بعد الهجوم الدامي على كييف... ترمب يدعو بوتين إلى «التوقف»

إجماع على أن الضغوط الأميركية تتجه لمصلحة روسيا

أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
TT

بعد الهجوم الدامي على كييف... ترمب يدعو بوتين إلى «التوقف»

أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)

عُدَّ الهجوم الروسي الأخير الذي استهدف كييف، صباح الخميس، وأسفر عن مقتل أكثر من 9 أشخاص، وإصابة أكثر من 60 آخرين، أحد أعنف الهجمات التي تتعرض لها العاصمة الأوكرانية منذ أكثر من عام. وعُدَّ الهجوم بأنه قد يكون «ترجمة» ميدانية «لتناغم سياسي» مع الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترمب على أوكرانيا، لإجبارها على قبول المقترح الأميركي الذي قدمه مبعوثه الرئاسي ستيف ويتكوف للتنازل عن أراضٍ لإنهاء الحرب.

رجال الإنقاذ الأوكرانيون بموقع سقوط صاروخ على مبنى سكني في كييف (إ.ب.أ)

غير أن ضخامة الهجوم أجبرت الرئيس الأميركي على توجيه نقد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث قال له: «فلاديمير، توقف». وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» بعدما قال قبل يوم إن رئيس أوكرانيا يعرقل محادثات السلام لإنهاء الحرب في بلاده: «لست سعيداً بالضربات الروسية على كييف، لم تكن ضرورية، وتوقيتها سيئ جداً».

وقطع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رحلته إلى جنوب أفريقيا التي وصلها، الخميس، بسبب الهجوم، وسط سلسلة الهجمات الروسية والخسائر البشرية الكبيرة. وأدت الضربات الليلية على كييف إلى فرار المدنيين بحثاً عن ملاجئ في الأقبية والممرات ومحطات المترو. وهزت الانفجارات المباني، ودوّت أصوات إنذارات السيارات في الخارج، بفعل موجات الصدمة. ومع شروق الشمس، كان عمال الإنقاذ لا يزالون يبحثون بين الأنقاض عن ناجين، حيث أدرك السكان المحليون العدد المرتفع غير المعتاد للقتلى في العاصمة، بينما كان من المعتقد أن تتمكن أنظمة الدفاع الجوي المتطورة من حماية العاصمة بشكل أفضل من المدن الأخرى.

وبينما أظهر هجوم الخميس أهداف روسيا، فإنه في المقابل عزز موقف زيلينسكي القائل بأن كييف لن تناقش أي تنازلات دون وقف إطلاق نار كامل. وكتبت النائبة إينا سوفسون على موقع «إكس» أثناء الهجوم: «لم تسمع كييف إرهاباً بهذا القدر منذ فترة طويلة». «ووسط كل هذا، يقول ترمب إن روسيا مستعدة للسلام؟ لا يوجد شيء سريالي مثل سماع وعود السلام أثناء الاختباء من الصواريخ الباليستية».

ترمب يهاجم زيلينسكي

وقال الرئيس ترمب، الأربعاء، إنه بينما كانت روسيا مستعدة للتوصل إلى اتفاق، فإن الرئيس زيلينسكي أثبت أنه صعب المراس. وقال للصحافيين من المكتب البيضاوي: «أعتقد أن روسيا مستعدة. أعتقد أن لدينا اتفاقاً مع روسيا، وعلينا التوصل إلى اتفاق مع زيلينسكي. ظننتُ أن التعامل مع زيلينسكي سيكون أسهل، لكن الأمر أصبح أصعب».

وبينما تُصرّ أوكرانيا على وقف إطلاق نار شامل للتفاوض مع روسيا، انسحب المسؤولون الأميركيون الذين كانوا يأملون في حل سريع من محادثات لندن. وأصرّ ترمب ونائبه جي دي فانس، يوم الأربعاء، على ضرورة تقديم أوكرانيا تنازلات لضمان السلام، ما دفع الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى الردّ، ومطالبة روسيا بقبول وقف إطلاق نار شامل قبل المفاوضات.

واتهم ترمب زيلينسكي بـ«التعالي» بعد قوله في اليوم السابق بأن كييف لن تعترف أبداً بشبه جزيرة القرم أرضاً روسية. وكتب ترمب على موقع «تروث سوشيال»: «إما أن يحصل على السلام، وإما أن يقاتل 3 سنوات أخرى قبل أن يخسر البلاد بأكملها... نحن قريبون جداً من التوصل إلى اتفاق، لكن على الرجل الذي لا يملك أوراق لعب أن يُنجزه الآن، أخيراً».

فرق إنقاذ أوكرانية تعمل في موقع هجوم صاروخي روسي في كييف (أ.ف.ب)

وجاء منشور ترمب بعد تحذير فانس من أن البيت الأبيض قد ينسحب من اتفاق السلام الخاص به إذا لم يتم إحراز تقدم قريباً. وردّ زيلينسكي بأنّ هناك «مشاعرَ كثيرة» طوال اليوم، لكنّه قال إنّ أوكرانيا ممتنّةٌ لشركائها. وأضاف أنّه يأمل أن تمتثل الولايات المتحدة لقراراتها السابقة، مُشاركاً رابطاً للإعلان الذي أصدرته إدارة ترمب الأولى والذي رفض الاعتراف بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم. ووصف إعلان عام 2018، الذي أصدره وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو، شبه جزيرة القرم بأنّها «أرضٌ مُستَولًى عليها بالقوة في انتهاكٍ للقانون الدولي».

مسار منفصل للعلاقة مع روسيا

حاولت أوكرانيا طيلة الأشهر الماضية إظهار التزامها بمخرجات المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، وأعلنت استعدادها لقبول وقف إطلاق النار إذا وافقت روسيا على ذلك. كما حاولت إصلاح الخلاف الذي اندلع في البيت الأبيض بين زيلينسكي وترمب، على خلفية المفاوضات لاستغلال معادنها. ومع ذلك، لم يقم ترمب بمعاقبة موسكو، بل كافأها، وأعفى روسيا من الرسوم الجمركية المتبادلة. وفي الأسبوع الماضي، صوّتت الولايات المتحدة مع روسيا على قرارٍ للأمم المتحدة بشأن الحرب.

صورة أرشيفية للرئيسين ترمب وبوتين خلال «قمة العشرين» باليابان في يونيو 2019 (أ.ب)

وأظهرت الأحداث والمواقف الأخيرة إجماع على أن المقترح الأميركي يتجه لمصلحة روسيا على حساب أوكرانيا، في ظل ما يشاع بخصوص أن مسار رفع العقوبات الأميركية عن روسيا وترميم العلاقات معها ربما يكون منفصلاً عن مفاوضات السلام، عبر التلويح بوقف «الوساطة» الأميركية.

وأفادت صحيفة «بوليتيكو» بأن المبعوث الخاص ويتكوف كان المؤيد الرئيسي لرفع العقوبات، ووجّه فريقه لإعداد قائمة بجميع عقوبات الطاقة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا في إطار هذا الجهد. وأضافت أن الفكرة لم تجد حتى الآن زخماً كبيراً في البيت الأبيض، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو حاول عرقلتها، كما يعارضها وزير الداخلية دوغ بورغوم، الذي يرأس أيضاً مجلس هيمنة الطاقة في البيت الأبيض. وقالت إن البعض في الحكومة الأميركية يعتقدون أن روسيا قد ضللت ويتكوف بشأن مدى الفرصة الاقتصادية للولايات المتحدة في استعادة العلاقات التجارية مع روسيا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

وفي بيان مشترك صادر عن البيت الأبيض، نفى روبيو وويتكوف حصول أي مناقشات حول تخفيف العقوبات. وجاء في بيانهما: «هذا غير صحيح. لم يُجرِ أيٌّ منا أي محادثات حول رفع العقوبات عن روسيا بوصفه جزءاً من اتفاق سلام مع أوكرانيا».

وهو ما طرح تساؤلات عمّا يريد ترمب تحقيقه

يقول مايكل روبين، كبير الباحثين في الشأن الروسي في معهد «أميركان إنتربرايز»: «إن الرئيس ترمب واضح فهو يريد السلام وإنهاء الصراع، ويريد أن تصمت المدافع». وأضاف روبين لـ«الشرق الأوسط»: «لكن خطأه يكمن في عدم إدراكه أن كيفية انتهاء الصراع مسألة مهمة. فإذا كوفئ التعدي مرة واحدة، فسيرى الطغاة حول العالم الضوء الأخضر للاستيلاء على أراضيهم. وأضاف: «يقول البعض إننا عدنا إلى تفكير ما قبل 11 سبتمبر (أيلول) 2001. إنهم مخطئون. نحن نعيش في عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، والخطر الذي نواجهه لم نعد ندركه».

بيد أن محللين آخرين قالوا إن لترمب هدفين رئيسيين فيما يتعلق بأوكرانيا. أولاً، يريد «تطبيع العلاقات مع روسيا»، وأنه عبر إعادة كتابة تاريخ غزو موسكو غير الشرعي، أو إسقاط التحقيقات في جرائم الحرب الروسية، أو رفض تقديم ضمانات أمنية تمنع بوتين من تحقيق أهدافه في أوكرانيا، فإنه مستعد لعقد هذه الصفقة». ويريد، ثانياً، إجبار الدول الأوروبية على معالجة مشكلات القارة، وليس الولايات المتحدة. ومع انتقاده حلفاء «الناتو» بسبب عدم إنفاقهم العسكري الكافي، واستغلالهم، في رأيه، الضمانات الأمنية الأميركية مجاناً، وإشارته إلى أنه لن يدعم أوكرانيا أو «الناتو»، يُخبر ترمب أوروبا بأن عليها مواجهة روسيا وحدها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً للجنة العسكرية الصناعية في الكرملين (إ.ب.أ)

وفي كلا الهدفين، يمكن لترمب أن يدّعي تحقيق بعض النجاحات؛ فقد ناقشت الولايات المتحدة وروسيا إعادة موظفي السفارتين. كما أشارت روسيا وأوكرانيا، لأول مرة، إلى انفتاحهما على محادثات سلام مباشرة. كما وعد القادة الأوروبيون بإنفاق المزيد على جيوشهم وأسلحتهم، بما في ذلك لأوكرانيا.

ومع ذلك، لا تزال هذه النجاحات محدودة؛ فالحرب في أوكرانيا مستمرة، ولا تزال علاقات أميركا مع روسيا متوترة، حتى إن الشركات الأميركية تُشكك في العودة إلى موسكو. وربما لا يكون استقلال أوروبا أكثر فائدة لأميركا، ويمكنها استخدام استقلالها للتقرب من الصين في ظل تبعات الحرب التجارية التي شنتها الإدارة الأميركية ورسومها الجمركية.


مقالات ذات صلة

روسيا: مقتل 5 أشخاص في هجمات أوكرانية... والقرم توقف بيع الوقود للجمهور

أوروبا طابور من السيارات بمحطة وقود في سيمفيروبول بشبه جزيرة القرم يوم الجمعة 12 يونيو 2026 (أ.ب)

روسيا: مقتل 5 أشخاص في هجمات أوكرانية... والقرم توقف بيع الوقود للجمهور

قال حاكم عيّنته روسيا إن 4 أشخاص لقوا حتفهم وأصيب 28 آخرون في هجوم أوكراني بطائرات مسيّرة على شبه جزيرة القرم الخاضعة لسيطرة موسكو...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي يحث بيلاروسيا مجدداً على تفكيك محطات وسيطة

حث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لليوم الثاني على التوالي السلطات في روسيا البيضاء على تفكيك محطات وسيطة قال إنها تلعب دورا في شن هجمات الطائرات المسيرة .

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)

زيلينسكي يؤكد شن هجوم بمسيّرات على منشآت تكرير في روسيا

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم (السبت) إن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مصفاة نفط ​في منطقة تيومين الروسية في غرب سيبيريا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من اجتماع بالبرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (إ.ب.أ) p-circle

خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات

خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات، وقالت وارسو إنها تتحمل مخاطر حدودها مع أوكرانيا أكثر من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أرشيفية لجندي بريطاني يمر أمام صاروخ «ستورم شادو» في معرض فارنبورو للطيران بلندن (أ.ف.ب)

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

اختبرت بريطانيا أسلحة هجومية جديدة بعيدة المدى تأمل الحكومة أن يتم تسليمها إلى أوكرانيا في غضون شهور في إطار الجهود المبذولة لإنتاج ذخائر أسرع وأرخص من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
TT

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)

قالت الشرطة إن ما لا يقل عن 12 شخصاً من بين حشد كان متجمعاً في أحد شوارع شيكاغو أصيبوا بطلقات نارية بعد أن توقفت سيارة دفع رباعي، وبدأ شخصان داخلها إطلاق النار.

وأضافت الشرطة في بيان أن السيارة غادرت حي ساوث سايد، تاركة شخصين، كلاهما من الذكور، في حالة حرجة عقب إطلاق النار الذي وقع في وقت متأخر من مساء الجمعة.

وأصيب أحدهما بطلق ناري في الفخذ.

وتراوحت أعمار المصابين، وهم 8 رجال و4 نساء، بين 17 و47 عاماً، وكانوا يتلقون العلاج في 4 مستشفيات.

عناصر من الشرطة الأميركية (أ.ب)

وقالت الشرطة إن رجلاً آخر تعرض لإصابات غير معروفة، لكنه رفض تلقي العلاج الطبي.

واستجابت الشرطة في البداية لبلاغ يفيد بإصابة شخص واحد بالرصاص، وعثرت على امرأة مصابة بطلقين ناريين في ظهرها، ورجل مصاب بأربع إصابات سطحية (خدوش ناتجة عن الرصاص) في ظهره، وأدرجت حالة كليهما على أنها مستقرة.

ويواصل المحققون التحقيق في الحادث.


80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
TT

80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)

تعود تكلفة الحرب الأميركية ضد إيران إلى صدارة المشهد في واشنطن، في لحظة تزداد فيها الضبابية المحيطة بمستقبل مذكرة التفاهم الأولية التي وقّعها الرئيس دونالد ترمب مع طهران. فبينما يفترض أن تفتح المذكرة مهلة للتفاوض على اتفاق نهائي، أعاد تعثر محادثات المتابعة والتوتر في لبنان الشكوك في متانة التهدئة.

وفي الداخل الأميركي، تستعد الإدارة لاختبار مختلف: إقناع الكونغرس بتوفير عشرات المليارات لتغطية حرب لم يمنحها المشرعون تفويضاً صريحاً، وسبق أن عبّروا عن رغبتهم في تقييد استمرارها.

تعويض ما استُنزف

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة أن نائب وزير الحرب ستيفن فاينبرغ أبلغ مشرعين، في اتصالات هاتفية، هذا الأسبوع، بأن «البنتاغون» يحتاج إلى نحو 80 مليار دولار لتغطية تكاليف حرب إيران، إلى جانب نفقات أخرى غير مرتبطة مباشرة بالنزاع.

ولا يعني الرقم بالضرورة أن الوزارة تُخطّط لإنفاق 80 مليار دولار جديدة بالكامل على العمليات الإيرانية؛ فجزء من المبلغ سيستخدم لتعويض أموال سحبها البنتاغون بالفعل من بنود أخرى في موازنته، بعدما اضطر إلى تمويل العمليات البحرية ورواتب الأفراد واستهلاك الذخائر وانتشار القوات على الحدود الجنوبية من مخصصات كانت مرصودة للتدريب والجاهزية وبرامج أخرى.

وبحسب الصحيفة، حذّر قادة عسكريون من أن بعض أفرع القوات المسلحة قد تواجه نقصاً في أموال التشغيل خلال الصيف، ما قد يفرض تقليص التدريبات وأولويات عسكرية أخرى. ويُتوقع أن يكون تمويل «البنتاغون» جزءاً من حزمة تكميلية أوسع، قد تشمل أيضاً مساعدات للمزارعين وأموالاً للإغاثة من الكوارث، في محاولة لتوسيع قاعدة المؤيدين لها في الكونغرس.

وقالت «رويترز» إنها لم تتمكن فوراً من التحقق بصورة مستقلة من تقرير الصحيفة، بينما لم يصدر تعليق من البيت الأبيض أو «البنتاغون». وكان مسؤول عسكري قد قدر في أبريل (نيسان) تكلفة الحرب بنحو 25 مليار دولار، قبل أن يرتفع التقدير إلى 29 ملياراً في منتصف مايو (أيار)، لكن ذلك لا يشمل بالضرورة كامل تكلفة إعادة ملء مخازن الصواريخ والذخائر أو تعويض الأضرار، ورفع الجاهزية لمواجهة تهديدات أخرى.

خلاف مالي يخفي نزاعاً دستورياً

لن تدور المعركة المقبلة حول المبلغ الذي تطالب به الإدارة فقط، بل حول سلطة الرئيس في خوض الحرب من دون موافقة الكونغرس؛ فقد وافق مجلس النواب في مطلع يونيو (حزيران)، على قرار يستهدف وقف العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما انضم 4 جمهوريين إلى الديمقراطيين في تحدٍّ نادر لترمب.

ولذلك، قد يجد البيت الأبيض نفسه أمام مشرعين يقولون إن التصويت على المال لا يمكن فصله عن التصويت على الحرب نفسها. وأعلن بعض أعضاء الكونغرس أنهم لن يؤيدوا تمويلاً إضافياً ما لم يطلب الرئيس تفويضاً رسمياً للعمليات، كما حدث قبل حرب الخليج وحربي العراق وأفغانستان.

وتزداد صعوبة المسار في مجلس الشيوخ، حيث تحتاج معظم التشريعات إلى 60 صوتاً لتجاوز العقبات الإجرائية؛ ما يفرض على الجمهوريين استمالة بعض الديمقراطيين.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إنه يستبعد حصد 60 صوتاً لتمرير تمويل تكميلي، متهماً الإدارة بعدم إبقاء الكونغرس على اطلاع.

ويعيد الرقم الجديد إلى الأذهان المعارضة التي واجهت طلباً أولياً تجاوز 200 مليار دولار في مارس (آذار). وربما يكون خفضه إلى 80 ملياراً محاولة لجعله أكثر قبولاً، لكنه لا يجيب عن سؤال المشرعين الأساسي: ما التكلفة النهائية للحرب، وما الذي ستحققه هذه الأموال عسكرياً وسياسياً؟

اتفاق هشّ لا يلغي فاتورة الحرب

يزيد توقيت الطلب حساسيته؛ لأن مذكرة التفاهم مع إيران لم تتحول بعد إلى تسوية دائمة؛ فهي تفتح نافذة مدتها 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، لكن إلغاء محادثات متابعة كانت مقررة في سويسرا، وربط طهران بعض خطواتها بتطورات الجبهة اللبنانية، أعادا الشكوك إلى مستقبلها، وفق ما نقلته «رويترز».

ويطلب البيت الأبيض من الكونغرس دفع فاتورة حرب ربما تكون قد توقفت مؤقتاً من دون ضمان أنها انتهت نهائياً. فإذا انهارت المفاوضات، قد يتحول مبلغ 80 مليار دولار إلى دفعة أولى لجولة جديدة. أما إذا صمد الاتفاق، فسيتعين على الإدارة تفسير الحاجة إلى هذا الحجم من التمويل بعد إعلان ترمب أن حملته حققت أهدافها.

وتأتي المواجهة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط قلق الناخبين من تكاليف المعيشة والطاقة. وأظهر استطلاع لـ«رويترز/إبسوس» في أبريل أن 34 في المائة فقط من الأميركيين يؤيدون الحرب؛ ولذلك سيحاول الديمقراطيون ربط التمويل الإضافي بارتفاع الأسعار، بينما سيجادل الجمهوريون بأن رفضه يهدد جاهزية الجيش، ويترك مخازن الأسلحة مستنزفة.


«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

أثارت مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران عاصفة سياسية في واشنطن، وولّدت موجة من ردود الفعل المتداخلة بين الديمقراطيين والجمهوريين. فبينما يأمل البعض من حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تمهّد هذه المذكرة الطريق لخفض الأسعار وتجنب مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، يُحذّر آخرون من تنازلات قد تمنح طهران مليارات الدولارات وتخفف عنها العقوبات.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، طبيعة الأصول الإيرانية التي تنوي واشنطن الإفراج عنها وحدود رفع العقوبات، بالإضافة إلى تفاصيل الانقسامات داخل فريق الرئيس حول هذا الملف.

تنازلات لصالح إيران؟

تعتبر مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي، أن المذكرة تبدو أقرب إلى خدمة المصالح الإيرانية منها إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة. وتشير إلى أن الفقرة الأولى من المذكرة تتضمن إشارات متكررة إلى لبنان، معتبرة أن واشنطن تفاوضت عملياً على ملفات تمس مصالح إسرائيل ولبنان من دون وجودهما على طاولة المفاوضات، في وقت قد تستفيد فيه إيران من الاتفاق لتعزيز نفوذ حلفائها، وفي مقدمتهم «حزب الله». وتضيف رودمان أن ما يُثير القلق بشكل خاص هو أن إيران ستحصل، وفق نص المذكرة، على مكاسب اقتصادية كبيرة منذ بداية التنفيذ، عبر تسهيلات لصادرات النفط ورفع بعض العقوبات، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة التفاوض المحددة بستين يوماً.

من جهتها، تشير إليزابيث هاغدورن، مراسلة الشؤون الدبلوماسية في «المونيتور»، إلى أن الاتفاق يتعرّض لانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء، وخاصة أن إدارة ترمب كانت قد برّرت انسحابها من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووكلاء طهران في المنطقة... إلا أن هذه القضايا غابت أيضاً عن مذكرة التفاهم الجديدة، كما أن التعهّد الإيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي لا يمثل تنازلاً جديداً من جانب طهران؛ إذ إن «إيران تعلن ذلك منذ عقود»، على حد تعبيرها.

أما كيفين بيشوب، وهو مدير الاتصالات السابق للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فيتحدث عن تشكيك الجمهوريين الكبير في المذكرة؛ نظراً لعدم ثقتهم في النظام الإيراني. ويعزو سرعة التوصل للمذكرة إلى الوضع الاقتصادي، عادّاً أن «الرئيس ترمب كان واضحاً بأن القلق الأكبر هو الأثر الاقتصادي الداخلي هنا في الولايات المتحدة، وفي العالم»، خاصة في ظل موسم انتخابي سيحسم الأغلبية في الكونغرس.

دور الكونغرس

وتحتل الجوانب المالية موقعاً محورياً في الانتقادات الموجهة للاتفاق. فالتعويضات الاقتصادية المنصوص عليها في المذكرة تتجاوز ما حصلت عليه إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. وإلى جانب استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات، تلمّح المذكرة إلى الإفراج عن أصول وأموال إيرانية مجمّدة في الخارج تُقدّر بأكثر من 25 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات ضخمة مرتبطة بصندوق إعادة الإعمار تصل إلى 300 مليار دولار.

ويُحذّر عدد من الجمهوريين من أن أي موارد مالية إضافية قد تُمكّن إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين. وتقول رودمان إن النظام الإيراني بكل تأكيد سوف يستخدم جزءاً من هذه الأموال ليعيد بناء ما تمّ هدمه خلال الحرب. كما تطرقت رودمان إلى ملف رفع العقوبات، مشيرة إلى أن إدارة ترمب لا يمكنها أن ترفع العقوبات أحادياً. لكنها استدركت: «لا تبدو الإدارة قلقة بشأن تطبيق القوانين. القانون يقول إنه لا يجب أن يكون هناك قدرة أحادية برفع العقوبات من دون العودة للكونغرس، ولكن ذلك لم يردع الرئيس ترمب في الماضي». وتطرح هاغدورن مسألة الجدل حول دور الكونغرس في التصويت على أي اتفاق مع إيران، وتتساءل: «نظراً للبيئة السياسية الحالية، هل يحشد الكونغرس أصواتاً كافية لعرقلة الاتفاق؟». ولفتت هاغدورن إلى صعوبة التوصل إلى الاتفاق، وذكّرت بأن «(خطة العمل المشتركة الشاملة) في عهد أوباما احتاجت إلى نحو عامين للتفاوض عليها. نحن نتحدث هنا عن مهلة شهرين فقط، ومن الصعب التوصل إلى اتفاق في هذه الفترة الزمنية القصيرة».

وعن رفع العقوبات، يشير بيشوب إلى أن بعضها فرضه الكونغرس على إيران، في حين فرض البيت الأبيض بعضها الآخر. ويُشكّك بيشوب في أن يُقدم الجمهوريون على تحدّي ترمب في موسم انتخابي يحتاجون خلاله إلى دعمه، مضيفاً: «قد يعارضه من خسر في الانتخابات التمهيدية في انتظار نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن من يريد الحفاظ على مقعده في الانتخابات النصفية سيصمت، ولن يبدي أي رأي معارض لاتفاق إيران بسبب الحسابات السياسية».

عاجل مونديال 2026: الرأس الأخضر تصمد أمام الأوروغواي وتنتزع نقطتها الثانية