البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

أول زعيم للكنيسة الكاثوليكية من خارج أوروبا منذ القرن الثامن

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
TT

البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)

غيّب الموت، في روما، البابا فرنسيس، عن 88 عاماً، اليوم الاثنين، بعد ظهوره، أمس، ضعيفاً لكن باسماً، بين آلاف المصلّين الذين احتشدوا في باحة القديس بطرس في روما، خلال عيد القيامة لدى المسيحيين. وعانى رأس الكنيسة الكاثوليكية، منذ أكثر من شهرين، تداعيات التهاب رئوي حاد. وكان يتمتع بشعبية واسعة بين أتباع كنيسته في مختلف أنحاء العالم، ولو أنه واجه معارضة شرسة من البعض، ولا سيما داخل الكنيسة؛ بسبب إصلاحاتٍ دعا إليها أو قام بها.

البابا فرنسيس يشرب خلال ظهوره بشُرفة «كاتدرائية القديس بطرس» في عيد الفصح (رويترز)

وكان البابا يعاني الضعف جراء إصابته بالتهاب رئوي، دخل على أثره المستشفى لنحو شهر.

وكشف البابا فرنسيس، في أواخر عام 2023، أنه يريد أن يُدفن في كنيسة سانتا ماريا ماجوري بوسط روما، وليس في سرداب كنيسة القديس بطرس، وهو ما سيكون سابقة منذ أكثر من ثلاثة قرون. وأصدر الفاتيكان، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، طقوساً مبسّطة للجنازات البابوية، مِن أبرزها استخدام تابوت بسيط من الخشب والزنك، بدلاً من التوابيت الثلاثة المتداخلة المصنوعة من خشب السرو والرصاص والبلوط.

وطوال حبريته، التي امتدت 12 عاماً، دافع أول بابا يسوعي وأميركي جنوبي في التاريخ، دون هوادة، عن المهاجرين والبيئة والعدالة الاجتماعية دون أن يمسّ عقيدة الكنيسة في شأن الإجهاض أو عزوبية الكهنة.

النشأة والميلاد

وُلد خورخي ماريو بيرجوليو، في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1936، في بوينس آيرس، وسط عائلة مكونة من خمسة أطفال، وهو أكبر أشقائه الأربعة، كان والده مهاجراً من إيطاليا. أما والدته فوُلدت في الأرجنتين، غير أنها من أصول إيطالية جنوية أيضاً. عمل والده في السكك الحديدية، أما والدته فكانت ربة منزل. وخلال مراهقته المبكرة، أُصيب البابا بالتهاب رئوي حاد نتيجة العدوى، وهو ما سيؤثر على صحته لاحقاً ويؤدي لاستئصال رئته اليمنى حين كان كاهناً.

البابا فرنسيس في سن المراهقة في بوينس آيرس (أ.ب)

ومنذ طفولته وشبابه، عُرف عن البابا شغفه بالأفلام، والموسيقى الشعبية في الأرجنتين والأوروغواي، ورقص التانجو، ومتابعته كرة القدم، وحبه تشجيعها، وبشكل خاص نادي برشلونة، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام محلية.

البابا فرنسيس (يسار)، وشقيقه أوسكار، في صورة التقطت في بوينس آيرس (أ.ب)

تلقّى البابا تعليمه الابتدائي في إحدى ضواحي بوينس آيرس، أما مدرسته الإعدادية فكانت متخصصة في التقنيات الكيميائية، وتابع دراسته الجامعية محصلاً درجة الماجستير في الكيمياء بجامعة بوينس آيرس.

السِّلك الكنسي

انضمّ إلى الرهبنة اليسوعية وهو في عمر 21 عاماً، وذلك في مارس (آذار) 1958، ودرس العلوم الإنسانية واللاهوتية في سانتياغو في تشيلي، وأشهر نذوره الرهبانية في مارس 1960، ليغدو بذلك عضواً رسمياً عاملاً في الرهبنة. وبعد إنهاء دراساته الأولى في تشيلي، عاد إلى الأرجنتين ليتابع دراساته في الفلسفة واللاهوت بالمعهد الإكليركي في ديفيتو فيلا، ثم في جامعة سان ماكسيمو دي مغيل، والتي حصل منها على البكالوريوس، وتابع دراساته في الأدب وعلم النفس بين عاميْ 1964 و1965 في جامعة ديلا أنماكيولادا في سانتا في، وتخرَّج فيها.

وفي عام 1967 أنهى بيرجوليو دراسته اللاهوتية، وسيم كاهناً في 13 ديسمبر 1969.

البابا فرنيسس وسط أسرته في صورة عائلية في بوينس آيرس (أ.ب)

اختير بيرجوليو لمنصب الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين، في أبريل (نيسان) 1973، ثم انتقل إلى فرنكفورت بألمانيا للإشراف على أطروحة الدكتوراه فيها بطلب من الرهبنة اليسوعية، وعند عودته عُيّن المدير والمعرّف الروحي في جامعة مدينة قرطبة الأرجنتينية.

يتقن البابا اللغات الإسبانية و‌اللاتينية و‌الإيطالية و‌الألمانية و‌الفرنسية و‌الأوكرانية، بالإضافة إلى الإنجليزية.

ترقياته الأسقفية

في 20 مايو (أيار) 1992، عيَّنه البابا يوحنا بولس الثاني أسقفاً مساعداً في بوينس آيرس، وأسقفاً فخرياً لمدينة أوكا، وحصل على الرسامة الأسقفية في 27 مايو بالكاتدرائية.

البابا فرنسيس عام 1973 (أ.ف.ب)

وفي 3 يونيو (حزيران) 1997، عُين البابا رئيس أساقفة معاوناً لبوينس آيرس، وبعد وفاة الكاردينال كواراشينو، أصبح رئيس الأساقفة، وكبير أساقفة الأرجنتين، ورئيساً للكاثوليك من الطقوس الشرقية في الأرجنتين، الذين ليس لديهم رئيس أساقفة خاص بهم، وذلك ابتداءً من 28 فبراير (شباط) 1998.

انتخابه بابا للفاتيكان

في عام 2001، جرى تعيينه «كاردينال» من قِبل البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني، وبرز بصفته أحد الشخصيات المؤثرة في الكنيسة الكاثوليكية بأميركا اللاتينية.

وأصبح أكثر شهرة في القارة، إذ بات رئيساً لمجلس أساقفة الأرجنتين في 2005، وأُعيد انتخابه في 2008 لفترة ثانية.

صورةٌ منشورةٌ من قِبل المكتب الصحفي لبطاقة عضوية الكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرغوليو آنذاك في نادي سان لورينزو لكرة القدم (أ.ف.ب)

وفي 13 مارس 2013، وبعد يومين من التوصيت، جرى انتخابه بابا للكنيسة الكاثوليكية في اجتماع الكرادلة، عقب استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر. اختار البابا لنفسه اسم فرنسيس؛ تأسياً بالقديس فرنسيس الأسيزي؛ أحد معلمي الكنيسة الجامعة، «والمدافع عن الفقراء، والبساطة، والسلام».

البابوية

ومنذ اليوم الأول لانتخاب فرنسيس بابا للفاتيكان، رفض البابا الجديد الإقامة في المقر البابوي، مفضّلاً البقاء في دير القديسة مارتا المتواضع، ومتخلياً عن بهرجة الملابس والحليّ والأحذية القرمزية التقليدية. واختار التنقل في سيارة متواضعة، واعتاد مخاطبة المؤمنين بلغة بسيطة كتلك التي يستخدمها عادةً المبشّرون العلمانيون الذين تحظر الكنيسة نشاطهم. وإلى جانب هذا، أصرّ دائماً على إظهار بُعده الإنساني العميق عندما كان يطلب من الشعب أن يتضرّع لأجله قبل أن يبادر هو إلى منحه البركة الرسولية.

يوقع على خزان وقود دراجة هارلي ديفيدسون النارية خلال لقائه بأعضاء جمعية «جيسوس بايكرز» للدراجات النارية في ساحة القديس بطرس، مدينة الفاتيكان، 29 مايو 2019 (إ.ب.أ)

أيضاً، منذ وصوله إلى سُدة البابوية، أعلن البابا فرنسيس إطلاق برنامج إصلاحي واسع سُرعان ما أطلق صفارات الإنذار في الدوائر الكنسية المحافِظة والأوساط السياسية اليمينية في إيطاليا وخارجها، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يتمتع التيار المتشدّد في الكنيسة الكاثوليكية بنفوذ واسع وموارد مالية وتحالفات وثيقة مع التيارات المحافِظة في الكنائس الأخرى.

وهكذا، لم يشهد بابا في التاريخ الحديث معارضة كالمعارضة الداخلية التي واجهها فرنسيس - ولا يزال - حتى قيل إن شعبيته خارج الكنيسة الكاثوليكية أكبر بكثير من شعبيته داخلها.

البابا فرنسيس يبارك مشجعاً لفريق إس إس لاتسيو الإيطالي لكرة القدم خلال لقاء بابوي مع رياضيين وأنصار النادي بقاعة بولس السادس بالفاتيكان في 2015 (إ.ب.أ)

بل لقد أعرب فرنسيس مراراً أمام مُعاونيه عن «مرارة عميقة» بسبب المكائد التي تحيكها الدوائر المحافِظة المتشددة في الكنيسة، والتي أدّت إلى عرقلة كثير من بنود برنامجه الإصلاحي الذي تعثرّ في شِقه الاقتصادي والمالي، لكنه نجح في إحداث تغيير ملموس على صعيد استراتيجية التواصل ومكافحة التحرّش الجنسي الذي سبّب له كثيراً من الحرج، خلال زياراته للخارج.

لكن على الرغم من تراجع منسوب التفاؤل الكبير الذي رافق وصوله إلى السدة البابوية، استطاع فرنسيس الحفاظ على الزخم الإصلاحي الذي وعد به، إذ قام بتعيين عدد كبير من أنصار برنامجه الإصلاحي في مراكز حساسة، خاصة في وزارة الخارجية والمجلس الاستشاري الواسع النفوذ، وفي مناصب استراتيجية لإدارة أموال الكنيسة. كذلك، واصل تعيين كرادلة جدد حتى أصبحوا يشكلون الأكثرية في المَجمع الذي من المفترض أن ينتخب خلفه بعد رحيله.

إصلاحاته في الكنيسة الكاثوليكية

عمل البابا فرنسيس على التخفيف من صرامة القوانين المتعلقة بالطلاق والزواج، وسمح لبعض المطلقين الذين تزوجوا مجدداً بتلقّي المناولة المقدسة، كما دعا إلى جعل الكنيسة أكثر قرباً من الناس وأقل بيروقراطية.

وعيَّن نساء في مناصب قيادية داخل الفاتيكان، لأول مرة في تاريخ الكنيسة، كما دعا إلى تعزيز دور المرأة داخل الكنيسة، لكنه لم يصل إلى حد الموافقة على منحهن رتبة الكهنوت.

البابا فرنسيس يعانق طفلاً في ختام مقابلته العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس مارس 2023 (إ.ب.أ)

وأطلق البابا الراحل إصلاحات داخل الفاتيكان لمحاربة الفساد المالي، وأقال عدداً من المسؤولين في إدارة الكنيسة بسبب قضايا مالية مشبوهة، وكان يشدد على ضرورة أن تكون الكنيسة نموذجاً في الشفافية والنزاهة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يُعلّق العلم الأرجنتيني خلفه في بوينس آيرس (أ.ب)

وكان هذا السياسي البارع ذو المواقف الجريئة عازماً على إدخال إصلاحات على الكوريا الرومانية؛ أي الحكومة المركزية للكرسي الرسولي، ومصمماً على تعزيز دور النساء والعلمانيين فيها، وعلى تطهير مالية الفاتيكان التي هزّتها شُبهات وفضائح. ولم يتردد حيال مأساة الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الكنيسة، في إلغاء السر البابوي في شأنها، وألزم رجال الدين والعلمانيين بإبلاغ رؤسائهم عن أي حالات من هذا النوع، لكن خطواته لم تنجح، مع ذلك، في إقناع جمعيات الضحايا التي أخذت عليه عدم اتخاذه إجراءات أبعد من ذلك.

البابا فرنسيس يتلقى المساعدة من مساعده رئيس الأساقفة دييغو جيوفاني رافيلي لدى وصوله لبدء مجمع كنسي عام لتنصيب 21 من الكرادلة بكاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وعُرف بأسلوبه القريب من الناس، ما أكسبه شعبية كبيرة، إذ كان مثلاً يتمنى للمؤمنين «شهية طيبة»، كل يوم أحد، في ساحة القديس بطرس. وتعرّض لانتقادات شديدة من معارضيه المحسوبين على التيار المحافظ الذين رأوا أنه يبتعد عن المبادئ التقليدية للكنيسة، وعَدُّوا أن أسلوبه في الإدارة سُلطويّ. وواجه البابا معارضة داخلية حادة بسبب إصلاحات أخرى، وانتقده البعض لقراراته الجريئة، كوضع قيود على القداس اللاتيني، والسماح بمباركة أزواج من المِثليين. كذلك اتهم البعض فرنسيس بالمبالغة في التخفيف من مكانة منصب البابا بأسلوبه الخارج عن المألوف، كتفضيله مثلاً الإقامة في شقة متواضعة من غرفتين بمساحة 70 متراً مربعاً، على السكن في القصر الرسولي الفخم.

التقارب بين الأديان

وبرز البابا فرنسيس، المتمسك بالحوار بين الأديان، وخصوصاً مع الإسلام. ففي عام 2017، زار مصر والتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأكد أن الحوار بين الأديان أصبح ضرورة مُلحة للتوصل إلى السلام، ومواجهة الخلافات، مشيراً إلى أنه «ما من عنفٍ يمكن أن يُرتكب باسم الله». وفي كلمته أمام المؤتمر العالمي للسلام، الذي نظّمه الأزهر، قال البابا فرنسيس: «لنكرر معاً: من هذه الأرض، أرض اللقاء بين السماء والأرض، وأرض العهود بين البشر وبين المؤمنين، لنكرر (لا) قوية وواضحة لأي شكل من أشكال العنف والثأر والكراهية يُرتكب باسم الدين، أو باسم الله».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبِلاً البابا فرنسيس عام 2017 (رويترز)

ودعا البابا إلى وقف «تدفق الأموال والأسلحة نحو الذين يثيرون العنف». وأضاف: «من الضروري وقف انتشار الأسلحة التي، إن جرى تصنيعها وتسويقها، فسيجري استخدامها عاجلاً أو آجلاً».

وفي عام 2019، وقَّع البابا مع شيخ الأزهر أحمد الطيب وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي، لتعزيز الحوار بين الأديان.

البابا فرنسيس يصافح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال اجتماع بين الأديان في أبوظبي عام 2015 (أ.ب)

كما زار العراق في 2021، حيث التقى المرجع الشيعي علي السيستاني، في خطوة غير مسبوقة لتعزيز العلاقات بين المسيحية والإسلام.

وفي ديسمبر الماضي، كشف البابا عن أنه كان هدفاً لمحاولة تفجير انتحاري أثناء زيارته للعراق قبل 3 سنوات، وكانت الأولى التي يقوم بها بابا كاثوليكي للبلاد، وربما كانت أخطر رحلة خارجية له خلال بابويته المستمرة منذ 11 عاماً، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي جزءٍ نُشر من سيرته الذاتية المرتقبة، قال البابا فرنسيس إن الشرطة أبلغته بعد هبوط طائرته في بغداد، في مارس 2021، أن اثنين على الأقل من الانتحاريين المعروفين كانا يستهدفان إحدى الفعاليات التي كان من المفترض أن يحضرها.

البابا فرنسيس يحضر صلاة من أجل ضحايا الحرب بمدينة الموصل القديمة مارس 2021 (رويترز)

وكتب البابا، وفق مقتطف من الكتاب نشرته صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية اليومية: «كانت هناك امرأة محملة بالمتفجرات، شابة انتحارية، متجهة إلى الموصل لتفجير نفسها أثناء الزيارة البابوية، كما انطلقت شاحنة صغيرة بسرعة قصوى للقصد نفسه».

كانت زيارة البابا فرنسيس إلى الموصل محطة مهمة، خلال رحلته إلى العراق، نظراً لأن ثاني أكبر مدينة في العراق كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش» من عام 2014 إلى 2017، وزار البابا أنقاض 4 كنائس مدمَّرة هناك، وأطلق نداءً من أجل السلام.

وخلال الزيارة، لم يقدم الفاتيكان سوى القليل من التفاصيل حول الاستعدادات الأمنية من أجل البابا. وكان حضور فعاليات عدة خلال زيارته، التي جَرَت في الوقت الذي بدأ فيه انحسار جائحة «كوفيد-19»، متاحاً لعدد محدود من الأشخاص فقط.

ونشر العراق آلافاً من أفراد الأمن الإضافيين لحماية البابا.

موقفه من حرب غزة

ظهر البابا فرنسيس من شُرفة «كاتدرائية القديس بطرس»، رغم صحّته الهشّة، في عيد الفصح، أمس، في آخِر ظهور له بينما احتشد آلاف الكاثوليك في الساحة؛ على أمل رؤية البابا بعد شهر واحد فقط من مغادرته المستشفى.

وندَّد البابا بالوضع الإنساني «المأساوي» في قطاع غزة، ودعا إلى وقف إطلاق النار، محذراً، في الوقت نفسه، من «تنامي جو معاداة السامية الذي ينتشر في جميع أنحاء العالم»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالما كان بابا الفاتيكان رافضاً للحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة، والتي كان يصفها بأنها «وحشية وليست حرباً». وقال، في خطاب سنوي بمناسبة عيد الميلاد أمام كرادلة كاثوليك، ما بدا أنه إشارة إلى غارات جوية إسرائيلية أودت بحياة 25 فلسطينياً على الأقل، في ديسمبر الماضي: «جرى قصف الأطفال... هذه وحشية، هذه ليست حرباً. أردت أن أقول ذلك لأنه يمس القلب».

صاحب متجر في بيت لحم بالضفة الغربية يضع شريطاً أسود على صورة البابا الراحل فرنسيس بعد نبأ وفاته (أ.ب)

وعادةً ما يكون البابا، بصفته زعيم الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار نسمة، حذِراً بشأن الانحياز إلى أي من أطراف الصراعات، لكنه صار، في الآونة الأخيرة، أكثر صراحة فيما يتعلق بالحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة على حركة «حماس».

وقال البابا، في نهاية نوفمبر الماضي، إنّ «غطرسة الغزاة تسود على الحوار في فلسطين».

وفي مقتطفات من كتاب، نُشرت الشهر الماضي، قال البابا إن بعض الخبراء الدوليين قالوا إن «ما يحدث في غزة يحمل خصائص الإبادة الجماعية».

وانتقدت إسرائيل، حينها، هذه التصريحات، وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن إسرائيل تدافع عن نفسها في وجه القسوة التي ظهرت في «اختباء (مسلّحي حماس) خلف الأطفال، خلال محاولتهم قتل أطفال إسرائيليين»، واحتجازهم 100 رهينة وإساءة معاملتهم.

وذكرت الوزارة: «للأسف، قرَّر البابا أن يتجاهل كل هذا»، مضيفة أن «وفاة أي شخص بريء في الحرب مأساة».

وتابعت قائلة: «تبذل إسرائيل جهوداً غير عادية لمنع إلحاق الأذى بالأبرياء، في حين تبذل (حماس) جهوداً استثنائية لزيادة الأذى على المدنيين الفلسطينيين».

وانتقد وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، تلك التعليقات، بشدة، في رسالة مفتوحة غير معتادة، نشرتها صحيفة «إيل فوليو» الإيطالية. وقال شيكلي إن تصريحات البابا تصل إلى حد «الاستخفاف» بمصطلح الإبادة الجماعية.

قضايا اللاجئين

في فبراير الماضي، وجَّه بابا الفاتيكان انتقاداً شديداً لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية الترحيل الجماعي للمهاجرين من الولايات المتحدة.

وحذَّر من أن «البرنامج الذي يقضي بترحيل الأشخاص قسراً، فقط بسبب وضعهم غير القانوني، يَحرمهم من كرامتهم المتأصلة، وسينتهي بشكل سيئ».

جاءت خطوة البابا فرنسيس الاستثنائية في تناول القمع الأميركي ضد المهاجرين، في رسالة إلى أساقفة الولايات المتحدة، الذين انتقدوا عمليات الطرد بوصفها تُلحق الضرر بالفئات الأكثر ضعفاً.

البابا فرنسيس يقبّل رأس طفل في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان أمس (إ.ب.أ)

ولطالما جعل فرنسيس رعاية المهاجرين أولويةً، خلال فترة بابويته، حيث طالب الدول باستقبال الفارّين من الصراعات والفقر والكوارث المناخية، وحمايتهم وتعزيزهم ودمجهم... وقال: «إن الحكومات من المتوقع أن تقوم بذلك إلى أقصى حدود قدرتها».

وقال البابا فرنسيس، في الرسالة، إن للدول «الحق في الدفاع عن نفسها والحفاظ على مجتمعاتها آمنةً من المجرمين. ومع ذلك فإن عملية ترحيل الأشخاص الذين غادروا أراضيهم، في كثير من الحالات لأسباب تتعلق بالفقر المُدقع، أو انعدام الأمن، أو الاستغلال، أو الاضطهاد، أو التدهور الخطير للبيئة، تُلحق الضرر بكرامةِ كثير من الرجال والنساء، وأُسرٍ بأكملها، وتضعهم في حالة من الضعف والعجز بشكل خاص».

مع شخص يرتدي زي سبايدرمان في ساحة سان داماسو في الفاتيكان (أ.ب)

وأكد «حق الأشخاص في البحث عن المأوى والأمان في بلدان أخرى». وأعرب عن قلقه بشأن ما يحدث في الولايات المتحدة. وقال: «ما يُبنى على أساس القوة، وليس على الحقيقة حول الكرامة المتساوية لكل البشر، يبدأ بشكل سيئ، وسينتهي بشكل سيئ».

فصول من المرض والأزمات الصحية

سبقَ للبابا، الذي يُعَدّ الزعيم الروحي لنحو 1.4 مليار كاثوليكي في العالم، أن أمضى فترتين في المستشفى عام 2023، أُجريَت له خلال إحداهما عملية جراحية كبرى في الأمعاء، واضطر، في الأشهر الأخيرة، إلى صرف النظر عن مجموعة من الارتباطات. وأُصيب خورخي بيرجوليو عندما كان في الحادية والعشرين بالتهاب الجنبة الحاد، واضطر الجرّاحون إلى إزالة رئته اليمنى جزئياً.


مقالات ذات صلة

العصابات المسلحة تشرد 10 آلاف فلسطيني في غزة

المشرق العربي فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

العصابات المسلحة تشرد 10 آلاف فلسطيني في غزة

أجبرت العصابات المسلحة المنتشرة في مناطق سيطرة القوات الإسرائيلية بقطاع غزة، أكثر من 10 آلاف فلسطيني من سكان مناطق شرق دير البلح، على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون جثمان قتيل استهدفته غارة جوية إسرائيلية وذلك خلال جنازته بمستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة في 10 مايو 2026 (أ.ف.ب)

قتيلان ومصابون في قصف إسرائيلي على قطاع غزة

قُتل مواطنان فلسطينيان وأُصيب آخرون بجروح، إثر قصف واستهداف للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من الشرطة الإسرائيلية يعتقلون أطفالاً فلسطينيين في الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

أرقام صادمة... ارتفاع حاد في عزل المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية

كشفت معطيات نشرتها منظمة حقوقية إسرائيلية عن تصاعد غير مسبوق في استخدام العزل الانفرادي بحق المعتقلين الفلسطينيين داخل سجون إسرائيل منذ أكتوبر 2023.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ مقررة الأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

قاض أميركي يعلق العقوبات المفروضة على فرانشيسكا ألبانيزي 

أوقف قاض اتحادي، مؤقتاً، العمل بالعقوبات الأميركية المفروضة ​على فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ) p-circle

المفوض الأممي لحقوق الإنسان يدعو إسرائيل لإلغاء محكمة خاصة بهجوم 7 أكتوبر

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إسرائيل إلى إلغاء المحكمة العسكرية الخاصة المنشأة حديثاً لمحاكمة الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في هجمات «حماس».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

رئيسة وزراء لاتفيا تستقيل بعد اختراق مسيّرات أوكرانية أجواء بلادها

 رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا (أ.ب)
رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا (أ.ب)
TT

رئيسة وزراء لاتفيا تستقيل بعد اختراق مسيّرات أوكرانية أجواء بلادها

 رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا (أ.ب)
رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا (أ.ب)

أعلنت رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا استقالتها، الخميس، بعدما فقدت دعم حزب رئيسي في ائتلافها إثر إجبارها وزير دفاعها على الاستقالة وتحميله مسؤولية فشل الدولة الواقعة في منطقة البلطيق في منع توغل مسيّرات أوكرانية مؤخراً.

وقالت سيلينا، في مؤتمر صحافي في ريغا: «أعلن استقالتي من منصب رئيسة الوزراء»، في وقت كانت الحكومة مهددة بتصويت بحجب الثقة في البرلمان.

وأضافت، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أهم أمر بالنسبة لي هو رفاهية اللاتفيين وأمن بلادنا. ندرك تماماً الظروف التي نعيشها جميعاً. غيّرت الحرب العنيفة التي تشنها روسيا في أوكرانيا الوضع الأمني في كل أنحاء أوروبا».

وبات وضع إيفيكا سيلينا السياسي صعباً خلال الـ 24 ساعة الماضية، إذ خسر ائتلافها الحاكم المنتمي ليمين الوسط الذي يتولى السلطة منذ عام 2023، أغلبيته الضئيلة في البرلمان بعد انشقاق أعضاء من حزب التقدميين الذي ينتمي إليه وزير الدفاع المستقيل أندريس سبرودس.

ومن دون النواب الـ9 «التقدميين»، وجدت حكومة سيلينا نفسها في موقف الأقلية مع تأييد 41 نائباً في البرلمان من أصل 100، مقابل 47 للمعارضة.

إلى ذلك، أوقف وزير الزراعة أرماندز كراوز، من تحالف الخضر والمزارعين، لفترة وجيزة، الخميس، في إطار تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد، ما جعل حكومة إيفيكا سيلينا أكثر هشاشة.

ورحّب التقدميون بقرار رئيسة الوزراء، معلنين استعدادهم للمشاركة في استشارات تشكيل حكومة جديدة. وكان الرئيس إدغارز رينكيفيتش أعلن أنه سيلتقي كل الأحزاب الممثلة في البرلمان، الجمعة.

وستتولى حكومة سيلينا تصريف الأعمال اليومية إلى حين تصويت البرلمان على حكومة جديدة.

خبراء أوكرانيون

تحطمت عدة طائرات مسيّرة روسية أو أوكرانية في لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، وهي جمهوريات سوفياتية سابقة محاذية لروسيا وبيلاروسيا، منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

وعبرت مسيّرتان أوكرانيتان الحدود الروسية في 7 مايو (أيار) وتحطمتا في لاتفيا، على الأرجح بسبب تشويش الدفاعات الجوية الروسية على أنظمة توجيههما. وأصابت إحداهما منشأة لتخزين النفط في ريزيكني في شرق البلاد، ما أدى إلى اندلاع حريق تمكنت خدمات الإطفاء من السيطرة عليه سريعاً. وتحطمت طائرة مسيّرة أوكرانية أخرى في لاتفيا في 25 مارس (آذار).

لم تسفر هذه الحوادث عن إصابات أو أضرار مادية جسيمة، إلا أنها سلطت الضوء على ضعف دفاعات البلاد الجوية التي عجزت عن تحييد طائرة مسيّرة حلّقت في مجالها الجوي قبل تحطمها على أراضيها.

وطالبت إيفيكا سيلينا على الفور باستقالة وزير دفاعها أندريس سبرودس الذي استقال، الاثنين، رغم دفاع حزبه عنه واتهامه رئيسة الوزراء باتخاذه كبش فداء. واقترحت سيلينا تعيين مسؤول عسكري خلفاً له، ما رفضه التقدميون.

وتحطمت طائرات مسيّرة أوكرانية في إستونيا وليتوانيا. وتستهدف أوكرانيا مواقع روسية في خليج فنلندا بينها موانئ ومصافي تكرير، لكن المسيّرات قد تتعطل أو قد تغيّر الدفاعات الجوية الروسية مسارها فتسقط على أراضي دول حليفة لكييف.

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، بعد اجتماع مع نظيره اللاتفي على هامش قمة بوخارست، أنه سيرسل خبراء إلى لاتفيا للمساعدة في مجال الدفاع الجوي.

وقال، على منصة «إكس»: «سنرسل خبراءنا إلى لاتفيا لتبادل خبراتهم وتقديم مساعدة مباشرة في حماية المجال الجوي اللاتفي».

وأضاف: «نعتزم توقيع اتفاقية مع لاتفيا... لبناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات لمواجهة مختلف أنواع التهديدات»، معتبراً أنه «من المهم العمل معاً لتعزيز دفاعات أوروبا».

وأكد رينكيفيتش «مشاركة خبراء أوكرانيين ومعدات في تحديث قدرات الدفاع الجوي اللاتفية». وقال: «سيتم إعداد اتفاق تعاون دفاعي طويل الأمد».


«البنتاغون» يوقف نشر لواء مدرع في بولندا

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)
TT

«البنتاغون» يوقف نشر لواء مدرع في بولندا

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)

لم يعد خفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا مجرد نقاش استراتيجي طويل الأمد بشأن «تقاسم الأعباء» داخل «حلف شمال الأطلسي (ناتو)؛ بل تحوّل، مع قرار إدارة الرئيس، دونالد ترمب، وقف نشر لواء مدرع كان في طريقه إلى بولندا، اختباراً ميدانياً مباشراً لقدرة الأوروبيين على سدّ فجوات كانت واشنطن تتكفلها منذ عقود.

رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في «البنتاغون» (أ.ف.ب)

فالمسألة لا تقتصر على سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، أو التهديد بتقليص أوسع للقوات الأميركية في إيطاليا وإسبانيا، بل تتصل بتوقيت القرار وطريقته: معدات وجنود من «اللواء المدرع الثاني» التابع لـ«الفرقة الأولى» من «سلاح الفرسان»، كانوا قد بدأوا فعلاً مسار الانتشار، قبل أن يُلغى التحرك بصورة مفاجئة بقرار من وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، وفق ما كشفت عنه صحيفة «وول ستريت جورنال».

هذا الطابع المفاجئ هو مما يعطي القرار ثقله السياسي والعسكري. فالانسحاب لم يأتِ ضمن خطة انتقالية هادئة، بل بدا مرتبطاً برسالة عقابية، بعد اعتراض ترمب على انتقادات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، طريقةَ إدارة حربه مع إيران. ووفق الصحيفة، فإن تداعيات القرار تتجاوز الحسابات اللوجستية إلى سؤال أعمق: هل يمكن أن تبقى المظلة الأميركية في أوروبا منفصلة عن تقلبات السياسة الأميركية الداخلية والخارجية؟

الدرع الأميركية ورسالة الردع

أول التداعيات الميدانية المباشرة تظهر في الجبهة الشرقية لـ«الحلف». فـ«اللواء المدرع» الذي أُلغي نشره، وقوامه أكثر من 4 آلاف جندي، لم يكن مجرد قوة رمزية. هذا النوع من الوحدات يقدّم للحلفاء قدرة ثقيلة على المناورة البرية، ويعزز رسالة الردع في مواجهة روسيا، خصوصاً في دول مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق. لذلك؛ فقد قال قائد «الفرقة الأولى» في احتفال سابق بالانتشار إن إرسال لواء مدرع إلى الأمام يبعث بـ«إشارة واضحة لا لبس فيها».

يقول مراقبون إن إلغاء هذه الإشارة في منتصف الطريق يخلق أثراً معاكساً: ليس بالضرورة انهيار الردع، لكنه يضعف انتظامه وقابليته للتنبؤ. فالردع لا يعتمد فقط على عدد الجنود، بل على ثبات الجداول، وتماسك سلاسل القيادة، وثقة الحلفاء بأن التعهدات المعلنة ستترجَم وجوداً ميدانياً. وعندما تُلغى دورة انتشار بعد بدء تحرك المعدات، تصبح العواصم الأوروبية مضطرة إلى التعامل مع احتمال أن أيَّ ترتيب أميركي قابلٌ للمراجعة السريعة؛ لا بسبب تقييم عسكري بحت، بل بسبب قرار سياسي آني.

جندي أميركي يرفع قبعة تحمل شعار «ماغا» خلال استقبال الرئيس ترمب والسيدة الأولى بقاعدة «رامشتاين» الجوية بألمانيا في ديسمبر 2018 (أ.ف.ب)

تسليح أوروبي تحت ضغط الزمن

الانعكاس الثاني يتعلق بالتسليح... فخفض الوجود الأميركي يدفع الأوروبيين إلى تسريع بناء قدرات تقليدية كان كثير منها مؤجلاً أو معتمداً على الولايات المتحدة. ألمانيا ستكون في قلب هذا الاختبار؛ لا لأنها وحدها المتأثرة، بل لأن قواعدها شكّلت لعقود مركزاً لوجستياً أميركياً للحركة نحو شرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. تقليص الوجود فيها يعني إضعاف شبكة الإسناد التي تتجاوز الأراضي الألمانية نفسها.

كذلك، فإن إلغاء نشر كتيبة أميركية لصواريخ تقليدية بعيدة المدى في ألمانيا يفتح فجوة نوعية في قدرات الضرب البعيد. كان ذلك الانتشار، المعلن في قمة «الناتو» عام 2024، جزءاً من محاولة سدّ فراغ أوروبي في الصواريخ البرية الدقيقة بعيدة المدى. التراجع عنه يعني أن الأوروبيين سيحتاجون وقتاً ومالاً وإرادة سياسية لتطوير بدائل، سواء أكان عبر شراء منظومات أميركية أخرى، أم تسريع برامج أوروبية مشتركة، أم توسيع الإنتاج المحلي للذخائر والمدفعية ووسائل الدفاع الجوي.

لكن المشكلة أن هذه البدائل لا تُبنى بسرعة... فالجيوش الأوروبية تعاني أصلاً من نقص في المخزونات، وضعف في الطاقة الإنتاجية الدفاعية، وتباين سياسي بشأن مستوى الإنفاق. وبذلك؛ فإن أي خفض أميركي مفاجئ لا يدفع فقط إلى «تحمل المسؤولية»، بل يكشف عن أن تحملها يحتاج سنواتٍ لا أشهراً.

رئيس الأركان الأميركي دان كين يتحدث للصحافيين في ولاية فرجينيا يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الرهان على واشنطن

في المقابل، لا تتعامل كل أوروبا مع القرار بالطريقة نفسها. فبينما ترى برلين في الخطوة رسالة ضغط سياسي، تحاول وارسو احتواء القلق والتأكيد أن إلغاء نشر اللواء لا يستهدف بولندا، بعدما سحبت واشنطن العام الماضي لواءً قتالياً من رومانيا. وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، قال إن القرار «لا يخص بولندا»، بل يتصل بتغيير معلن في الوجود الأميركي ببعض أنحاء أوروبا، مشدداً على أن قدرات الجيش البولندي المتنامية، والحضور الأميركي في بولندا، يعززان الجناح الشرقي لـ«الناتو».

هذا الموقف يعكس حساباً بولندياً دقيقاً؛ فوارسو لا تريد الظهور بوصفها ضحيةً لقرار أميركي مفاجئ، ولا حليفاً يشكك علناً في التزام ترمب، خصوصاً أنها تراهن منذ سنوات على زيادة الوجود العسكري الأميركي لديها لا خفضه. كما أن بولندا تستثمر بكثافة في التسلح، وتريد تقديم نفسها داخل «الناتو» بوصفها شريكاً أعلى جدية من أوروبا الغربية في مواجهة روسيا.

لكن الرهان البولندي يواجه مفارقة واضحة: إدارة ترمب قد تكافئ بولندا سياسياً، لكنها في الوقت نفسه تعيد تعريف الدور الأميركي في أوروبا كلها. فإذا كان الهدف الأبعد للبنتاغون هو نقل العبء التقليدي إلى الأوروبيين، والتركيز على الدفاع الداخلي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن بولندا قد تحصل على حضور أميركي نوعي، لكنها لن تكون بمنأى عن تقليص أوسع في الموارد الأميركية المتاحة للقارة.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» (أ.ف.ب)

وترى الصحيفة أن القرار لا يشكل مجرد خلاف أميركي - ألماني، بل بداية مرحلة يكون فيها الحلفاء الأوروبيون أمام معادلة أشد قسوة: واشنطن قد تبقى داخل «الناتو»، لكنها تريد «ناتو» أقل اعتماداً عليها، وأكبر خضوعاً لأولوياتها السياسية. أما التداعيات الفورية، فهي واضحة: ارتباك في الانتشار، وفجوات في القدرات الثقيلة والبعيدة المدى، وضغط متصاعد على الأوروبيين كي يحولوا وعود الإنفاق الدفاعي قواتٍ وذخائرَ ومنظوماتٍ جاهزةً قبل أن تفرض الأزمات التالية مواعيدها الخاصة.


نقل ملكة الدنمارك السابقة مارغريت الثانية إلى المستشفى

نقل ملكة الدنمارك السابقة مارغريت الثانية إلى المستشفى
TT

نقل ملكة الدنمارك السابقة مارغريت الثانية إلى المستشفى

نقل ملكة الدنمارك السابقة مارغريت الثانية إلى المستشفى

قال ​البلاط الملكي الدنماركي إن الملكة السابقة مارغريت الثانية (86 ‌عاماً) ‌دخلت المستشفى، ​اليوم ‌الخميس، بسبب ​إصابتها بذبحة صدرية.

وأضاف، في بيان: «جلالة الملكة مُتعَبة، لكن معنوياتها ‌مرتفعة»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وجاء في ‌البيان ​أن ‌الملكة، ‌التي تنازلت عن العرش في عام ‌2024 وسلّمته لابنها الأكبر فريدريك، ستظل في المستشفى، خلال مطلع الأسبوع؛ لمراقبة حالتها وإجراء مزيد من الفحوصات.

الملكة مارغريت وولي العهد فريدريك والأميرة ماري يستقبلون السلك الدبلوماسي بمناسبة العام الجديد في قصر كريستيانسبورغ بكوبنهاغن 3 يناير 2024 (أ.ب)

وتنازلت ملكة الدنمارك مارغريت الثانية عن العرش لصالح ابنها فريدريك بعد مرور 52 عاماً على تتويجها. ووقَّعت الملكة إعلان التنحي عن العرش، في يناير (كانون الثاني) 2024، في كوبنهاغن، لتفسح الطريق أمام ابنها ولي العهد الأمير فريدريك.

جدير بالذكر أن ملكة الدنمارك، البالغة من العمر 85 عاماً، والتي تولّت منصبها عام 1972، أصبحت أطول ملوك أوروبا بقاءً على العرش بعد وفاة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية في سبتمبر (أيلول) 2022. وفي فبراير (شباط) 2023 خضعت لجراحة ناجحة في الظهر. وقالت: «لقد أدت الجراحة، بطبيعة الحال، إلى التفكير في المستقبل، وما إذا كان الوقت قد حان لترك المسؤولية للجيل القادم».