح لسمعان: «أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي».

يلي ذلك إعلان الكرادلة ولاءهم للحبر «الأعظم» الجديد، وهم يمرّون أمامه رافضاً أن يقبّلوا يده أو يسجدوا. وفي النهاية يخرج رئيس المراسم إلى الشرفة المطلة على ساحة القديس بطرس ليعلن اسم البابا الجديد ويقدمه للجماهير المحتشدة.

ومن الغرائب غير المعروفة في التقاليد والأعراف الكنسية العريقة، أن الجلوس على كرسي بطرس لا يشترط أن يكون المختار كاردينالاً. يكفي أن يكون ذكراً بالغاً وعازباً ومؤمناً، أو علمانياً معمَّداً من أتباع الكنيسة الكاثوليكية.

وقد عرفت الكنيسة في العصور القديمة حالات عدة لم يكن فيها البابا كاردينالاً، أشهرها حالة بيترو دي مارّوني الذي أصبح البابا سيلستينو الخامس في عام 1294، وكان آخر الباباوات، قبل بنديكت السادس عشر، الذي استقال من حبريته.


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان يدعو إلى عالم خالٍ من التعصب والعنصرية

أوروبا البابا ليو الرابع عشر وهو يترأس قداس ليلة رأس السنة في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان يدعو إلى عالم خالٍ من التعصب والعنصرية

دعا البابا ليو اليوم الأربعاء إلى ​إنهاء معاداة السامية في جميع أنحاء العالم، وذلك بمناسبة إحياء الذكرى السنوية لمحارق النازي (الهولوكوست)

«الشرق الأوسط» ( الفاتيكان)
أوروبا البابا لاوون الرابع عشر (إ.ب.أ)

البابا يحذر مجدداً من مخاطر خوارزميات الذكاء الاصطناعي

حذر البابا لاوون الرابع عشر، السبت، مجدداً من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مسلطاً الضوء على «غياب الشفافية في تطوير الخوارزميات» التي تُشغّل برامج الدردشة الآلية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
العالم البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

البابا يدعو لوضع حد للعنف القائم على معاداة السامية بعد اعتداء سيدني

صلّى البابا ليو الرابع عشر، الاثنين، من أجل ضحايا اعتداء سيدني الذي أودى بحياة 15 شخصاً، ودعا إلى وضع حد للعنف القائم على معاداة السامية.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا البابا ليو بابا الفاتيكان (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان يطالب المخابرات الإيطالية بعدم تشويه سمعة السياسيين والصحافيين

حث البابا ليو (بابا الفاتيكان) أجهزة المخابرات الإيطالية على تجنب «تشويه سمعة الشخصيات العامة والصحافيين».

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي كنيسة المهد في بيت لحم (أ.ب)

إضاءة شجرة الميلاد في ساحة كنيسة المهد ببيت لحم للمرة الأولى منذ عامين

أضيئت شجرة عيد الميلاد، السبت، في ساحة كنيسة المهد بمدينة بيت لحم في الضفة الغربية بحضور عدد من رجال الدين والمسؤولين والدبلوماسيين والمواطنين.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم )

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

مع موجة برد قاسية ضربت أوكرانيا وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع». الكرملين أكد الطلب، وأن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط)، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان باعتباره خطوة ممكنة لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد.

وتعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة التي سيتوقف نجاحها على مدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».لكن تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف.


بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)

بينما تتعامل أوكرانيا مع موجة برد قاسية وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، عاد ملف «التهدئة الجزئية» إلى واجهة المسار التفاوضي بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع»، وأن بوتين وافق.

لم يقتصر الأمر على التصريح الأميركي، إذ اتخذت موسكو موقفاً متدرجاً بين الصمت والتباس الرد، قبل أن يعلن الكرملين تأكيداً محدوداً للهدنة، ما حوَّل «هدنة الأسبوع» سريعاً من بشرى إنسانية إلى اختبار صعب للثقة وميزان لجدية المحادثات الثلاثية في أبوظبي بين الروس والأوكرانيين والأميركيين، والتي من المقرر أن تعقد جولتها الثانية يوم الأحد.

فما الذي يناقش فعليا سواء بالنسبة إلى الأمن والدبلوماسية والطلبات السياسية للطرفين؟

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني استهدفته غارة روسية (رويترز)

وقف قصف كييف

رجال إنقاذ في موقع غارة روسية على منطقة سكنية في أوديسا (رويترز)

الإشارة الأهم جاءت من مصدر روسي رسمي عبر تأكيد الكرملين، بحسب «رويترز»، أن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط) 2026 استجابةً لطلب ترمب، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات، من دون تبنٍ واضح لرواية «البرد القارس» بوصفه سبباً رئيسياً. لكن المشكلة ليست في مبدأ «الإيقاف» فقط، بل في تعريفه. هل هو وقف للقصف على العاصمة كييف تحديداً؟ أم وقف للهجمات على «كييف الكبرى» أو نطاق أوسع؟ «رويترز» أشارت صراحة إلى أن دقة المقصود بعبارة «كييف» بقيت غير محسومة.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان بوصفه خطوةً ممكنةً لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد. وكالة «أسوشييتد برس» لخَّصت جوهر الإشكال بالقول إنه لا توجد حتى الآن آلية موثقة وملزمة، ولا تفاصيل علنية حول ما إذا كان الوقف يشمل كل الضربات أم جزءاً منها (مثل منشآت الطاقة)، وسط استمرار هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مسارات مختلفة. ولا يعد تحديد مدة «الأسبوع» مجرد تفصيل تقني، بل يمثل معياراً سياسياً لاختبار جدية الأطراف في الالتزام، إذ إن فشل الهدنة سيعيد بسرعة الاتهامات المتبادَلة حول المسؤولية عن الخرق الأول، مما يُهدِّد بإجهاض أي تقدم تفاوضي.

جنود أوكرانيون يذخرون راجمة صواريخ من عيار «122 ملم» في دونيتسك (رويترز)

حرب الطاقة أداة تفاوض

منذ أسابيع، تتصدَّر البنية التحتية للطاقة عنوان الضغط الروسي: ضربات متكررة على الشبكات والمحطات تجعل الشتاء عاملاً مضاعفاً للألم، سياسياً واجتماعياً. وهذه الخلفية تفسِّر لماذا تَركَّز النقاش على «تجميد» استهداف الطاقة أو المدن الكبرى بدل وقف شامل لإطلاق النار. «رويترز» وصفت السياق بوضوح: كييف تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، وإصلاحات طارئة تتزامن مع توقعات بمزيد من انخفاض الحرارة.

لكن «حرب الطاقة» ليست ورقة روسية فقط، فقد لوَّحت أوكرانيا، وفق «أسوشييتد برس» بمنطق «المعاملة بالمثل». إذا أوقفت روسيا ضرب منشآت الطاقة، فيمكن أن تُبدي كييف ضبطاً مماثلاً.

هذا يقود إلى استنتاج أن الهدنة الجزئية تُستخدَم أداة تفاوض أكثر من كونها خطوة إنسانية صِرفة. فهي تخلق «فترة اختبار» قصيرة يمكن للطرفين خلالها الادعاء بأنهما «بنّاءان» أمام واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة العسكرية في الجبهات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال اجتماعهم في الكرملين بموسكو يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ما عُقد المفاوضات؟

حتى في أكثر الروايات تفاؤلاً، تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف. وهذا ليس مجرد «تفصيل ترسيم حدود»، بل مسألة ترتبط بمعنى الحرب عند الطرفين: موسكو تريد تثبيت مكاسبها وتوسيعها، وكييف ترى في أي تنازل دون ضمانات صلبة دعوةً لحرب لاحقة.

تقول كييف: «لا تنازلات جوهرية من دون ضمانات». لكن روسيا تُظهر رفضاً أو تشكيكاً عميقاً في أي صيغة تُبقي لأوكرانيا «مظلة غربية» تُشبه من وجهة نظر موسكو، الاقتراب من الناتو أو شرعنة «أوكرانيا بوصفها منصة تهديد». هذا الموقف عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شكَّك في جدوى الضمانات المدعومة أميركياً. وهنا تكمن المعضلة: ضمانات قوية بما يكفي لطمأنة كييف غالباً ما تكون مستفزةً بما يكفي لرفض موسكو.

وفود المحادثات الثلاثية في أبوظبي الأسبوع الماضي (رويترز)

كما أنه حتى ولو توفَّرت تسوية على الورق، يبقى على الطرفين تسويقها داخلياً. زيلينسكي يحتاج إلى شيء يمكن تقديمه للأوكرانيين على أنه «يمنع تكرار حرب 2014 وحرب 2022» ويضمن أن روسيا لن تعود لحرب جديدة بعد التقاط الأنفاس. في حين أن بوتين يحتاج على ما يبدو إلى «انتصار استراتيجي»، إما إلى أراضٍ، أو تحييد أوكرانيا، أو كسر مسار الضمانات الغربية.

فالمحادثات الثلاثية التي جرت، الأسبوع الماضي، في الإمارات مع جولة ثانية متوقعة الأحد مهمة، على الرغم من أنها انتهت دون اتفاق، لكنها أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار. وعُدّت نمطاً يوحي بأن واشنطن تحاول إدارة التفاوض بوصفه مساراً متدرجاً يبدأ بإجراءات «خفض تصعيد» قابلة للقياس (مثل هدنة الطاقة - المدن)، قبل الانتقال إلى «الصفقة الكبرى». لكن تبقى مشكلة بنيوية، فكثير من القرارات الكبرى، كالحدود، والضمانات، ووضع المناطق المتنازع عليها، تحتاج عملياً إلى قرار سياسي من القمة، بينما اللقاءات الفنية - الأمنية قد تُحسِّن المناخ دون القدرة على الحسم.

سيناريوهات أمام ترمب

صحيفة «وول ستريت جورنال»، طرحت سيناريوهات عدة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب. «هدنة الثقة» في كييف تتوسَّع تدريجياً إلى وقف نار أوسع، ما يضمن صمودها نسبياً وتُترجم إلى خطوات إضافية، لتشمل أهدافاً أخرى، وربما إنشاء آلية مراقبة - إخطار لتقليل «الحوادث» وسوء الفهم. نجاح خطوة قصيرة مثل هذه قد يعطي ترمب دليلاً سياسياً على «قابلية بوتين للتجاوب»، ويمنح زيلينسكي متنفساً إنسانياً في أصعب أسابيع الشتاء. ومع تأكيد الكرملين وقف الضربات حتى أوائل فبراير تتوفّر نظرياً بذرة هذا المسار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية هي أن أي خرق كبير سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع غياب وثيقة واضحة وآلية إلزام.

سيناريو آخر تحدَّث عن هدن موضعية وتقدم بطيء بلا اختراق، بحيث تستمر الحرب على الجبهات، بينما تُستخدم الهدن الجزئية إدارةً للأزمة وليست حلاً. وحتى لو أدت الاجتماعات إلى تسجيل «أجواء إيجابية» أحياناً، فإن العقدة الحقيقية (الأرض والضمانات) تبقى معلّقة. هذا السيناريو يتسق مع صورة المفاوضات التي انتهت من دون اتفاق ثم وُعد باستكمالها. وهو ما يسمح لكل طرف بأن يراهن على تحسين موقعه ميدانياً أو سياسياً قبل تقديم تنازل، مع الحفاظ على قناة تواصل تمنع انفلاتاً أكبر.

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو (رويترز)

لكن إذا انهارت «هدنة كييف»، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الضغوط الأميركية أكثر، إذا تبين أنها لم تكن سوى «إيماءة» أو إذا تصاعدت ضربات الطاقة مجدداً. في هذا السيناريو فقد ينقلب المزاج سريعاً. كييف ستقول إن موسكو تستخدم الدبلوماسية غطاءً، وموسكو ستتهم أوكرانيا بالاستفزاز أو عدم الجدية، بينما واشنطن قد تلوّح بأدوات ضغط (اقتصادية وسياسية) لدفع الطرف الذي تعدّه معطِّلاً.

وكالة «أسوشييتد برس» شدَّدت على أن الغموض والتباين في الروايات، مع استمرار العنف، أمور تجعل «الوقف» هشاً ومعرّضاً للانهيار سريعاً. ويصبح هدف ترمب ليس «صفقة سلام» قريبة، بل إدارة التصعيد ومنع الانفجار الأوسع، مع تحميل المسؤوليات علناً.

في المحصلة، تعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة. موافقة بوتين على طلب ترمب ستعطي زخماً للدبلوماسية الأميركية، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».


الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، الجمعة، اعتقال مواطن صيني يبلغ من العمر (38 عاماً) كان يدير صالوناً للحلاقة بالقرب من برشلونة؛ للاشتباه في تمويله حركة «حماس» بنحو 600 ألف يورو عبر تحويلات بعملات مشفرة.

وأوضح المحققون أنهم تتبعوا 31 عملية تداول على الأقل من محافظ رقمية يسيطر عليها المشتبه به إلى عناوين يُشتبه في ارتباطها بكيان تستخدمه الحركة الفلسطينية.

وتصنف دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ودولاً غربية أخرى، «حماس» منظمة إرهابية.

وامتنعت الشرطة، وفقاً لوكالة «رويترز»، عن التعليق على الدوافع المحتملة للمشتبه به، أو ما إذا كان قد تواصل مع «حماس» عن علم أو كان مجرد وسيط، وذلك نظراً لحساسية التحقيق.

وأضافت الشرطة أنه خلال تفتيش صالون الشعر ومنزل المشتبه به، صادرت عناصر أمنية أصولاً مشفرة ونقوداً وجواهر وأجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة.

كما جمدت عدة حسابات بنكية، ليتجاوز مجموع الأصول المصادرة والمجمدة 370 ألف يورو.

وذكرت الشرطة أن التحقيق بدأ في يونيو (حزيران) الماضي في أثناء عملية منفصلة تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال.

وحذرت السلطات في السنوات الأخيرة من استخدام الجماعات المسلحة للعملات المشفرة لتحويل الأموال عبر الحدود؛ ما يعقد جهود تتبع وعرقلة تمويل الإرهاب.