البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

أول زعيم للكنيسة الكاثوليكية من خارج أوروبا منذ القرن الثامن

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
TT

البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)

غيّب الموت، في روما، البابا فرنسيس، عن 88 عاماً، اليوم الاثنين، بعد ظهوره، أمس، ضعيفاً لكن باسماً، بين آلاف المصلّين الذين احتشدوا في باحة القديس بطرس في روما، خلال عيد القيامة لدى المسيحيين. وعانى رأس الكنيسة الكاثوليكية، منذ أكثر من شهرين، تداعيات التهاب رئوي حاد. وكان يتمتع بشعبية واسعة بين أتباع كنيسته في مختلف أنحاء العالم، ولو أنه واجه معارضة شرسة من البعض، ولا سيما داخل الكنيسة؛ بسبب إصلاحاتٍ دعا إليها أو قام بها.

البابا فرنسيس يشرب خلال ظهوره بشُرفة «كاتدرائية القديس بطرس» في عيد الفصح (رويترز)

وكان البابا يعاني الضعف جراء إصابته بالتهاب رئوي، دخل على أثره المستشفى لنحو شهر.

وكشف البابا فرنسيس، في أواخر عام 2023، أنه يريد أن يُدفن في كنيسة سانتا ماريا ماجوري بوسط روما، وليس في سرداب كنيسة القديس بطرس، وهو ما سيكون سابقة منذ أكثر من ثلاثة قرون. وأصدر الفاتيكان، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، طقوساً مبسّطة للجنازات البابوية، مِن أبرزها استخدام تابوت بسيط من الخشب والزنك، بدلاً من التوابيت الثلاثة المتداخلة المصنوعة من خشب السرو والرصاص والبلوط.

وطوال حبريته، التي امتدت 12 عاماً، دافع أول بابا يسوعي وأميركي جنوبي في التاريخ، دون هوادة، عن المهاجرين والبيئة والعدالة الاجتماعية دون أن يمسّ عقيدة الكنيسة في شأن الإجهاض أو عزوبية الكهنة.

النشأة والميلاد

وُلد خورخي ماريو بيرجوليو، في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1936، في بوينس آيرس، وسط عائلة مكونة من خمسة أطفال، وهو أكبر أشقائه الأربعة، كان والده مهاجراً من إيطاليا. أما والدته فوُلدت في الأرجنتين، غير أنها من أصول إيطالية جنوية أيضاً. عمل والده في السكك الحديدية، أما والدته فكانت ربة منزل. وخلال مراهقته المبكرة، أُصيب البابا بالتهاب رئوي حاد نتيجة العدوى، وهو ما سيؤثر على صحته لاحقاً ويؤدي لاستئصال رئته اليمنى حين كان كاهناً.

البابا فرنسيس في سن المراهقة في بوينس آيرس (أ.ب)

ومنذ طفولته وشبابه، عُرف عن البابا شغفه بالأفلام، والموسيقى الشعبية في الأرجنتين والأوروغواي، ورقص التانجو، ومتابعته كرة القدم، وحبه تشجيعها، وبشكل خاص نادي برشلونة، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام محلية.

البابا فرنسيس (يسار)، وشقيقه أوسكار، في صورة التقطت في بوينس آيرس (أ.ب)

تلقّى البابا تعليمه الابتدائي في إحدى ضواحي بوينس آيرس، أما مدرسته الإعدادية فكانت متخصصة في التقنيات الكيميائية، وتابع دراسته الجامعية محصلاً درجة الماجستير في الكيمياء بجامعة بوينس آيرس.

السِّلك الكنسي

انضمّ إلى الرهبنة اليسوعية وهو في عمر 21 عاماً، وذلك في مارس (آذار) 1958، ودرس العلوم الإنسانية واللاهوتية في سانتياغو في تشيلي، وأشهر نذوره الرهبانية في مارس 1960، ليغدو بذلك عضواً رسمياً عاملاً في الرهبنة. وبعد إنهاء دراساته الأولى في تشيلي، عاد إلى الأرجنتين ليتابع دراساته في الفلسفة واللاهوت بالمعهد الإكليركي في ديفيتو فيلا، ثم في جامعة سان ماكسيمو دي مغيل، والتي حصل منها على البكالوريوس، وتابع دراساته في الأدب وعلم النفس بين عاميْ 1964 و1965 في جامعة ديلا أنماكيولادا في سانتا في، وتخرَّج فيها.

وفي عام 1967 أنهى بيرجوليو دراسته اللاهوتية، وسيم كاهناً في 13 ديسمبر 1969.

البابا فرنيسس وسط أسرته في صورة عائلية في بوينس آيرس (أ.ب)

اختير بيرجوليو لمنصب الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين، في أبريل (نيسان) 1973، ثم انتقل إلى فرنكفورت بألمانيا للإشراف على أطروحة الدكتوراه فيها بطلب من الرهبنة اليسوعية، وعند عودته عُيّن المدير والمعرّف الروحي في جامعة مدينة قرطبة الأرجنتينية.

يتقن البابا اللغات الإسبانية و‌اللاتينية و‌الإيطالية و‌الألمانية و‌الفرنسية و‌الأوكرانية، بالإضافة إلى الإنجليزية.

ترقياته الأسقفية

في 20 مايو (أيار) 1992، عيَّنه البابا يوحنا بولس الثاني أسقفاً مساعداً في بوينس آيرس، وأسقفاً فخرياً لمدينة أوكا، وحصل على الرسامة الأسقفية في 27 مايو بالكاتدرائية.

البابا فرنسيس عام 1973 (أ.ف.ب)

وفي 3 يونيو (حزيران) 1997، عُين البابا رئيس أساقفة معاوناً لبوينس آيرس، وبعد وفاة الكاردينال كواراشينو، أصبح رئيس الأساقفة، وكبير أساقفة الأرجنتين، ورئيساً للكاثوليك من الطقوس الشرقية في الأرجنتين، الذين ليس لديهم رئيس أساقفة خاص بهم، وذلك ابتداءً من 28 فبراير (شباط) 1998.

انتخابه بابا للفاتيكان

في عام 2001، جرى تعيينه «كاردينال» من قِبل البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني، وبرز بصفته أحد الشخصيات المؤثرة في الكنيسة الكاثوليكية بأميركا اللاتينية.

وأصبح أكثر شهرة في القارة، إذ بات رئيساً لمجلس أساقفة الأرجنتين في 2005، وأُعيد انتخابه في 2008 لفترة ثانية.

صورةٌ منشورةٌ من قِبل المكتب الصحفي لبطاقة عضوية الكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرغوليو آنذاك في نادي سان لورينزو لكرة القدم (أ.ف.ب)

وفي 13 مارس 2013، وبعد يومين من التوصيت، جرى انتخابه بابا للكنيسة الكاثوليكية في اجتماع الكرادلة، عقب استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر. اختار البابا لنفسه اسم فرنسيس؛ تأسياً بالقديس فرنسيس الأسيزي؛ أحد معلمي الكنيسة الجامعة، «والمدافع عن الفقراء، والبساطة، والسلام».

البابوية

ومنذ اليوم الأول لانتخاب فرنسيس بابا للفاتيكان، رفض البابا الجديد الإقامة في المقر البابوي، مفضّلاً البقاء في دير القديسة مارتا المتواضع، ومتخلياً عن بهرجة الملابس والحليّ والأحذية القرمزية التقليدية. واختار التنقل في سيارة متواضعة، واعتاد مخاطبة المؤمنين بلغة بسيطة كتلك التي يستخدمها عادةً المبشّرون العلمانيون الذين تحظر الكنيسة نشاطهم. وإلى جانب هذا، أصرّ دائماً على إظهار بُعده الإنساني العميق عندما كان يطلب من الشعب أن يتضرّع لأجله قبل أن يبادر هو إلى منحه البركة الرسولية.

يوقع على خزان وقود دراجة هارلي ديفيدسون النارية خلال لقائه بأعضاء جمعية «جيسوس بايكرز» للدراجات النارية في ساحة القديس بطرس، مدينة الفاتيكان، 29 مايو 2019 (إ.ب.أ)

أيضاً، منذ وصوله إلى سُدة البابوية، أعلن البابا فرنسيس إطلاق برنامج إصلاحي واسع سُرعان ما أطلق صفارات الإنذار في الدوائر الكنسية المحافِظة والأوساط السياسية اليمينية في إيطاليا وخارجها، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يتمتع التيار المتشدّد في الكنيسة الكاثوليكية بنفوذ واسع وموارد مالية وتحالفات وثيقة مع التيارات المحافِظة في الكنائس الأخرى.

وهكذا، لم يشهد بابا في التاريخ الحديث معارضة كالمعارضة الداخلية التي واجهها فرنسيس - ولا يزال - حتى قيل إن شعبيته خارج الكنيسة الكاثوليكية أكبر بكثير من شعبيته داخلها.

البابا فرنسيس يبارك مشجعاً لفريق إس إس لاتسيو الإيطالي لكرة القدم خلال لقاء بابوي مع رياضيين وأنصار النادي بقاعة بولس السادس بالفاتيكان في 2015 (إ.ب.أ)

بل لقد أعرب فرنسيس مراراً أمام مُعاونيه عن «مرارة عميقة» بسبب المكائد التي تحيكها الدوائر المحافِظة المتشددة في الكنيسة، والتي أدّت إلى عرقلة كثير من بنود برنامجه الإصلاحي الذي تعثرّ في شِقه الاقتصادي والمالي، لكنه نجح في إحداث تغيير ملموس على صعيد استراتيجية التواصل ومكافحة التحرّش الجنسي الذي سبّب له كثيراً من الحرج، خلال زياراته للخارج.

لكن على الرغم من تراجع منسوب التفاؤل الكبير الذي رافق وصوله إلى السدة البابوية، استطاع فرنسيس الحفاظ على الزخم الإصلاحي الذي وعد به، إذ قام بتعيين عدد كبير من أنصار برنامجه الإصلاحي في مراكز حساسة، خاصة في وزارة الخارجية والمجلس الاستشاري الواسع النفوذ، وفي مناصب استراتيجية لإدارة أموال الكنيسة. كذلك، واصل تعيين كرادلة جدد حتى أصبحوا يشكلون الأكثرية في المَجمع الذي من المفترض أن ينتخب خلفه بعد رحيله.

إصلاحاته في الكنيسة الكاثوليكية

عمل البابا فرنسيس على التخفيف من صرامة القوانين المتعلقة بالطلاق والزواج، وسمح لبعض المطلقين الذين تزوجوا مجدداً بتلقّي المناولة المقدسة، كما دعا إلى جعل الكنيسة أكثر قرباً من الناس وأقل بيروقراطية.

وعيَّن نساء في مناصب قيادية داخل الفاتيكان، لأول مرة في تاريخ الكنيسة، كما دعا إلى تعزيز دور المرأة داخل الكنيسة، لكنه لم يصل إلى حد الموافقة على منحهن رتبة الكهنوت.

البابا فرنسيس يعانق طفلاً في ختام مقابلته العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس مارس 2023 (إ.ب.أ)

وأطلق البابا الراحل إصلاحات داخل الفاتيكان لمحاربة الفساد المالي، وأقال عدداً من المسؤولين في إدارة الكنيسة بسبب قضايا مالية مشبوهة، وكان يشدد على ضرورة أن تكون الكنيسة نموذجاً في الشفافية والنزاهة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يُعلّق العلم الأرجنتيني خلفه في بوينس آيرس (أ.ب)

وكان هذا السياسي البارع ذو المواقف الجريئة عازماً على إدخال إصلاحات على الكوريا الرومانية؛ أي الحكومة المركزية للكرسي الرسولي، ومصمماً على تعزيز دور النساء والعلمانيين فيها، وعلى تطهير مالية الفاتيكان التي هزّتها شُبهات وفضائح. ولم يتردد حيال مأساة الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الكنيسة، في إلغاء السر البابوي في شأنها، وألزم رجال الدين والعلمانيين بإبلاغ رؤسائهم عن أي حالات من هذا النوع، لكن خطواته لم تنجح، مع ذلك، في إقناع جمعيات الضحايا التي أخذت عليه عدم اتخاذه إجراءات أبعد من ذلك.

البابا فرنسيس يتلقى المساعدة من مساعده رئيس الأساقفة دييغو جيوفاني رافيلي لدى وصوله لبدء مجمع كنسي عام لتنصيب 21 من الكرادلة بكاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وعُرف بأسلوبه القريب من الناس، ما أكسبه شعبية كبيرة، إذ كان مثلاً يتمنى للمؤمنين «شهية طيبة»، كل يوم أحد، في ساحة القديس بطرس. وتعرّض لانتقادات شديدة من معارضيه المحسوبين على التيار المحافظ الذين رأوا أنه يبتعد عن المبادئ التقليدية للكنيسة، وعَدُّوا أن أسلوبه في الإدارة سُلطويّ. وواجه البابا معارضة داخلية حادة بسبب إصلاحات أخرى، وانتقده البعض لقراراته الجريئة، كوضع قيود على القداس اللاتيني، والسماح بمباركة أزواج من المِثليين. كذلك اتهم البعض فرنسيس بالمبالغة في التخفيف من مكانة منصب البابا بأسلوبه الخارج عن المألوف، كتفضيله مثلاً الإقامة في شقة متواضعة من غرفتين بمساحة 70 متراً مربعاً، على السكن في القصر الرسولي الفخم.

التقارب بين الأديان

وبرز البابا فرنسيس، المتمسك بالحوار بين الأديان، وخصوصاً مع الإسلام. ففي عام 2017، زار مصر والتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأكد أن الحوار بين الأديان أصبح ضرورة مُلحة للتوصل إلى السلام، ومواجهة الخلافات، مشيراً إلى أنه «ما من عنفٍ يمكن أن يُرتكب باسم الله». وفي كلمته أمام المؤتمر العالمي للسلام، الذي نظّمه الأزهر، قال البابا فرنسيس: «لنكرر معاً: من هذه الأرض، أرض اللقاء بين السماء والأرض، وأرض العهود بين البشر وبين المؤمنين، لنكرر (لا) قوية وواضحة لأي شكل من أشكال العنف والثأر والكراهية يُرتكب باسم الدين، أو باسم الله».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبِلاً البابا فرنسيس عام 2017 (رويترز)

ودعا البابا إلى وقف «تدفق الأموال والأسلحة نحو الذين يثيرون العنف». وأضاف: «من الضروري وقف انتشار الأسلحة التي، إن جرى تصنيعها وتسويقها، فسيجري استخدامها عاجلاً أو آجلاً».

وفي عام 2019، وقَّع البابا مع شيخ الأزهر أحمد الطيب وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي، لتعزيز الحوار بين الأديان.

البابا فرنسيس يصافح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال اجتماع بين الأديان في أبوظبي عام 2015 (أ.ب)

كما زار العراق في 2021، حيث التقى المرجع الشيعي علي السيستاني، في خطوة غير مسبوقة لتعزيز العلاقات بين المسيحية والإسلام.

وفي ديسمبر الماضي، كشف البابا عن أنه كان هدفاً لمحاولة تفجير انتحاري أثناء زيارته للعراق قبل 3 سنوات، وكانت الأولى التي يقوم بها بابا كاثوليكي للبلاد، وربما كانت أخطر رحلة خارجية له خلال بابويته المستمرة منذ 11 عاماً، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي جزءٍ نُشر من سيرته الذاتية المرتقبة، قال البابا فرنسيس إن الشرطة أبلغته بعد هبوط طائرته في بغداد، في مارس 2021، أن اثنين على الأقل من الانتحاريين المعروفين كانا يستهدفان إحدى الفعاليات التي كان من المفترض أن يحضرها.

البابا فرنسيس يحضر صلاة من أجل ضحايا الحرب بمدينة الموصل القديمة مارس 2021 (رويترز)

وكتب البابا، وفق مقتطف من الكتاب نشرته صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية اليومية: «كانت هناك امرأة محملة بالمتفجرات، شابة انتحارية، متجهة إلى الموصل لتفجير نفسها أثناء الزيارة البابوية، كما انطلقت شاحنة صغيرة بسرعة قصوى للقصد نفسه».

كانت زيارة البابا فرنسيس إلى الموصل محطة مهمة، خلال رحلته إلى العراق، نظراً لأن ثاني أكبر مدينة في العراق كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش» من عام 2014 إلى 2017، وزار البابا أنقاض 4 كنائس مدمَّرة هناك، وأطلق نداءً من أجل السلام.

وخلال الزيارة، لم يقدم الفاتيكان سوى القليل من التفاصيل حول الاستعدادات الأمنية من أجل البابا. وكان حضور فعاليات عدة خلال زيارته، التي جَرَت في الوقت الذي بدأ فيه انحسار جائحة «كوفيد-19»، متاحاً لعدد محدود من الأشخاص فقط.

ونشر العراق آلافاً من أفراد الأمن الإضافيين لحماية البابا.

موقفه من حرب غزة

ظهر البابا فرنسيس من شُرفة «كاتدرائية القديس بطرس»، رغم صحّته الهشّة، في عيد الفصح، أمس، في آخِر ظهور له بينما احتشد آلاف الكاثوليك في الساحة؛ على أمل رؤية البابا بعد شهر واحد فقط من مغادرته المستشفى.

وندَّد البابا بالوضع الإنساني «المأساوي» في قطاع غزة، ودعا إلى وقف إطلاق النار، محذراً، في الوقت نفسه، من «تنامي جو معاداة السامية الذي ينتشر في جميع أنحاء العالم»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالما كان بابا الفاتيكان رافضاً للحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة، والتي كان يصفها بأنها «وحشية وليست حرباً». وقال، في خطاب سنوي بمناسبة عيد الميلاد أمام كرادلة كاثوليك، ما بدا أنه إشارة إلى غارات جوية إسرائيلية أودت بحياة 25 فلسطينياً على الأقل، في ديسمبر الماضي: «جرى قصف الأطفال... هذه وحشية، هذه ليست حرباً. أردت أن أقول ذلك لأنه يمس القلب».

صاحب متجر في بيت لحم بالضفة الغربية يضع شريطاً أسود على صورة البابا الراحل فرنسيس بعد نبأ وفاته (أ.ب)

وعادةً ما يكون البابا، بصفته زعيم الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار نسمة، حذِراً بشأن الانحياز إلى أي من أطراف الصراعات، لكنه صار، في الآونة الأخيرة، أكثر صراحة فيما يتعلق بالحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة على حركة «حماس».

وقال البابا، في نهاية نوفمبر الماضي، إنّ «غطرسة الغزاة تسود على الحوار في فلسطين».

وفي مقتطفات من كتاب، نُشرت الشهر الماضي، قال البابا إن بعض الخبراء الدوليين قالوا إن «ما يحدث في غزة يحمل خصائص الإبادة الجماعية».

وانتقدت إسرائيل، حينها، هذه التصريحات، وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن إسرائيل تدافع عن نفسها في وجه القسوة التي ظهرت في «اختباء (مسلّحي حماس) خلف الأطفال، خلال محاولتهم قتل أطفال إسرائيليين»، واحتجازهم 100 رهينة وإساءة معاملتهم.

وذكرت الوزارة: «للأسف، قرَّر البابا أن يتجاهل كل هذا»، مضيفة أن «وفاة أي شخص بريء في الحرب مأساة».

وتابعت قائلة: «تبذل إسرائيل جهوداً غير عادية لمنع إلحاق الأذى بالأبرياء، في حين تبذل (حماس) جهوداً استثنائية لزيادة الأذى على المدنيين الفلسطينيين».

وانتقد وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، تلك التعليقات، بشدة، في رسالة مفتوحة غير معتادة، نشرتها صحيفة «إيل فوليو» الإيطالية. وقال شيكلي إن تصريحات البابا تصل إلى حد «الاستخفاف» بمصطلح الإبادة الجماعية.

قضايا اللاجئين

في فبراير الماضي، وجَّه بابا الفاتيكان انتقاداً شديداً لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية الترحيل الجماعي للمهاجرين من الولايات المتحدة.

وحذَّر من أن «البرنامج الذي يقضي بترحيل الأشخاص قسراً، فقط بسبب وضعهم غير القانوني، يَحرمهم من كرامتهم المتأصلة، وسينتهي بشكل سيئ».

جاءت خطوة البابا فرنسيس الاستثنائية في تناول القمع الأميركي ضد المهاجرين، في رسالة إلى أساقفة الولايات المتحدة، الذين انتقدوا عمليات الطرد بوصفها تُلحق الضرر بالفئات الأكثر ضعفاً.

البابا فرنسيس يقبّل رأس طفل في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان أمس (إ.ب.أ)

ولطالما جعل فرنسيس رعاية المهاجرين أولويةً، خلال فترة بابويته، حيث طالب الدول باستقبال الفارّين من الصراعات والفقر والكوارث المناخية، وحمايتهم وتعزيزهم ودمجهم... وقال: «إن الحكومات من المتوقع أن تقوم بذلك إلى أقصى حدود قدرتها».

وقال البابا فرنسيس، في الرسالة، إن للدول «الحق في الدفاع عن نفسها والحفاظ على مجتمعاتها آمنةً من المجرمين. ومع ذلك فإن عملية ترحيل الأشخاص الذين غادروا أراضيهم، في كثير من الحالات لأسباب تتعلق بالفقر المُدقع، أو انعدام الأمن، أو الاستغلال، أو الاضطهاد، أو التدهور الخطير للبيئة، تُلحق الضرر بكرامةِ كثير من الرجال والنساء، وأُسرٍ بأكملها، وتضعهم في حالة من الضعف والعجز بشكل خاص».

مع شخص يرتدي زي سبايدرمان في ساحة سان داماسو في الفاتيكان (أ.ب)

وأكد «حق الأشخاص في البحث عن المأوى والأمان في بلدان أخرى». وأعرب عن قلقه بشأن ما يحدث في الولايات المتحدة. وقال: «ما يُبنى على أساس القوة، وليس على الحقيقة حول الكرامة المتساوية لكل البشر، يبدأ بشكل سيئ، وسينتهي بشكل سيئ».

فصول من المرض والأزمات الصحية

سبقَ للبابا، الذي يُعَدّ الزعيم الروحي لنحو 1.4 مليار كاثوليكي في العالم، أن أمضى فترتين في المستشفى عام 2023، أُجريَت له خلال إحداهما عملية جراحية كبرى في الأمعاء، واضطر، في الأشهر الأخيرة، إلى صرف النظر عن مجموعة من الارتباطات. وأُصيب خورخي بيرجوليو عندما كان في الحادية والعشرين بالتهاب الجنبة الحاد، واضطر الجرّاحون إلى إزالة رئته اليمنى جزئياً.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

خاص القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

نجا قائد «حماس» في غزة علي العامودي، من عملية اغتيال في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأدت حينها لمقتل 5 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى والعالقين من وإلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

خاص كواليس «7 أكتوبر»... الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً وسعد طالب بوقفها

تتكشف كل فترة معلومات فلسطينية جديدة حول خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتوقعات الرد الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
TT

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)
سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

وسط تصاعد التوتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية إبرام واشنطن صفقة لتوريد الديزل من روسيا، وتلويح البيت الأبيض أيضاً بقطع الدعم الاستخباراتي الحيوي المقدم إلى كييف، لكن هذه الخلافات الأخيرة قد تحجب تطوراً أكثر أهمية، يتمثل في تحرك الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام مشترك، من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً للتوصل إلى تسوية إقليمية تنهي الحرب.

وذكر الكاتب ديفيد إغناشيوس، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، أنه تحدث إلى مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات الجارية في هذا الشأن، وقد أخبره أن مناقشة هذا التحرك الدبلوماسي تمت خلال اجتماع استمر 6 ساعات، عُقد يوم الجمعة الماضي في ولاية فلوريدا، واستضافه المبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

وشارك في الاجتماع مسؤولون أوكرانيون وممثلون عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وبحسب المسؤول، حاول المفاوضون الأميركيون صياغة حزمة تعالج احتياجات ما بعد الحرب لكل من أوكرانيا وروسيا، بطريقة تنهي حمام الدم وتضمن وضعاً أفضل للبلدين.

وتضمنت الخطة المقترحة 4 ركائز أساسية لإنهاء الحرب هي:

*إعادة إعمار أوكرانيا

ستكون إعادة إعمار أوكرانيا هي الركيزة الأولى، إذ أشار إغناشيوس إلى أن البنك الدولي وشركة الاستثمار «بلاك روك» (BlackRock) يسعيان لوضع إطار عمل لتلبية الاحتياجات المالية الأوكرانية المتعددة، والتي تشمل إعادة بناء المناطق المدمرة في البلاد، وتوفير المزايا لعائلات الجنود القتلى والجرحى، وإنعاش الاقتصاد المنهار.

وقد طلب المفاوضون من كييف تقديم تقديرات مفصلة لتكاليف إعادة الإعمار، وضمانات بعدم نهب هذه الأموال من قبل المنتفعين في مرحلة ما بعد الحرب. وبحسب إغناشيوس، لم يقدم الأوكرانيون أرقاماً محددة حتى الآن، لكن من المتوقع أن يفعلوا ذلك خلال الأيام القليلة المقبلة، ما لم تنهر جهود السلام.

*ضمانات أمنية لمنع تجدد الحرب

ستكون الضمانات الأمنية العنصر الأساسي الثاني، حيث ستحصل أوكرانيا على تعهد من الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالرد عسكرياً في حال شنت روسيا هجوماً جديداً، وهو ما وصفه المسؤول الأميركي الي تحدث إلى إغناشيوس بأنه يشبه الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأعضائه.

وأشار المسؤول إلى أن روسيا ستتفاوض أيضاً على اتفاقيات مع أوروبا تعالج مخاوفها الأمنية، وإن لم تتضح بعد تفاصيل ما قد تنطوي عليه هذه الاتفاقيات.

*التكامل الاقتصادي بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا من خلال اتفاقية للطاقة

قد يتضمن ذلك إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز الروسيين إلى أوروبا، مع تقاسم الأرباح بين أوكرانيا وروسيا.

وذكر المسؤول الأميركي أن خطاً كهذا من شأنه أن يخفض تكاليف الطاقة في أوروبا بشكل كبير.

كما تتضمن الخطة تحديد آليات وجدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، بما يمنح موسكو فرصة لاستعادة الوصول طويل الأجل إلى الأسواق الأوروبية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

*وقف إطلاق النار عند خطوط السيطرة الحالية

ستكون هذه الركيزة الأكثر صعوبة وتعقيداً، إذ تتطلب موافقة روسيا، التي بدأت الحرب آملةً في السيطرة على كامل أوكرانيا، على وقف إطلاق النار عند خطوط المواجهة الحالية بين القوات الروسية والأوكرانية، أو «خطوط السيطرة» كما يصفها المفاوضون.

ويعني ذلك عملياً قبول أوكرانيا ببقاء الأراضي التي تسيطر عليها روسيا تحت السيطرة الروسية في إطار التسوية، بما يشمل مناطق متنازعاً عليها في إقليم دونباس.

وتتمثل إحدى العقبات في أن «خط السيطرة» غير محدد بدقة، نظراً للتغيرات الطفيفة التي تطرأ على الجبهة بشكل شبه يومي.


ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)
الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

مَثل ضابط أوكراني سابق أمام محكمة ألمانية، اليوم الأربعاء، بتهمة المساعدة في التخطيط للهجمات التي استهدفت خطَّي أنابيب غاز «نورد ستريم» في بحر البلطيق قبل أربع سنوات، في واحدة من كبرى عمليات التخريب بأوروبا.

ويواجه الرجل، الذي يُشار إليه باسم سيرهي كيه، بموجب قوانين حماية الخصوصية الألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب، على خلفية استهدافه أهدافاً مدنية أثناء خدمته في الجيش الأوكراني.

كما وجه الادعاء العام الألماني إليه اتهامات بالتسبب في انفجار باستخدام متفجرات، وتدمير بنية تحتية، وتعطيل الخدمات العامة.

القضاة يستعدّون لبدء جلسات محاكمة الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

وتُعقد المحاكمة، التي تحظى بمتابعة واسعة أمام المحكمة الإقليمية العليا، في مدينة هامبورغ شمال ألمانيا.

ووفقاً للائحة الاتهام، كان سيرهي كيه أحد العسكريين الذين وضعوا خطة، نيابة عن السلطات الحكومية الأوكرانية، لتدمير خطَّي الأنابيب اللذين أُنشئا لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، بهدف ظاهري يتمثل في الحد من الموارد المالية الروسية المخصصة للحرب، وذلك بعد فترة وجيزة من بدء روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا.

ويُتهم سيرهي كيه بقيادة فريق ضم عدداً من الغواصين المحترفين ورُبان سفينة وخبيراً في المتفجرات، ويُشتبه في أنهم نقلوا كميات كبيرة من المتفجرات العسكرية شديدة القوة إلى المياه قبالة جزيرة بورنهولم الدنماركية، على متن يخت شراعي استأجروه في مدينة روستوك شمال ألمانيا.

وبالقرب من بورنهولم، يُشتبه في أن الفريق ثبّت عبوات ناسفة مزوّدة بمؤقِّتات على خطَّي أنابيب الغاز في قاع البحر، وانفجرت هذه العبوات، في 26 سبتمبر (أيلول) 2022، مما ألحق أضراراً جسيمة بخطَّي نورد ستريم 1 و2.

وعُثر لاحقاً على أربعة مواضع لتسرُّب الغاز في ثلاثة من الأنابيب الأربعة.

الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

وأُلقي القبض على سيرهي كيه، في نهاية أغسطس (آب) 2025، أثناء قضائه عطلة مع أسرته على ساحل البحر الأدرياتيكي في إيطاليا، ثم سُلم إلى ألمانيا بعد ثلاثة أشهر، حيث وُضع رهن الحبس الاحتياطي.

وفي حين حمَّل مراقبون دوليون موسكو المسؤولية، في البداية، كثّف المحققون بحثهم في احتمال تورط أجهزة الأمن الحكومية الأوكرانية، رغم أن أوكرانيا تعدُّ ألمانيا من أقرب حلفائها، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتُجرى محاكمة المشتبَه به، الذي يُعتقد أنه العقل المدبر المفترَض للهجوم، وسط إجراءات أمنية مشددة في المحكمة الإقليمية العليا بهامبورغ.

وتجمَّع محتجّون مؤيدون لأوكرانيا خارج المحكمة، ورفعوا لافتات حملت عبارات؛ من بينها «روسيا دولة إرهابية»، مكتوبة باللون الأحمر، بينما كان المتقاضون يدخلون المبنى، وفقاً لـ«أسوشييتد برس».


كييف تتهم واشنطن بـ«مساعدة» موسكو في الحرب... ونفي أميركي

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
TT

كييف تتهم واشنطن بـ«مساعدة» موسكو في الحرب... ونفي أميركي

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)
عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

اتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، الأربعاء، الولايات المتحدة بمساعدة روسيا في حربها ضد أوكرانيا، مؤكداً أن واشنطن لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية كما أنها أبطأت خدمات ستارلينك.

وأضاف المسؤول الذي تحدث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» وفضّل عدم الكشف عن هويته: «لم نتلقّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة»، مضيفاً أنه «فضلاً عن ذلك، خفض الأميركيون سرعة شبكة ستارلينك».

إلى ذلك، قال أحد المستشارين التقنيين للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأربعاء إن القيود المفروضة على تشغيل محطات الإنترنت التابعة لستارلينك منعت أوكرانيا من التصدي للطائرات المسيرة النفاثة، وذلك بعد ليلة من الهجمات الروسية الواسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد.

وقال سيرغي بسكريستنوف في منشور عبر تلغرام «من خلال هذه التصرفات، يحرمنا شركاؤنا من إحدى الوسائل القليلة المتاحة لنا للدفاع عن البلاد ضد طائرات شاهد المسيرة التي تعمل بالمحركات النفاثة».

نفي أميركي

لكنّ مسؤولاً أميركياً أكد أن «لا تغيير» في سياسة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن المسؤول قوله إن «الولايات المتحدة لم تدخل أي تغيير على سياسة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حلفائها وشركائها، بما في ذلك أوكرانيا».

وقُتل ستة أشخاص، على الأقل، في غارات روسية على أوكرانيا، ليل الثلاثاء-الأربعاء، وفق ما أفادت السلطات، في وقت أعلنت موسكو عن إسقاط أكثر من 900 مسيَّرة أطلقتها أوكرانيا خلال الليل.

وقُتل ثلاثة أشخاص في كييف، حيث انقطع التيار الكهربائي في عدة أحياء، وفقاً لرئيس البلدية فيتالي كليتشكو وللشركة المشغّلة للطاقة. كما قُتل شخصان آخران في منطقة دنيبروبيتروفسك بوسط البلاد، وقُتل شخص في منطقة زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا، وفقاً لمسؤولين محليين.

عنصران من الشرطة يعملان في موقع بكييف بعد استهدافه بغارة جوية روسية (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن محطة لتوليد الكهرباء في كييف تعرضت، مساء الثلاثاء، لضربة بصاروخ روسي، دون أن تتلقى أوكرانيا أي إنذار مبكر من حلفائها الغربيين بشأن هذا الهجوم.

وقال زيلينسكي، عبر «فيسبوك»: «هجوم صاروخي باليستي روسي على كييف. مرة أخرى، لم يصدر أي تحذير مسبق من جانب شركائنا. كان الهدف الرئيسي منشأة للطاقة، وتحديداً محطة التوليد الحراري رقم 4».

وتعتمد أوكرانيا على المعلومات الاستخباراتية العسكرية الغربية، خصوصاً الأميركية، لرصد الهجمات الروسية.

ويثير تجدد التوتر أخيراً بين زيلينسكي والرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف في كييف من تراجع هذا الدعم الحيوي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

وتابع زيلينسكي: «لم ترصد أنظمتنا هذه الصواريخ إلا عندما كانت تقترب فعلياً من كييف»، واصفاً المحطة المستهدَفة بأنها «منشأة طاقة أساسية في كييف».

وأضاف: «لا يكتفي الروس بتدمير بنيتنا التحتية للطاقة، بل إن أوكرانيا لا تتلقى حتى تحذيرات مسبقة بشأن إطلاق الصواريخ البالستية».

من جهته، قال رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو إن شخصين، على الأقل، قُتلا في الهجوم نفسه الذي طال أيضاً مبنى سكنياً في منطقة ديسنيانسكي، مشيراً إلى إصابة نحو عشرين شخصاً.

وليل الاثنين-الثلاثاء، سمع سكان كييف انفجارات ناجمة عن ضربات روسية، ولم يُطلق إنذار الغارات الجوية إلا بعد ذلك، وهو أمر حدث في الماضي لكنه كان نادراً.

كان زيلينسكي قد أشار إلى أن أوكرانيا لم تتلقَّ تحذيراً من الغربيين بشأن الهجوم الليلي.

وعزا مسؤولون أوكرانيون، الثلاثاء، هذا الوضع إلى استخدام الجيش الروسي صواريخ يصعب رصدها أو إلى «مشكلات تقنية» محتملة.

وقال الناطق باسم سلاح الجو الأوكراني يوري إغنات، عبر التلفزيون: «قد يحدث ألا تصلنا هذه المعلومات، وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث ذلك، كما أن هناك جوانب تقنية يجب أخذها في الحسبان».

من جانبها، أعلنت روسيا الأربعاء إسقاط 902 مسيّرة أوكرانية خلال الليل، بينها 180 بالقرب من موسكو.

وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان إنّ «أنظمة الدفاع الجوي دمّرت خلال الليل 902 طائرة مسيَّرة أوكرانية» فوق نحو 20 منطقة روسية وشبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو.

وأفاد رئيس بلدية العاصمة سيرغي سوبيانين في منشور عبر تطبيق «تلغرام»، بأنّ «180 مسيَّرة دمّرت أثناء اقترابها من موسكو». وهذا من أكبر أعداد المسيّرات التي تستهدف موسكو في الأسابيع الأخيرة.

وأدت الهجمات إلى تعطيل العمليات في مطارات موسكو بشكل كبير، حيث عُلّق العمل في مطار فنوكوفو لأكثر من ثماني ساعات، وفقاً للسلطات المعنية.

زيلينسكي يلتقي بيرنهام

في سياق متصل، يلتقي زيلينسكي رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في لندن، اليوم الأربعاء، في وقت تسعى فيه بريطانيا لتأكيد دعمها لأوكرانيا، بما في ذلك التعهد بحزمة جديدة من صواريخ سطح-جو.

وقالت بريطانيا إنها لا تؤيد الاتفاق الأميركي الروسي بشأن الديزل، ودعت الحلفاء إلى مواصلة الضغط الاقتصادي على موسكو.

وقال بيرنهام، في بيان قبل الاجتماع: «رسالتي إلى الشعب الأوكراني لا تحتمل أي لبس: نحن إلى جانبكم مهما استغرق الأمر، وسنمضي أبعد وبوتيرة أسرع في دعمنا لمساندة نضالكم الشُّجاع من أجل إحلال السلام في أوروبا».

وأضاف أن دعم أوكرانيا ضروري للحفاظ على أمن المواطنين في بريطانيا، متعهداً بتقديم مزيد من المساعدات العسكرية.

وأعلن عن تسليم مزمع لصواريخ سطح-جو بقيمة 45 مليون جنيه إسترليني (59.6 مليون دولار) من أجل استهداف الطائرات المسيَّرة الروسية التي تعمل بمحركات نفاثة.

وستُسرع بريطانيا تقديم 10 ملايين جنيه إسترليني من هذه الحزمة لتلبية الحاجات المُلحة لأوكرانيا.

كما طلب بيرنهام من المسؤولين إعداد عقوبات جديدة ومساعدات عسكرية ودعماً مالياً.