صراع صامت بين الدول الكبرى حول آسيا الوسطى

الصين عززت نفوذها في الجمهوريات السوفياتية السابقة عبر «طريق الحرير الجديد»

جانب من اجتماع لمجلس وزراء خارجية الجمهوريات السوفياتية السابقة في ألماتي بكازاخستان 11 أبريل (إ.ب.أ)
جانب من اجتماع لمجلس وزراء خارجية الجمهوريات السوفياتية السابقة في ألماتي بكازاخستان 11 أبريل (إ.ب.أ)
TT

صراع صامت بين الدول الكبرى حول آسيا الوسطى

جانب من اجتماع لمجلس وزراء خارجية الجمهوريات السوفياتية السابقة في ألماتي بكازاخستان 11 أبريل (إ.ب.أ)
جانب من اجتماع لمجلس وزراء خارجية الجمهوريات السوفياتية السابقة في ألماتي بكازاخستان 11 أبريل (إ.ب.أ)

بين ثلاثينات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، شهدت منطقة آسيا الوسطى وامتدادها في بلاد القوقاز صراعاً مديداً على النفوذ بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، اشتهر فيه عدد من الجواسيس والقادة العسكريين الذين دخلوا تاريخ البلاد التي اصطلح على تسميتها اليوم «يوروآسيا»، والتي، منذ انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، تتنافس على استمالتها وتوطيد العلاقات معها جميع القوى الجيوسياسية الوازنة في العالم، لما تختزنه من مصادر الطاقة والموارد الطبيعية والمعادن النادرة.

صورة جوية تُظهر مستودع ذهب فارفارينسكوي في منطقة كوستاناي بكازاخستان 15 أبريل (رويترز)

«اللعبة الكبرى» هو الاسم الذي توافق المؤرخون عليه لتعريف ذلك الصراع الطويل الذي لم يشهد مواجهة عسكرية مباشرة بين موسكو ولندن باستثناء «حرب القرم»، وتخللته محطات مفصلية مثل انشقاق منغوليا عن الصين ثم استقلالها عنها، واستقلال التيبت الذي عاد لاحقاً إلى سيطرة الصين بعد أن استعادت قوتها. وهي لعبة تتكرر اليوم بوسائل وأدوات مختلفة، وتبرز فيها بكين لاعباً أساسياً تكاد الأطراف الأخرى تعجز عن منافسته في توسيع دائرة امتداده التجاري والاقتصادي، وترسيخ حضوره السياسي والأمني في واحدة من أهم المناطق الجيوستراتيجية في العالم.

آخر الوافدين

ورغم أن بكين كانت آخر الوافدين إلى هذه المنطقة التي تهافتت عليها الدول الكبرى لتوقيع اتفاقات للشراكة التجارية والاقتصادية معها منذ أن استقلت جمهورياتها عن موسكو، فقد تمكنت في السنوات الخمس الأخيرة، منذ إطلاق مشروعها الضخم «طريق الحرير الجديد»، من ترسيخ حضورها ونفوذها في كازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان، إلى أن أصبح حجم وارداتها من النفط والغاز والفحم من هذه البلدان يغطي 55 في المائة من احتياجات آلتها الصناعية الضخمة، فيما يزداد التبادل التجاري معها بنسبة 22 في المائة سنوياً.

الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال افتتاح القمة مع دول آسيا الوسطى في شيان الصينية 18 مايو 2023 (إ.ب.أ)

الأسبوع الماضي، استضافت أوزبكستان القمة الأولى للاتحاد الأوروبي مع بلدان آسيا الوسطى، في دليل آخر على محورية هذه المنطقة على الساحة الدولية، في الوقت الذي تنكفئ فيه الإدارة الأميركية الجديدة عن معظم برامجها الإنمائية في العالم، بينما بدأت تظهر المؤشرات الأولى حول تقارب صيني - أوروبي لتشكيل محور واسع لمواجهة إجراءات الرئيس الأميركي «التنمّرية»، كما وصفها الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال استقباله رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين، داعياً بلدان الاتحاد الأوروبي لرفع الصوت في وجه واشنطن.

وتفيد مصادر دبلوماسية مطّلعة بأن الإعدادات بدأت لعقد قمة موسعة في اليابان، مطلع يوليو (تموز) المقبل؛ لمناقشة هذا الوضع المستجد الذي يهدد بتقويض النظام الاقتصادي القائم.

قوة روسيا «الناعمة»

ويتزامن هذا الاهتمام الأوروبي المتزايد بآسيا الوسطى مع بداية مرحلة جديدة من التعاون الوثيق بين بلدان المنطقة، التي توصلت مؤخراً إلى اتفاق يُنهي النزاعات الحدودية بينها، مؤكدة عزمها على توثيق روابط الصداقة بينها وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني بينها، في محاولة للخروج من تحت العباءة الروسية، والوقوف على مسافة واحدة من القوى الكبرى.

بوتين في اجتماع تحالف أمني للدول السوفياتية السابقة في آستانة بكازاخستان 28 نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

ويعترف الأوروبيون بأن آسيا الوسطى ارتقت إلى إحدى أولويات السياسة الخارجية الأوروبية، بعد أن كانت تعدّ منطقة عازلة بين القوى العظمى، وهي اليوم على أبواب التحول إلى شريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في خضم التحولات الكبرى.

وتراجع النفوذ الروسي في المنطقة بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب في أوكرانيا، لكن موسكو لجأت مؤخراً إلى تنشيط «قوتها الناعمة» عن طريق تكثيف أنشطتها الثقافية في بلدان آسيا الوسطى، بزيادة المنح الدراسية، وتوثيق العلاقات في مجالات الفنون، وتعليم اللغة، وتبادل الخبرات الإعلامية، مستندةً إلى الأواصر اللغوية والثقافية الروسية الوطيدة في النسيج الاجتماعي لهذه البلدان.

رسالة بكين

لكن رغم حمأة التهافت الدولي على هذه المنطقة، تبقى العيون مركزة على الصين التي تضع كل ثقلها لتوسيع نفوذها فيها، خصوصاً بعد اندلاع الحرب التجارية التي أعلنتها واشنطن، والتي تدل كل المؤشرات على أن بكين هي الجهة الرئيسية المستهدفة فيها.

جانب من لقاء الوفدين الصيني والتركمانستاني على هامش قمة الصين وسط آسيا في مايو 2023 (إ.ب.أ)

وقبل أسابيع قليلة من انعقاد القمة المقبلة بين الصين وبلدان آسيا الوسطى، والتي ستستضيفها آستانة في يونيو (حزيران)، وجّه الرئيس الصيني رسالة إلى نظرائه في المنطقة جاء فيها أن «العالم يشهد وتيرة متسارعة من التغيرات لم يعرفها منذ أكثر من قرن، والصين عازمة على إقامة صداقة أبدية مع بلدان المنطقة في مرحلة حرجة من التاريخ».

وقال شي جينبينغ إن بلاده تريد توثيق التعاون مع دول المنطقة في جميع المجالات؛ من التجارة إلى الطاقة والزراعة والتعليم وعلوم الآثار، ما يظهر اهتمام بكين المتنامي بهذه الجمهوريات المجاورة التي أصبحت مصدراً رئيساً للموارد التي تحتاج إليها الصين، وسوقاً واسعة للمنتوجات الصينية، ومعبراً للبضائع الصينية نحو أوروبا، على غرار ما كانت عليه بين القرنين السابع والعاشر عندما كانت الإمبراطورية الصينية في أوج ازدهارها وقوتها خلال العصر الذهبي لسلالة «تانغ» التي يعود لها الفضل في إطلاق طريق الحرير التي كانت تعبرها القوافل التجارية من الصين إلى الهند وآسيا الوسطى، وصولاً إلى الشرق الأوسط وأوروبا، محملة بالبضائع والأفكار في الاتجاهين.

دور الحرب التجارية

ولا شك في أن التطورات الأخيرة قد دفعت بكين إلى المزيد من التصميم على تفعيل خطتها الرامية إلى إرساء موقعها كنقطة محورية في الشبكة الحديثة للمبادلات التجارية العالمية، وترسيخ هذا الموقع بواسطة مقترحات واسعة النطاق وطموحة تحمل الدمغة الصينية، ومبادرات مثل «التنمية الشاملة» أو «الأمن الشامل» أو «الحضارة الشاملة» التي يرددها جينبينغ في لقاءاته مع قادة المنطقة.

صورة جوية تُظهر جرافة تُحمّل خام الذهب في منجم فارفارينسكوي بمنطقة كوستناي بكازاخستان 15 أبريل (رويترز)

ويشدد الزعيم الصيني على أهمية بناء ما يسمّيها «مجموعة متكاملة ذات مستقبل مشترك»، وضرورة أن تقف الدول الست بحزم في وجه التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة، ومحاولات التحريض على العنف والثورة.

وكانت القمة السابقة بين الصين وبلدان آسيا الوسطى قد شددت في بيانها الختامي، العام الماضي، على أهمية الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة، وتعهدت بالدفاع عن سيادتها وأمنها واستقلالها ووحدة أراضيها، في إشارة واضحة إلى المخاوف التي تعتري معظم دول المنطقة من تدخل عسكري روسي، على غرار ما حصل في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

المعادلة العابرة لأفغانستان... ساحة تنافس أم مجال لمصلحة مشتركة؟

آسيا صورة غير مؤرخة لمنظر طبيعي وبحيرة في ريف كابل بأفغانستان (شاتر ستوك)

المعادلة العابرة لأفغانستان... ساحة تنافس أم مجال لمصلحة مشتركة؟

لم تعد عودة إحياء «الممر العابر لأفغانستان» مجرد مشروع نقل بديل، بل باتت مؤشراً حاسماً على الكيفية التي ستتموضع بها دول آسيا الوسطى جيوسياسياً في المستقبل.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد - كابل )
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) ينظر إلى رئيس وزراء كمبوديا هون مانيه (وسط) ورئيس وزراء تايلاند أنوتين تشارنفيراكول خلال مراسم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار على هامش القمة السابعة والأربعين لرابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في كوالالمبور يوم 26 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: سأتدخل لوقف اشتباكات تايلاند وكمبوديا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يخطط للتدخل في الاشتباكات الحدودية التي تجددت بين تايلاند وكمبوديا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
آسيا امرأة أثناء زيارتها لمنطقة ضربتها فيضانات مفاجئة مميتة عقب هطول أمطار غزيرة في منطقة بيروين (رويترز)

إندونيسيا: ارتفاع حصيلة قتلى الفيضانات والانهيارات الأرضية إلى 248

كافح عمال الإنقاذ في إندونيسيا اليوم للوصول إلى الضحايا في كثير من المناطق المدمرة التي ضربها زلزال وفيضانات.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
آسيا الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف (حسابه على إكس)

الرئيس الأوزبكي يقترح إنشاء تكتل لدول آسيا الوسطى

اقترح الرئيس الأوزبكي، شوكت ميرضيائيف، تشكيل منظمة تعاون إقليمي أطلق عليها اسم «مجتمع آسيا الوسطى»، في محاولة لتعزيز التكامل الاقتصادي بالمنطقة.

«الشرق الأوسط» (طشقند)
الاقتصاد دونالد ترمب يتحدث خلال عشاء مع قادة آسيا الوسطى في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

آسيا الوسطى في صدارة استراتيجيات أميركا لتأمين المعادن والطاقة

وصف الرئيس دونالد ترمب، الخميس، المعادن الحيوية بأنها أولوية رئيسية، خلال استضافته قادة خمس دول في آسيا الوسطى بالبيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مع استمرار الحرب عليها... أفغان يعبرون الحدود هاربين من إيران

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)
مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)
TT

مع استمرار الحرب عليها... أفغان يعبرون الحدود هاربين من إيران

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)
مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

بعدما تبدّدت آماله في الوصول إلى تركيا بسبب الحرب في الشرق الأوسط، فر رشيد نظري عائداً إلى موطنه أفغانستان، واصفاً رحلة البحث عن الغذاء والوقود والأمان في إيران المجاورة.

لطالما مثّلت إيران وجهة جاذبة للباحثين عن فرص عمل أفضل في ظل الأزمة الإنسانية التي تعصف بأفغانستان، فضلاً عن كونها ممراً إلى وجهات أبعد.

لكن منذ أن أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية، السبت، فتيل حرب إقليمية، أفاد أفغان عبروا الحدود بأنهم تركوا وراءهم وضعاً مرعباً.

قال نظري البالغ 20 عاماً، عند معبر إسلام قلعة الحدودي: «كان معظم الناس يتجهون نحو البلدات الصغيرة لأن الوضع في المدن كان سيئاً».

وبينما كان نظري يغادر البلاد، رأى إيرانيين يبحثون عن المؤن الأساسية.

وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية، وهو يحمل حقيبة ظهر سوداء على كتفه: «كانت هناك حشود غفيرة، خصوصاً في الأسواق ومحطات الوقود وأماكن بيع المواد الغذائية».

وقد أفادت وسائل إعلام إيرانية بسقوط مئات الضحايا في البلاد، غير أن صحافيي وكالة الصحافة الفرنسية لم يتمكنوا من التحقق من الحصيلة بشكل مستقل.

وعند نقطة حدودية في غرب أفغانستان، قال نعمت الله مرادي، العائد من إيران إن النيران كانت تُطلق «ليلاً ونهاراً».

وأفاد الشاب البالغ 26 عاماً، واصفاً إجلاء الناس من العاصمة طهران حيث كان يعيش منذ نحو 18 شهراً: «كان الناس قلقين».

وأضاف وخلفه علم أسود رفعته إيران حداداً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي: «رأينا صواريخ تسقط والدخان يتصاعد في الهواء بعدها».

علم أسود يرفرف عند معبر إسلام قلعة الحدودي بين أفغانستان وإيران (أ.ف.ب)

«الفرار خوفاً»

على الرغم من العلاقات الوثيقة واللغة المشتركة، انضمت إيران إلى باكستان في طرد أعداد هائلة من الأفغان في السنوات الأخيرة بعد استضافتهم لعقود.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 1.8 مليون أفغاني عادوا من إيران العام الماضي.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إنها لم تشهد زيادة ملحوظة في عدد الأشخاص الذين يغادرون إيران منذ بدء الحرب، لكن هناك خططاً جاهزة في حال ارتفاع الأعداد.

وأفاد المتحدث باسم المفوضية في أفغانستان، تشارلي غودليك، بأن «الموارد مُستنزفة بالفعل بشكل كبير في ظل ارتفاع أعداد العائدين مؤخراً ونقص التمويل».

ظنّ تاجر أفغاني كان قد ذهب إلى مدينة أصفهان وسط إيران أن «الوضع ربما سيتحسن»، لكن سرعان ما أصبح الوضع لا يُطاق.

وقال رحمة الله سيد زاده البالغ 58 عاماً: «عندما رأينا أن الوضع يزداد سوءاً، بدأنا نحن أيضاً بالعودة» إلى أفغانستان.

وواصلت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتها على إيران، وهو ما وصفه العائدون الأفغان بأنه مرعب.

أوضح عطا الله نوري (31 عاماً) أنه كان يحزم حقائبه في طهران عندما وقعت انفجارات عدة في مكان قريب. وقال: «بدأ جميع الناس، نساءً ورجالاً وأطفالاً، بالصراخ والبكاء».

وأضاف نوري: «كان الجميع يركضون خوفاً مع زوجاتهم وأطفالهم. كان هناك أناس تُرك أطفالهم على جانب الطريق بينما كانوا يركضون».

وأشار إلى أن عدد الفارين من العنف كان كبيراً لدرجة أنه «لم تكن هناك حافلات متاحة لنقلهم».

وبينما وجد الأفغان الذين عبروا معبر إسلام قلعة طريقاً للنجاة من الصراع، كان الإيرانيون على الحدود يواجهون وضعاً خطيراً في بلادهم.

وصرّح سائق شاحنة إيراني، طلب عدم كشف هويته لأسباب أمنية: «أشعر بقلق بالغ منذ أن سمعت نبأ استشهاد قائدنا».

وتابع: «لا أعرف ما يخبئه المستقبل، لكنه ليس مستقبلاً مشرقاً لنا نحن الإيرانيين».


الهجمات الأميركية على إيران تختبر هدنة هشة مع الصين

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

الهجمات الأميركية على إيران تختبر هدنة هشة مع الصين

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

كانت حالة الانفراج بين الصين والولايات المتحدة هشة بالفعل. والآن تواجه ضغطاً جديداً: مقتل المرشد الإيراني، في ضربة مدعومة من الولايات المتحدة وصفتها بكين بأنها محاولة سافرة لتغيير النظام.

تحركت الصين بسرعة لإدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، إذ اتهم كبير دبلوماسييها، وانغ يي، الحكومتين باغتيال زعيم دولة أخرى، وتعهد بدعم سيادة طهران، وأمنها.

وجاء مقتل المرشد علي خامنئي بعد أقل من شهرين على قيام القوات الأميركية باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو شريك وثيق آخر للصين. وتشكل هذه الخطوات مجتمعة استعراضاً قوياً للقوة الأميركية ضد حكومات سعت الصين إلى توطيد علاقاتها معها في إطار استراتيجيتها العالمية الأوسع.

لكن السؤال بالنسبة لبكين هو إلى أي مدى يمكنها الدفاع عن إيران، أقرب شركائها الدبلوماسيين في الشرق الأوسط، من دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية، أو تفاقم التوتر مع الولايات المتحدة.

وقد طالت المعارك الصين بالفعل بصورة مباشرة. إذ أعلنت وزارة الخارجية الصينية مقتل مواطن صيني في طهران، وأن بكين تسارع لإجلاء آلاف من رعاياها.

ومن المرجح أن تكون بكين قلقة من التداعيات المحتملة للضربات الأميركية، والإسرائيلية. فالصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، وقد هددت إيران بالفعل بـ«إشعال النار» في أي سفن تعبر مضيق هرمز، الممر المائي قبالة الساحل الجنوبي لإيران الذي يمر عبره خُمس نفط العالم. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار، وضرب الاقتصاد الصيني.

وهناك أيضاً حساسية داخلية، وإن كانت أكثر هدوءاً، تجاه مسألة تغيير الأنظمة بدعم أجنبي. فشي جينبينغ، زعيم الصين الذي يتولى السلطة منذ عام 2012 ومن المتوقع على نطاق واسع أن يبدأ ولاية رابعة العام المقبل، يقود نظاماً سياسياً لا يتسامح مع المعارضة. وتحت مقال لوسيلة إعلام رسمية صينية عن وفاة خامنئي، هنأ مستخدمو الإنترنت سكان إيران، وتساءلوا علناً عن الشخص الذي سيخلفه. وقد جرى حجب تعليقات أخرى أشارت إلى احتمال أن يكون إيرانيون قد احتفلوا.

وفي الوقت الذي تتعامل فيه بكين مع مختلف أبعاد التداعيات المرتبطة بإيران، من المرجح أن يكون تركيزها الأكبر منصباً على علاقتها بالولايات المتحدة.

ومن المقرر أن يلتقي الرئيس دونالد ترمب والرئيس شي بعد أسابيع في قمة ببكين يُتوقع أن يمددا خلالها هدنة تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وقال البيت الأبيض إن الاجتماع سيعقد في الفترة من 31 مارس (آذار) إلى 2 أبريل (نيسان). ولم تؤكد الصين بعد تفاصيل اللقاء، واكتفى متحدث باسم وزارة الخارجية يوم الاثنين بالقول إن البلدين يجريان محادثات.

والصين يمكن أن تلجأ إلى إلغاء الاجتماع مع ترمب أو تأجيله لإظهار استيائها من استخدام واشنطن القوة العسكرية ضد إيران.

ورغم لهجتها الحادة تضامناً مع إيران، فإن لدى بكين حوافز قوية للحفاظ على استقرار علاقتها مع الولايات المتحدة، بحسب محللين. فالصين تريد من واشنطن الموافقة على تمديد الهدنة التجارية، وخفض دعمها لتايوان، وتخفيف قيودها على صادرات التكنولوجيا.

وقال جوليان غويرتز، المدير الأسبق لشؤون الصين وتايوان في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس جو بايدن: «إن بكين تهتم بإدارة علاقتها مع الولايات المتحدة أكثر بكثير من اهتمامها بالأحداث في الشرق الأوسط».

وتُعد الرحلة إلى الصين، التي ستكون الأولى لرئيس أميركي منذ زيارة ترمب عام 2017، حيوية للحفاظ على الهدنة التي توصل إليها شي وترمب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في بوسان بكوريا الجنوبية. وقبل ذلك، خاضت الصين والولايات المتحدة حرباً تجارية محتدمة أوصلت العلاقات بينهما إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 50 عاماً.

وبالنسبة للصين، فإن تأجيل القمة، أو إلغاءها سيحملان تكلفة خاصة بها. فقد أبدى ترمب استعداداً لتجنب المواجهة مع بكين. وأرجأت إدارته مؤخراً الإعلان عن حزمة مبيعات أسلحة إلى تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تطالب بها بكين. كما خففت القيود على بيع رقائق أميركية متقدمة إلى الصين. وامتنع ترمب عن ذكر الصين في خطاب حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، وهو إغفال غير معتاد.

كما تغيّر المشهد القانوني لمصلحة بكين، مع صدور حكم حديث عن المحكمة العليا أبطل العديد من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب. ويُعد الرسم الجمركي الجديد بنسبة 10 في المائة على الواردات العالمية مفيداً للصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في بوسان بكوريا الجنوبية في 30 أكتوبر العام الماضي (د.ب.أ)

وقد يعني الانسحاب من الاجتماع خسارة هذا الزخم.

وبعيداً عن القمة، قد يعيد النزاع تشكيل المشهد الاستراتيجي بطرق تصب في مصلحة بكين. فقد حشدت الولايات المتحدة بالفعل أكبر قوة عسكرية لها في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، ناشرة مجموعات حاملات طائرات ومقاتلات في المنطقة. وإذا استمر هذا الجهد، فقد يستنزف الاهتمام والموارد الأميركية بعيداً عن آسيا.

وقال غويرتز إن بكين قد لا تنزعج إذا «غرقت الولايات المتحدة في حرب أخرى غير شعبية في الشرق الأوسط» تُبعد تركيزها عن الصين.

ويتعين على بكين أيضاً أن توازن بدقة في علاقتها الدبلوماسية مع طهران. فقد نسجت الصين علاقات اقتصادية عميقة مع العديد من دول الخليج التي هاجمتها إيران في الأيام الأخيرة. وحاول وانغ تحقيق توازن في اتصاله مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، داعياً إيران إلى «الانتباه إلى المخاوف المعقولة لجيرانها».

وعلى عكس الولايات المتحدة، التي لديها التزامات دفاعية رسمية مع عشرات الحلفاء، لا تملك الصين سوى التزام واحد مع كوريا الشمالية. أما شراكاتها مع إيران وفنزويلا فهي استراتيجية، وليست تحالفات عسكرية.

وقال جو ويبستر، الباحث البارز في المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث في واشنطن: «إن شي جينبينغ لا يتعامل بعاطفة مع علاقات بكين الخارجية. لقد وصل إلى موقعه بفضل صلابته». وأضاف: «لا توجد مكاسب كبيرة لامتلاك قلب ليّن في الحزب الشيوعي الصيني».

ومن المرجح أن تواصل بكين تقديم دعم لفظي لطهران، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة هي المصدر الأكبر لعدم الاستقرار العالمي. ودعت افتتاحية في صحيفة «غلوبال تايمز»، وهي صحيفة تابعة للحزب الشيوعي الصيني، يوم الاثنين المجتمع الدولي إلى رفض ما وصفته بمحاولة واشنطن إعادة العالم إلى «شريعة الغاب».

ويرى محللون صينيون تحدثوا إلى وسائل إعلام رسمية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تزرعان الفوضى في الشرق الأوسط، وقد أرستا سابقة خطيرة باغتيال خامنئي.

ومع ذلك، كشفت الضربات على إيران الفجوة بين القدرات العسكرية للقوتين العظميين. فعلى الرغم من استثماراتها السريعة في العقود الأخيرة، لا تمتلك الصين جيشاً مثل الولايات المتحدة قادراً على إظهار قوته في أي جزء من العالم.

وقال ديلان لو، الخبير في السياسة الخارجية الصينية في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، إن ذلك يثير استياء بكين لأنه يعني أنه لا توجد دولة -حتى الصين نفسها- قادرة على منع الولايات المتحدة من اتخاذ أي إجراء تريده.

وأضاف: «إن استعراض القوة الصلبة الخام هو أمر سيقلق بكين».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

التزام دفاعي واحد... مع كوريا الشمالية

على عكس الولايات المتحدة، التي لديها التزامات دفاعية رسمية مع عشرات الحلفاء، لا تملك الصين سوى التزام واحد مع كوريا الشمالية. أما شراكاتها مع إيران وفنزويلا فهي استراتيجية وليست تحالفات عسكرية


باكستان تقول إنها قتلت 67 من أفراد قوات الأمن الأفغانية

الحدود الأفغانية الباكستانية (إ.ب.أ)
الحدود الأفغانية الباكستانية (إ.ب.أ)
TT

باكستان تقول إنها قتلت 67 من أفراد قوات الأمن الأفغانية

الحدود الأفغانية الباكستانية (إ.ب.أ)
الحدود الأفغانية الباكستانية (إ.ب.أ)

هاجمت القوات الأفغانية مواقع عسكرية باكستانية في 16 موقعاً على طول جنوب غربي الحدود، في وقت سابق من اليوم الثلاثاء. كما أطلقت النيران على عدة نقاط بشمال غربي البلاد، مما أسفر عن وقوع اشتباكات عنيفة لقي خلالها 67 من أفراد القوات الأمنية الأفغانية حتفهم، بالإضافة إلى جندي باكستاني، وذلك في الوقت الذي يدخل فيه القتال بين الدولتين يومه الخامس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار إن باكستان «صدت بنجاح عدة هجمات»، على طول الحدود الأفغانية، وفقاً لما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

يقف أفراد أمن «طالبان» حراساً بينما تمر المركبات أمام نقطة تفتيش بقندهار اليوم وسط اشتباكات على الحدود الأفغانية الباكستانية (أ.ف.ب)

وقال تارار، عبر منصة «إكس»، إن القوات الأفغانية نفّذت هجمات برية في 16 موقعاً في مناطق بجنوب غربي البلاد. وأضاف أن باكستان قتلت 27 من أفراد القوات الأفغانية.

وأضاف تارار أن القوات الأفغانية شنّت هجمات على 25 موقعاً على مناطق حدودية في إقليم خيبر بختونخوا، بشمال غربي باكستان، حيث قتلت القوات الباكستانية 40 من أفراد القوات الأفغانية.

ولم يرد تعليق، على الفور، من كابل بشأن الإحصاءات الباكستانية.