رحلة «شاقّة» وشائكة لتشريع قانون إصلاح المصارف في لبنان

أقرّته الحكومة وتطبيقه مشروط بـ«معالجة الفجوة المالية»

وزير المال ياسين جابر يطلع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على معلومات على هامش جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
وزير المال ياسين جابر يطلع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على معلومات على هامش جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
TT

رحلة «شاقّة» وشائكة لتشريع قانون إصلاح المصارف في لبنان

وزير المال ياسين جابر يطلع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على معلومات على هامش جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
وزير المال ياسين جابر يطلع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على معلومات على هامش جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)

حفل مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، المحال إلى المجلس النيابي، بموجب مرسوم بعد إقراره في مجلس الوزراء، بالتباس إجرائي صريح يؤجل سريان مواده كافة إلى حين إقرار قانون معالجة الفجوة المالية الذي يسمح بإعادة الانتظام المالي، وبحيث يلتحقان معاً مع مشروع تعديلات قانون السرية المصرفية، لتكتمل الثلاثية التشريعية الهادفة إلى انتشال لبنان من قعر أزماته المالية والنقدية المستمرة للعام السادس على التوالي.

وبدت العجلة الحكومية لإقرار المشروع، عقب نقاشات طويلة ومحتدمة خلال ثلاث جلسات لمجلس الوزراء، أقرب إلى إثبات «الالتزام المطلوب» في إشهار معالم خريطة الطريق للإصلاحات الهيكلية التي سيحملها الوفد اللبناني الرسمي إلى الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن بعد أسبوع، توطئةً لإعداد اتفاق مجدّد يتيح تدفق التمويل والتسهيلات من المؤسستين، ضمن خطة إنقاذ وتعافٍ تحدّد مندرجات احتواء الفجوة المالية وتوزيعات أحمالها بين رباعي الدولة والبنك المركزي والمصارف والمودعين.

وتبعاً للتعهدات الحكومية، بوضع مشروع قانون لمعالجة الفجوة المالية الذي يسمح بإعادة التوازن للانتظام المالي، فإن المشروع المتعلق بإصلاح وضع المصارف، وكخطوة ثانية بعد مشروع تعديلات السرية المصرفية، يضع إطاراً قانونياً حديثاً وفق أفضل المعايير الدولية المتبعة، كان يفتقده التشريع المصرفي وتحتاج إليه الحكومة والبنك المركزي، للتعامل مع الأزمات المالية كافة، وفي مقدمتها الأزمة الحالية البالغة الضرر على المواطنين والاقتصاد الوطني.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رئاسة الحكومة)

وبينما أفضت المداولات الوزارية إلى إدخال تعديلات مهمة وأساسية على النص الأصلي الذي رفعته وزارة المال، يرجّح، حسب مسؤول مالي كبير ومعني، إدخال تعديلات إضافية من قبل اللجان النيابية، لا سيما لجنتا «المال والموازنة» و«الإدارة والعدل»، وحتى بلوغه محطة التشريع الناجز في الهيئة العامة للمجلس النيابي. علماً، أنه مع افتراض تبسيطي لإقرار القانون سريعاً في المجلس ونشره في الجريدة الرسمية، فقد ورد النص الصريح في المادة 37 للمشروع، بتعليق تنفيذه إلى حين إقرار ونشر قانون معالجة الفجوة المالية.

بذلك، يظل المشروع المحال، والذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة كاملة منه، رهن الصيغة القانونية النهائية من جهة، والأهم رهن مبادرة الحكومة إلى إعداد المشروع الارتكازي لاستعادة التوازن المالي من جهة موازية، بوصفه الأكثر أهمية وحساسية في تبيان مصير نحو 84 مليار دولار من المدخرات «المقيّدة» لصالح نحو مليون حساب في البنوك، ومعها تحديد التصنيف النهائي لتوظيفات المصارف وودائعها لدى البنك المركزي والبالغة نحو 80 مليار دولار.

قانون معالجة الفجوة المالية

تقرّ الحكومة بوجوب الإقدام على الخطوة الثالثة في «المستقبل القريب»، والتي تتمثل في «وضع مشروع قانون حول معالجة الفجوة المالية» التي حددتها الحكومة السابقة بنحو 72 مليار دولار، بينما يلفت المسؤول المالي المعنيّ إلى أولوية هذه الخطوة التي تكفل تصحيح وضع الحصان أمام العربة، وليس العكس.

وفي التوضيح، سيتعذّر تحقيق أي تقدم محسوس في إصلاح المصارف وإعادة هيكلة ميزانياتها، ما لم تتم مقابلة المطلوبات الخاصة بمجملها بالمودعين بتصنيف موضوعي للموجودات (الأصول) المصرفية الموزعة خصوصاً كودائع وتوظيفات في البنك المركزي ومحافظ سندات دين دولية ( يوروبوندز) مصدّرة من قبل الحكومة، ومعلقة دفع استحقاقاتها ( فوائد وأصول) بموجب قرار حكومي مثير للجدل سارٍ المفعول منذ ربيع عام 2020.

«الحد من استخدام الأموال العامة»

تثير الإشارة الواردة في المشروع حول «الحد من استخدام الأموال العامة» في عملية إصلاح وضع المصارف، مخاوف مشروعة في أوساط القطاع المالي والمودعين على حد سواء. ذلك أنّ هذه الوصفة ستحول عملياً دون سداد توظيفات البنوك لدى البنك المركزي، تبعاً لتنصّل الدولة من سداد التمويل المفتوح الذي حصلت عليه من المصرف المركزي والمحدّدة بنحو 48 مليار دولار وفق تقرير التدقيق الجنائي الذي أنجزته الشركة الدولية «ألفاريز أند مارسال»، ومعالجة الخسائر التراكمية في ميزانيته وفق منطوق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، بما يشمل نحو 16 مليار دولار كفوارق قطع، فضلاً عن سندات دولية تناهز قيمتها الاسمية 5 مليارات دولار بحوزة المركزي.

جلسة مجلس الوزراء التي أقرت القانون (رئاسة الحكومة)

37 مادة

يشتمل المشروع على 37 مادة وجدول ملحق، ضمن 10 أبواب تتناول بالتدرج، الأحكام العامة، الهيئة المصرفية العليا، عملية التقييم المستقل، عملية إصلاح وضع المصرف، صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، صلاحيات لجنة الرقابة على المصارف، التعاون مع الهيئة المصرفية العليا، المدير المؤقت، عملية التصفية وأحكام متفرقة. في حين يلحظ الجدول المرفق، تراتبية الأموال الخاصة والدائنين، لجهة تحديد الترتيب المعتمد لجهة امتصاص الخسائر.

وبينما حرصت الحكومة على التنويه من دون محددات واضحة، بأن أموال المودعين، لا سيما صغار المودعين تتمتع في مشروع القانون بالأولوية في الحماية، فقد أوردت بالنص الودائع المضمونة والمستثناة تماماً من سداد الخسائر التي تعود إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، وصناديق التعاضد والتقاعد العائدة للقضاة والنقابات والمدارس والجامعات، والودائع العائدة لمؤسسة الجيش والقوى الأمنية، وودائع السفارات الأجنبية، والمدفوعات المتوجبة لمورّدي الخدمات، والضرائب المتوجبة، وودائع العملاء المحرّرة بالليرة، فضلاً عن الأموال الجديدة بالدولار.

المصارف الأجنبية

تنص أبرز المندرجات على تحديد نطاق تطبيق القانون على المصارف الأجنبية وفروعها العاملة في لبنان، وكذلك المصارف اللبنانية وفروعها في الخارج، وإنشاء الهيئة المختصة بإصلاح وضع المصارف، وتحديد آلية البدء بعملية إصلاح وضع المصرف أو التصفية بقرار من الهيئة المصرفية العليا، استناداً إلى تقرير تقييمي نهائي من لجنة الرقابة على المصارف، وتحديد أدوات إصلاح وضع المصرف التي يجوز للهيئة المصرفية العليا أن تقرر تطبيقها، مثل الإنقاذ الداخلي (bail-in) وإعادة رسملة المصرف وتحويل بعض أو كامل موجودات المصرف إلى مؤسسة أخرى.

يفترض أن تنكب الحكومة راهناً وبعد هذه الخطوة الأساسية وكمدخل رئيسي، حسب تأكيد وزير الإعلام بول مرقص، على إعداد مشروع قانون معالجة الفجوة المالية الذي يسمح بإعادة التوازن للانتظام المالي، على أن التصدي للأزمات الاقتصادية والمالية والمصرفية التي يعاني منها لبنان، بالإضافة إلى الحفاظ على حقوق المودعين، يستوجبان خطوات تشريعية مرتبطة بـ3 إصلاحات رئيسية تتعلق بسرية المصارف وإعادة هيكلتها ومعالجة الفجوة المالية بما يسمح بإعادة التوازن الانتظام المالي.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.