جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

جهاز «إم آي 5» يفتح ملفاته منذ بدايات القرن الماضي... انتصار على الألمان وفشل أمام الروس... وأضخم العمليات ضد «القاعدة»

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
TT

جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا الموضوع لا بد أنه منشور في المساحة الخطأ. فالقارئ العربي لن يشعر، على أغلب الظن، براحة نفسية وهو يجول بين جواسيس أجهزة الأمن. السوري سيتبادر إلى ذهنه، ربما، فرع فلسطين السيئ السمعة في أجهزة النظام السابق. العراقي سيرتعد فزعاً وهو يستعيد ما يعرفه عن غرف التعذيب في دهاليز أجهزة استخبارات الرئيس الأسبق صدام حسين. أما الليبي فسيفكر في «سجن أبو سليم» أو «محكمة الشعب» خلال حكم العقيد الراحل معمر القذافي. وما ينطبق على سوريا والعراق وليبيا لا بد أنه ينطبق كذلك على كثير من الدول العربية.

لذا، إذا كان جواسيس أجهزة الاستخبارات يثيرون الرعب في قلبك، فهذا الموضوع لا يعنيك بالتأكيد.

مناسبة هذه المقدمة هي التقديم لمعرض يقيمه جهاز الأمن البريطاني (إم آي 5) ويستعرض فيه بعض أبرز إنجازاته، مع إقرار بإخفاقاته أيضاً. يتعرَّف الزائر على معلومات عن أبرز جواسيسه التاريخيين، مسلطاً الضوء على ما قاموا به منذ تأسيس جهاز الاستخبارات البريطاني في أوائل القرن العشرين. إضافة إلى الجواسيس، يتضمَّن المعرض بعضاً من الأجهزة التقنية التي استخدموها، والتي تبدو اليوم، مع سرعة التقدم التكنولوجي، في مكانها الصحيح: متحف المحفوظات التاريخية.

يقدِّم المعرض المقام في أحد أجنحة الأرشيف الوطني بضاحية كيو، جنوب غربي لندن، لمحةً عن تاريخ إنشاء جهاز الاستخبارات البريطاني في بدايات القرن العشرين، في خضم حمّى خوف متفشٍّ عمَّ الشارع البريطاني من تحضير الألمان لغزو البلاد. تمهيداً لذلك، أرسلت ألمانيا شبكةً واسعةً من جواسيسها لجمع معلومات تساعد جيشها عندما يبدأ الغزو. وللتصدي لشبكة الجواسيس المفترضة، قرَّرت الحكومة البريطانية، عام 1909، إنشاء «مكتب الخدمات السري» الذي كان أول جهاز من نوعه في بريطانيا مهمته التصدي للجواسيس الأجانب. بدأ المكتب عمله بعنصرين فقط: الكابتن فيرنون كل، القادم من صفوف الجيش، والكوماندر مانسفيلد كامينغ، الآتي من البحرية الملكية. وسرعان ما انقسم عملهما إلى فرعين مستقلين: أسس فيرنون كل الاستخبارات الداخلية المكلفة التصدي للتجسس الأجنبي (إم آي 5)، بينما أسَّس كامينغ الاستخبارات الخارجية (إم آي 6) ومهمتها التجسس خارج بريطانيا.

نسخ طبق الأصل من ملفات «MI5» السرية للغاية سابقاً بما في ذلك ملفات الجواسيس والعملاء المزدوجين (National Archives)

ربما كان الخوف من شبكات التجسس الألمانية مبالغاً فيه، لكن الحرب العالمية الأولى أظهرت أن هناك فعلاً مبرراً للقلق. ففي 4 أغسطس (آب) 1914، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، وزعمت، في اليوم التالي مباشرة، أنها حطَّمت شبكات التجسس التي زرعها الألمان. اعتقل البريطانيون فوراً 21 جاسوساً حقيقياً أو مشتبهاً بأنهم جواسيس لألمانيا، وخلال الحرب اعتقلوا 11 جاسوساً كان مصيرهم الإعدام. مع خسارتهم شبكة عملائهم، اضطر الألمان إلى خفض نشاطهم الاستخباراتي في بريطانيا بعد عام 1915. شكَّل ذلك انتصاراً واضحاً للجواسيس البريطانيين على الألمان. على الأقل هذا ما تحاول أن تُظهره لوحة معلومات معلقة على جدار في معرض «إم آي 5».

هُزمت ألمانيا في الحرب الأولى، لكنها سرعان ما أعادت الكرّة في بدايات الحرب العالمية الثانية. تُقدِّم إحدى اللوحات المعروضة في المعرض معلومات عن إطلاق ألمانيا النازية، عام 1940، حملة تجسس في بريطانيا تمهيداً لغزوها. وصل الجواسيس الألمان في زوارق أو غواصات، بينما وصل بعضهم جواً عبر مظلات. توضِّح لوحة التعريف أن كثيراً منهم (الجواسيس الألمان) «كانوا من ذوي التدريب الرديء. بعضهم لم يكن يتكلم الإنجليزية إطلاقاً، وجميعهم فعلياً تم رصدهم واعتقالهم». وجد المعتقلون أنفسهم في قاعدة لـ«إم آي 5» تُعرف بـ«معسكر 020» في ضاحية هام كومون قرب ريتشموند بمقاطعة ساري (على أطراف لندن)، حيث حاول المحققون «قلب» العملاء الألمان كي يصيروا «عملاء مزدوجين». نجح البريطانيون في «قلب» بعضهم. تتباهى إحدى اللوحات في المعرض بأن الاستخبارات البريطانية لعبت دوراً بارزاً في النصر على ألمانيا نتيجة عمليات نفَّذها 120 من «العملاء المزدوجين» الذين كانوا يعملون لمصلحة البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية. تشير لوحة معلومات أخرى إلى أن بريطانيا لاحقت، بين عامَي 1940 و1946، 19 جاسوساً بتهمة الخيانة، وأعدمتهم. أحد هؤلاء كان يوسف يعقوب الذي هبط بمظلة، لكنه أُصيب بكسر في الساق وتم اعتقاله. في التحقيق، زعم يعقوب أنه جاء ليقدم تقارير عن «أوضاع الطقس». لم ينقذه نفيه. أعدمه البريطانيون، بموجب قانون الخيانة، في قلعة لندن الشهيرة، وكان الشخص الأخير الذي يُعدَم هناك.

الدليل على أن يوسف يعقوب آخر شخص تم إعدامه في برج لندن كان جاسوساً ألمانياً (National Archives)

لا يشير جهاز الأمن البريطاني بالتفصيل إلى طريقة انتزاع الاعترافات من الموقوفين. لكنه يخصِّص قسماً من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز، الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (كان يضع نظارة بعين واحدة). قاد ستيفنز معسكر «هام كومون» التابع لجهاز الأمن والمخصَّص للتحقيق مع الجواسيس المفترضين، وكان معروفاً بأنه «متقلب المزاج وشرس». هذا التوصيف الذي يقدِّمه الجهاز لقائد معسكر التحقيق، سرعان ما يضيف إليه تأكيداً بأنه منع استخدام «العنف الجسدي» ضد السجناء في «المعسكر 020»، لكنه «سمح باستخدام الضغط النفسي». سواء استخدم العنف الجسدي أو الضغط النفسي، سيبدو «صاحب النظارة بعين واحدة»، على الأرجح، وكأنه ملاك مقارنة مع ما قام به المحققون في مراكز التعذيب العربية... على غرار الأهوال التي كُشفت أخيراً عمّا كان يحصل في «سجن صيدنايا» السوري السيئ السمعة.

يخصص قسم من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (الشرق الأوسط)

يتضمَّن المعرض كاميرات قديمة كان الجواسيس البريطانيون يستخدمونها لتصوير العملاء المشتبه بهم، وأجهزة تنصت على الهواتف والمنازل. ويشير الجهاز إلى أن فريقاً، معظمه من النساء، كان يتولى تفريغ نصوص تسجيلات التنصت، مقرّاً بأن النساء لم يتم ضمهن إلى فرع المراقبة (المعروف بـ«آي 4») سوى في خمسينات القرن الماضي. وحتى في ذلك الوقت، لم يكن مسموحاً لهن بالبقاء في منصبهن هذا سوى لـ5 سنوات حدّاً أقصى. كما أن مهماتهن في الواقع لم تعدُ أن يكنَّ جاسوسات نيابةً عن الضباط الغائبين عن عمليات المراقبة.

من كاميرات جهاز «إم آي 5» (National Archives)

نجاحات وإخفاقات

يتباهى جهاز الأمن «إم آي 5» بقصص نجاحات عديدة، بينها قصة أوليغ غورديفسكي. هذا الضابط في جهاز الأمن والاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) جنَّده البريطانيون للعمل لمصلحتهم بدءاً من عام 1974. استدعاه الـ«كي جي بي» للعودة إلى موسكو للاشتباه في أنه جاسوس مزدوج، لكن البريطانيين رتَّبوا هروبه عام 1985. تُظهر إحدى لوحات المعرض كيف تم إبلاغ رئيسة الحكومة الراحلة مارغريت ثاتشر بتهريب العميل «هتمان» (الكود السري لغورديفسكي) بعدما قدَّم «كمية كبيرة جداً من المعلومات البالغة القيمة عن نشاط الاستخبارات السوفياتية».

نجاحات «إم آي 5» قابلها أيضاً إقرار بالفشل. خصَّص جهاز الأمن قسماً من المعرض لكلاوس فوش الذي لم يُكشف سوى عقب نقله أسرار القنبلة النووية الأميركية (مشروع مانهاتن) للروس خلال الحرب العالمية الثانية. يُقرُّ جهاز الأمن بأن قضية «الجاسوس الذري» فوش، أثبتت آنذاك أن إجراءات التثبت من عدم وجود اختراق استخباراتي للأمن البريطاني لم تكن كافيةً، خصوصاً أنه خضع لإجراءات كشف العملاء 3 مرات، وكان ينجح في كل مرة. ألحقت فضيحة فوش ضرراً كبيراً بالعلاقة الاستخباراتية الخاصة مع الأميركيين، لكنها لم تكن الانتصار الوحيد للسوفيات على البريطانيين. في الواقع، يُخصِّص معرض «إم آي 5» جزءاً من أقسامه لإخفاقاته في مواجهة الروس، وتحديداً في قضية مَن يسميهم «جواسيس كمبردج»: هارولد (كيم) فيلبي، وغاي بيرجس، ودونالد ماكلين، وجون كيركروس. شكَّل هؤلاء أرفع شبكة استخبارات سوفياتية داخل الاستخبارات البريطانية. كانوا جميعاً من خريجي جامعة كمبردج وجنَّدهم السوفيات منذ ثلاثينات القرن الماضي.

حقيبة الجاسوس غاي بيرجيس التي احتوت على رسائل وأوراق وصور مُعارة من جهاز الأمن (National Archives)

إضافة إلى جواسيس شبكة كمبردج، يُقرُّ معرض جهاز الأمن البريطاني باختراق سوفياتي آخر تمثَّل فيما تُعرف بـ«حلقة جواسيس بورتلاند» خلال حكومة المحافظين بقيادة هارولد ماكميلان في ستينات القرن الماضي. ضمت خلية الجواسيس موظفَين في الحكومة البريطانية يعملان في فرع للبحرية الملكية مخصص لعمليات الرصد تحت الماء في بورتلاند بمقاطعة دورست (غرب إنجلترا). مرَّر الموظفان للاستخبارات السوفياتية تفاصيل سرية عن مشروع الغواصات البريطاني. ضمت الشبكة أيضاً عميلين آخرين لـ«كي جي بي» من مواليد أميركا كانا يتظاهران بأنهما بائعا كتب نادرة. فكَّك البريطانيون هذه الشبكة ولكن ليس نتيجة جهدهم الخاص، فقد أبلغتهم عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بعدما كشفها لهم عميل بولندي.

الحرب ضد الإرهاب

لا يكتفي معرض الاستخبارات البريطانية بتناول النجاحات والإخفاقات التاريخية، إذ إن قسماً منه يتناول أيضاً الحرب ضد تنظيم «القاعدة» وكيف كشفت «عملية أوفيرت»، وهي أكبر عملية لمكافحة الإرهاب في تاريخ «إم آي 5» وشرطة لندن، خلية انتحاريين كانت تخطِّط لتفجير 7 طائرات تنطلق من مطار هيثرو إلى الولايات المتحدة في صيف عام 2006. يتضمَّن المعرض نموذجاً للسوائل المتفجرة التي كان سيستخدمها الانتحاريون، التي كانت مخفيةً في عبوات مشروبات. كما يتضمَّن المعرض تفاصيل عن العملية التي نفَّذتها، على الأرجح، الاستخبارات الروسية في قلب لندن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 وأسفرت عن مقتل ألكسندر ليتفينينكو، ضابط الاستخبارات الروسية (إف إس بي). كان الأخير يعمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية، وقتله عميلان روسيان بعدما دسَّا له سم «بولونيوم 210» المشع في فنجان شاي كان يحتسيه بفندق شهير في العاصمة البريطانية.

يستمر المعرض المجاني حتى 28 سبتمبر (أيلول) المقبل.


مقالات ذات صلة

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

يوميات الشرق تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق إحدى لوحات بورتريهات الفيوم (وزارة السياحة والآثار)

سحر «وجوه الفيوم» يمتد إلى روما

امتد سحر «وجوه الفيوم» المصرية القديمة إلى إيطاليا، حيث لفتت الانتباه وحظيت بحضور خاص في افتتاح معرض «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

تحت عنوان «حكايات من خزانة الوطن» افتتح معرض استعادي للفنان والناقد التشكيلي المصري الراحل عز الدين نجيب، يضم أعمالاً فنية تكرس لأرشيف بصري للروح المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
TT

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)
مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

جدَّد قرار إزالة مدفن «أبو التعليم المصري» وصاحب موسوعة «الخطط التوفيقية»، علي باشا مبارك، الجدلَ حول عمليات هدم المدافن التاريخية في مصر، بوصفها جزءاً من تاريخ البلاد وتراثها الحديث.

وقال جابر رمضان، حفيد علي باشا مبارك، إن العائلة تسعى إلى إلغاء قرار الهدم، أسوة بما حدث في قضية مقبرة القارئ الشيخ محمد رفعت، مشيراً إلى أن الإبقاء على المقبرة، رغم أعمال التوسعة ورصف الطريق التي شهدتها المنطقة، لن يؤثر في شيء، ولن يشكل عائقاً أمام تحسين المظهر العام هناك.

وأضاف رمضان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «المقبرة ليست مجرد مجموعة من الأحجار أو حوائط يمكن هدمها وينتهي الأمر، بل إنها تخص رمزاً من رموز تاريخ مصر الحديث، كان له دور مهم في تخطيط القاهرة ورسم شوارعها، فضلاً عن موسوعته المهمة (الخطط التوفيقية)، التي تُعد أعجوبة من عجائب التأليف».

المقبرة من الخارج بجوار مسجد السيدة نفيسة (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

وقال حفيد «أبو التعليم المصري» إن قرار إزالة مدفن جده صدر قبل نحو 4 سنوات، لكن السلطات عدلت عنه بعد إجراء اتصالات عديدة مع المسؤولين، مضيفاً: «شعرنا بالاطمئنان بعد أن جرى رصف الشارع أمام المدفن، لكننا فوجئنا أخيراً بصدور قرار جديد بالإزالة، بعدما وضع موظفو محافظة القاهرة رقماً جديداً على جدرانه، يشير إلى قرار الهدم، وهو ما لا نوافق عليه».

وأوضح رمضان أن مطالب العائلة تتمثل في الحفاظ على مدفن الجد؛ لما يمثله من قيمة تاريخية، مشيراً إلى أن الإبقاء عليه يُعد تكريماً له، وتقديراً لما قدمه من أعمال مهمة. وأضاف: «نحن لا نريد مدفناً جديداً تعويضاً عنه، بل نريد الحفاظ على رفات جدي في المكان الذي اختاره بنفسه؛ فهو من بنى المدفن واختار تصميمه، وكان مهندساً كبيراً، كما أنه صاحب إسهامات مهمة، منها اختيار التصميمات التي ظهرت عليها محطات السكك الحديدية، وتجديد القناطر الخيرية».

وتابع: «كان لجدي دور مهم، ونتمنى أن يُترك إلى جوار السيدة نفيسة، حيث اختار مثواه الأخير، كما أنه خصص قبل وفاته 31 فداناً وقفاً خيرياً للإنفاق على المدفن ورعايته».

تركيبة قبر علي باشا مبارك (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

ويضم المدفن، إلى جانب رفات علي باشا مبارك، رفات عدد من أفراد العائلة، من أبنائه وبناته وأحفاده.

من جانبه، قال إبراهيم طايع، الباحث المتخصص في التاريخ والآثار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه زار مقبرة علي باشا مبارك واطلع على علامة الإزالة التي وُضعت عليها أخيراً، مشيراً إلى أن «عمر المقبرة يزيد على 130 عاماً، وتضم مدفن علي باشا مبارك، وإلى جواره لوحة حديثة تحمل اسم نجله، وتركيبة لسليمان بك نجاتي، زوج ابنة الباشا، فضلاً عن عدد من التركيبات الأخرى الخاصة بأبنائه وأحفاده، وتطل جميعها على مسجد السيدة نفيسة، وتقع إلى جوارها قبة الخلفاء العباسيين ومقام (موفى الدين)».

تركيبة قبر علي باشا مبارك (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

يُذكر أن علي باشا مبارك كان أحد أبرز أعضاء مجلس النظّار الأول في عهد نوبار باشا، وتولى نظارات الأوقاف والمعارف العمومية والأشغال. كما شارك في تشكيل مجلس النظّار الثاني عام 1879، الذي ترأسه الأمير محمد توفيق، وتولى فيه نظارتَي الأوقاف والمعارف. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، تولى مسؤولية الأشغال العمومية في وزارتَي رياض باشا وشريف باشا. وعندما اندلعت الثورة العرابية، ساند الخديو، وكان آخر مناصبه توليه نظارة المعارف عام 1888.

وشهدت مصر خلال الأعوام الماضية موجات من الجدل مع كل عملية هدم لمقبرة أحد المشاهير؛ إذ لجأت السلطات المصرية إلى إزالة عدد كبير من المقابر في منطقتَي الإمام الشافعي والسيدة عائشة، لشق طرق جديدة ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية في محيط قلعة صلاح الدين الأثرية.


قبل عرض «ديون: الجزء الثالث»... أبطال الملحمة يكشفون أسرار الرحلة

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
TT

قبل عرض «ديون: الجزء الثالث»... أبطال الملحمة يكشفون أسرار الرحلة

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)
نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three) (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

لندن: إليانور ستانفورد *

في عام 2018، حين أُعلن اختيار تيموثي شالاميه لبطولة سلسلة أفلام «كثيب» (Dune) للمخرج دوني فيلنوف، اعترف الممثل بأن خوض غمار اقتباس سينمائي ضخم لواحدة من أكثر قصص الخيال العلمي تعقيداً كان يبدو، إلى حد ما، بمثابة «قفزة جريئة».

تيموثي شالاميه في الجزء الثاني من «كثيب» (imdb)

ففي نهاية المطاف، لم تحقق المحاولة السابقة التي قدمها المخرج ديفيد لينش عام 1984 نجاحاً يُذكر في شُباك التذاكر، كما أن رؤية فيلنوف المكونة من ثلاثة أجزاء كانت تتطلب ميزانية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، في وقت كانت فيه بعض أفلام الأبطال الخارقين تعاني لتحقيق الأرباح. غير أن تلك المغامرة أثمرت نجاحاً كبيراً؛ إذ تجاوزت إيرادات فيلميْ «كثيب: الجزء الأول» و«كثيب: الجزء الثاني» حاجز المليار دولار عالمياً، في إنجاز لافت، خصوصاً أن الجزء الأول طُرح عقب جائحة «كوفيد-19»، في حين تأخر عرض الجزء الثاني بسبب إضراب الكتّاب.

ومن المقرر أن يصل «الجزء الثالث» - المستند إلى الروايات اللاحقة في سلسلة «كثيب» للكاتب فرنك هربرت - إلى دُور العرض في 18 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وتدور أحداث الجزء الثالث بعد قفزة زمنية تُقارب 20 عاماً؛ حيث يظهر «بول أتريدس» (الذي يؤدي دوره شالاميه) بوصفه إمبراطوراً يحكم كواكب عدة، لكنه يواجه تهديدات وجودية، كما باتت علاقته متوترة مع حبيبته السابقة «تشاني» (تؤدي دورها زندايا)، التي تواصل القتال بشراسة دفاعاً عن شعبها من قبائل «الفريمن». وينضم روبرت باتينسون إلى العمل في دور شرير جديد يسعى للإطاحة ببول. وقد وصف باتينسون هذه السلسلة بأنها «واحدة من السلاسل القليلة التي يمكنني القول بصدق إنني من أشد المعجبين بها».

وقد جرى تصوير «الجزء الثالث» في المجر وصحاري الإمارات العربية المتحدة، وشهد عودة نجوم العمل، بمن فيهم فلورنس بيو، وأنيا تايلور جوي، وجيسون موموا، إلى جانب أعضاء فريق الإنتاج، بمن فيهم مصممة الأزياء لوري هاريس.

نجوم فيلم «كثيب: الجزء الثالث» (Dune: Part Three): روبرت باتينسون وأنيا تايلور-جوي وجيسون موموا وفلورنس بيو وتيموثي شالاميه وزندايا (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اجتمع كل من شالاميه، وزندايا، وموموا، وتايلور-جوي في استوديو بلندن لمناقشة تجربتهم في العمل معاً، والعمل تحت إدارة المخرج فيلنوف، ولتوضيح سبب عدم وجود داعٍ لقلق مُحبي الروايات الأصلية بشأن الاختلافات التي قد تظهر في «الجزء الثالث»، مقارنة بالمصدر الأدبي. (أما باتينسون وبيو فقد شاركا في الحوار عبر مكالمة فيديو بعد ذلك ببضعة أسابيع).

وفيما يلي مقتطفات مُحرَّرة من تلك الحوارات:

- زندايا وتيموثي، كنتما في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمركما حين صوّرتما «الجزء الأول»، هل تشعران بأنكما نضجتما وكبرتما مع هذه الأفلام؟

تيموثي شالاميه: بالتأكيد، وكنت أتحدث في هذا الأمر مع «زي» (زندايا)؛ عادةً ما ينمو المرء برفقة أشخاص آخرين خلال مرحلة الطفولة أو المراهقة، لكن تجربتي مع «زي» كانت مميزة؛ فقد بدأنا العمل معاً في مرحلة انتقالية، في نهاية فترة الشباب وبداية مرحلة البلوغ.

زندايا: عندما أنظر إلى نسختنا في ذلك الوقت، يبدو الأمر كأنني أنظر إلى طفلين، وهو أمر جميل في حد ذاته. كنا جميعاً نشعر بالقلق، وكنا - في ذلك الوقت على الأقل - مفعمين بالحماس والنشاط، ولدينا رغبة صادقة في تقديم عمل جيد. أعتقد أنه لم تكن هناك بيئة أفضل من هذه للتعلم والنمو؛ فدينيس، بفضل طيبته وكرمه، قائدٌ عظيم.

-طيبة دينيس هي أمرٌ كثيراً ما يتحدث عنه الأشخاص الذين عملوا معه.

أنيا تايلور-جوي: يصعب المبالغة في وصف أثر العمل مع شخص يقود الآخرين بالمحبة والاحترام. ؛ فهو يدير هذا الطاقم الضخم من البشر لإنجاز هذا العمل، ولا أحد منهم يفعل ذلك بدافع الخوف منه.

شالاميه: هناك رغبة فطرية صادقة لدى الجميع في محاولة إرضائه، ببساطة.

- يُذكّرني هذا بجلسات التصوير الصحراوية التي تشتهر بكونها بالغة الصعوبة، وهي تلك التي تتطلبها أفلام «كثيب» (Dune). كيف كانت تجربتكم فيها، هذه المرة؟

زندايا: أصعب شيء هو محاولة الحفاظ على الهدوء والتركيز وسط الحرارة الشديدة. كانت هناك مشاهد تكون فيها أشعة الشمس ساطعة للغاية، كنت أتصبب عرقاً تحت أشعة الشمس الحارقة، ومع ذلك أحاول الحفاظ على تركيزي وإبقاء عينيّ مفتوحتين.

كان علينا الاستعداد وتجهيز كل شيء قبل شروق الشمس، بينما لا يزال الجو بارداً، هذا بالإضافة إلى الوقت الذي استغرقه وضع الأطراف الاصطناعية والمكياج الخاص بالشخصيات. لم يكن أحد يصل إلى موقع التصوير أبكر من روب (روبرت باتينسون).

زندايا (في المقدمة) وإلى جانبها روبرت باتينسون (يساراً) وأنيا تايلور-جوي (تشارلي غيتس/نيويورك تايمز)

روبرت باتينسون: الصحراء شيء آخر تماماً. كان هناك مشهد أكون فيه داخل مركبة فضائية، مثبتة على منصة متحركة (gimbal) عند حافة كثيب رملي، وكان لدينا نموذج لدودة رملية يبلغ طوله 350 قدماً. حجم هذه الأشياء لا يُصدق؛ تشعر كأنك في مدينة ملاهٍ خاصة بفيلم «Dune»، حيث تدور المنصة بك وتتحرك في كل اتجاه؛ لا يبدو الأمر عملاً على الإطلاق، ولا توجد أي سلبيات. ربما باستثناء فقدان كل سوائل جسمك على شكل قطرات عرق تتجمع وتنتفخ فوق رأسك! لكن حتى ذلك لم ألحظه حقاً. العمل مع دينيس (المخرج) سلس للغاية، ولا تشعر بأي ضغط على الإطلاق.

- أنيا، لقد تواجدتِ لفترة وجيزة في موقع التصوير للقيام بظهور شرفي (cameo) في الفيلم الثاني.

أنيا تايلور-جوي: حسناً، يمكن القول إن وجودي كان خاطفاً للغاية! [تضحك] كنت ضِمن فريق صغير ذهب إلى ناميبيا، لكنها كانت واحدة من أمتع تجارب التصوير التي خضتها على الإطلاق.

- جيسون، شخصيتك «دنكان أيداهو» قُتلت في الفيلم الأول. وفي «الجزء الثالث»، تؤدي دور شخصية تشبه «دنكان» تماماً، وقد خُلقت من مادته الجينية، لكنها لا تحمل أياً من ذكرياته أو سمات شخصيته.

جيسون موموا: ربما كانت هذه أغرب شخصية تعيَّن عليّ تقمصها؛ فقد عُيّنت لأداء دور «دنكان» لسبب محدد، ثم كان عليّ أن أجد طريقة لأؤدي دور شخص لا يعرف من هو ذلك الرجل [دنكان]. كما أنني لم أحظَ بوجود «دينيس» [المخرج] بجانبي، كما حدث في الفيلم الأول؛ إذ كان التصوير قد بدأ، بالفعل، حين انضممت إليهم، ولم أرغب في الاتصال به لطرح كثير من الأسئلة. كان الأمر في غاية الصعوبة. أنا لست ممثلاً - أو حتى إنساناً - يتسم بالهدوء أو الرقة في الأداء، لذا ربما كان هذا أكثر أدوارِي تحفظاً وهدوءاً. لم أشاهد الفيلم بعدُ، ولا أعرف أي اللقطات التي اختارها المخرج.

- كيف كان شعوركم تجاه خاتمة قصص هذه الشخصيات؟ وإلى أي مدى يختلف الأمر عن الرواية الأصلية؟

زندايا: يحتوي هذا الفيلم على كثير من العناصر المخلصة تماماً للعمل الأصلي، وفي الوقت نفسه، هناك بعض الاختلافات والخروج عن النص الأصلي.

باتينسون: لا بد أن يكون المرء مجنوناً بعض الشيء إذا أراد إيجاد عيوب في هذا العمل. كان السيناريو رائعاً حقاً، لكنه كان معقداً للغاية. وعند مشاهدة الفيلم، تبيَّن لي أنه مختلف تماماً عما توقعته؛ فهو يبدو أشبه بحكاية سياسية وأخلاقية كبرى، بينما يزخر الفيلم في جوهره بمشاعر إنسانية عميقة. يتناول العمل في جزء كبير منه موضوع التربية، وقد وجدته مؤثراً للغاية.

* خدمة نيويورك تايمز


عمال «الدليفري» في مصر على طريق «التنظيم»

عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

عمال «الدليفري» في مصر على طريق «التنظيم»

عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
عامل دليفري خلال مروره بأحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

تتجه مصر إلى تنظيم أوضاع العاملين في خدمات التوصيل «الدليفري»، في خطوة تستهدف توفير مظلة من الحماية الاجتماعية لفئة تزداد أهميتها مع توسع التجارة الإلكترونية، وخدمات الشراء عبر الإنترنت، بينما تظل الأوضاع المهنية والقانونية لهم محل نقاش بشأن طبيعة العلاقة مع شركات التوصيل، وضمانات التأمين والأجور وساعات العمل.

ووقّعت الحكومة المصرية بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الخميس، بروتوكول تعاون مع شركة «طلبات مصر» وعدد من شركات التوصيل المتعاقدة معها، يستهدف تسجيل العاملين ضمن منظومة العمالة غير المنتظمة بوزارة العمل، وإتاحة الاستفادة من عدد من صور الرعاية الاجتماعية والصحية، من بينها تعويضات الوفاة والعجز الناتج عن حوادث العمل، والمساعدات المرتبطة بالعمليات الجراحية، والمنح المقررة في بعض المناسبات الاجتماعية.

وتأتي الخطوة في ظل اتساع نشاط التسوق الإلكتروني في مصر؛ إذ أظهرت مؤشرات أعلنها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات خلال عام 2026 وصول عدد المتسوقين إلكترونياً إلى نحو 29.8 مليون متسوق، وتسجيل 10.5 مليون زيارة يومياً لمواقع وتطبيقات التسوق، بزيادة بلغت 10 في المائة مقارنة باليوم المناظر من العام السابق، وهو ما يعكس اتساع النشاط الذي ترتبط به خدمات نقل الطلبات وتوصيلها إلى المستهلكين.

وكانت أوضاع عمال «الدليفري» قد أثارت أكثر من طلب إحاطة وسؤال برلماني داخل مجلس النواب المصري خلال الأشهر الماضية، تناولت غياب الحماية القانونية والتأمينية لدى بعض العاملين، وما يتعرضون له من مخاطر مهنية، فضلاً عن المطالبة بتنظيم العلاقة بين شركات التوصيل والعاملين لديها، وتوفير التأمين الصحي والاجتماعي، ووضع ضوابط لساعات العمل والأجور.

وناقشت لجنة القوى العاملة في يونيو (حزيران) الماضي عدداً من هذه الطلبات، وأوصت بحصر العاملين والشركات والمنصات الإلكترونية العاملة في القطاع، ودراسة آليات تقنين أوضاعها.

توقيع بروتوكول تعاون لتوفيق أوضاع عمال توصيل الطلبات في مصر (صفحة رئاسة مجلس الوزراء)

إلى ذلك، قال محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب ووزير القوى العاملة السابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تنظيم أوضاع عمال التوصيل يمثل ملفاً جديداً نسبياً ويحتاج إلى مزيد من الوقت والدراسة لوضع آليات تضمن حقوق العاملين فيه»، مشيراً إلى أن «التعاون بين البرلمان والحكومة يستهدف الوصول إلى صيغة متكاملة للتعامل مع هذه الفئة»، وأن العمل على تنظيم أوضاعها «لم ينتهِ بعد».

وأضاف سعفان: «قد نتمكن، بعد إجراء دراسة متكاملة لأوضاع عمال الدليفري، من الوصول إلى صيغة تنظيمية أفضل من مجرد إدراجهم ضمن العمالة غير المنتظمة، وربما نصل إلى نوع من التقنين يخرجهم من هذا الإطار»، موضحاً أن «العمالة غير المنتظمة نفسها تعاني من مشكلات متعددة، سواء فيما يتعلق بأوضاعها أو بتعامل الجهات المختلفة معها، وهو ما يستدعي البحث عن آليات أكثر ملاءمة لطبيعة عمل عمال التوصيل». وكشف مسح للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نُشرت نتائجه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن 16.8 في المائة من الأسر المصرية تستخدم التجارة الإلكترونية لشراء احتياجاتها.

تنامي النشاط

ومع تنامي نشاط التوصيل، تبرز إشكالية تنظيم ساعات العمل وضمان دخل مناسب للعاملين، في ظل ارتباط أجور بعضهم بعدد الطلبات التي ينجزونها، وما يحصلون عليه من إكراميات أو مقابل إضافي للتوصيل، وهو ما قد يدفعهم إلى العمل لساعات طويلة لزيادة دخلهم.

وفي هذا الصدد، أشار سعفان إلى ضرورة «دراسة طبيعة المقابل المالي الذي يحصل عليه العامل من الشركة، ومدى اعتماده على الإكراميات وعدد التوصيلات»، مقترحاً وضع آلية لتقييم عدد الطلبات التي يمكن إنجازها خلال ساعات عمل معينة، وربط المقابل الذي تدفعه الشركات بما يضمن وصول إجمالي دخل العامل إلى الحد الأدنى للأجور. وأوضح أن تطبيق هذه الآلية يتطلب دراسات دقيقة لطبيعة العمل ومعدلات إنجاز الطلبات، حتى لا تتحول الضوابط المقترحة إلى قيود يصعب تطبيقها عملياً.

ومن جانبه، قال أحمد هشام، أحد العاملين في شركة خدمات التوصيل «الدليفري»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «طبيعة العمل في هذا القطاع تختلف من شخص إلى آخر، فبينما يلجأ إليه البعض بوصفه عملاً إضافياً لتحسين دخله، يعتمد عليه آخرون بوصفه مصدراً رئيسياً للرزق، وهو ما يجعل تنظيم أوضاع العاملين وتحديد حقوقهم ومسؤولياتهم أمراً ضرورياً».

وأوضح أن «العاملين يواجهون مشكلات يومية لا تقتصر على مخاطر الطريق أو ضغوط العمل، بل تمتد إلى التعامل مع بعض العملاء، سواء من خلال أساليب التعامل غير اللائقة أو رفض تسلّم الطلبات، فضلاً عن تحميل عامل التوصيل أحياناً مسؤولية أخطاء تقع من المطاعم نفسها في تجهيز الطلبات».

وأعرب عن أمله في «وضع قواعد واضحة تنظم العلاقة بين العامل وشركة التوصيل والمطعم والعميل، بما يضمن عدم تحميل العامل تبعات أخطاء لا يتحمل مسؤوليتها، ويوفر له قدراً أكبر من الحماية والاستقرار المهني».

نشاط التوصيل يشهد نمواً متصاعداً في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يشدد سعفان على أن «أي تنظيم مرتقب ينبغي أن يراعي مصالح طرفي العلاقة، العمال والشركات»، موضحاً أن «المطالبة بحقوق العاملين لا ينبغي أن تأتي على حساب قدرة الشركات على الاستمرار، لأن الإضرار بالشركات لن يخدم العاملين أنفسهم».

وفيما يتعلق بحجم العمالة في هذا القطاع، لفت رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب إلى عدم توافر قاعدة بيانات ثابتة يمكن الاستناد إليها لتحديد أعداد العاملين في خدمات التوصيل، عادّاً أن غياب البيانات «يمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تعوق وضع حلول واقعية لكثير من الملفات في مصر».

وأوضح أن «التعامل مع أي قطاع دون معرفة دقيقة بأعداد العاملين فيه يجعل الحلول المطروحة (حلولاً افتراضية)، بينما يتيح وجود قاعدة بيانات تحديد احتياجات العاملين ووضع آليات مناسبة لحمايتهم».