انقسام في إسرائيل حول خيار الضربة العسكرية لإيران

بين تريث الجيش وتخبط الحكومة... اليمين المتطرف يضغط لهجوم فوري

نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في غرفة عمليات تحت الأرض يتابعان ضربة موجهة لإيران في أكتوبر 2024 (الدفاع الإسرائيلية)
نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في غرفة عمليات تحت الأرض يتابعان ضربة موجهة لإيران في أكتوبر 2024 (الدفاع الإسرائيلية)
TT

انقسام في إسرائيل حول خيار الضربة العسكرية لإيران

نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في غرفة عمليات تحت الأرض يتابعان ضربة موجهة لإيران في أكتوبر 2024 (الدفاع الإسرائيلية)
نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في غرفة عمليات تحت الأرض يتابعان ضربة موجهة لإيران في أكتوبر 2024 (الدفاع الإسرائيلية)

منذ انطلاق المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، تعيش إسرائيل عاصفة من النقاشات، سواء في العلن أو خلف الأبواب المغلقة، حول مسألة توجيه ضربة عسكرية استباقية لطهران. وتُظهر هذه النقاشات تبايناً حاداً في الرؤى والمواقف، يتجاوز الخلافات الفكرية والسياسية، ليصل إلى عمق المؤسسات الأمنية والعسكرية.

فلا يوجد توافق واضح داخل الحكومة أو بين صفوف المعارضة، ولا حتى ضمن الأجهزة الأمنية والجيش. فبينما يرى فريق أن من الأفضل ترك الملف للولايات المتحدة وعدم إحداث توتر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يعتقد آخرون أن على إسرائيل الاكتفاء بلعب دور «سوط التهديد» لدعم موقف واشنطن التفاوضي. في المقابل، يطالب تيار ثالث بتنفيذ الضربة العسكرية على الفور، معتبراً أن «فرصة تاريخية» متاحة الآن، ويجب عدم تكرار ما وصفوه بـ«إضاعة الفرص»، كما حدث أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين.

ويتصدر التيار اليميني الراديكالي الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل الحكومة الإسرائيلية، جبهة المطالبين بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. ولا يقتصر هذا الموقف على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بل يشمل شخصيات بارزة أخرى مثل موشيه فاغلين، عضو الكنيست السابق عن حزب «الليكود».

وفي ندوة لمعهد الاستراتيجية والأمن عُقدت في تل أبيب يوم الخميس، 10 أبريل (نيسان) الماضي، قال فاغلين: «إيران تمر اليوم بأضعف حالاتها منذ ثورة 1979، لكن المفاوضات الأميركية تُعيد إليها القوة». وأضاف: «نحن أمام رئيس أميركي يتصرف كرجل أعمال بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يبحث عن صفقة بأي ثمن، ويظهر بمظهر القوي، لكنه في الواقع ضعيف ويخشى الأقوياء. أما رئيس حكومتنا، فهو أجبن منه، ويتبعه بخنوع».

وشدد فاغلين على ضرورة «إحداث انعطاف في المعادلة» من خلال موقف إسرائيلي حازم، قائلاً: «علينا أن نتصرف بجنون، كما فعلنا في غزة، بل أكثر. يجب توجيه ضربة قاصمة للنظام الإيراني وليس بالضرورة للمنشآت النووية التي يصعب تصفيتها بحسب الخبراء، بل يمكننا مثلاً تدمير المواني التي تُنقل منها شحنات النفط».

ورداً على سؤال حول رد فعل ترمب في حال أقدمت إسرائيل على توجيه ضربة منفردة لإيران، وما إذا كان سيغضب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قال فاغلين: «قلت سابقاً إن ترمب يحترم الأقوياء. إذا رأى أننا قررنا التصرف بجنون، فسيحترمنا أكثر، بل سيسعى إلى التفاوض معنا حتى لا ندمر كل الجسور».

ترمب يلتقي نتنياهو بحضور نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالمكتب البيضوي في 7 أبريل (أ.ب)

ويستند فاغلين ومن يشاركونه هذا التوجه إلى نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد «دايركت بولس» ونُشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي؛ إذ أظهر أن 54 في المائة من الإسرائيليين يؤيدون شنّ ضربة عسكرية على إيران، مقارنة بنسبة 19 في المائة فقط في 2021.

ومن اللافت أن المعارضة الإسرائيلية تتبنى مواقف متقاربة مع اليمين المتطرف؛ إذ تطالب هي الأخرى بتوجيه ضربة عسكرية فورية لإيران. فقد صرّح رئيس حزب «يوجد مستقبل»، يائير لبيد، قائلاً: «في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اقترحتُ مهاجمة حقول النفط الإيرانية. تدمير صناعة النفط سيقوّض الاقتصاد الإيراني، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام. لكن نتنياهو تراجع خوفاً وأوقف ذلك».

أما رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت الذي تُظهر الاستطلاعات أنه المنافس الوحيد القادر على هزيمة نتنياهو، فقد انتقد أداء الأخير بشدة، قائلاً: «نتنياهو يتبنى استراتيجية خطابية بلا تحرك فعلي. مبدأ مناحيم بيغن في التعامل مع الملف النووي كان واضحاً: الهجوم والتدمير. كما حدث في العراق وسوريا. أما نتنياهو فمبدؤه التهديد، والتهديد، ثم التهديد... وفي النهاية تسريبات بأنه كان ينوي الهجوم لكن تم منعه. هذا نهج خطير، وقد ينفجر في وجوهنا. لن تكون هناك فرصة أخرى».

وكتب بيني غانتس، رئيس حزب «المعسكر الوطني»، على منصة «إكس»: «النظام الإيراني خبير في المماطلة. على إسرائيل أن تكون مستعدة لتنفيذ هجوم داخل إيران، ويجب علينا حشد دعم الولايات المتحدة لتغيير وجه الشرق الأوسط».

الجيش يستعد

في تقرير بثّته «القناة 12» الإسرائيلية، كشف المراسل العسكري نير دفوري أن الحكومة أوعزت لقائد سلاح الجو، الجنرال تومر بار، بالاستعداد لتنفيذ ضربة عسكرية «متعددة الطبقات» ضد إيران، تشمل خيارات تتراوح بين هجمات محدودة وأخرى شاملة.

ونقل التقرير عن مصادر في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن الجاهزية لتنفيذ العملية لن تكتمل قبل أكتوبر المقبل. وأضافت المصادر أن نتنياهو كان قد أصرّ على تنفيذ الضربة في مايو (أيار)، إلا أن ترمب تدخّل لوقفها، خشية أن تعرقل مسار المفاوضات الجارية مع طهران.

صورة منشورة على موقع وزارة الدفاع الإسرائيلية من سرب مقاتلات «إف- 22» و«إف- 35» خلال مهمة حربية (أرشيفية)

وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، غادي آيزنكوت، الذي يشغل حالياً موقعاً في المعارضة، وكان قد خدم في حكومة نتنياهو خلال بدايات الحرب على غزة: «حتى وقت قريب، كان نتنياهو يتهم الجميع بأنهم عملاء أميركيون، لكنه اليوم تحوّل بنفسه إلى دمية بيد الأميركيين. في ملف إيران، كل شيء بات بيد واشنطن، ونحن لا نزيد على كوننا نملة على ظهر فيل. الأمر نفسه ينطبق على غزة؛ فكل القرارات، من إدارة الحرب إلى خطة التهجير، تمرّ عبر ستيف ويتكوف والإدارة الأميركية. نتنياهو لا يفعل شيئاً سوى المراهنة على ترمب، من دون اتخاذ أي خطوات حقيقية لتغيير الواقع».

لا يمكن منعها

يعتقد الخبير الاستراتيجي دافيد فاينبرغ أن مفاوضات الولايات المتحدة مع إيران، رغم الأجواء الإيجابية الظاهرة، «محكوم عليها بالفشل»، داعياً إلى الاستعداد لهذا السيناريو «بكل حزم».

ويشرح فاينبرغ وجهة نظره قائلاً: «ما تطالب به واشنطن يتجاوز مجرد التزامات على الورق؛ فهي تريد تفكيكاً فعلياً وكاملاً للمشروع النووي الإيراني ذي الطابع العسكري، تحت رقابة صارمة، كما حدث في جنوب أفريقيا عام 1990، أو كما فعلت ليبيا بعد غزو العراق في 2003. لكن هذا مطلب لا يمكن للمرشد الإيراني علي خامنئي قبوله».

ويضيف: «لقد استثمرت طهران أكثر من أربعة عقود ومئات المليارات من الدولارات في بناء قوتها العسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمي، وتحمل الشعب الإيراني معاناة كبيرة من أجل هذا الهدف، بدافع آيديولوجي».

ويخلص فاينبرغ إلى أن «الاحتمال الأكبر هو أن تلجأ إيران إلى ما تتقنه: المماطلة، وتقديم تنازلات شكلية يمكن التراجع عنها لاحقاً، وحرف أنظار القوة الأميركية».

الخيارات

يقول المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، إن إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية مستقلة تتيح لها توجيه ضربة لإيران، خصوصاً بعد نجاحها في تدمير جزء كبير من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في أكتوبر الماضي.

ومع ذلك، يؤكد أشكنازي أن إسرائيل لا تستطيع تنفيذ مثل هذه العملية بشكل منفرد؛ إذ تحتاج إلى حد أدنى من الدعم اللوجستي الأميركي خلال الضربة، فضلاً عن دعم سياسي وعسكري فعّال في حال ردّت إيران.

ويختم بالقول: «لهذا السبب، لا يمكن لإسرائيل أن تقدم على هذه الخطوة من دون تنسيق كامل وموافقة واضحة من واشنطن».

ويضيف أشكنازي أن الضربة الإسرائيلية لإيران تبقى ممكنة من منظور الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، حتى في الوقت الحالي. فالضربات القاسية التي وُجهت إلى «حزب الله» في لبنان قد عطّلت قدراته على التشويش على أي هجوم إسرائيلي محتمل ضد إيران. كما أن سقوط نظام الأسد ساهم في تسهيل استهداف إيران بشكل أكبر.

ويشير إلى أن الخبرات التي اكتسبتها إسرائيل من غاراتها على إيران والحوثيين في اليمن توفر لها مزيداً من الكفاءة في تنفيذ ضربات فعّالة ودقيقة، إلا أن السؤال الأهم، وفقاً له، يبقى: «ماذا سيكون الرد الإيراني؟».

ويقول خبير الدراسات العسكرية، دافيد كوغن، إن الرئيس ترمب، عندما استدعى نتنياهو إلى البيت الأبيض، فرض عليه قيوداً واضحة، وأوضح له أنه لا يرغب في التشويش على المفاوضات. وفي الوقت نفسه، ترك خيار الضربة العسكرية قائماً. فإذا دعت الحاجة، يمكن للولايات المتحدة تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، أو حتى أن تطلب من إسرائيل أن تقوم بالضربات بدلاً عنها.

مقاتلة إسرائيلية تغادر للمشاركة في الهجوم على إيران في 26 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ويشير كوغن إلى أنه عندما تنفذ إسرائيل ضربات، فإنها تحتاج إلى العديد من الأدوات الضرورية، وخاصة الأسلحة المتطورة مثل القنابل الذكية. وللحصول على هذه الأسلحة، يجب على إسرائيل التصرف بحذر وانضباط، وألا تخرق القواعد المتفق عليها.

وحذر كوغن من أن ردود الفعل الإيرانية في حال توجيه ضربات إليها قد تتجاوز ضرب إسرائيل فقط؛ فقد تلجأ إيران إلى استهداف المصالح الأميركية، وتقوم بإغلاق مضيق هرمز، مما يؤدي إلى تصعيد أكبر. بناءً على ذلك، أكد كوغن أنه يجب الامتناع تماماً عن التصرف بشكل مستقل، مع ضرورة السعي لإبقاء الرئيس ترمب في موقف داعم لإسرائيل إلى درجة أن يتقبل مطالبها، حتى يكون الاتفاق الأميركي - الإيراني المقبول لدى إسرائيل أفضل من الاتفاق السابق.


مقالات ذات صلة

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

شؤون إقليمية رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

صرّح عباس عراقجي وزير خارجية إيران اليوم السبت بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يشيد بالمحادثات مع إيران ويؤكد استئنافها مطلع الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، إن واشنطن أجرت «محادثات جيدة جداً» بشأن إيران، وذلك في أعقاب المفاوضات غير المباشرة التي عُقدت في سلطنة عمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)

ترمب يوقع أمراً بفرض رسوم جمركية على أي دولة  تتعامل تجارياً مع إيران

قال البيت الأبيض إن الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب وقع ‌أمراً تنفيذياً ربما يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة ⁠25 ‌في المائة على ‍الدول ‍التي ‍تتعامل تجاريا مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».