بعد الهجوم الدامي على كييف... ترمب يدعو بوتين إلى «التوقف»

إجماع على أن الضغوط الأميركية تتجه لمصلحة روسيا

أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
TT

بعد الهجوم الدامي على كييف... ترمب يدعو بوتين إلى «التوقف»

أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)
أم تحتضن ابنها في قبو مدرسة يُستخدم ملجأً بعد غارة جوية روسية على حي سكني في كييف (أ.ب)

عُدَّ الهجوم الروسي الأخير الذي استهدف كييف، صباح الخميس، وأسفر عن مقتل أكثر من 9 أشخاص، وإصابة أكثر من 60 آخرين، أحد أعنف الهجمات التي تتعرض لها العاصمة الأوكرانية منذ أكثر من عام. وعُدَّ الهجوم بأنه قد يكون «ترجمة» ميدانية «لتناغم سياسي» مع الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترمب على أوكرانيا، لإجبارها على قبول المقترح الأميركي الذي قدمه مبعوثه الرئاسي ستيف ويتكوف للتنازل عن أراضٍ لإنهاء الحرب.

رجال الإنقاذ الأوكرانيون بموقع سقوط صاروخ على مبنى سكني في كييف (إ.ب.أ)

غير أن ضخامة الهجوم أجبرت الرئيس الأميركي على توجيه نقد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث قال له: «فلاديمير، توقف». وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» بعدما قال قبل يوم إن رئيس أوكرانيا يعرقل محادثات السلام لإنهاء الحرب في بلاده: «لست سعيداً بالضربات الروسية على كييف، لم تكن ضرورية، وتوقيتها سيئ جداً».

وقطع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رحلته إلى جنوب أفريقيا التي وصلها، الخميس، بسبب الهجوم، وسط سلسلة الهجمات الروسية والخسائر البشرية الكبيرة. وأدت الضربات الليلية على كييف إلى فرار المدنيين بحثاً عن ملاجئ في الأقبية والممرات ومحطات المترو. وهزت الانفجارات المباني، ودوّت أصوات إنذارات السيارات في الخارج، بفعل موجات الصدمة. ومع شروق الشمس، كان عمال الإنقاذ لا يزالون يبحثون بين الأنقاض عن ناجين، حيث أدرك السكان المحليون العدد المرتفع غير المعتاد للقتلى في العاصمة، بينما كان من المعتقد أن تتمكن أنظمة الدفاع الجوي المتطورة من حماية العاصمة بشكل أفضل من المدن الأخرى.

وبينما أظهر هجوم الخميس أهداف روسيا، فإنه في المقابل عزز موقف زيلينسكي القائل بأن كييف لن تناقش أي تنازلات دون وقف إطلاق نار كامل. وكتبت النائبة إينا سوفسون على موقع «إكس» أثناء الهجوم: «لم تسمع كييف إرهاباً بهذا القدر منذ فترة طويلة». «ووسط كل هذا، يقول ترمب إن روسيا مستعدة للسلام؟ لا يوجد شيء سريالي مثل سماع وعود السلام أثناء الاختباء من الصواريخ الباليستية».

ترمب يهاجم زيلينسكي

وقال الرئيس ترمب، الأربعاء، إنه بينما كانت روسيا مستعدة للتوصل إلى اتفاق، فإن الرئيس زيلينسكي أثبت أنه صعب المراس. وقال للصحافيين من المكتب البيضاوي: «أعتقد أن روسيا مستعدة. أعتقد أن لدينا اتفاقاً مع روسيا، وعلينا التوصل إلى اتفاق مع زيلينسكي. ظننتُ أن التعامل مع زيلينسكي سيكون أسهل، لكن الأمر أصبح أصعب».

وبينما تُصرّ أوكرانيا على وقف إطلاق نار شامل للتفاوض مع روسيا، انسحب المسؤولون الأميركيون الذين كانوا يأملون في حل سريع من محادثات لندن. وأصرّ ترمب ونائبه جي دي فانس، يوم الأربعاء، على ضرورة تقديم أوكرانيا تنازلات لضمان السلام، ما دفع الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى الردّ، ومطالبة روسيا بقبول وقف إطلاق نار شامل قبل المفاوضات.

واتهم ترمب زيلينسكي بـ«التعالي» بعد قوله في اليوم السابق بأن كييف لن تعترف أبداً بشبه جزيرة القرم أرضاً روسية. وكتب ترمب على موقع «تروث سوشيال»: «إما أن يحصل على السلام، وإما أن يقاتل 3 سنوات أخرى قبل أن يخسر البلاد بأكملها... نحن قريبون جداً من التوصل إلى اتفاق، لكن على الرجل الذي لا يملك أوراق لعب أن يُنجزه الآن، أخيراً».

فرق إنقاذ أوكرانية تعمل في موقع هجوم صاروخي روسي في كييف (أ.ف.ب)

وجاء منشور ترمب بعد تحذير فانس من أن البيت الأبيض قد ينسحب من اتفاق السلام الخاص به إذا لم يتم إحراز تقدم قريباً. وردّ زيلينسكي بأنّ هناك «مشاعرَ كثيرة» طوال اليوم، لكنّه قال إنّ أوكرانيا ممتنّةٌ لشركائها. وأضاف أنّه يأمل أن تمتثل الولايات المتحدة لقراراتها السابقة، مُشاركاً رابطاً للإعلان الذي أصدرته إدارة ترمب الأولى والذي رفض الاعتراف بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم. ووصف إعلان عام 2018، الذي أصدره وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو، شبه جزيرة القرم بأنّها «أرضٌ مُستَولًى عليها بالقوة في انتهاكٍ للقانون الدولي».

مسار منفصل للعلاقة مع روسيا

حاولت أوكرانيا طيلة الأشهر الماضية إظهار التزامها بمخرجات المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، وأعلنت استعدادها لقبول وقف إطلاق النار إذا وافقت روسيا على ذلك. كما حاولت إصلاح الخلاف الذي اندلع في البيت الأبيض بين زيلينسكي وترمب، على خلفية المفاوضات لاستغلال معادنها. ومع ذلك، لم يقم ترمب بمعاقبة موسكو، بل كافأها، وأعفى روسيا من الرسوم الجمركية المتبادلة. وفي الأسبوع الماضي، صوّتت الولايات المتحدة مع روسيا على قرارٍ للأمم المتحدة بشأن الحرب.

صورة أرشيفية للرئيسين ترمب وبوتين خلال «قمة العشرين» باليابان في يونيو 2019 (أ.ب)

وأظهرت الأحداث والمواقف الأخيرة إجماع على أن المقترح الأميركي يتجه لمصلحة روسيا على حساب أوكرانيا، في ظل ما يشاع بخصوص أن مسار رفع العقوبات الأميركية عن روسيا وترميم العلاقات معها ربما يكون منفصلاً عن مفاوضات السلام، عبر التلويح بوقف «الوساطة» الأميركية.

وأفادت صحيفة «بوليتيكو» بأن المبعوث الخاص ويتكوف كان المؤيد الرئيسي لرفع العقوبات، ووجّه فريقه لإعداد قائمة بجميع عقوبات الطاقة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا في إطار هذا الجهد. وأضافت أن الفكرة لم تجد حتى الآن زخماً كبيراً في البيت الأبيض، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو حاول عرقلتها، كما يعارضها وزير الداخلية دوغ بورغوم، الذي يرأس أيضاً مجلس هيمنة الطاقة في البيت الأبيض. وقالت إن البعض في الحكومة الأميركية يعتقدون أن روسيا قد ضللت ويتكوف بشأن مدى الفرصة الاقتصادية للولايات المتحدة في استعادة العلاقات التجارية مع روسيا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

وفي بيان مشترك صادر عن البيت الأبيض، نفى روبيو وويتكوف حصول أي مناقشات حول تخفيف العقوبات. وجاء في بيانهما: «هذا غير صحيح. لم يُجرِ أيٌّ منا أي محادثات حول رفع العقوبات عن روسيا بوصفه جزءاً من اتفاق سلام مع أوكرانيا».

وهو ما طرح تساؤلات عمّا يريد ترمب تحقيقه

يقول مايكل روبين، كبير الباحثين في الشأن الروسي في معهد «أميركان إنتربرايز»: «إن الرئيس ترمب واضح فهو يريد السلام وإنهاء الصراع، ويريد أن تصمت المدافع». وأضاف روبين لـ«الشرق الأوسط»: «لكن خطأه يكمن في عدم إدراكه أن كيفية انتهاء الصراع مسألة مهمة. فإذا كوفئ التعدي مرة واحدة، فسيرى الطغاة حول العالم الضوء الأخضر للاستيلاء على أراضيهم. وأضاف: «يقول البعض إننا عدنا إلى تفكير ما قبل 11 سبتمبر (أيلول) 2001. إنهم مخطئون. نحن نعيش في عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، والخطر الذي نواجهه لم نعد ندركه».

بيد أن محللين آخرين قالوا إن لترمب هدفين رئيسيين فيما يتعلق بأوكرانيا. أولاً، يريد «تطبيع العلاقات مع روسيا»، وأنه عبر إعادة كتابة تاريخ غزو موسكو غير الشرعي، أو إسقاط التحقيقات في جرائم الحرب الروسية، أو رفض تقديم ضمانات أمنية تمنع بوتين من تحقيق أهدافه في أوكرانيا، فإنه مستعد لعقد هذه الصفقة». ويريد، ثانياً، إجبار الدول الأوروبية على معالجة مشكلات القارة، وليس الولايات المتحدة. ومع انتقاده حلفاء «الناتو» بسبب عدم إنفاقهم العسكري الكافي، واستغلالهم، في رأيه، الضمانات الأمنية الأميركية مجاناً، وإشارته إلى أنه لن يدعم أوكرانيا أو «الناتو»، يُخبر ترمب أوروبا بأن عليها مواجهة روسيا وحدها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً للجنة العسكرية الصناعية في الكرملين (إ.ب.أ)

وفي كلا الهدفين، يمكن لترمب أن يدّعي تحقيق بعض النجاحات؛ فقد ناقشت الولايات المتحدة وروسيا إعادة موظفي السفارتين. كما أشارت روسيا وأوكرانيا، لأول مرة، إلى انفتاحهما على محادثات سلام مباشرة. كما وعد القادة الأوروبيون بإنفاق المزيد على جيوشهم وأسلحتهم، بما في ذلك لأوكرانيا.

ومع ذلك، لا تزال هذه النجاحات محدودة؛ فالحرب في أوكرانيا مستمرة، ولا تزال علاقات أميركا مع روسيا متوترة، حتى إن الشركات الأميركية تُشكك في العودة إلى موسكو. وربما لا يكون استقلال أوروبا أكثر فائدة لأميركا، ويمكنها استخدام استقلالها للتقرب من الصين في ظل تبعات الحرب التجارية التي شنتها الإدارة الأميركية ورسومها الجمركية.


مقالات ذات صلة

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)

روسيا تعلن انقطاع خط الكهرباء المؤدي إلى محطة زابوريجيا النووية نتيجة هجوم أوكراني

أعلنت الإدارة الروسية لمحطة زابوريجيا النووية، الثلاثاء، أن أحد خطي الكهرباء الخارجيين اللذين يزوّدان المحطة انقطع نتيجة لهجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا صورة مدمجة تظهر الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

روسيا تعلن استعدادها لاستئناف الحوار مع فرنسا على المستوى الرئاسي

أعلنت روسيا أنها مستعدة لاستئناف الحوار مع فرنسا على المستوى الرئاسي، بينما أعرب الرئيس الفرنسي عن اعتقاده أن على أوروبا استئناف الحوار مباشرة مع الرئيس الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

عقوبات أميركية على «ذهب» حزب الله

أحد مؤيدي «حزب الله» يلبس قناعاً وهو يحمل علم الحزب خلال احتجاج نظّمه الحزب تحت شعار «البلاد كلها مقاومة» أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في بيروت 4 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
أحد مؤيدي «حزب الله» يلبس قناعاً وهو يحمل علم الحزب خلال احتجاج نظّمه الحزب تحت شعار «البلاد كلها مقاومة» أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في بيروت 4 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

عقوبات أميركية على «ذهب» حزب الله

أحد مؤيدي «حزب الله» يلبس قناعاً وهو يحمل علم الحزب خلال احتجاج نظّمه الحزب تحت شعار «البلاد كلها مقاومة» أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في بيروت 4 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
أحد مؤيدي «حزب الله» يلبس قناعاً وهو يحمل علم الحزب خلال احتجاج نظّمه الحزب تحت شعار «البلاد كلها مقاومة» أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في بيروت 4 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

في توقيت يثير كثيراً من التساؤلات، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، فرض عقوبات جديدة على جهات مرتبطة بـ«حزب الله» اللبناني، بما في ذلك شركات وأفراد، قالت إنهم «يساهمون في توليد الإيرادات للحزب، عبر استغلال الاقتصاد النقدي في لبنان والتعاون مع النظام الإيراني».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ب)

وقال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، مقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله»، وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب. كما استهدفت الإجراءات شبكة دولية للمشتريات وشحن السلع، يديرها ممولون تابعون لـ«حزب الله» يعملون في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك إيران.

ووفقاً لوزارة الخزانة، تعمل مؤسسة «القرض الحسن» تحت غطاء ترخيص منظمة غير حكومية، صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، لكنها تقدم خدمات مالية شبيهة بالخدمات المصرفية، تتجاوز ما هو مُفصح عنه في وثائق تسجيلها. وقال بيان الخزانة الأميركية إن «حزب الله» بعد أن واجه صعوبات تمويلية في أوائل عام 2025، استخدم مؤسسة «القرض الحسن» لإنشاء سلسلة من شركات تجارة الذهب لضمان استمرار تدفق السيولة النقدية

شركاء في روسيا وتركيا

وتستهدف العقوبات أيضاً شبكة لتوليد الإيرادات مرتبطة بعلي قصير، العضو في الفريق المالي لـ«حزب الله» في إيران، المدرج على قائمة العقوبات الأميركية. وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الشبكة تضم شركاء في روسيا وتركيا وسوريا وإيران، وتشمل مخططات لشراء أسلحة وبيع سلع وشحن أسمدة، باستخدام وثائق مزورة للتحايل على العقوبات. وقد تم إدراج عدة شركات وسفن وأفراد على قوائم العقوبات لتقديمهم مساعدات مادية لـ«حزب الله»، بما في ذلك شركات شحن وسفن بضائع استُخدمت في هذه المعاملات.

وحذّرت وزارة الخزانة من أن انتهاكات العقوبات الأميركية قد تُؤدي إلى عقوبات مدنية أو جنائية، وأن المؤسسات المالية الأجنبية قد تواجه عقوبات ثانوية، لتسهيلها معاملات كبيرة نيابةً عن أشخاص مدرجين على قوائم العقوبات.

وصرّح وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في بيان: «(حزب الله) يُشكل تهديداً للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وستعمل وزارة الخزانة على عزل هؤلاء الإرهابيين عن النظام المالي العالمي، لمنح لبنان فرصة للعيش بسلام وازدهار من جديد».

أحد مؤيدي «حزب الله» يلبس قناعاً وهو يحمل علم الحزب خلال احتجاج نظّمه الحزب تحت شعار «البلاد كلها مقاومة» أمام مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في بيروت 4 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

ومنذ بداية العام الحالي، فرضت وزارة الخزانة عدة جولات من العقوبات ضد الكيانات المرتبطة بـ«حزب الله» وضد النظام الإيراني وتجارة النفط. وتؤمن إدارة الرئيس ترمب أن هذه العقوبات قد تعزز الضغط الاقتصادي على لبنان، الذي يعاني أزمة مالية، وتزيد من عزل «حزب الله» دولياً. ومع ذلك، يحذر المحللون من أن فرض مزيد من العقوبات والضغوط السياسية قد يؤدي إلى تصعيد من «حزب الله»، خاصة مع تصريحات قاسم بأن «المقاومة مضمونة دستورياً»، ورفض نزع السلاح.

سياسة ترمب في ممارسة الضغط

من جانبه، قال تومي بيغوت، نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية، إن «حزب الله» يواصل استغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان، والتحايل على العقوبات، مشدداً على أن فرض الإجراءات العقابية يعكس سياسة الرئيس ترمب في ممارسة أقصى الضغوط على النظام الإيراني ووكلائه الإرهابيين، مثل «حزب الله».

وشدّد المتحدث باسم الخارجية الأميركية على التزام الولايات المتحدة بدعم الدولة اللبنانية وشعبها من خلال كشف وتعطيل التمويل السري، الذي يقدمه النظام الإيراني لـ«حزب الله». وقال: «إيران من خلال تمويل (حزب الله)، تعمل على تقويض سيادة لبنان وقدرة الحكومة اللبنانية على وضع البلاد على طريق الاستقرار، وستواصل الولايات المتحدة استخدام جميع الوسائل المتاحة لها لضمان عدم تمكّن (حزب الله) من عرقلة نهضة لبنان، أو تشكيل أي تهديد للولايات المتحدة ومصالحها».


إدارة ترمب تلمّح إلى استئناف التجارب لتطوير ترسانتها النووية

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
TT

إدارة ترمب تلمّح إلى استئناف التجارب لتطوير ترسانتها النووية

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

لمح مسؤولون أميركيون بصورة متزايدة إلى أن الرئيس دونالد ترمب سيأمر بنشر مزيد من الأسلحة النووية، وإجراء تجربة جديدة، لتوجيه رسالة محددة إلى كل من الصين وروسيا مفادها أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين حيال تطوير ترسانتيهما.

ورصدت صحيفة «نيويورك تايمز» تزايد هذه المؤشرات منذ انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت»، الأسبوع الماضي، وهي آخر اتفاقية تضع قيوداً على تطوير الأسلحة النووية، ونشرها بين الولايات المتحدة وروسيا.

أرشيفية لصواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين (رويترز)

وإذا نفذ الرئيس ترمب مثل هذه الخطط، فسينهي أكثر من 40 عاماً من الرقابة النووية المشددة في الولايات المتحدة، والتي خفضت أو أبقت على عدد الأسلحة المخزنة في الصوامع والقاذفات والغواصات، ليكون أول من يزيدها مجدداً بعد الرئيس الأسبق رونالد ريغان. وكان آخر اختبار نووي أجرته الولايات المتحدة عام 1992.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

وأضفى ترمب كثيراً من الغموض على الاستراتيجية التي سيعتمدها في نهاية المطاف رداً على تطوير كل من روسيا والصين ترسانتيهما من الأسلحة النووية، وأكد أخيراً أنه يجب على البلدان النووية الثلاثة الدخول في مفاوضات للحد من تطوير هذه الأسلحة ونشرها، وسط خشية من أن الإخفاق في ذلك سيؤدي إلى سباق تسلح جديد.

«أحادية غير مقبولة»

وبالتزامن مع انتهاء معاهدة «نيو ستارت»، الخميس الماضي، انتقدها وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي توماس دينانو خلال مؤتمر في جنيف؛ لأنها «تفرض قيوداً أحادية غير مقبولة على الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن ترمب، خلال ولايته الأولى، انسحب من معاهدتين سابقتين مع روسيا - معاهدة القوات النووية متوسطة المدى ومعاهدة الأجواء المفتوحة «بسبب انتهاكات روسية»، وكرر أن معاهدة «نيو ستارت» لم تشمل فئات جديدة كلياً من الأسلحة النووية التي تطورها روسيا والصين، وأن أي معاهدة جديدة يجب أن تفرض قيوداً على الصين، وهي القوة النووية الأسرع نمواً في العالم.

الرئيس الروسي ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال مكالمة عبر تقنية الفيديو

وأشار دينانو إلى أن الولايات المتحدة باتت الآن حرة «لتعزيز الردع نيابة عن الشعب الأميركي»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستُكمل برامجها الجارية لتحديث أنظمتها النووية»، في إشارة إلى إنفاق مئات المليارات من الدولارات على صوامع جديدة وغواصات وقاذفات جديدة.

وأشار إلى أن واشنطن «تحتفظ بقدرات نووية غير منشورة يمكن استخدامها لمواجهة البيئة الأمنية الناشئة، إذا ما أمر الرئيس بذلك».

ولفت إلى أن أحد الخيارات هو «توسيع القوات الحالية» و«تطوير ونشر قوات نووية جديدة ذات مدى مسرح العمليات»، وهي الأسلحة قصيرة المدى التي نشرت روسيا كثيراً منها.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ويتمحور أحد التعزيزات الوشيكة حول الغواصات الـ14 الأميركية من فئة «أوهايو»، التي تحتوي كل منها على 24 قاذفة لإطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية، علماً أن القوات البحرية الأميركية عطلت 4 قاذفات على كل غواصة امتثالًا لقيود معاهدة «نيو ستارت».

والآن، بعد رفع هذه القيود، تمضي الخطط لإعادة فتح هذه القاذفات؛ ما يسمح بتحميل 4 صواريخ إضافية على كل غواصة. وستضيف هذه الخطوة وحدها مئات الرؤوس الحربية النووية. ويمكن أن يكون الهدف من هذه الخطوة دفع القوى النووية الأخرى إلى التفاوض، لكن الصين لم تُبدِ حتى الآن أي اهتمام بهذا الأمر.

«علامة ضعف»

ويوضح الخبيران الاستراتيجيان النوويان فرانكلين ميلر وإريك إيدلمان أن الصين «تعد أي استعداد للانخراط في الحد من التسلح علامة ضعف، وتنظر إلى عملية الشفافية والتحقق التي من المفترض أن تدعم مثل هذا الاتفاق على أنها تدخلية، وتشبه التجسس».

وخلال خطابه في جنيف، قدّم دينانو أول شرح مفصّل لما قصده الرئيس ترمب، العام الماضي، عندما أمر باستئناف تجارب الأسلحة النووية، مشيراً إلى أن الإدارة تعتقد أن روسيا والصين أجرتا بالفعل مثل هذه التجارب، وأضاف أن دعوة الرئيس لإجراء التجارب «على قدم المساواة» قد تسمح للولايات المتحدة بفعل الشيء نفسه، وأكد أن الحكومة الأميركية كانت على علم بأن الصين أجرت «تجارب نووية تفجيرية» سعت إلى إخفائها، ومنها واحدة أجريت في 22 يونيو (حزيران) 2020، قرب نهاية ولاية ترمب الأولى.

الرئيس الصيني يقف داخل سيارة خلال عرض عسكري في بكين بمناسبة الذكرى الـ80 لنهاية الحرب العالمية الثانية يوم 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأفادت الشبكة العالمية الرئيسية المعنية برصد التزام حظر التجارب النووية، في بيان صدر أخيراً، بأنها لم ترصد أي انفجار تجريبي في ذلك التاريخ.

وناقش مسؤولون استخباريون أميركيون طوال السنوات الخمس الماضية ما إذا كانت الحكومة الصينية أجرت التجربة بالفعل أو لا، لكن دينانو لم يبدِ أي شك، وقال إن بكين استخدمت ما يسمى «فك الارتباط» لإخفاء تجاربها، مشيراً بذلك إلى تقنية يستخدمها مصممو القنابل لفصل موجات الصدمة الناتجة عن الانفجار النووي، بحيث لا تؤثر في قشرة الأرض. وتشمل هذه التقنية حصر انفجار صغير في حاوية خلف جدران فولاذية فائقة الصلابة.

وتعرف الولايات المتحدة هذه العملية جيداً؛ فبين عامي 1958 و1961، أي قبل الحظر العالمي للتجارب النووية بمدة طويلة، أجرى مصممو الأسلحة النووية الأميركيون أكثر من 40 تجربة من هذا النوع.


زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تتفاعل قضية إبستين بشكل متسارع، وتتخطى تداعياتها الولايات المتحدة لتصل إلى كل أرجاء العالم وتهز الداخل الأميركي والساحة الدولية. فمع نشر وزارة العدل أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة جديدة من الملفات، بدأت صورة الملف،الذي بدا، في بداية الأمر جنائياً، تتشعب وتتعقد وتطرح أسئلة أكثر من الأجوبة التي يسعى إليها أعضاء «الكونغرس».

كشف الأسماء المحجوبة

النائبان رو خانا وتوماس ماسي أمام وزارة العدل في 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ومع وجود كثير من المعلومات والأسماء المحذوفة في الملفات الجديدة التي جرى نشرها، سمحت وزارة العدل لأعضاء «الكونغرس» بزيارة مقرها، للاطلاع على الأسماء التي جرى شطبها. ومِن هناك خرج كل من النائبيْن الجمهوري توماس ماسي، والديمقراطي رو خانا، ليعلنا أنهما لاحظا أنه جرى حجب أسماء أكثر من 6 أفراد متورطين في عمليات إبستين دون مبرر، خلافاً لتعليمات القانون الذي جرى إقراره، والذي يُلزم الوزارة برفع السرية عن كل الأسماء ما عدا أسماء الضحايا.

وقال ماسي، عقب اطلاعه على الوثائق: «هناك ستة رجال. دخلنا هنا (وزارة العدل) لمدة ساعتين للاطلاع على ملايين الملفات... وخلال بضع ساعات، عثرنا على ستة رجال حُجبت أسماؤهم، وهم متورطون وفق الملفات...». وقال ماسي إنه سيعطي وزارة العدل الفرصة لمراجعة «أخطائها» والكشف عن الأسماء قبل أن يفعل ذلك شخصياً. من ناحيته شدد خانا على أن ورود اسم شخص في الملفات «لا يعني أنه مذنب»، رافضاً توصيف السعي لرفع السرية عن الملفات بحملة «مطاردة الساحرات» كما يصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتكمن المعضلة هنا في أن بعض الأسماء جرى حجبها من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل وصولها إلى وزارة العدل، ما طرح أسئلة حول مدى تشعب المسألة وتورط أسماء بارزة فيها. وهذا ما تحدّث عنه النائب الديمقراطي قائلاً إن الوثائق التي قُدِّمت إلى وزارة العدل من مكتب التحقيقات الفيدرالي ومن هيئة المحلّفين الكبرى كانت منقّحة عند تسلّمها، مستبعداً وجود سوء نية من جانب المحامين الذين كانوا يراجعونها في الوزارة؛ «لأنه من الواضح أنهم لم يحصلوا على النسخة الكاملة».

ماكسويل تلتزم الصمت

غيلين ماكسويل رفضت الإجابة عن أسئلة المُشرعين في 9 فبراير 2026 (رويترز)

يأتي هذا بينما رفضت غيلين ماكسويل، شريكة إبستين، الإجابة عن أسئلة المُشرّعين، في جلسةٍ عقدتها لجنة الرقابة بمجلس النواب. ومثلت ماكسويل، التي حُكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً بتُهم الاتجار بقاصرات، عبر الفيديو أمام اللجنة، لكنها لجأت إلى حقها الدستوري المنصوص عليه في التعديل الخامس بالتزام الصمت، لعدم تجريم نفسها من خلال إفادتها.

وقال محامي ماكسويل، ديفيد أوسكار ماركوس، إنها «مستعدة للتحدث بشكل كامل وصريح، إذا مُنحت عفواً من الرئيس ترمب». وأضاف: «هي وحدها القادرة على تقديم الرواية الكاملة. قد لا يروق البعضَ ما سيُقال، لكن الحقيقة هي الأهم». ويُشكك البعض في مصداقية ماكسويل، التي لم تفارق ابستين في مسيرته، ويتهمها الديمقراطيون باستعمال ورقة الإفادة لاستدراج ترمب للعفو عنها مقابل تبرئة ساحته، رغم عدم ثبوت تورطه في الملفات حتى الساعة. إلا أن عدداً من الديمقراطيين كتبوا في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أن اسم الرئيس الأميركي مذكور 38 ألف مرة في الوثائق الجديدة التي جرى الإفراج عنها.

بيل وهيلاري كلينتون في حفل تنصيب ترمب 20 يناير 2025 بالكونغرس (أ.ف.ب)

ويستعد «الكونغرس» للاستماع إلى إفادات أساسية في هذا الملف، إذ تَمثل وزيرة العدل بام بوندي أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب، يوم الأربعاء، في حين تبقى الإفادة الأهم للرئيس السابق بيل كلينتون، وزوجته هيلاري، اللذين سيمثلان في جلستين منفصلتين ومغلقتين، حتى الساعة، أمام لجنة الرقابة في 26 و27 من شهر فبراير (شباط) الحالي، في حدث نادر للغاية، إذ سيكون كلينتون الرئيس الأول منذ أكثر من 4 عقود الذي يُدلي بإفادته أمام «الكونغرس» بهذا الأسلوب، على أثر استدعائه على خلفية اتهامات بتورطه في ملفات إبستين.