أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

قال لـ«الشرق الأوسط» إن السعودية هي «الأخ الأكبر الذي لم يطعن لبنان يوماً في الظهر» (3 من 3)

TT

أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)
صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

كان عهد الرئيس أمين الجميل (1982 - 1988) صعباً وصاخباً. انقسم فيه اللبنانيون واشتد الصراع الإقليمي والدولي على لبنان. بدأ العهد بذيول الغزو الإسرائيلي لبيروت واغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير. ولم تتأخر المحطات الصعبة.

في السنة التالية للغزو دعمت موسكو ودمشق رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط فكانت «حرب الجبل» التي أحدثت تمزقاً عميقاً في نسيج التعايش الدرزي - الماروني في الجبل. وفي 1984 دعمت دمشق رئيس حركة «أمل» نبيه بري فكانت «انتفاضة 6 شباط» (فبراير) التي غيّرت ميزان القوى بين الطوائف اللبنانية.

حدث آخر بالغ الدلالات وقع في 1983. فجر انتحاريان مقري «المارينز» و«الوحدة الفرنسية» في القوة المتعددة الجنسيات في لبنان فسقط مئات القتلى وانسحب الدعم الغربي. وعلى دوي تلك التفجيرات سيولد «حزب الله» الذي تحول في القرن الحالي اللاعب الأول في لبنان، خصوصاً بعدما ورث الدور السوري فيه. وفي عهد الجميل حاولت سوريا إبرام سلام الميليشيات في لبنان، لكن «الاتفاق الثلاثي» سقط فاتحاً الباب لمزيد من الحروب وجولات التفاوض.

لم يستسلم الجميل لمحاولات إخضاع عهده أو تطويقه. سعى إلى إبقاء علاقات لبنان الغربية حاضرة وحية، وعزز الروابط مع الاعتدال العربي، وأقام علاقات مع الرئيس صدام حسين والعقيد معمر القذافي وغيرهما، كما يروي في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط».

علاقة وثيقة بالسعودية وملوكها

سألت الجميل عن علاقته بالمملكة العربية السعودية، بدءاً بزيارتها برفقة والده بيار الجميل للقاء الملك فيصل بن عبد العزيز، فأجاب: «أنا فخور بهذه العلاقة. فخور أنني تعرفت على كل الملوك، من الملك فيصل إلى الملك سلمان. لا يوجد ملك منهم لم تكن تربطنا به علاقة حميمة، وأنا أفتخر بهذا. معظمهم كانت لديهم عاطفة خاصة تجاهي».

جمعت الجميل علاقات طيبة مع قادة السعودية منذ عهد الملك فيصل وحتى عهد الملك سلمان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

ويضيف: «في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان، السعودية هي الأخ الأكبر، السعودية هي التي لم تطعن لبنان يوماً في الظهر، السعودية الوحيدة التي كانت بالسراء والضراء إلى جانب لبنان، وتمده بكل الدعم المعنوي والاجتماعي والإنساني في كل المراحل. لا يمكنك أن تنكر هذا الشيء. لا يمكنك أن لا تقدر هذا الشيء. لا يمكنك ألا تحترم الناس الذين احترموك ودعموك في الظروف الصعبة».

ويروي الجميل واقعة طريفة لا تخلو من دلالة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قائلاً: «الملك سلمان، الله يطول بعمره، كنت مداوماً على زيارته عندما كان أمير الرياض. مكتب الرياض يعرفني تماماً، وكنت كلما ذهبت إلى المملكة، كان بديهياً أن أزور إمارة الرياض. مرة ذهبنا، وكان لدي موعد معه، أخذنا إلى الصحراء في مكان ما لديه نوع من مكان إقامة فيه. خيام على الطريقة القديمة، وبين هذه الخيم كان هناك مكتب له فيه (وسائل) اتصالات، آخر طراز الاتصالات، الإنترنت قبل الإنترنت. وبينما كنا نتحدث معاً، قال لي أنا يمكنني أن أتصل من هنا بأي كان وفي أي وقت. قلت له: هل يمكنني أن أتصل ببيتي؟ قال لي: لا. أنا استغربت فسارع إلى القول: لا يمكنك أن تتصل ببيتك لأن بيتك هنا. هكذا كان الجو حميماً، وأنا عندي تقدير واحترام».

وأضاف: «حقيقة، في الأيام الصعبة، دائماً كانت المملكة بجانب لبنان، وإلى حد اليوم، رغم العتب والزعل بالنسبة لنكران الجميل من بعض لبنان تجاههم والتصرف الذي حصل في ظل الهيمنة الإيرانية وغيره، بقيت المملكة عينها على لبنان، وقلبها على لبنان، وانتظرت أول فرصة حتى ترجع (إليه). وإذا كان اليوم لبنان ينعم بهذا الأمل الجديد فهو بفضل المملكة التي وضعت كل ثقلها ونفوذها لإعادة إيقاف لبنان على رجليه وتعزيز قدراته وبناء المؤسسات الدستورية لتستأنف دورها».

سيارة صدّام المصفحة

عن علاقته بالرئيس صدام حسين، قال الجميل: «كانت علاقة حميمة جداً، وأنا زرته مرات عدة في بغداد. في يوم، وكنت رئيساً جرت محاولة اغتيال ضدي، اتصل بي وقال لي: ماذا تفعل أنت؟ يقولون لي إن أمنك يحتاج إلى شدشدة؟ قلت له: نفعل ما بيدنا، والله هو الذي يحمي. قال: لا، هذا ليس عملاً، سأرسل لك سيارتي. في اليوم التالي تصل سيارته وهي مصفحة بالكامل، تصفيح قوي من الداخل والخارج. وصلت بالطائرة. لترى كيف كانت لفتته واهتمامه بأمني».

استمرت هذه العلاقة حتى اللحظات الأخيرة لحكم صدام، حين وصل الجميل طلب فاجأه. يتذكر: «بقيت العلاقة حميمة إلى درجة أنه عشية الحرب (الغزو الأميركي) بعث لي خبراً أنه يريد رؤيتي، فذهبت إلى بغداد. قال لي الأمور ليست سوية بيننا وبين الأميركيين، وهناك صدام معهم، ما رأيك؟ أنت لديك علاقة جيدة معهم، هل نستطيع أن نفهم شيئاً منهم؟ ماذا نفعل؟ قلت له إن هذه قصة كبيرة، أكبر مني. لدي علاقات جيدة، لكنها ليست على مستوى، عندما كنت رئيساً كانت على مستوى الرؤساء. الآن لدينا علاقات أقل. قال لي: حاول. ذهبنا إلى أميركا، واجتمعنا مع بعض الناس. وكان من المهم ألا نعقد اجتماعاً مع المسؤولين المباشرين، أي الفريق الرئاسي، لئلا يسلط الإعلام الأميركي الضوء علينا ويحولها إلى قضية. كنا نمشي على رؤوس أصابعنا لنصل إلى نتيجة.

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لي قريب في أميركا من آل الجميل، من أهم المحامين الذين حصلوا على رقم قياسي في كتاب غينيس. من أهم المحامين في أميركا، ولديه علاقات. تحدثنا معه، وهذه قضية عائلية لا تحدث جلبة، وهو كانت علاقته جيدة مع جيمس بايكر الذي كان وزيراً للخارجية وتولى حقائب وزارية عدة في أميركا. عقدنا اجتماعاً معه، وحينها لم يكن في الإدارة ومتقاعداً تقريباً لكن لديه كل العلاقات. كنا نحاول ألا نتسبب بأي إحراج للإدارة.

كان هذا قبل الحرب الكبيرة على العراق. عرضت عليه الموضوع، فقال لي: دعنا نرى ماذا يمكننا أن نفعل. بعد ثلاثة أو أربعة أيام، أنا بقيت في هيوستن حيث مركزه، عقدنا اجتماعاً وقال لي عندي باب نور، هناك شيء يمكننا أن نقوم به، ابق معنا على الخط. وكان هو وزير مالية، ويوقع على ورقة الدولار. ذهب وراء مكتبته وأحضر رزمة دولارات، من فئة الدولار الواحد، وقال لي: لنر مدى حظنا في الموضوع، وقال لي: متى ولدت؟ قلت له: في 1942. أي تاريخ؟ قلت له: في كانون الأول، كانون الثاني. ذهب إلى دولاراته ونظر إذا كان بينها رقم يتناسب مع تاريخ ميلادي. وجدها، وقالي لي: هذا هو. وعندي الدولار موجود هنا. فقال لي عندنا حظ، هذا الدولار رقم عيد مولدك، والله يوفقنا. فقلت له: هذا الدولار أريده، وموقعاً منك بخط يدك. وقع عليه وأعطاني إياه، على أساس أنه دليل خير. وأكملنا، لكن لسوء الحظ، وكما يقولون سبق السيف العزل، والأميركيون كانوا حددوا موقفهم وانتهت القصة. حاول ولم ينجح، وهذه القصة لن نتوسع فيها، دخل فيها الفاتيكان ومجموعة عناصر، وكانت هناك محاولات عدة نسقناها بعضنا مع بعض لكي نصل إلى نتيجة، لكنها لم تعط نتيجة، ولكن المهم، أن التجربة أو المهمة التي قمنا بها بناء على طلب صدام حسين.

هذا بالنسبة إلى صدام، بقيت العلاقة جيدة جداً مع صدام ومع فريق صدام، كان وزير الخارجية طارق عزيز صديقاً لي، كانت العلاقة ودية جداً معه. ذهبت مرات عدة إلى العراق، في الحقبة التي كان صدام رئيساً فيها، وكان مهتماً أن يساعد في شيء. لكن وقتها، علاقته مع الأسد لم تكن جيدة. كان متحفظاً في كلامه. أكيد لم يكن هناك ود بينهما. هذا مع صدّام حسين، والسيارة لا تزال موجودة. السيارة مرسيدس موجودة، لكن الكراهية مع الأسد كانت أكيدة ومتبادلة. السيارة (موديل) سنة 80، حافظت عليها بيضاء، وتصفيحها رقم واحد، أي أهم تصفيح، ومازلت محتفظاً بها. كانت مشاعره جيدة تجاه لبنان وربطته علاقات بجهات لبنانية بينها العماد ميشال عون قائد الجيش إبان ولايتي. والحقيقة أنه أرسل مساعدات بكمية كبيرة».

تأمين صدام وشبيهه!

سألت الجميل عن أسلوب صدام واستقباله لضيوفه، فأجاب: «قريب جداً إلى القلب. عندما تكون معه رأساً برأس، لا يوجد بروتوكول. قريب إلى القلب. متحدث، متحدث مهم، وعندما تكون معه تنسى أنه هو صدام حسين الأسطورة أو التاريخ. ودود جداً عندما يكون لديه ثقة بالشخص. وكان الطريف أنك لتصل إليه هناك كثير من التمويه الأمني. قصة كبيرة، تلف مائة لفة ودوران، ثم تصل إلى مكان وتعتقد أنك وصلت إلى صدام حسين، ثم تتبين أنك وصلت إلى شبيه صدام حسين، وليست له علاقة به. ثم تأتي سيارة أخرى وتأخذك إلى مكان آخر، ثم تدخل إلى بيت متواضع جداً فتجد صدام حسين فيه. الاجتماع في بيت متواضع، في منطقة واسعة، بعيدة عن المطار، فيها مراكز كثيرة، وتظن أنه هذا المركز الرئيسي ثم يتبين أنه محطة، ثم تذهب إلى المحطة الأخيرة وتجد البيت المتواضع. ليس متواضعاً كثيراً لكنه عادي وليس بمستوى القصور. الإجراءات الأمنية صارمة جداً».

وعن الغزو العراقي للكويت، قال: «قصة الكويت قديمة في العراق كما هي قصة لبنان في سوريا. لكن التذرع بروايات تاريخية لا يبرر أبداً الاعتداء على سيادة الدول أو شطب الحدود الدولية المعترف بها... سألتني عن علاقتي الشخصية مع صدام حسين وأجبتك بأنها ممتازة وأنه كان يريد مساعدة لبنان. موقفه هذا لم يمنعنا من الوقوف بقوة ضد غزو الكويت البلد الذي ربطته دائماً علاقات ممتازة مع لبنان. فكما رفضنا سياسة الأسد الرامية إلى ضم لبنان إلى سوريا، رفضنا سياسة صدام الرامية إلى ضم الكويت إلى العراق».

أمين الجميل خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

الجميل والقذافي... من القطيعة إلى الصداقة

بدأت علاقة الجميل مع العقيد معمر القذافي في مناخ من التوتر والقطيعة لكنها تحسنت لاحقاً إلى درجة صار معها الرئيس اللبناني يشارك في معالجة مشاكل الزعيم الليبي وخيمته الجوالة. سألته فروى: «حين توليت الرئاسة كانت لدي ملفات، لا سيما ملف إيران وملف ليبيا. لم يكن هناك حديث عن مشاركة ليبية في قوات السلام العربية التي أرسلت إلى لبنان. بادرت ليبيا وبالتفاهم مع سوريا إلى إرسال وحدة عسكرية. دخلت وهذا شيء ضد المنطق وضد القانون وضد البروتوكول الدبلوماسي.

عندما تسلمت (الرئاسة) بعثت رسالة مفادها أن هذا الوضع شاذ ومناف للدستور اللبناني ولبروتوكول جامعة الدول العربية، وطالبت القذافي بسحب الوحدة. لم يتجاوب، لا بل في الإعلام كان هناك موقف عدائي للبنان. أخذت قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا. قطعنا العلاقات الدبلوماسية وسحبنا السفراء. هذا في بداية العهد.

مرت الأيام، وكانت تربطني علاقة حميمة جداً وودية جداً مع الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، وكان يصر علي حين أكون في المنطقة أن أزوره لتناول عشاء على انفراد. إنها جزء من هذه السفرات أو هذه الرحلات واللقاءات، غير السرية، لكن البعيدة عن الأضواء. تماماً بلا إعلام. اتصلت بالملك الحسن الثاني وأبلغته أنني موجود، فقال لي: تفضل تعال نتعشى معاً في اليوم الفلاني. أثناء العشاء، والملك الحسن الثاني رجل مهذب جداً وخبير في الأصول، غادر العشاء مرتين. استغربت إذ لم يكن ذلك من عادته. في المرة الثانية عاد ضاحكاً وقال لي: معمر القذافي على الهاتف. اتصل بي مرتين ويريدك أن تذهب إليه. قلت له: يا عمي الدم للركب بيننا وبينه وهناك قطع علاقات دبلوماسية. وكذلك كانت قضية إخفاء الإمام موسى الصدر ساخنة، كيف أذهب إلى هناك؟ قال لي: معك حق، وأنا اختبرت القذافي وأعرف كم يمكن أن يضر، لكنني أنصحك، ولدينا تجربة معه وطبعنا العلاقات، وكان صادقاً، ومتى ما اتفقت معه يكون صادقاً. أنا أنصحك كرمى للبنان أن تقيم هذه العلاقة معه، وأنا أضمنها لأنني أخذت ضمانات من القذافي أنه سيفتح صفحة جديدة مع لبنان، وبصورة خاصة معك.

أصر علي الملك، فقلت له: كيف سنبررها؟ عندي دولة وعندي حكومة وعندي مجلس نواب؟ قال لي: نجريها بسرية تامة ولا يعرف أحد بها. طائرة تحط في ليبيا بمطار عسكري لا يعرف أحد، تلتقي القذافي فإذا اتفقتما اتفقتما وإذا لا فكل شيء يبقى على حاله، وتغادر. وأنا سأرسل معك وزير كبير بطائرتي حتى يكون كل شي مضموناً وبأمان.

ذهبنا في طائرة مغربية وطائرتي «الميدل إيست». على أساس أن العاهل المغربي هو الضامن لكل شيء. وصلنا إلى المطار واستقبلني (القذافي) وكان في قمة اللطف والتهذيب والمودة. تحدثنا مطولاً، طوينا الصفحة؟ قال لي: نعم، انتهت، ربما حصل خطأ، وما تريدنا أن نقوم به سنفعل، المهم أن تكون العلاقة جيدةً معكم، وكيف يمكننا أن ندعم لبنان في الأوساط العربية والمحافل الدولية نحن مستعدون. (قلت له) كثر خيرك. صعدنا إلى الطائرة وعدنا إلى بيروت. غبنا مدة الهواء، مدة خمس أو ست ساعات أي مشوار الوصول إلى بيروت. ماذا حدث في هذه الوقت؟ في هذا الوقت تبث الإذاعة الإسرائيلية: طائرة الرئيس اللبناني تركت المغرب باتجاه بيروت واختفت في الجو. كان الاتفاق أن الزيارة سرية. إطفاء أضواء في المطار في ليبيا وتختفي الإشارات كلها، ثم تأتي الإذاعة الإسرائيلية وتذيع أنه من الأرجح أن الرئيس الجميل اختطف في الأجواء الليبية. وقامت القيامة ووصل الخبر إلى بيروت وصار هناك استنفار كامل، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ووزير الخارجية والمخابرات، حصل اضطراب كامل. قامت القيامة في بيروت وعقدوا اجتماع حرب في القصر الجمهوري، جاء رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب.

جرت اتصالات مع سفارة أميركا وكلام مفاده نريد أن نقدم شكوى لدى الأمم المتحدة، وشكوى لدى الجامعة العربية. وطلب اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. وسنأخذ إجراءات فورية بحق ليبيا، لأن هذا ليس منطقياً وليس معقولاً. وجاء واحد من الحضور، وقال لنبلغ زوجة الرجل، نحن نقوم بكل هذه الإجراءات وستصدر في الإذاعات والأخبار، فلنبلغها بأننا نقوم باللازم.

اتصلوا بزوجتي وقالت لهم، بعد فترة تفكير: أنا لست خائفة. أعرف زوجي عنده «نتعات» (مفاجآت) من هذا النوع ويجب أن يكون هناك شيء للخير وراء ذلك. لدى زوجتي إلهام، تستكشف ذهنياً. قالت: أنا لست خائفة على أمين ولا أرى سوءاً، ولنستمر في البحث. اتصلوا بليبيا ولم يكن لدى أحد خبر.

(وزير الخارجية اللبناني الأسبق) إيلي سالم اتصل بوزير خارجية ليبيا فقال له إنه ليس لديه خبر. اتصلوا بالمغرب وجاءهم رد مشابه. في الأخير إيلي سالم أخذ قراراً بالاتصال بالملك مباشرة. لحسن حظنا، استجاب الملك بعدما علم بخطورة الموضوع، وقالوا له لا تشغلوا بالكم والرئيس الجميل بألف خير وسيصل إلى بيروت بعد ساعة. طائرتي معه تواكبه ومعه وزير من عندي. أهنئكم كانت الزيارة ناجحة إلى ليبيا وإن شاء الله تكون بينكم أطيب العلاقات.

علاقة الجميل بالقذافي انتقلت من المواجهة إلى الصداقة (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

هذه قصة ليبيا، ومن وقتها أصبحت بيني وبين القذافي علاقات وكل فترة يريدني أن أزوره بالقوة، وأزوره. ولهذا لعبت دوراً في القمة العربية في الجزائر، خصوصاً أن مقعد لبنان مجاور لمقعد ليبيا. طالب القذافي العرب بإصدار بيان استنكار للغارة الأميركية على طرابلس والتي قال إنها قتلت ابنته بالتبني. أكد أنه لن يغادر مقعده ما لم يصدر بيان من هذا النوع.

أنا كنت بجانبه، وقلت له: سأجد حلاً. ما رأيك تعد ليبيا بياناً تستنكر فيه ما حصل، ونطلب أن يكون هذا البيان جزءاً لا يتجزأ من البيان الختامي، أي يضم إلى البيان الختامي. اقترحت هذا المخرج لأن دولاً عربية عدة لم تكن في وارد تضمين البيان الختامي للقمة إدانة لأميركا. سألت القذافي إن كان موافقاً، فأجاب: شرط أن تكتب أنت البيان وتضمنه انتقاداً لأميركا واستنكاراً للغارة. وكتبت له بياناً طويلاً عريضاً وعجبه كثيراً، هذا كلام هذا كلام. قلت للرئيس (الجزائري الراحل) الشاذلي بن جديد أن الأخ معمر موافق ووجدنا وليس هناك سوى إضافة هذا البيان ويكون جزءاً من أعمال القمة. وافق الجميع على المخرج. كان إقناع القذافي قصة كبيرة. هذا نوع من المحطات.

واجهتنا مشكلة أخرى. جاء العقيد مع خيمته وأصر على الإقامة فيها وليس في الفندق. عارض الأمن الجزائري طلبه لأسباب أمنية وتبنى الرئيس بن جديد الموقف نفسه. لوّح القذافي بمغادرة القمة وتوليت أنا حل الإشكال وفي النهاية أرسل القذافي الخيمة إلى طائرتي كهدية منه».

لم يتحدث القذافي خلال لقاءاته مع الجميل عن قصة إخفاء الإمام الصدر خلال زيارته إلى ليبيا. ويقول الجميل إن معلومات وردت في تلك الفترة ومفادها «أن المخابرات السورية لعبت دوراً في إخفاء الصدر بسبب وجودها في المطارات الليبية منذ تولي القذافي السلطة. وقيل إن الحشود المليونية التي كانت تشارك في مناسبات الصدر أزعجت النظام السوري لأن رؤية الصدر لدور الشيعة في لبنان لا تتوافق مع مشروعه».

أكد الجميل أن لا مرارات لديه على رغم الصعوبات الهائلة التي اصطدم بها عهده. قال إنه «مرتاح الضمير لتمسكي بالثوابت الوطنية وبذلي كل جهد ممكن». بدا شديد الارتياح لتجربة نجله سامي النائب ورئيس «حزب الكتائب»، مشيراً إلى «اجتماع الشجاعة والنضج في إطلالاته». أشاد بتجربة الرئيس جوزيف عون يوم كان قائداً للجيش وبالمسيرة المهنية لرئيس الحكومة نواف سلام متمنياً النجاح للعهد الحالي في لبنان.


مقالات ذات صلة

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

خاص جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً جديداً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» وفيه تفاصيل إسقاط سوريا ما سمته اتفاق كامب ديفيد اللبناني مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

خاص رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

كان جان عبيد، السياسي اللبناني المعروف، قاب قوسين من رئاسة الجمهورية عام 1989. رفض السماح بأن يحتل الجيش السوري قصر الرئاسة اللبنانية... فسقط في الامتحان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي) p-circle 01:31

خاص الجميل لـ«الشرق الأوسط»: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

أمين الجميل يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد عبد الحليم خدام لترهيب اللبنانيين، وكيف اخترق رفيق الحريري النظام السوري.

غسان شربل (بيروت)
خاص الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي) p-circle 07:13

خاص أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

قال الرئيس أمين الجميل لـ«الشرق الاوسط» إن حافظ الأسد كان يرى لبنان «خطأً تاريخياً»، وكشف عن ضغوط الأسد عليه ومحاولات اغتياله وضلوع دمشق في مقتل شقيقه بشير.

غسان شربل (بيروت)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».


الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
TT

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

تجنبت الحكومة اللبنانية، في جلسة مشحونة سياسياً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بحث قرار وزير الخارجية، جو رجّي، طرد السفير الإيراني، في غياب وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» الذين قاطعوا الجلسة اعتراضاً، لتتحوّل الجلسة اختباراً فعلياً لتماسك الحكومة عند تقاطع أزمتين: اشتباك داخلي على الخيارات السيادية، وتصعيد إقليمي يضغط على لبنان من بوابة الجنوب والنزوح.

وشارك في الجلسة كل الوزراء باستثناء المحسوبين على «الثنائي الشيعي»، فيما كانت لافتة مشاركةُ وزير شؤون التنمية الإدارية (المستقل) فادي مكّي، الذي خرق المقاطعة الشيعية للجلسة رغم إعلانه أنه يعارض القرار، لكنه شارك «لضمان انتظام العمل العام»، مع تأكيده أنه «لا خيار إلا الدولة».

ولم تتطرق مقررات الجلسة إلى موضوع طرد السفير، فيما رفض وزير الإعلام، بول مرقص، الإجابة عن أسئلة الصحافيين بعد الجلسة، في مسعى واضح لتجنب الخوض في هذا الملف، في ضوء مساعٍ لإيجاد مخرج لأزمة الاعتراض الشيعي. وعلم أن «الثنائي الشيعي» يرفض حتى الساعة مخرجاً مقترحاً بالموافقة على تعيين طهران سفيراً جديداً في بيروت.

من القرار الدبلوماسي إلى الاشتباك السياسي

وأتت الجلسة، التي سبقتها اتصالات على أكثر من خط لمحاولة احتواء الخلاف والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف من دون التوصل إلى نتيجة، في سياق تصاعد التوتر السياسي على خلفية قرار طرد السفير الإيراني، الذي سرعان ما تحوّل إلى نقطة اشتباك داخل الحكومة بين مَن يراه إجراءً سيادياً، ومَن يعدّه خطوة تحتاج إلى مقاربة أكبر توازناً.

وفي حين تتجه الأنظار إلى ما سيكون عليه موقف «الثنائي الشيعي» في المرحلة المقبلة، تشير المعلومات إلى أن مقاطعة جلسة الخميس لا تعكس توجهاً نحو الانسحاب من الحكومة، بل جاءت بوصفها رسالة اعتراض سياسية على مسار القرار؛ مما أبقى الخلاف داخل المؤسسات، وأعاد تثبيت نمط إدارة النزاعات عبر التعطيل الجزئي بدلاً من الانفجار الكامل.

ويحاكي هذا المشهد سوابق قريبة، لا سيما في ملف «حصرية السلاح»، حيث استُخدمت المقاطعة أداةَ ضغط من دون الذهاب إلى إسقاط الحكومة؛ مما يجعل جلسة الخميس امتداداً لمسار إدارة التوازنات الدقيقة داخل السلطة التنفيذية.

انقسام في مقاربة القرار

وقبيل انعقاد الجلسة، عكست مواقف الوزراء انقساماً واضحاً في المقاربات. وقال وزير العدل؛ المحسوب على حزب «الكتائب»، عادل نصار: «قرار المقاطعة من (حركة أمل) و(حزب الله) وسط هذه الأزمة وهذا الظرف غير مبرّر». وقال وزير المهجرين كمال شحادة: «قرار طرد السفير الإيراني اتُّخذ بالتكافل والتضامن مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ولا تراجع عنه».

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً جلسة الحكومة في غياب وزراء «الثنائي الشيعي» (رئاسة الحكومة)

كما أكد وزير الصناعة؛ المحسوب على حزب «القوات اللبنانية»، جو عيسى الخوري، أنه «لا تراجع عن القرار» و«ما حَدَا بِدُّو يدافع عن إيران»، فيما قال وزير الزراعة؛ المحسوب على الحزب «التقدمي الاشتراكي»، نزار هاني: «سيُبحث بمقترحات عدة، ولا خطر على الحكومة».

وقالت وزيرة السياحة؛ المحسوبة على رئيس الجمهورية: «أنا ضد تدخل إيران في الشؤون اللبنانية، وكان لا بد من أن توجِّه الحكومة هذه الرسالة لإيران».

في المقابل، قال وزير العمل، محمد حيدر، في حديث إذاعي، إن «مشاركة وزير التنمية الإدارية، فادي مكي، في جلسة مجلس الوزراء يعود إلى الوزير مكي نفسه»، مشيراً إلى أن «الاتصالات كانت قائمة منذ صدور قرار وزارة الخارجية المتعلق بأوراق اعتماد السفير الإيراني، مع ضرورة ترك الأمور تأخذ مجراها للتوصل إلى حل». وأوضح أن «ظروف الحرب في لبنان تتطلب تضامن جميع الأطراف وتكثيف الاتصالات»، عادّاً أن «التراجع عن القرار بات ضرورياً لتفادي الانقسامات»، لافتاً إلى أنه «لا قرار لدى (الثنائي الشيعي) بمقاطعة الجلسات المقبلة، والاتصالات مستمرة لإيجاد مخارج مناسبة». وفي السياق نفسه، قال النائب حسين الحاج حسن (حزب الله)، في تصريح تلفزيوني، إن السفير الإيراني «لن يغادر بيروت».

مكّي: لا خيار إلا الدولة

وفي بيان له، أصدره بعد مشاركته في الجلسة، أكّد الوزير فادي مكّي أنّه يُعارض القرار الذي اتّخذته وزارة الخارجيّة، إلّا إنّه شارك في الجلسة انطلاقاً من اقتناعه بأنّ «المشاركة الفاعلة تُشكّل ضرورةً وطنيّةً لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحدّيات المتفاقمة». وقال إنّ لبنان يمرّ «بأزمةٍ وجوديّة»؛ مما يفرض «تعزيز حضور الدّولة، وتغليب منطق المسؤوليّة الوطنيّة»، مشدداً على أنّ مجلس الوزراء يبقى «الإطار الطّبيعي لاتّخاذ القرار الوطني».

الوزير فادي مكي (الوكالة الوطنية)

وأضاف مكي أنّ الأولويّة يجب أن تكون لمواجهة «عدوانٍ إسرائيليٍّ مستمرّ» يتجلّى في «تدميرٍ ممنهج واستهداف للمدنيين والبنى التحتية»، عادّاً أنّ ذلك «انتهاك صارخ للقانون الدولي».

تحرك نحو مجلس الأمن

وأعلن وزير الإعلام، بول مرقص، عقب الجلسة، أنّ مجلس الوزراء خصّص اجتماعه لبند وحيد يتعلق بملف النازحين وتداعيات الحرب الإسرائيلية على مختلف المستويات، في ظل غياب وزراء المالية والصحة والبيئة والعمل.

ونقل مرقص عن سلام تحذيره من «خطورة التهديدات الإسرائيلية المتكررة باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني»، مشيراً إلى حديث إسرائيلي عن ضم هذه المنطقة، بالتوازي مع «تفجير الجسور على النهر، وتهجير السكان، وقضم الأراضي، وهدم المنازل»، عادّاً أن ذلك «يشكل تهديداً مباشراً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وانتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وفي هذا السياق، طلب سلام من وزارة الخارجية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، معلناً عزمه التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة لبحث هذه التطورات.

وفي ملف العلاقات الخارجية، أعرب سلام عن أسفه لما أعلنته الكويت من تفكيك خلية إرهابية تضم شخصين منتميين إلى «حزب الله»، مؤكداً «تضامن لبنان الكامل مع الكويت وحرصه على أفضل العلاقات بدول الخليج»، ومشدداً على ضرورة التزام اللبنانيين بالقوانين في الدول التي يعملون فيها، كاشفاً عن اتصال أجراه برئيس الوزراء الكويتي للتعبير عن استنكار لبنان هذه الأعمال.

كما أشار إلى أن «القصف الإيراني بات يتركز بنسبة كبيرة على دول الخليج ودول أخرى في المنطقة، مقابل نسبة أقل على إسرائيل»، عادّاً أن استهداف منشآت مدنية «يشكل تطوراً خطيراً لا يمكن للبنان تجاهله»، ومؤكداً أنه سيُجري اتصالات مع قادة الدول الخليجية للتعبير عن التضامن.