«الروبوتات التعاونية» تُغيِّر عالم الاستكشاف البحري

منصات استشعار متنوعة تسهم في تبادل المعلومات وتكاملها

نظم الاشراف على الروبوتات التعاونية البحرية (شركة إكوينور للطاقة في النرويج)
نظم الاشراف على الروبوتات التعاونية البحرية (شركة إكوينور للطاقة في النرويج)
TT

«الروبوتات التعاونية» تُغيِّر عالم الاستكشاف البحري

نظم الاشراف على الروبوتات التعاونية البحرية (شركة إكوينور للطاقة في النرويج)
نظم الاشراف على الروبوتات التعاونية البحرية (شركة إكوينور للطاقة في النرويج)

مع تطور التقنيات الحديثة، أصبح للروبوتات دور متزايد الأهمية في العمليات البحرية، بدءاً من استكشاف المحيطات وصولاً إلى دعم قطاع الاستزراع المائي. ومع ذلك، فإن الاعتماد التقليدي على الروبوتات الفردية لتنفيذ مهام محددة يُواجه تحديات كبيرة تتعلَّق بالكفاءة والقدرة على التكيف مع البيئات البحرية المعقدة. ومع تصاعد تعقيد العمليات البحرية، والحاجة إلى تقنيات أكثر تطوراً لإدارة البنية التحتية البحرية، واستكشاف أعماق المحيطات، يُشير الباحثون إلى ضرورة التحول نحو نموذج أكثر تكاملاً، إذ لم تعد الروبوتات الفردية كافية لمواجهة التحديات المتزايدة. في هذا السياق، طوَّر فريق بحثي في النرويج نهجاً مبتكراً يُعرف باسم «الأنظمة الروبوتية المستقلة التعاونية» (AROs)، وهي فرق من الروبوتات تعمل بتناغم عبر البحر والبر والجو.

قدرات كبيرة

وأوضح الباحثون أن التحول من الروبوتات الفردية إلى الأنظمة التعاونية قد يُحدث نقلة نوعية في العمليات البحرية؛ فبدلاً من عمل كل روبوت بشكل مستقل، ستتمكن هذه الروبوتات من التفاعل والتنسيق فيما بينها، تماماً كما تعمل الخلايا العصبية في جسم الإنسان عبر المشابك العصبية لنقل المعلومات بسرعة وكفاءة، ونُشرت النتائج، بعدد 26 مارس (آذار) 2025 من دورية (Science Robotics).

يقول الدكتور كيتيل سكوجسيت، الباحث الرئيسي للدراسة في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، وشركة «إكوينور» للطاقة، إن الروبوتات التعاونية توفر قدرات تفوق بكثير ما يمكن للأنظمة الروبوتية التقليدية تقديمه.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» هذه الروبوتات تُعزز الإمكانات التشغيلية، وتتمتع بالمرونة اللازمة للتكيف مع المهام المتغيرة ومتطلبات المهارات المختلفة. كما تُسهم في خفض التكاليف التشغيلية من خلال تقليل الاعتماد على السفن المأهولة، والحد من التدخل البشري المباشر، ما يُحسِّن فاعلية المهام عبر تقليل وقت الاستجابة وتحسين جودة الأداء، إلى جانب تعزيز قدرة الأنظمة على الصمود أمام التحديات البيئية والتشغيلية.

وأوضح أن منصات الاستشعار المتنوعة تُسهم في تحسين أداء هذه الروبوتات، من خلال تبادل المعلومات والتعاون فيما بينها. فبدلاً من أن يعمل كل روبوت بشكل منفصل، تتواصل الروبوتات مع بعضها، ما يسمح بتوزيع المهام بذكاء وفقاً للحاجة. وعلى سبيل المثال، في مهمة استكشاف بحرية، يمكن لأحد الروبوتات جمع بيانات درجة حرارة الماء، في حين يقوم آخر بفحص جودة المياه، وثالث بتحديد مواقع الشعاب المرجانية.

وهذا التعاون يجعل العمليات أكثر كفاءة ودقة، ويوفر اتصالاً مستمراً بين الروبوتات، ما يساعدها على اتخاذ قرارات سريعة، والتكيف مع التغيرات المفاجئة في البيئة البحرية.

مجالات بحرية متنوعة

وعن دور تلك الروبوتات في مستقبل تربية الأحياء المائية واستكشاف المحيطات، أشار سكوجسيت، إلى أنه يمكنها تحسين الاستزراع المائي من خلال مراقبة صحة الأسماك، وفحص وإصلاح أقفاص التربية، بالإضافة إلى رسم خرائط قاع البحر، ومراقبة جودة المياه، ما يوفر بيانات مهمة لدعم القرارات التشغيلية، مثل استراتيجيات التغذية والإجراءات الوقائية ضد ظواهر مثل ازدهار الطحالب الضارة.

أما في استكشاف المحيطات، فإن هذه الروبوتات تتيح تنفيذ مهام طويلة الأمد، ما يُعزز دقة التغطية المكانية والزمانية لرسم الخرائط وجمع البيانات. كما يُمكنها تقليل الجهد المطلوب عبر أنظمة مترابطة، ما يسمح بتنفيذ حملات استكشافية أكثر استهدافاً وكفاءة. فضلاً عن ذلك، ستُتيح إجراء دراسات شاملة على نطاق واسع بتكلفة أقل مقارنةً بالأنظمة التقليدية المعتمدة على السفن البحثية المأهولة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في تطوير الروبوتات المخصصة لاستكشاف المحيطات والبحار. وفي السياق، يعمل مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) على تطوير أسراب من روبوتات صغيرة تُدعى (SWIM) لاستكشاف المحيطات في العوالم الأخرى. ويبلغ طول كل روبوت نحو 12 سم، وهو مزود بأجهزة استشعار لقياس متغيرات مثل درجة الحرارة والضغط، ما يتيح استكشاف البيئات المائية على الكواكب الأخرى.

وفي يونيو (حزيران) 2024، أعلن باحثون من معهد المحيطات التابع لأكاديمية العلوم الروسية عن تصميم روبوتات جديدة مخصصة للاستكشافات تحت الماء. وصُمِّمت هذه الروبوتات للعمل بشكل مستقل لمدة تقارب 6 أشهر، وتتميز بقدرتها على التحرك عمودياً في الماء وقياس الخصائص الفيزيائية والكيميائية للبيئة المائية، ما يُسهم في دراسة البيئات البحرية بدقة أكبر.

كما طوَّر باحثون من جامعة ستانفورد الأميركية، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في السعودية، في يونيو 2022، روبوتاً يُدعى أوشن ون كيه (OceanOneK)، يتميز بقدرته على الغوص إلى أعماق تصل إلى 1000 متر. يُمكِّن هذا الروبوت العلماء من استكشاف البيئات البحرية العميقة والتفاعل معها بفضل نظام تحكم يوفر إحساساً باللمس، ما يسمح بمحاكاة ملمس الأجسام تحت الماء.


مقالات ذات صلة

«أليكسا +» يصل إلى «بي إم دبليو iX3» في أول تعاون من نوعه مع «أمازون»

تكنولوجيا عرض حي في «CES 2026» يوضح كيف أصبحت الأوامر الصوتية أكثر سلاسة وواقعية داخل سيارات «بي إم دبليو» (بي إم دبليو)

«أليكسا +» يصل إلى «بي إم دبليو iX3» في أول تعاون من نوعه مع «أمازون»

في معرض «CES 2026» تكشف «بي إم دبليو» عن «iX3» الجديدة كأول سيارة تعتمد «Alexa+» مقدّمة تجربة تفاعل صوتي، معززة بالذكاء الاصطناعي وترفيه متقدم.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا الكشف عن معالج «MI455» المخصص لأحمال الذكاء الاصطناعي الضخمة في فعالية «AMD» في لاس فيغاس (أ.ف.ب)

تحالف بين «AMD» و«OpenAI» في «CES 2026» بإطلاق معالج لخدمة النماذج العملاقة

الكشف عن جيل جديد من شرائح الذكاء الاصطناعي بدعم علني من «OpenAI» يؤكد تسارع الطلب العالمي وقدرة «AMD» على منافسة «إنفيديا» عبر حلول حوسبة متقدمة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا جنسن هوانغ يعلن انتقال «إنفيديا» من التركيز على بطاقات الرسوميات إلى عصر «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» (رويتزر)

من لاس فيغاس... «إنفيديا» تطلق عصر «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»

«إنفيديا» تكشف عن منصة «روبن» فائقة القوة معلنة انتقالها لعصر الذكاء الاصطناعي الفيزيائي مع ابتكارات للروبوتات والقيادة الذاتية

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا بطارية محمولة متعددة الإمكانيات... من تشغيل السيارة إلى شحن أجهزة الكمبيوتر

بطارية محمولة متعددة الإمكانيات... من تشغيل السيارة إلى شحن أجهزة الكمبيوتر

يمثل جهاز «غولو جي تي 6000 - Gooloo GT6000» بطارية محمولة متعددة الإمكانات قادرة على شحن كل شيء، بدءاً من أجهزة الكمبيوتر المحمولة، وصولاً إلى تشغيل محرك…

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا معرض «CES 2026» ينطلق رسميا في لاس فيغاس حتى التاسع من الشهر الحالي (أ.ف.ب)

عشية انطلاق معرض «CES 2026»... الشركات تكشف مبكراً عن أهم ابتكارات العام التقني

يستبق «CES 2026» انطلاقه بموجة إعلانات مبكرة من كبرى الشركات، كاشفة عن ابتكارات في الذكاء الاصطناعي، والشاشات، والحوسبة، والروبوتات ما يعكس عاماً تقنياً متحوّلا

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
TT

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات
ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات

في كل صباح، ينتابنا ضحكٌ خفيف أو ابتسامة خجولة تخرج من أعماق الجسد، قبل أن يستحضر العقل سببها. ربما كان قصة طريفة مرَّت في الذهن، أو مشهداً عابراً على شاشة الهاتف، أو تفاعلاً اجتماعياً بسيطاً مع إنسان آخر. ولكن هذا السلوك البسيط ظلَّ طويلاً في هامش الطب، بوصفه انفعالاً اجتماعياً لا مكان له في غرف التشخيص المزدحمة بالأرقام والفحوص.

غير أن العلم الحديث -وخصوصاً خلال العقد الأخير- بدأ يعيد النظر في هذه النظرة. فالضحك لم يعد يُفهم اليوم بوصفه صوتاً عابراً أو حركة تلقائية للوجه؛ بل استجابة فسيولوجية معقَّدة تُحدِث تغيُّرات داخل الجسد قبل أن يعيها العقل الواعي.

الضحك استجابة بيولوجية تلقائية تسبق التفكير الواعي

الضحك ليس مزحة... بل فسيولوجيا دقيقة

عندما يضحك الإنسان ضحكة صادقة، يدخل الجسد في حالة بيولوجية متكاملة تشبه إعادة ضبط داخلية لأنظمة متداخلة. ففي تلك اللحظات، ينخفض مستوى هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول (Cortisol) المرتبط بالإجهاد المزمن واضطراب المناعة. وفي المقابل، يزداد إفراز الإندورفينات (Endorphins)، وهي مواد طبيعية يفرزها الدماغ تعمل كمسكنات ألم داخلية، وتمنح إحساساً بالارتياح وتحسِّن المزاج.

ويشبِّه بعض الباحثين الضحك بتمرين بدني خفيف، ولكنه تمرين يحدث من الداخل؛ إذ يحسِّن الضحك العميق تدفُّق الهواء الغني بالأكسجين إلى الرئتين والدماغ، ويحفِّز القلب والعضلات دون إجهاد، كما يساعد على إرخاء العضلات بعد انقباضها، في دورة شدٍّ واسترخاء طبيعية تعيد للجسد توازنه الفيزيولوجي.

ماذا يحدث في جهاز المناعة عندما نضحك؟

لا يقتصر أثر الضحك على الجهاز العصبي؛ بل يمتد إلى جهاز المناعة نفسه، فحسب مراجعات علمية صادرة عن «مايو كلينك»، يسهم الضحك الصادق في تعزيز تدفُّق بعض الأجسام المضادَّة (Antibodies)، وتحسين أداء الخلايا الدفاعية، ولا سيما الخلايا القاتلة الطبيعية، كما يساعد على خفض مستويات الالتهاب المزمن المرتبط بكثير من الأمراض.

وتتأكد هذه النتائج عبر بحوث تطبيقية حديثة، فقد نشرت «المجلة الطبية البريطانية» (BMJ) في أغسطس (آب) 2024 دراسة سريرية، أظهرت أن تمارين الضحك العلاجية أسهمت في تخفيف أعراض جفاف العين الوظيفي، وحققت نتائج قريبة من بعض التدخلات العلاجية التقليدية. وقد نقلت هذه الدراسة الضحك من إطار الرفاهية النفسية إلى مجال البحث السريري التطبيقي، مؤكدة أنه قد يشكِّل مؤشراً بيولوجياً مساعداً لفهم صحة الإنسان بوصفه كُلّاً متكاملاً.

الضحك والدماغ: رسالة تسبق التفكير

الضحك ليس دائماً قراراً واعياً يتخذه العقل؛ بل كثيراً ما يكون استجابة عصبية تسبق الإدراك الواعي. فقبل أن يُحلِّل الدماغ سبب الطرافة، تكون شبكات عصبية عميقة قد بدأت بالفعل بإطلاق «استجابة الضحك»، وكأن الجسد يلتقط الإشارة قبل أن يصوغها العقل في كلمات.

داخل الدماغ، تتفاعل عدة مناطق في آنٍ واحد: مناطق ترتبط بالعاطفة والشعور بالمكافأة، وأخرى مسؤولة عن الحركة والتواصل الاجتماعي. ولهذا لم يعد الضحك في نظر علوم الأعصاب مجرد إحساس لطيف؛ بل أصبح سلوكاً دالّاً يمكن أن يعكس المزاج العام، ودرجة الارتياح النفسي، وقدرة الدماغ على التكيف مع الضغوط.

الدماغ بين الضحك والخوارزمية: تفاعل العاطفة مع الذكاء الاصطناعي

حين يفهم الذكاء الاصطناعي الضحكة

في السنوات الأخيرة، بدأ الذكاء الاصطناعي يتعامل مع الضحك بوصفه بيانات سلوكية قابلة للتحليل. فباستخدام تقنيات التعلُّم العميق، باتت الخوارزميات قادرة على تحليل مكوِّنات الضحك الصوتية والبصرية، وربطها بأنماط نفسية وعصبية معقَّدة.

وفي دراسة بحثية نُشرت على منصة «أركايف» (arXiv) في يوليو (تموز) 2024، طوَّر باحثون نموذجاً يعتمد على الدمج بين الصوت والصورة للتعرُّف على الضحك في سياقات اجتماعية مختلفة، محققين دقة أعلى من النماذج التقليدية، مع إمكانات واضحة لاستخدامه في تقييم الصحة النفسية والتفاعل الاجتماعي.

كما تشير بحوث في اللغويات الحاسوبية (Computational Linguistics) نُشرت عام 2025، إلى أن نماذج لغوية متقدمة أصبحت قادرة على تحليل الفكاهة وتوقُّع الاستجابة العاطفية لها؛ بل وإحداث استجابات ضحك قريبة إحصائياً من تلك التي تولِّدها النكات البشرية.

من نيويورك إلى مختبرات الذكاء الصحي

في هذا السياق، تبرز جامعات نيويورك بوصفها مراكز رائدة في البحوث التي تربط بين الذكاء الاصطناعي والصحة. فقد نظَّم «مركز لانغون الصحي» بجامعة نيويورك (NYU Langone Health) في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مؤتمراً بحثياً بعنوان تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لتحويل الرعاية الصحية، ركَّز على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى، وقراءة الإشارات غير اللفظية، مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه والضحك، ضمن التقييم الصحي الشامل.

كما يعمل قسم التحليل التنبؤي والذكاء الاصطناعي (Predictive Analytics & Artificial Intelligence) في جامعة نيويورك، على تطوير نماذج رقمية تدعم القرار الطبي، عبر دمج البيانات السريرية التقليدية مع مؤشرات سلوكية ونفسية، في اتجاه يعكس تحوّلاً واضحاً نحو طبٍّ أكثر شمولاً وإنسانية.

تناغم العقل والجسد

ضحكة واحدة ليست وصفة سحرية للشفاء، ولكنها تذكيرٌ صامت للجسد بأن الطريق إلى الصحة يبدأ من التناغم بين العقل والجسم. فالضحك ليس لحظة بهجة عابرة؛ بل جسرٌ دقيق يصل الجسد بالعقل، ويصل الطبيعة الإنسانية بالتقنيات المستقبلية التي تسعى إلى جعل الرعاية الصحية أكثر إنصاتاً لما لا تقوله الأرقام وحدها.

وكما قال ابن سينا: «الطب علمٌ تُعرف به أحوال بدن الإنسان... لتُحفظ به الصحة، ويُستردَّ به زوالها».


تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.