حرب إعلامية تشتعل... والجزائر تحذِّر من «مخططات تُحاك»

رئيس أركان الجيش: «أسلحة ناعمة» تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية

وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان (الوزارة)
وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان (الوزارة)
TT

حرب إعلامية تشتعل... والجزائر تحذِّر من «مخططات تُحاك»

وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان (الوزارة)
وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان (الوزارة)

وسط حرب إعلامية تزداد وتيرتها، عقد وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان لقاء بالعاصمة، يوم الاثنين، مع مجموعة من الصحافيين والإعلاميين بولايات الوسط؛ حيث حذَّر من «مخططات تُحاك ضد الجزائر»، وقال إنها «مستهدفة بطريقة هادئة ومنظمة»، وهو مضمون أبرزه أيضاً رئيس أركان الجيش، سعيد شنقريحة، خلال زيارة إلى جنوب البلاد.

ويأتي لقاء مزيان بالإعلاميين في سياق اجتماعات يعقدها منذ أسابيع مع الصحافيين، في كل المحافظات، بغرض التحذير من تلك «المخططات»، بينما ألقى الفريق أول شنقريحة الذي يشغل أيضاً منصب نائب وزير الدفاع، الضوء على مخاطر مماثلة، قائلاً إن «أسلحة ناعمة تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية»، في إشارة إلى وجود حملات إعلامية «مضللة».

ومع التوتر الحاد الذي يطبع العلاقات الجزائرية- الفرنسية منذ صيف العام الماضي، دعا مزيان إلى «التصدي لصحافة اليمين الفرنسي المتطرف».

وترددت مثل هذه الأحاديث على ألسنة كبار المسؤولين بالجزائر، الذين أكدوا أن بلادهم «تواجه مؤامرة خارجية لضرب استقرارها الداخلي وأمنها القومي»، بسبب «انتصارها للقضايا العادلة في العالم»، حسب تصريحاتهم.

وأفاد مزيان بأنه لاحظ «تجاوباً كبيراً» من طرف الصحافيين والإعلاميين، للانخراط فيما سبق أن سمَّاه «جبهة إعلامية موحدة لمواجهة الهجمات ضد الجزائر»، وهي خطة حكومية لتعزيز قدرة الإعلام الوطني «على مواجهة الحملات الإعلامية المغرضة، والدفاع عن صورة الجزائر على الصعيدين الإقليمي والدولي».

جانب من اجتماع وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان بالصحافيين (الوزارة)

وزاد هذا الخطاب حدَّة منذ أن تفجر التوتر مع فرنسا الصيف الماضي، إثر تأييدها موقف المغرب في نزاع الصحراء، ثم تصاعد الخلاف بإقحام قضايا مشتركة قديمة فيه، مثل مسألة الهجرة، وقضايا مرتبطة بالاستعمار. ونددت الجزائر في مناسبات عدة بتعاطي الإعلام الفرنسي؛ خصوصاً القنوات التلفزيونية ذات نِسب المشاهدة العالية مع القضايا الخلافية، وعدَّته «اتباعاً لتوجيهات اليمين المتطرف المعروف بعنصريته إزاء المهاجرين الجزائريين»، حسب وصفها.

وكان الإعلام الفرنسي قد شن حملات مكثفة تدعم قراراً حكومياً بترحيل عشرات المهاجرين الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات بالإبعاد؛ كما دارت حملة إعلامية لإلغاء اتفاق الهجرة الموقع بين البلدين عام 1968، بدعوى أنه تفضيلي للجزائر مقارنة بدول أخرى، وبأنه قانون يعيق سياسة الحد من الهجرة.

«الاستهداف الناعم»

ويحذِّر المسؤولون في الجزائر أيضاً من «مؤامرات» في سياق توترات أخرى نشبت مع دول جوارٍ في الساحل؛ خصوصاً مالي، بعد إسقاط سلاح الجو الجزائري طائرة مُسيَّرة مالية على الحدود في مطلع أبريل (نيسان) الحالي؛ إضافة إلى الخلاف القديم مع المغرب حول نزاع الصحراء، والذي كان سبباً غير مباشر في قطع العلاقات عام 2021.

وفي إطار الترويج لفكرة «الجبهة الإعلامية»، لفت مزيان إلى ضرورة «رفع إنتاج المضامين الإعلامية الوطنية، بما يجعل وسائل الإعلام تتجاوب والتحديات الحالية التي تطبعها الهجمات المتكررة والمباشرة ضد بلادنا، أو تلك الهجمات الأكثر مكراً التي تسكب سمومها، مستعمِلةً الفضاء الرقمي».

وقال: «وتيرة استهداف الجزائر هادئة ولكن ممنهجة، تظهر كلما اقتربنا من موعد تاريخي أو إنجاز مهم»، من دون توضيح ماذا يقصد بالتحديد.

وأضاف: «هناك حملات تشويه ضدنا مصدرها معروف، وهو الغرف المظلمة، ولهذا نحن بحاجة إلى دروع بالقلم الراقي».

وتابع قائلاً: «بعض أبناء الوطن يخدمون -دون علم- المخططات التي تضرب أركان الجزائر»، في إشارة ضمنية إلى معارضين في الخارج؛ خصوصاً في فرنسا، ينشطون في منصات التواصل الاجتماعي بنشر تعليقات سلبية عن الأوضاع في الجزائر، وهو ما ترى السلطات الجزائرية فيه «إسهاماً في مؤامرة تقويض الأمن في البلاد»، وتصف منشوراتهم بأنها «معطيات مضللة».

وحذر مزيان وسائل الإعلام وأصحاب الحسابات في المنصات الرقمية «من الانسياق وراء الأخبار المضللة ومن إعادة نشرها»، مضيفاً: «تحققوا من صحة الأخبار قبل نشرها؛ فالمعلومة غير الصحيحة قد تتسبب في زعزعة استقرار دولة».

وصدر حكم بالسجن على الصحافي عبد الوكيل بلام، مطلع العام الحالي، بعد اكتشاف اتصالات بينه وبين معارضين مدرجين على «لائحة الإرهاب»، ومن أبرزهم ضابط المخابرات السابق هشام عبود، و«اليوتيوبر» أمير بوخرص، الذي سبب مزيداً من التصعيد في العلاقات الجزائرية- الفرنسية بعد توقيف موظف بقنصلية جزائرية في فرنسا يوم 11 أبريل الجاري، واتهامه بـ«خطفه واحتجازه».

وطالب مزيان «الجبهة الإعلامية» التي يريد إطلاقها «برد الصاع صاعين على الهجمات، ولكن باحترافية وبلغة راقية».

ونفى وزير الاتصال في الوقت ذاته اتهامات بأن السلطة «تستخدم الإعلام لأجندة خاصة بها»، مؤكداً أن الحكومة «لم تتدخل، ولن تتدخل أبداً، في الخط التحريري لأي مؤسسة إعلامية... إلا في حال المس بالقيم الوطنية أو رموز الدولة. هنا سيتم التدخل حفاظاً على الوحدة الوطنية».

رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

وفي السياق ذاته، نبَّه الفريق أول شنقريحة، خلال زيارته منشأة عسكرية بجنوب البلاد، يوم الاثنين، على ضرورة «التصدي للحملات المغرضة التي تستهدف الإضرار بصورة الجزائر»، ودعا إلى مواجهة «الاستخدام الخطير للدعاية الهدامة والمضللة، والأخبار الكاذبة، والتلاعب بالمعلومات».

ووصف تلك الوسائل الإعلامية «المضللة» بأنها «أسلحة فتاكة، تُستعمل لتحقيق أهداف سياسية مشبوهة»، حسبما أفاد بيان لوزارة الدفاع.


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

الخليج الأمير محمد بن سلمان يتحدث مع الأمير ويليام خلال جولتهما في الدرعية التاريخية (واس) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام، أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزير أوشلجون أجادي بكاري في الرياض (واس)

وزيرا خارجية السعودية وبنين يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع أوشلجون أجادي بكاري، وزير خارجية بنين، الأربعاء، المستجدات الإقليمية والدولية والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وزير الداخلية الفرنسي يجدد شروطه لزيارة الجزائر

أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الثلاثاء، رغبته في زيارة الجزائر، لكنه ينتظر «بداية» تجاوب من الجزائر مع طلبات باريس الإفراج عن صحافي فرنسي، وكذلك فيما…

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا ملصق الوثائقي الفرنسي الذي فجّر الأزمة الجديدة (الشرق الأوسط)

السفير الفرنسي في الجزائر «شخص غير مرحب به»

وثائقي بثته القناة الفرنسية الثانية عدَّته السلطات الجزائرية «اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة ورموزها، وتجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية المعمول بها».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

تعتزم الجزائر إجراء مراجعة لمشروع قانون «تجريم الاستعمار» المعروض على «مجلس الأمة» في مناورة سياسية تهدف إلى تغليب لغة التهدئة مع فرنسا

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».