جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

القاتل يدعى أوليفيه... وطعن أبو بكر سيسيه عشرات المرات في «بثّ مباشر»

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
TT

جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)

صبيحة يوم 25 أبريل (نيسان)، ارتكب شاب فرنسي اسمه الأول أوليفيه، وعمره 20 عاماً، وهو ابن لعائلة لها 11 ولداً، مقيمة في مدينة بيزييه بجنوب فرنسا، جريمة مروّعة. دخل أوليفيه باكراً إلى مسجد بلدة لا غران كومب الواقعة في قضاء لو غارد جنوب البلاد؛ حيث وجد في المسجد مصلياً منفرداً، اسمه أبو بكر سيسيه، مالي الجنسية، يقوم عادة بأعمال التنظيف.

وبعد حوار معه حول رغبته في اعتناق الإسلام، طلب منه أن يُظهِر له كيف يصلي. وعندما ركع أبو بكر، استل أوليفيه سكينه ذات النصل البالغ 10 سنتيمترات، وانهال عليه بـ20 طعنة مستهدفاً بداية رقبته. ثم ابتعد عنه ورجع إليه ليطعنه مجدداً 37 مرة، وتركه ينزف أمام عينيه، وعمد، في الوقت نفسه، إلى تصوير فعلته، ووضع ذلك على منصة «إنستغرام». وغاب القاتل عن الأنظار، من يوم الجمعة وحتى يوم الأحد؛ حيث سلم نفسه للشرطة الإيطالية في توسكانا. وسارعت فرنسا إلى تقديم طلب تسليمه، ويُنتظر أن يتم ذلك منتصف الشهر الحالي.

الجريمة «ليست عملاً إرهابياً»

بانتظار أن تتسلمه العدالة الفرنسية، فإن الشرطة الإيطالية أخضعته للاستجواب. ويوم الجمعة، عقدت سيسيل جنساك، المدعية العامة الفرنسية، في مدينة نيم، التي تتبع بلدة غران كومب لولايتها، مؤتمراً صحافياً شرحت فيه مجموعة من الملابسات، ومنها الأسباب التي جعلت النيابة العامة المتخصصة بمسائل الإرهاب «تمتنع» عن الاستحواذ على هذا الملف. وحجتها الرئيسية أن ما حصل في المسجد عملية قتل لم تُظهِر، حتى اليوم، أن هناك دوافع إرهابية حرّكت القاتل الذي اعترف بفعلته.

ووفق المدعية العامة، فإن أوليفيه هـ. كان «مدفوعاً بـرغبة مهووسة في قتل شخص ما». والمقصود من هذا القول أنه لم يستهدف ويخطط لقتل المصلي الشاب المسلم الذي لم يكن يعرفه، وبالتالي كان يمكن أن يقتل أي شخص آخر. وباختصار، فإن قتله حصل «صدفة»، لأنه الشخص الذي وقع عليه ذاك الصباح.

المدعية العامة لمدينة نيم سيسيل جنساك خلال مؤتمرها الصحافي يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن القاتل تصرف «في سياق منعزل، دون أي ادعاء آيديولوجي أو صلة بمنظمة تنشر ادعاءً آيديولوجياً تنوي تنفيذه من خلال الترهيب أو الإرهاب». وأضافت سيسيل جنساك أن المتهم كان يعاني من «افتتان مرضي»، وتعتمل داخله «رغبة في القتل أياً كان الهدف»، مؤكدة أنه لا ينبغي النظر إلى الامتناع عن إحالة القضية إلى النيابة العامة المتخصصة بالإرهاب على أنه «تهوين للوقائع». فمن وجهة نظرها، لم يكن هناك سبب ما يمكن أن يفسر «دخول» القاتل «إلى هذا المسجد»، ومهاجمة هذا الشخص بالذات.

متظاهر يحمل صوراً لأبو بكر سيسيه في مظاهرة بباريس في 1 مايو (أ.ف.ب)

لكن ما حصل حقيقة أنه لم يعمد إلى مهاجمة شخص التقاه صدفة في الشارع، بل تعمّد الدخول إلى المسجد المتواضع في وقت يكون فيه فارغاً، وأرفق الفيديو الذي صوره بهاتفه الجوال بسباب بحق الإسلام. وبالطبع، لم ترُق رواية الادّعاء لعائلة القتيل، فأعلن محاميان مكلفان الدفاع عن مصالحها عن عزمهما تقديم شكوى لإعادة توصيف القتل بأنه «جريمة إرهابية»، وليس عملية قتل «عادية». وأشار المحاميان، ياسين بوزروع ومراد بطيخ، أن الشكوى «ستوفر أن يتولى قضاة مستقلون توصيف ما حصل بأنه جريمة إرهابية، لأنه، حتى اليوم، وحدها المدعية العامة التابعة لوزارة الداخلية قامت بالتوصيف».

وختم المحاميان، في تصريح لصحيفة «ليبراسيون»، الجمعة، بالقول: «إنها لفضيحة أن تستبعد النيابة العامة المختصة بشؤون الإرهاب حصول هجوم (إرهابي) داخل مسجد».

جدل سياسي وقانوني

منذ حصول الجريمة يوم الجمعة ما قبل الماضي، لم يتوقف الجدل ليس فقط القانوني، ولكن أيضاً وخصوصاً السياسي، إلى حد أن أصواتاً كثيرة نددت بطريقة تعاطي الدولة، ومعها الطبقة السياسية، مع هذه الجريمة.

والجدل الأول كان لفظياً؛ إذ إن مجموعة من السياسيين رفضت اعتبار الجريمة «معادية للإسلام»، بالتركيز على أنها جاءت فردية، وليس ثمة دافع ديني وراءها. وحجة الرافضين أن التعبير من إبداع «الإخوان المسلمين» الذين يعملون لمشروع سياسي في فرنسا. ومباشرة بعد الجريمة، حصل جدل داخل البرلمان الفرنسي؛ إذ، بداية، رفضت رئيسته يائيل براون - بيفيه، قبول طلب مجموعات نيابية، بينها الاشتراكيون والخضر والشيوعيون، الوقوف دقيقة صمت إكراماً لذكرى القتيل، بحجة أن البرلمان اتخذ قراراً بالامتناع عن بادرة كهذه إذا كانت الضحية فرداً.

صورة لمسجد «خديجة» في بلدة لا غران كومب جنوب فرنسا حيث قتل الشاب المالي واجتمع كثيرون لأداء صلاة الميت (أ.ف.ب)

بيد أن المجموعات المذكورة أصرّت على طلبها، ما دفع يائيل ــ بيفه إلى الرضوخ. وقالت في كلمة تأبينية: «صدمنا جميعاً بعملية قتل أبو بكر سيسيه الجبانة داخل المسجد. أريد أن أتوجه إلى عائلته وأقربائه، باسمي وباسمكم، لأعبر لهم عن أصدق التعازي، وأريد أن أعبِّر لجميع مواطنينا من المسلمين عن تضامننا معهم. إن (الالتزام) بتكريم ذكرى رجل واحترام أسى عائلته يعنيان أن نرفض الاستغلال السياسي لهذه المأساة، وما نحتاج إليه إعادة التأكيد بقوة وكرامة على وحدة الأمة».

بيد أن جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه اليمين، أعلن رفضه الاقتداء بما حصل في البرلمان.

الشعور العام الذي طغى أنه يوجد في فرنسا، حكومة وطبقة سياسية، «ازدواجية معايير» في التعامل مع الأحداث وفق هوية الضحية. ومن الأمثلة على ذلك أن برونو روتايو، وزير الداخلية، لم يبادر إلى زيارة البلدة التي حصلت فيها الجريمة، بل انتظر 3 أيام قبل أن يتوجه، ليس إلى بلدة غران كومب، بل إلى مدينة أليس القريبة منها.

عبد الرحمن ماكالو أحد أفراد الجالية المالية ، يتحدث إلى وسائل الإعلام يوم 29 أبريل محاطاً باثنين من أقارب أبو بكر سيسيه (أ.ب)

كذلك، فإن المظاهرة التي حصلت في باريس بعد الجريمة غاب عنها اليمين الفرنسي على المستوى الحزبي الرسمي، بالتوازي مع طبيعة تعاطي الإعلام معها. صحيح أن الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسوا بايرو نددا بالجريمة، لكن ذلك لم يكن كافياً، ولم يُبدّد شعوراً بالحسرة لدى جانب من المجتمع الفرنسي الذي يشعر بأنه «مهمش»، حتى عندما يُستهدف، وأنه لو كانت الضحية من غير المسلمين لكانت الصورة مختلفة للغاية من حيث حجم الاحتجاج والتنديد. ويبدو أن روتايو وعى قصوره، فقرّر استقبال عائلة القتيل الاثنين في وزارة الداخلية.

سيناريو الجريمة

لعل ما كشفت عنه سيسيل جنساك يثير سؤالاً بالغ الأهمية، ويتناول غياب الأجهزة الأمنية عن متابعة وتوقيف رجل كتب وأكّد مراراً رغبته في ارتكاب جريمة، رغم أن شخصين كانا جزءاً من مجموعة تواصل على منصة «ديسكورد» عمدا إلى تحذير هذه الأجهزة. كذلك، عمدا إلى إرسال إشارة إلى جهاز «فاروس» المتخصص بتتبع النيات الإجرامية.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو متحدثاً في البرلمان يوم الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن أوليفيه كان قد حدد «مسبقاً أنه سيعتدي جسدياً على شخص ما، دون أن يحدد مَن هو أو أين، ودون أن يشير إلى جماعة عرقية أو دين، مدفوعاً برغبة شديدة في قتل شخص ما، وفي حال عدم القيام بذلك سينتحر، وكل ذلك من باب التخلص من هذا العبء». وأضافت أن القاتل قال: «سأرتكب الجريمة اليوم، سوف أفعلها في الشارع». ولما سأله أحد المتابعين على المنصة عما إذا كان يعرف ضحيته، أجابه: «أنا ذاهب لمهاجمة المسجد». ثم، وبمجرد وصوله إلى هناك، أمام مسجد «خديجة» أعلن، بلا تردد: «إنه أسود (في إشارة إلى ضحيته المستقبلية)، سأفعلها».

في مؤتمرها الصحافي، قالت سيسيل جنساك إنه يتعين إخضاع «أوليفيه» إلى «فحص معمق لشخصيته». وسارع والده، في تصريح إلى الشبكة الإخبارية «بي إف إم» إلى الإعلان عن أن ابنه «مجنون مائة في المائة»، فيما يبدو أنه رغبة في تخفيف مسؤوليته، باعتباره فاقداً صوابه. وبانتظار تسلمه، فإن جثة أبو بكر سيسيه ستنقل إلى مسجد باريس، الأحد، ومن هناك إلى قريته في مالي حيث سيتم دفنه.


مقالات ذات صلة

إصابة 10 أشخاص في إطلاق نار خلال حفل بولاية أوكلاهوما الأميركية

الولايات المتحدة​ الشرطة تغلق المنطقة المحيطة بمكان الحادثة (أ.ب)

إصابة 10 أشخاص في إطلاق نار خلال حفل بولاية أوكلاهوما الأميركية

نًقل 10 أشخاص على الأقل إلى المستشفيات عقب إطلاق نار في حفلة ببحيرة أركاديا بالقرب من أوكلاهوما سيتي، بولاية أوكلاهوما الأميركية، حسبما أفادت به الشرطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المسيّرات تقوم بعمليات إسقاط فوق حرم السجون (إ.ب.أ)

وظيفة جديدة للمسيّرات: توصيل المخدرات وأدوات الهروب إلى السجناء

تواجه السجون الأميركية مشكلة مستمرة ومتفاقمة: طائراتٌ مسيّرة تُحلّق فوق حرم السجون، غالباً في جنح الظلام، وتُلقي بالمواد الممنوعة على السجناء!

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ صورة ملتقطة في 26 أبريل 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن تظهر كول توماس ألين، البالغ من العمر 31 عاماً من كاليفورنيا، بعد محاولته دخول قاعة الاحتفالات حاملاً أسلحة نارية وسكاكين خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في فندق واشنطن هيلتون حيث كان يحضر الحفل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
p-circle

القضاء الأميركي يتهم مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض بمحاولة اغتيال ترمب

وُجّهت، الاثنين، تهمة محاولة اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرجل الذي حاول اقتحام عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض مستخدما أسلحة نارية وسكاكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا تم تلقي أدلة من مركز لحماية الأطفال بشأن مزاعم مشاركة مواد تتعلق باعتداء جنسي على أطفال على منصة «تلغرام» (رويترز)

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً، الثلاثاء، بشأن تطبيق «تلغرام» للمراسلة بعد ظهور أدلة تشير إلى تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية قوات الأمن التركية وفرق الطوارئ تقف في فناء مدرسة ثانوية حيث أطلق مهاجم النار في سيفريك (أ.ب)

تركيا: 4 قتلى في ثاني إطلاق نار بمدرسة خلال يومين

كشف مسؤول محلي في تركيا، اليوم الأربعاء، عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 20 آخرين في حادث إطلاق نار داخل مدرسة جنوب البلاد، مشيرًا إلى أن مطلق النار طالب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

ماكرون ولوكاشنكو يبحثان هاتفياً العلاقات بين بيلاروسيا وفرنسا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون ولوكاشنكو يبحثان هاتفياً العلاقات بين بيلاروسيا وفرنسا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

أجرى رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مباحثات عبر الهاتف، اليوم الأحد، بمبادرة من باريس، وفق ما أفادت الرئاسة البيلاروسية في بيان.

وأورد البيان أن «الرئيسين ناقشا المشاكل الإقليمية، إضافة إلى علاقات بيلاروسيا بالاتحاد الأوروبي وبفرنسا خصوصاً»، من دون تفاصيل إضافية.


ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
TT

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)

ندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الأحد)، بالهجوم الروسي الذي استهدف العاصمة ‌الأوكرانية كييف ‌خلال ​الليل، ‌وشمل ⁠إطلاق ​صاروخ باليستي ⁠من طراز «أوريشنيك».

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال ماكرون في منشور على «⁠إكس»: «تندد فرنسا ‌بهذا الهجوم واستخدام ‌الصاروخ ​الباليستي ‌(أوريشنيك)، ‌وهو ما يشير في المقام الأول إلى ‌شكل من أشكال التصعيد ومأزق ⁠في الحرب ⁠الروسية العدائية».

من جهتها، اعتبرت كالاس أن روسيا تسعى إلى «ترهيب أوكرانيا» عبر هذا الهجوم الأخير الواسع النطاق.

وكتبت كالاس على منصة «إكس»: «وصلت روسيا إلى طريق مسدود في ساحة المعركة، لذا ترهب أوكرانيا بشن ضربات متعمدة على مراكز المدن».

وأضافت أن «استخدام موسكو لصواريخ (أوريشنيك) الباليستية المتوسطة المدى - وهي أنظمة مصممة لحمل رؤوس نووية - ليس سوى أسلوب للترهيب السياسي وشكل متهور للابتزاز النووي».

وكان ​الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد صرح بأن روسيا قصفت مدينة ‌بيلا ‌تسيركفا ​في ‌منطقة كييف ⁠الأوكرانية ​بصاروخ «أوريشنيك» ⁠في إطار هجومها الليلي.

وقال سلاح الجو الأوكراني في بيان، على مواقع التواصل الاجتماعي إن روسيا أطلقت 600 طائرة مسيرة و90 صاروخاً في هجومها، مضيفاً أن أحد الصواريخ كان باليستياً متوسط ‌المدى، دون ‌تحديد نوعه.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية في وقت لاحق استخدام صواريخ «أوريشنيك» المتوسطة المدى وذات القدرة النووية، لاستهداف أوكرانيا ليل السبت / الأحد، مشددة على أن هذا الهجوم اقتصر على أهداف عسكرية.

وسبق أن استخدمت موسكو هذا الصاروخ مرتين - منذ بدأت غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 - في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ضد مصنع عسكري، وفي يناير (كانون الثاني) 2026 ضد مركز للصناعات الجوية في غرب أوكرانيا.

وفي الحالتين، لم تكن الصواريخ تحمل رؤوساً نووية.


صاروخ «أوريشنيك» فرط صوتي يهزّ كييف ويختبر دفاعاتها

امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
TT

صاروخ «أوريشنيك» فرط صوتي يهزّ كييف ويختبر دفاعاتها

امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

استخدمت روسيا صاروخ «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي خلال هجوم واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ على كييف الأحد، ما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل، وفق ما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في ثالث استخدام لهذا السلاح خلال الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.

وألحق الهجوم الجوي المُكثّف أضراراً بمبانٍ في أنحاء متفرقة من العاصمة الأوكرانية، بينها مناطق قرب مكاتب حكومية ومبانٍ سكنية ومدارس وسوق تجارية، بحسب السلطات الأوكرانية. كما أُصيب ما لا يقل عن 83 شخصاً بجروح.

600 مسيرة

دوت صفارات الإنذار طوال الليل، فيما تصاعد الدخان فوق كييف جراء الضربات. وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بسماع انفجارات قوية قرب وسط المدينة وبالقرب من مبانٍ حكومية.

رجل ينظر إلى مبنى محترق جراء غارة صاروخية روسية على كييف ليلة 24 مايو (رويترز)

وشمل الهجوم، بحسب سلاح الجو الأوكراني، 600 طائرة مسيّرة هجومية و90 صاروخاً أُطلقت من الجو والبحر والبر. وقالت الدفاعات الجوية الأوكرانية إنها دمّرت أو شوّشت على 549 مسيّرة و55 صاروخاً، فيما فشل نحو 19 صاروخاً في بلوغ أهدافها. وأعلن وزير الخارجية الألباني، فيريت هوكشا، أن مقر إقامة السفير الألباني لدى أوكرانيا تعرّض للقصف خلال الهجوم، واصفاً ذلك بأنه «غير مقبول» و«تصعيد خطير».

وقال زيلينسكي عبر «تلغرام» إن صاروخ «أوريشنيك»، القادر على حمل رؤوس نووية أو تقليدية، استهدف مدينة بيلاتسيركفا في منطقة كييف. وكانت روسيا قد توعدت بالرد على هجوم أوكراني أوقع 21 قتيلاً على الأقل الجمعة.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية، الأحد، استخدام «أوريشنيك» وأنواع أخرى من الصواريخ لاستهداف «منشآت القيادة والسيطرة العسكرية» وقواعد جوية ومؤسسات للصناعات العسكرية الأوكرانية. وأضافت أن الهجوم جاء رداً على ضربات أوكرانية استهدفت «منشآت مدنية على الأراضي الروسية»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

إدانات متبادلة

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ندّد الجمعة بضربة بطائرة مسيّرة استهدفت مهاجع كلية في شرق أوكرانيا الخاضع لسيطرة روسيا، واتهم كييف بالمسؤولية عنها، مؤكداً عدم وجود منشآت عسكرية أو أمنية قرب الموقع، ومعلناً أنه أمر الجيش الروسي بالرد.

وارتفعت حصيلة قتلى تلك الضربة إلى 21 شخصاً، بحسب السلطات الروسية، التي أعلنت أيضاً إصابة 42 آخرين. كما أعلنت السلطات المعيّنة من الكرملين في منطقة لوغانسك يومي حداد على الضحايا.

شباب يمرون وسط دمار في شوارع كييف يوم 24 مايو (رويترز)

وخلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت بطلب من روسيا، نفى السفير الأوكراني أندري ميلنيك اتهامات نظيره الروسي بارتكاب جرائم حرب، واصفاً إياها بأنها «عرض دعائي بحت»، ومؤكداً أن عمليات 22 مايو (أيار) «استهدفت حصراً آلة الحرب الروسية».

وأدان حلفاء كييف الأوروبيون، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريتش ميرتس، الضربات الروسية واستخدام صاروخ «أوريشنيك»، في بيانات صدرت الأحد. كما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن وزراء خارجية دول الاتحاد سيجتمعون خلال أيام «لبحث سبل زيادة الضغط الدولي على روسيا».

معضلة منظومة «باتريوت»

وقال زيلينسكي إنه لم يتم اعتراض جميع الصواريخ الباليستية، مشيراً إلى أن معظم الضربات استهدفت كييف.

وأبرزت الإخفاقات الظاهرة في الاعتراض النقص المزمن لدى أوكرانيا في صواريخ الدفاع الجوي القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية. وتعتمد كييف بشكل كبير على منظومات «باتريوت» الأميركية لاعتراض هذا النوع من الأسلحة، لكن مخزون الصواريخ الاعتراضية لا يزال محدوداً، ويُعدّ من أكثر مطالب أوكرانيا إلحاحاً من حلفائها الغربيين.

وأصبح تطوير بديل محلي الصنع أولوية لدى وزارة الدفاع الأوكرانية، غير أن ذلك يتطلب وقتاً وتمويلاً. وأعلنت أجهزة الطوارئ الأوكرانية تسجيل أضرار في 50 موقعاً عبر عدة أحياء في العاصمة، شملت مباني سكنية ومراكز تجارية ومدارس، إضافة إلى تضرر مبانٍ تابعة للشرطة. واستمرت الحرائق حتى ساعات الصباح، ما عقّد عمليات الإنقاذ مع انهيار بعض المباني جراء الانفجارات.

وقالت سفيتلانا أونوفرييتشوك، وهي من سكان كييف وتبلغ 55 عاماً: «كانت ليلة مروعة، ولم نشهد شيئاً مماثلاً طوال الحرب». وأضافت: «يؤسفني أن أقول إنني سأغادر كييف الآن، لم يعد بإمكاني البقاء. عملي انتهى، كل شيء انتهى، كل شيء احترق».

أما يفهين زوسين (74 عاماً)، فقال إنه هرع لالتقاط كلبه فور سماعه الانفجار الأول، مضيفاً: «ثم وقع انفجار آخر وقذفتنا موجة الصدمة بعيداً. نجونا لكن شقتي دُمّرت بالكامل».

عناصر إطفاء يعملون على إخماد حريق في موقع استهدفه هجوم روسي في كييف يوم 24 مايو (أ.ف.ب)

وفي حي شيفتشينكو في كييف، أصاب القصف مبنى سكنياً من خمسة طوابق، ما أدّى إلى اندلاع حريق ومقتل شخص واحد، وفق أجهزة الطوارئ الأوكرانية.

وقال رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، إن مبنى مدرسة تضرّر أيضاً أثناء احتماء أشخاص بداخله. كما أفادت السلطات المحلية بتضرّر متاجر كبرى ومستودعات في أنحاء المدينة. وسُجلت أضرار في عدة بلدات بمنطقة كييف، بحسب ميكولا كالاشنيك، رئيس الإدارة الإقليمية.

وفي المقابل، أعلنت السلطات الروسية الأحد مقتل مدني في بلدة غرايفورون الروسية بمنطقة بيلغورود الحدودية جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها أسقطت أو شوّشت على 33 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل حتى صباح الأحد، بينها مسيّرات فوق منطقة موسكو وغرب وجنوب غربي روسيا وشبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها موسكو.