أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

قال لـ«الشرق الأوسط» إن السعودية هي «الأخ الأكبر الذي لم يطعن لبنان يوماً في الظهر» (3 من 3)

TT

أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)
صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

كان عهد الرئيس أمين الجميل (1982 - 1988) صعباً وصاخباً. انقسم فيه اللبنانيون واشتد الصراع الإقليمي والدولي على لبنان. بدأ العهد بذيول الغزو الإسرائيلي لبيروت واغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير. ولم تتأخر المحطات الصعبة.

في السنة التالية للغزو دعمت موسكو ودمشق رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط فكانت «حرب الجبل» التي أحدثت تمزقاً عميقاً في نسيج التعايش الدرزي - الماروني في الجبل. وفي 1984 دعمت دمشق رئيس حركة «أمل» نبيه بري فكانت «انتفاضة 6 شباط» (فبراير) التي غيّرت ميزان القوى بين الطوائف اللبنانية.

حدث آخر بالغ الدلالات وقع في 1983. فجر انتحاريان مقري «المارينز» و«الوحدة الفرنسية» في القوة المتعددة الجنسيات في لبنان فسقط مئات القتلى وانسحب الدعم الغربي. وعلى دوي تلك التفجيرات سيولد «حزب الله» الذي تحول في القرن الحالي اللاعب الأول في لبنان، خصوصاً بعدما ورث الدور السوري فيه. وفي عهد الجميل حاولت سوريا إبرام سلام الميليشيات في لبنان، لكن «الاتفاق الثلاثي» سقط فاتحاً الباب لمزيد من الحروب وجولات التفاوض.

لم يستسلم الجميل لمحاولات إخضاع عهده أو تطويقه. سعى إلى إبقاء علاقات لبنان الغربية حاضرة وحية، وعزز الروابط مع الاعتدال العربي، وأقام علاقات مع الرئيس صدام حسين والعقيد معمر القذافي وغيرهما، كما يروي في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط».

علاقة وثيقة بالسعودية وملوكها

سألت الجميل عن علاقته بالمملكة العربية السعودية، بدءاً بزيارتها برفقة والده بيار الجميل للقاء الملك فيصل بن عبد العزيز، فأجاب: «أنا فخور بهذه العلاقة. فخور أنني تعرفت على كل الملوك، من الملك فيصل إلى الملك سلمان. لا يوجد ملك منهم لم تكن تربطنا به علاقة حميمة، وأنا أفتخر بهذا. معظمهم كانت لديهم عاطفة خاصة تجاهي».

جمعت الجميل علاقات طيبة مع قادة السعودية منذ عهد الملك فيصل وحتى عهد الملك سلمان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

ويضيف: «في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان، السعودية هي الأخ الأكبر، السعودية هي التي لم تطعن لبنان يوماً في الظهر، السعودية الوحيدة التي كانت بالسراء والضراء إلى جانب لبنان، وتمده بكل الدعم المعنوي والاجتماعي والإنساني في كل المراحل. لا يمكنك أن تنكر هذا الشيء. لا يمكنك أن لا تقدر هذا الشيء. لا يمكنك ألا تحترم الناس الذين احترموك ودعموك في الظروف الصعبة».

ويروي الجميل واقعة طريفة لا تخلو من دلالة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قائلاً: «الملك سلمان، الله يطول بعمره، كنت مداوماً على زيارته عندما كان أمير الرياض. مكتب الرياض يعرفني تماماً، وكنت كلما ذهبت إلى المملكة، كان بديهياً أن أزور إمارة الرياض. مرة ذهبنا، وكان لدي موعد معه، أخذنا إلى الصحراء في مكان ما لديه نوع من مكان إقامة فيه. خيام على الطريقة القديمة، وبين هذه الخيم كان هناك مكتب له فيه (وسائل) اتصالات، آخر طراز الاتصالات، الإنترنت قبل الإنترنت. وبينما كنا نتحدث معاً، قال لي أنا يمكنني أن أتصل من هنا بأي كان وفي أي وقت. قلت له: هل يمكنني أن أتصل ببيتي؟ قال لي: لا. أنا استغربت فسارع إلى القول: لا يمكنك أن تتصل ببيتك لأن بيتك هنا. هكذا كان الجو حميماً، وأنا عندي تقدير واحترام».

وأضاف: «حقيقة، في الأيام الصعبة، دائماً كانت المملكة بجانب لبنان، وإلى حد اليوم، رغم العتب والزعل بالنسبة لنكران الجميل من بعض لبنان تجاههم والتصرف الذي حصل في ظل الهيمنة الإيرانية وغيره، بقيت المملكة عينها على لبنان، وقلبها على لبنان، وانتظرت أول فرصة حتى ترجع (إليه). وإذا كان اليوم لبنان ينعم بهذا الأمل الجديد فهو بفضل المملكة التي وضعت كل ثقلها ونفوذها لإعادة إيقاف لبنان على رجليه وتعزيز قدراته وبناء المؤسسات الدستورية لتستأنف دورها».

سيارة صدّام المصفحة

عن علاقته بالرئيس صدام حسين، قال الجميل: «كانت علاقة حميمة جداً، وأنا زرته مرات عدة في بغداد. في يوم، وكنت رئيساً جرت محاولة اغتيال ضدي، اتصل بي وقال لي: ماذا تفعل أنت؟ يقولون لي إن أمنك يحتاج إلى شدشدة؟ قلت له: نفعل ما بيدنا، والله هو الذي يحمي. قال: لا، هذا ليس عملاً، سأرسل لك سيارتي. في اليوم التالي تصل سيارته وهي مصفحة بالكامل، تصفيح قوي من الداخل والخارج. وصلت بالطائرة. لترى كيف كانت لفتته واهتمامه بأمني».

استمرت هذه العلاقة حتى اللحظات الأخيرة لحكم صدام، حين وصل الجميل طلب فاجأه. يتذكر: «بقيت العلاقة حميمة إلى درجة أنه عشية الحرب (الغزو الأميركي) بعث لي خبراً أنه يريد رؤيتي، فذهبت إلى بغداد. قال لي الأمور ليست سوية بيننا وبين الأميركيين، وهناك صدام معهم، ما رأيك؟ أنت لديك علاقة جيدة معهم، هل نستطيع أن نفهم شيئاً منهم؟ ماذا نفعل؟ قلت له إن هذه قصة كبيرة، أكبر مني. لدي علاقات جيدة، لكنها ليست على مستوى، عندما كنت رئيساً كانت على مستوى الرؤساء. الآن لدينا علاقات أقل. قال لي: حاول. ذهبنا إلى أميركا، واجتمعنا مع بعض الناس. وكان من المهم ألا نعقد اجتماعاً مع المسؤولين المباشرين، أي الفريق الرئاسي، لئلا يسلط الإعلام الأميركي الضوء علينا ويحولها إلى قضية. كنا نمشي على رؤوس أصابعنا لنصل إلى نتيجة.

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لي قريب في أميركا من آل الجميل، من أهم المحامين الذين حصلوا على رقم قياسي في كتاب غينيس. من أهم المحامين في أميركا، ولديه علاقات. تحدثنا معه، وهذه قضية عائلية لا تحدث جلبة، وهو كانت علاقته جيدة مع جيمس بايكر الذي كان وزيراً للخارجية وتولى حقائب وزارية عدة في أميركا. عقدنا اجتماعاً معه، وحينها لم يكن في الإدارة ومتقاعداً تقريباً لكن لديه كل العلاقات. كنا نحاول ألا نتسبب بأي إحراج للإدارة.

كان هذا قبل الحرب الكبيرة على العراق. عرضت عليه الموضوع، فقال لي: دعنا نرى ماذا يمكننا أن نفعل. بعد ثلاثة أو أربعة أيام، أنا بقيت في هيوستن حيث مركزه، عقدنا اجتماعاً وقال لي عندي باب نور، هناك شيء يمكننا أن نقوم به، ابق معنا على الخط. وكان هو وزير مالية، ويوقع على ورقة الدولار. ذهب وراء مكتبته وأحضر رزمة دولارات، من فئة الدولار الواحد، وقال لي: لنر مدى حظنا في الموضوع، وقال لي: متى ولدت؟ قلت له: في 1942. أي تاريخ؟ قلت له: في كانون الأول، كانون الثاني. ذهب إلى دولاراته ونظر إذا كان بينها رقم يتناسب مع تاريخ ميلادي. وجدها، وقالي لي: هذا هو. وعندي الدولار موجود هنا. فقال لي عندنا حظ، هذا الدولار رقم عيد مولدك، والله يوفقنا. فقلت له: هذا الدولار أريده، وموقعاً منك بخط يدك. وقع عليه وأعطاني إياه، على أساس أنه دليل خير. وأكملنا، لكن لسوء الحظ، وكما يقولون سبق السيف العزل، والأميركيون كانوا حددوا موقفهم وانتهت القصة. حاول ولم ينجح، وهذه القصة لن نتوسع فيها، دخل فيها الفاتيكان ومجموعة عناصر، وكانت هناك محاولات عدة نسقناها بعضنا مع بعض لكي نصل إلى نتيجة، لكنها لم تعط نتيجة، ولكن المهم، أن التجربة أو المهمة التي قمنا بها بناء على طلب صدام حسين.

هذا بالنسبة إلى صدام، بقيت العلاقة جيدة جداً مع صدام ومع فريق صدام، كان وزير الخارجية طارق عزيز صديقاً لي، كانت العلاقة ودية جداً معه. ذهبت مرات عدة إلى العراق، في الحقبة التي كان صدام رئيساً فيها، وكان مهتماً أن يساعد في شيء. لكن وقتها، علاقته مع الأسد لم تكن جيدة. كان متحفظاً في كلامه. أكيد لم يكن هناك ود بينهما. هذا مع صدّام حسين، والسيارة لا تزال موجودة. السيارة مرسيدس موجودة، لكن الكراهية مع الأسد كانت أكيدة ومتبادلة. السيارة (موديل) سنة 80، حافظت عليها بيضاء، وتصفيحها رقم واحد، أي أهم تصفيح، ومازلت محتفظاً بها. كانت مشاعره جيدة تجاه لبنان وربطته علاقات بجهات لبنانية بينها العماد ميشال عون قائد الجيش إبان ولايتي. والحقيقة أنه أرسل مساعدات بكمية كبيرة».

تأمين صدام وشبيهه!

سألت الجميل عن أسلوب صدام واستقباله لضيوفه، فأجاب: «قريب جداً إلى القلب. عندما تكون معه رأساً برأس، لا يوجد بروتوكول. قريب إلى القلب. متحدث، متحدث مهم، وعندما تكون معه تنسى أنه هو صدام حسين الأسطورة أو التاريخ. ودود جداً عندما يكون لديه ثقة بالشخص. وكان الطريف أنك لتصل إليه هناك كثير من التمويه الأمني. قصة كبيرة، تلف مائة لفة ودوران، ثم تصل إلى مكان وتعتقد أنك وصلت إلى صدام حسين، ثم تتبين أنك وصلت إلى شبيه صدام حسين، وليست له علاقة به. ثم تأتي سيارة أخرى وتأخذك إلى مكان آخر، ثم تدخل إلى بيت متواضع جداً فتجد صدام حسين فيه. الاجتماع في بيت متواضع، في منطقة واسعة، بعيدة عن المطار، فيها مراكز كثيرة، وتظن أنه هذا المركز الرئيسي ثم يتبين أنه محطة، ثم تذهب إلى المحطة الأخيرة وتجد البيت المتواضع. ليس متواضعاً كثيراً لكنه عادي وليس بمستوى القصور. الإجراءات الأمنية صارمة جداً».

وعن الغزو العراقي للكويت، قال: «قصة الكويت قديمة في العراق كما هي قصة لبنان في سوريا. لكن التذرع بروايات تاريخية لا يبرر أبداً الاعتداء على سيادة الدول أو شطب الحدود الدولية المعترف بها... سألتني عن علاقتي الشخصية مع صدام حسين وأجبتك بأنها ممتازة وأنه كان يريد مساعدة لبنان. موقفه هذا لم يمنعنا من الوقوف بقوة ضد غزو الكويت البلد الذي ربطته دائماً علاقات ممتازة مع لبنان. فكما رفضنا سياسة الأسد الرامية إلى ضم لبنان إلى سوريا، رفضنا سياسة صدام الرامية إلى ضم الكويت إلى العراق».

أمين الجميل خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

الجميل والقذافي... من القطيعة إلى الصداقة

بدأت علاقة الجميل مع العقيد معمر القذافي في مناخ من التوتر والقطيعة لكنها تحسنت لاحقاً إلى درجة صار معها الرئيس اللبناني يشارك في معالجة مشاكل الزعيم الليبي وخيمته الجوالة. سألته فروى: «حين توليت الرئاسة كانت لدي ملفات، لا سيما ملف إيران وملف ليبيا. لم يكن هناك حديث عن مشاركة ليبية في قوات السلام العربية التي أرسلت إلى لبنان. بادرت ليبيا وبالتفاهم مع سوريا إلى إرسال وحدة عسكرية. دخلت وهذا شيء ضد المنطق وضد القانون وضد البروتوكول الدبلوماسي.

عندما تسلمت (الرئاسة) بعثت رسالة مفادها أن هذا الوضع شاذ ومناف للدستور اللبناني ولبروتوكول جامعة الدول العربية، وطالبت القذافي بسحب الوحدة. لم يتجاوب، لا بل في الإعلام كان هناك موقف عدائي للبنان. أخذت قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا. قطعنا العلاقات الدبلوماسية وسحبنا السفراء. هذا في بداية العهد.

مرت الأيام، وكانت تربطني علاقة حميمة جداً وودية جداً مع الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، وكان يصر علي حين أكون في المنطقة أن أزوره لتناول عشاء على انفراد. إنها جزء من هذه السفرات أو هذه الرحلات واللقاءات، غير السرية، لكن البعيدة عن الأضواء. تماماً بلا إعلام. اتصلت بالملك الحسن الثاني وأبلغته أنني موجود، فقال لي: تفضل تعال نتعشى معاً في اليوم الفلاني. أثناء العشاء، والملك الحسن الثاني رجل مهذب جداً وخبير في الأصول، غادر العشاء مرتين. استغربت إذ لم يكن ذلك من عادته. في المرة الثانية عاد ضاحكاً وقال لي: معمر القذافي على الهاتف. اتصل بي مرتين ويريدك أن تذهب إليه. قلت له: يا عمي الدم للركب بيننا وبينه وهناك قطع علاقات دبلوماسية. وكذلك كانت قضية إخفاء الإمام موسى الصدر ساخنة، كيف أذهب إلى هناك؟ قال لي: معك حق، وأنا اختبرت القذافي وأعرف كم يمكن أن يضر، لكنني أنصحك، ولدينا تجربة معه وطبعنا العلاقات، وكان صادقاً، ومتى ما اتفقت معه يكون صادقاً. أنا أنصحك كرمى للبنان أن تقيم هذه العلاقة معه، وأنا أضمنها لأنني أخذت ضمانات من القذافي أنه سيفتح صفحة جديدة مع لبنان، وبصورة خاصة معك.

أصر علي الملك، فقلت له: كيف سنبررها؟ عندي دولة وعندي حكومة وعندي مجلس نواب؟ قال لي: نجريها بسرية تامة ولا يعرف أحد بها. طائرة تحط في ليبيا بمطار عسكري لا يعرف أحد، تلتقي القذافي فإذا اتفقتما اتفقتما وإذا لا فكل شيء يبقى على حاله، وتغادر. وأنا سأرسل معك وزير كبير بطائرتي حتى يكون كل شي مضموناً وبأمان.

ذهبنا في طائرة مغربية وطائرتي «الميدل إيست». على أساس أن العاهل المغربي هو الضامن لكل شيء. وصلنا إلى المطار واستقبلني (القذافي) وكان في قمة اللطف والتهذيب والمودة. تحدثنا مطولاً، طوينا الصفحة؟ قال لي: نعم، انتهت، ربما حصل خطأ، وما تريدنا أن نقوم به سنفعل، المهم أن تكون العلاقة جيدةً معكم، وكيف يمكننا أن ندعم لبنان في الأوساط العربية والمحافل الدولية نحن مستعدون. (قلت له) كثر خيرك. صعدنا إلى الطائرة وعدنا إلى بيروت. غبنا مدة الهواء، مدة خمس أو ست ساعات أي مشوار الوصول إلى بيروت. ماذا حدث في هذه الوقت؟ في هذا الوقت تبث الإذاعة الإسرائيلية: طائرة الرئيس اللبناني تركت المغرب باتجاه بيروت واختفت في الجو. كان الاتفاق أن الزيارة سرية. إطفاء أضواء في المطار في ليبيا وتختفي الإشارات كلها، ثم تأتي الإذاعة الإسرائيلية وتذيع أنه من الأرجح أن الرئيس الجميل اختطف في الأجواء الليبية. وقامت القيامة ووصل الخبر إلى بيروت وصار هناك استنفار كامل، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ووزير الخارجية والمخابرات، حصل اضطراب كامل. قامت القيامة في بيروت وعقدوا اجتماع حرب في القصر الجمهوري، جاء رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب.

جرت اتصالات مع سفارة أميركا وكلام مفاده نريد أن نقدم شكوى لدى الأمم المتحدة، وشكوى لدى الجامعة العربية. وطلب اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. وسنأخذ إجراءات فورية بحق ليبيا، لأن هذا ليس منطقياً وليس معقولاً. وجاء واحد من الحضور، وقال لنبلغ زوجة الرجل، نحن نقوم بكل هذه الإجراءات وستصدر في الإذاعات والأخبار، فلنبلغها بأننا نقوم باللازم.

اتصلوا بزوجتي وقالت لهم، بعد فترة تفكير: أنا لست خائفة. أعرف زوجي عنده «نتعات» (مفاجآت) من هذا النوع ويجب أن يكون هناك شيء للخير وراء ذلك. لدى زوجتي إلهام، تستكشف ذهنياً. قالت: أنا لست خائفة على أمين ولا أرى سوءاً، ولنستمر في البحث. اتصلوا بليبيا ولم يكن لدى أحد خبر.

(وزير الخارجية اللبناني الأسبق) إيلي سالم اتصل بوزير خارجية ليبيا فقال له إنه ليس لديه خبر. اتصلوا بالمغرب وجاءهم رد مشابه. في الأخير إيلي سالم أخذ قراراً بالاتصال بالملك مباشرة. لحسن حظنا، استجاب الملك بعدما علم بخطورة الموضوع، وقالوا له لا تشغلوا بالكم والرئيس الجميل بألف خير وسيصل إلى بيروت بعد ساعة. طائرتي معه تواكبه ومعه وزير من عندي. أهنئكم كانت الزيارة ناجحة إلى ليبيا وإن شاء الله تكون بينكم أطيب العلاقات.

علاقة الجميل بالقذافي انتقلت من المواجهة إلى الصداقة (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

هذه قصة ليبيا، ومن وقتها أصبحت بيني وبين القذافي علاقات وكل فترة يريدني أن أزوره بالقوة، وأزوره. ولهذا لعبت دوراً في القمة العربية في الجزائر، خصوصاً أن مقعد لبنان مجاور لمقعد ليبيا. طالب القذافي العرب بإصدار بيان استنكار للغارة الأميركية على طرابلس والتي قال إنها قتلت ابنته بالتبني. أكد أنه لن يغادر مقعده ما لم يصدر بيان من هذا النوع.

أنا كنت بجانبه، وقلت له: سأجد حلاً. ما رأيك تعد ليبيا بياناً تستنكر فيه ما حصل، ونطلب أن يكون هذا البيان جزءاً لا يتجزأ من البيان الختامي، أي يضم إلى البيان الختامي. اقترحت هذا المخرج لأن دولاً عربية عدة لم تكن في وارد تضمين البيان الختامي للقمة إدانة لأميركا. سألت القذافي إن كان موافقاً، فأجاب: شرط أن تكتب أنت البيان وتضمنه انتقاداً لأميركا واستنكاراً للغارة. وكتبت له بياناً طويلاً عريضاً وعجبه كثيراً، هذا كلام هذا كلام. قلت للرئيس (الجزائري الراحل) الشاذلي بن جديد أن الأخ معمر موافق ووجدنا وليس هناك سوى إضافة هذا البيان ويكون جزءاً من أعمال القمة. وافق الجميع على المخرج. كان إقناع القذافي قصة كبيرة. هذا نوع من المحطات.

واجهتنا مشكلة أخرى. جاء العقيد مع خيمته وأصر على الإقامة فيها وليس في الفندق. عارض الأمن الجزائري طلبه لأسباب أمنية وتبنى الرئيس بن جديد الموقف نفسه. لوّح القذافي بمغادرة القمة وتوليت أنا حل الإشكال وفي النهاية أرسل القذافي الخيمة إلى طائرتي كهدية منه».

لم يتحدث القذافي خلال لقاءاته مع الجميل عن قصة إخفاء الإمام الصدر خلال زيارته إلى ليبيا. ويقول الجميل إن معلومات وردت في تلك الفترة ومفادها «أن المخابرات السورية لعبت دوراً في إخفاء الصدر بسبب وجودها في المطارات الليبية منذ تولي القذافي السلطة. وقيل إن الحشود المليونية التي كانت تشارك في مناسبات الصدر أزعجت النظام السوري لأن رؤية الصدر لدور الشيعة في لبنان لا تتوافق مع مشروعه».

أكد الجميل أن لا مرارات لديه على رغم الصعوبات الهائلة التي اصطدم بها عهده. قال إنه «مرتاح الضمير لتمسكي بالثوابت الوطنية وبذلي كل جهد ممكن». بدا شديد الارتياح لتجربة نجله سامي النائب ورئيس «حزب الكتائب»، مشيراً إلى «اجتماع الشجاعة والنضج في إطلالاته». أشاد بتجربة الرئيس جوزيف عون يوم كان قائداً للجيش وبالمسيرة المهنية لرئيس الحكومة نواف سلام متمنياً النجاح للعهد الحالي في لبنان.


مقالات ذات صلة

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

خاص جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً جديداً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» وفيه تفاصيل إسقاط سوريا ما سمته اتفاق كامب ديفيد اللبناني مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

خاص رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

كان جان عبيد، السياسي اللبناني المعروف، قاب قوسين من رئاسة الجمهورية عام 1989. رفض السماح بأن يحتل الجيش السوري قصر الرئاسة اللبنانية... فسقط في الامتحان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي) p-circle 01:31

خاص الجميل لـ«الشرق الأوسط»: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

أمين الجميل يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد عبد الحليم خدام لترهيب اللبنانيين، وكيف اخترق رفيق الحريري النظام السوري.

غسان شربل (بيروت)
خاص الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي) p-circle 07:13

خاص أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

قال الرئيس أمين الجميل لـ«الشرق الاوسط» إن حافظ الأسد كان يرى لبنان «خطأً تاريخياً»، وكشف عن ضغوط الأسد عليه ومحاولات اغتياله وضلوع دمشق في مقتل شقيقه بشير.

غسان شربل (بيروت)

لبنان: انتقادات سياسية وإجراءات أمنية رداً على مطالب «حزب الله» بتنسيق رسمي معه

دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
TT

لبنان: انتقادات سياسية وإجراءات أمنية رداً على مطالب «حزب الله» بتنسيق رسمي معه

دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)

أثارت مطالبة «حزب الله» بتنسيق القوى الأمنية معه قبل دخولها ضاحية بيروت الجنوبية انتقادات سياسية بلغت حدّ توجيه أسئلة إلى الحكومة عن حقيقة هذه التفاهمات إذا وجدت، في وقت كثف الجيش اللبناني إجراءاته الأمنية، ونفذ انتشاراً في الضاحية وعلى مداخلها، بعد مسيّرات نظمها مناصرون للحزب على دراجات نارية إلى شوارع العاصمة بيروت.

وكان شبان يستقلون دراجات نارية، حاولوا، مساء الجمعة، اعتراض دورية تابعة لقوى الأمن الداخلي في أثناء مداهمة مستودع للأدوية في منطقة «غاليري سمعان» في الضاحية الجنوبية، وسرعان ما تدخل الجيش؛ ما سمح للدورية بتنفيذ مهمتها وإقفال المستودع بالشمع الأحمر.

دراجات نارية أمام مبنى شركة الأدوية خلال مداهمة القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (متداول)

وبعد مداهمة الشركة، سُجّل ليلاً انتشارٌ لعناصر من «حزب الله» في عدد من شوارع بيروت، ومسيرات بعشرات الدراجات النارية وسط هتافات بشعارات حزبيّة، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

بيان «حزب الله»

ورغم نفي «حزب الله» علاقته بالشركة التي جرت مداهمتها بناءً على استنابة قضائية، تنفيذاً لطلب وزير الصحة راكان ناصر الدين المحسوب على الحزب نفسه، أشار الحزب في بيان، إلى «قيام دورية من القوى الأمنية بمداهمة في منطقة ذات حساسية أمنية، دون اعتماد الآلية المتفق عليها بين «حزب الله» والجهات الأمنية، والتي تراعي حساسية الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ظلّ استمرار التهديدات والمخاطر الأمنية الإسرائيلية، وما تفرضه من محاذير يدركها الطرفان، ويحرصان على التعامل معها بمسؤولية».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت (المركزية)

ويشير البيان إلى أن الحزب «يطالب الدولة اللبنانية بالتنسيق معه لدى تنفيذ أي مهام في الضاحية»، حسبما تقول مصادر لبنانية مواكبة للملف، مشيرة إلى أن «ترتيبات أمنية كانت قائمة في السنوات الماضية، ويريد الحزب الحفاظ عليها مع الدولة، متجاهلاً التغييرات التي حدثت بعد انتخاب الرئيس جوزيف عون رئيساً للجمهورية وبعد تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام التي اتخذت قراراً بحصرية السلاح بيد الأجهزة الأمنية اللبنانية حصراً، وتعهدت ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».

ردّ الدولة...

وسرعان ما جاء الرد من الدولة اللبنانية على بيان «حزب الله»، أمنياً؛ إذ نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في الضاحية الجنوبية منذ ساعات صباح السبت، مع تسيير دوريات ودخول آليات من جهة الشويفات وسط انتشار عند دوار الكفاءات وتحت جسر المشرفية في الضاحية.

أما سياسياً، فلم يمر البيان دون انتقادات؛ إذ توجه النائب غسان حاصباني (القوات اللبنانية) عبر حسابه على منصة «إكس»، بسؤال إلى الحكومة اللبنانية، قائلاً: «ما المقصود بمناطق ذات حساسية أمنية؟ ومن يحددها؟ وما طبيعة الآلية المتفق عليها، ومن أعطى الموافقة عليها؟».

وتابع: «هل باتت هناك مناطق في لبنان لا تستطيع القوى الأمنية دخولها أو تنفيذ مداهمات فيها إلا بعد التنسيق المسبق مع جهة حزبية؟ وهل يتطلب تطبيق القانون إذناً مسبقاً من أي جهة غير السلطات القضائية والأمنية المختصة؟».

وقال حاصباني: «هذه الأسئلة برسم الحكومة اللبنانية التي يُنتظر منها توضيح حقيقة هذه التفاهمات - إذا وُجدت - ومدى انسجامها مع مبدأ حصرية السلطة الأمنية بيد الدولة، وسيادة القانون على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء».

من جانبه، قال النائب فؤاد مخزومي: «بعد كل ما مرّ به لبنان، بات واضحاً أنّ لا دولة حقيقية ولا إصلاح ولا استقرار ما دام السلاح خارج سلطة الدولة. إنّ حصر السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، وإنهاء السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمته سلاح (حزب الله)، وإعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة وحدها، هي الأولوية التي لا تحتمل المزيد من التأجيل».

بدوره، رأى النائب وضاح صادق أن «ما حصل، ليل الجمعة، لم يكن مسيرة دراجات نارية، بل بروفة لـ7 أيار (حادثة سيطرة / حزب الله / العسكرية على بيروت في عام 2008)، من خلال مئات العناصر المنظمة التي أقفلت مداخل بيروت، في إعادة لمشهد القمصان السود وإسقاط حكومة سعد الحريري عام 2011، أو لأحداث 7 أيار 2008». وأضاف: «حماية بيروت وأهلها مسؤولية الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وأي تساهل سيأخذ البلاد إلى تدهور خطير يريده (حزب الله)، ومن خلفه إيران، في هذه المرحلة».

تراكم ملفات

وتتراكم ملفات صدام «حزب الله» مع الدولة اللبنانية، وكان آخرها ملف ضبط شاحنة متفجرات كان ينقلها من البقاع (شرق لبنان) إلى الضاحية الجنوبية، وقال الحزب إنها «معدة لقتال إسرائيل»، بينما أكد وزير العدل عادل نصّار في تصريح إذاعي، أن نقل وتخزين متفجرات بهذا الحجم يشكّلان خطراً على المجتمع وأمن الدولة اللبنانية، وأن مجرد وجود هذه المتفجرات خارج الدولة اللبنانية هو عامل خطير جداً».

عائدون إلى الجنوب يرفعون على «حزب الله» بعد إعلان وقف إطلاق النار في أبريل 2026 (أرشيفية - د.ب.أ)

وأوضح نصّار «أن التحقيق مستمرّ وجدّي، ولا شيء يعرقله، ونحن نلجأ إلى طرح إحالة الملف إلى المجلس العدلي، ليس لأننا نرى أن هناك تقصيراً في التحقيق، بل نظراً لحجم هذه القضية حيث إن القيام بأنشطة خارج قرار الدولة يصنع تهديداً لأمن اللبنانيين وسلامة لبنان».

وقال: «لا تهاون، ولا أحد فوق القانون، والمطلوب الاستمرار بهذه التحقيقات والذهاب حتى النهاية دون أي تردد؛ لأنه متصل بأمن البلد واللبنانيين، وهذا الأمر يخدم مصلحة جميع اللبنانيين، فبناء الدولة ليس على حساب أي فئة من المجتمع».

من جانبه، ‏رأى وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكّي أن «مُطالبة الحزب بشاحنة متفجّرات ضهر البيدر لا تعني أنه سيحصل عليها، وهذا الموضوع يجب أن يُعالج بالشق السياسي والقانوني».


مبادرة عراقية لربط الطاقة والاتصالات والنقل إقليمياً

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

مبادرة عراقية لربط الطاقة والاتصالات والنقل إقليمياً

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)

أطلق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مبادرة لربط شبكات الطاقة والنقل والاتصالات بين دول المنطقة، محذراً في الوقت نفسه من «تحديات متزايدة تواجه العالم الإسلامي تختبر قدرته على التعايش».

وجاءت تصريحات الزيدي، السبت، خلال افتتاح أعمال الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي التي تستضيفها العاصمة بغداد.

ودعا الزيدي إلى «حرية التجارة وحماية طرقها وضمان انسيابية النقل في الممرات الدولية»، مشيراً إلى أن المبادرة التي يطرحها العراق تشمل أيضاً «تطوير أنظمة الدفع الرقمي والمنصات التجارية، وتحقيق التكامل بين المناطق الصناعية».

وشدد رئيس الحكومة على أن «منظمة التعاون الإسلامي تمثّل ركيزة لتوثيق روابط الأخوة والتكامل بين شعوبنا التي يجمعها الإسلام ديناً وثقافةً وحضارةً»، مؤكداً موقف العراق المبدئي من القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الصراع في المنطقة، وأن إنصاف الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه أساس لأمن المنطقة واستقرارها.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال التقاط الصورة الجماعية في الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح الزيدي أن «العالم الإسلامي يواجه تحديات متزايدة تختبر قدرته على التعايش ومواكبة التحولات الاقتصادية والثقافية والإعلامية»، داعياً إلى أن «التعاون وقبول الاختلاف هما مفتاح التفاهم والحد من الخلافات ووحدة الأمة الإسلامية».

واعتبر الزيدي «ما تشهده المنطقة من أزمات يدعونا إلى مزيد من العمل المشترك لحماية مصالح شعوبنا وخدمة قضايا أمتنا وضمان مستقبل أجيالنا»، مضيفاً أن المبادرة العراقية تهدف إلى «إرساء الأمن والاستقرار والازدهار، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات».

وفي ختام كلمته، تقدم الزيدي بالشكر إلى «باكستان لجهودها في السعي لنزع فتيل الأزمة»، داعياً الدول المنضوية تحت منظمة التعاون الإسلامي إلى «بذل المزيد من الجهود من أجل تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة».

من جهته، قال الناطق باسم اجتماعات مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، حسنين كامل، في بيان، إن «أعمال الدورة الـ52 انطلقت في بغداد تحت شعار (الحوار والتضامن ركيزتان أساسيتان لتعزيز السلم والتنمية المستدامة)».

وأوضح كامل أن الدورة ستناقش عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتطورات في قطاع غزة، فضلاً عن المستجدات الإقليمية والدولية الراهنة، والنظر في مشروعات القرارات المقدمة التي تتناول ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية وتنموية للمرحلة المقبلة، وإقرارها.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء خارجية دول المنظمة، من بينهم التركي هاكان فيدان، والإيراني عباس عراقجي، والسوري سعد الشيباني.

(من اليسار إلى اليمين) وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابكيان والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى جانب وفود أخرى لالتقاط صورة جماعية خلال الدورة الثانية والخمسين للمنظمة في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«توافق إسلامي»

وعدّ الرئيس العراقي نزار آميدي انعقاد أعمال مجلس وزراء خارجية المنظمة في بغداد «فرصة لبلورة الرؤى المشتركة إزاء القضايا المصيرية التي تواجه العالم الإسلامي».

وأكد آميدي، خلال استقباله الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، «أهمية احتضان بغداد أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة، لبلورة الرؤى المشتركة إزاء القضايا المصيرية التي تواجه العالم الإسلامي، بما يُسهم في دعم جهود إحلال السلام وحماية مصالح الشعوب الإسلامية».

من جانبه، أشار ولد الشيخ أحمد إلى أن «استضافة العراق لمؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء في دورته الحالية، تعكس مكانته ودوره في تعزيز التضامن الإسلامي وترسيخ الحوار والتفاهم بين الدول الأعضاء»، معرباً عن «تقديره للجهود المبذولة من أجل إنجاح أعمال المؤتمر وتحقيق أهدافه المنشودة».


واشنطن: الاجتماع العسكري في موعده... وروبيو يضغط على إسرائيل لتثبيته

آلية عسكرية تابعة للكتيبة الإسبانية العاملة ضمن الـ«يونيفيل» خلال دورية مؤللة في بلدة إبل السقي بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
آلية عسكرية تابعة للكتيبة الإسبانية العاملة ضمن الـ«يونيفيل» خلال دورية مؤللة في بلدة إبل السقي بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

واشنطن: الاجتماع العسكري في موعده... وروبيو يضغط على إسرائيل لتثبيته

آلية عسكرية تابعة للكتيبة الإسبانية العاملة ضمن الـ«يونيفيل» خلال دورية مؤللة في بلدة إبل السقي بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
آلية عسكرية تابعة للكتيبة الإسبانية العاملة ضمن الـ«يونيفيل» خلال دورية مؤللة في بلدة إبل السقي بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترقّب لبنان ما ستؤول إليه الاتصالات التي يجريها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لإقناعه بضرورة التجاوب مع إصراره على عقد اجتماع لبناني - إسرائيلي على المستوى العسكري، برعاية أميركية، في الموعد الذي حدّده بين 20 و22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في فلوريدا. وكان روبيو قد أكّد ذلك لرئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، خلال الاتصال الذي تلقّاه منه، والذي استوضح فيه موقفه من الشاحنة المحمّلة بالمتفجرات التي صادرتها السلطات الأمنية اللبنانية عند حاجز ضهر البيدر، والتي تعود إلى «حزب الله».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم في وقت سابق (الرئاسة اللبنانية)

لبنان يراهن على تدخل روبيو

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر معني بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أن عون أبلغ روبيو استعداد لبنان للمشاركة في الاجتماع العسكري، المقرر عقده قبل أيام من موعد انتخابات الكنيست في إسرائيل، لعلّه يُشكل محطة لإلزام نتنياهو بتثبيت وقف إطلاق النار، مشمولاً بوقف الأعمال العدائية، وإخراج تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية» من دائرة المراوحة، تمهيداً لتوسيع نطاق عملها ليشمل مدناً وبلدات محتلة.

وأكد المصدر أن لبنان يراهن على تدخُّل روبيو بالضغط على نتنياهو لتفعيل «اتفاق الإطار»، وتسهيل تطبيقه على مراحل. وقال إن تفعيله هو الآن أكثر من ضروري لقطع الطريق على من يراهن على أن «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية هي البديل عن الاتفاق، مع أن تنفيذها لا يزال معلقاً على تبادل التهديدات بين الطرفين الموقّعَيْن عليها.

ولفت إلى أن تمسك لبنان بـ«اتفاق الإطار» يعني حكماً، بأنه لا مجال لربط مصيره بـ«مذكرة التفاهم»، وهو يُطالب واشنطن بخطوات ملموسة يستقوي بها لتمرير رسالة سياسية لمن يعنيهم الأمر في الداخل والخارج، بأن خياره الدبلوماسي في محله، بعد أن جرّب «حزب الله» الحل العسكري الذي رتّب على اللبنانيين، خصوصاً الجنوبيين، خسائر بشرية وماديّة لا تقدّر بثمن.

اتصال عون - عراقجي

وكشف المصدر أن اتصال وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بعون «لم يحمل أي جديد»، سوى أنه أتاح له الوقوف على رأيه لجهة تمسك عون بالخيار الدبلوماسي، رغم أن اتصاله لن يُبدّل من المواقف، وأن عراقجي توخّى منه تثبيت الحضور الإيراني في المشهد السياسي اللبناني واستيعاب التوتر الذي سيطر على العلاقات اللبنانية - الإيرانية على خلفية سحب الحكومة أوراق اعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لبلاده في بيروت.

وفي هذا السياق، رأى المصدر أن زيارة نائب وزير الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة، لبيروت «كانت شيعية بامتياز، لاقتصارها على رئيس المجلس النيابي نبيه بري وقيادة (حزب الله)».

وسأل: لماذا لم يوسّع لقاءاته؟ وهل أن السبب يكمن في أنه لم يلقَ التجاوب المطلوب لرغبته في لقاء رئيسي الجمهورية العماد عون والحكومة نواف سلام، وهذا ما يتداوله عدد من الوزراء والنواب الذين يدورون في فلكهما، مؤكدين لـ«الشرق الأوسط» أنه أبدى رغبة للقائهما لكنهما، بسبب موقعه، لم يبديا حماسةً للقاء.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

الوفد العسكري حاضر

وأكد المصدر أن عون لم يتردّد بقوله لروبيو إن الوفد العسكري اللبناني برئاسة مدير غرفة العمليات في الجيش العميد الركن، جورج رزق الله، حاضر للتّوجه إلى فلوريدا للمشاركة في الاجتماع، وهو ينتظر الضوء الأخضر من «الخارجية الأميركية» لتثبيت موعد انعقاده لعله يُحدث خرقاً في المفاوضات الجارية بين البلدين بوضع إطلاق الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل على نار حامية، ووقف تجريف البلدات في المنطقة الأمنية، وتدمير ما تبقّى فيها من منازل، إضافة إلى تثبيت وقف النار الذي تقع مسؤوليته على إسرائيل، في مقابل التزام «حزب الله» بعدم الرد.

وقال إن الوفد العسكري سيطرح أيضاً توسيع «المنطقة التجريبية» بضم البلدات الواقعة على تخوم قلعة «الشقيف» امتداداً إلى تلال «علي الطاهر» إليها.

ولفت إلى أن الرهان يبقى على واشنطن لممارسة الضغط على نتنياهو لمنعه من توسيع المنطقة الأمنية، عبر استهداف المرتفعات والتلال الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، لا سيما أنه ماضٍ في استطلاع هذه المنطقة بالنار. وأضاف أن البحث جارٍ عن بديل لقوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» فور انتهاء مهامها في الجنوب نهاية العام الحالي، أو التوصل إلى اتفاق بشأن قوة أممية تحظى بتفويض من الأمم المتحدة للإشراف على الانسحاب الإسرائيلي.

وأكد «أن لبنان ثابت على موقفه بحصرية السلاح بيد الدولة، وضرورة استيعاب السلاح غير الشرعي في المنطقة الممتدة ما بين شمال نهر الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان مع سوريا، ومنع استخدامه أو التنقُّل به، وهذا ما يكمن وراء مصادرته الشاحنة المحمّلة بالمتفجرات، وعدم تجاوبه مع الضغوط والتهديدات التي يتصدّرها «حزب الله» للإفراج عنها، وهو يترك للقضاء اللبناني بأن يقول كلمة الفصل، مع أن ما صدر عن الرئيس سلام فور وضع اليد عليها من قبل قوى الأمن الداخلي، يعبّر عن موقف الحكومة ولا عودة عنه».

مسؤولون أميركيون خلال جلسة تفاوض سابقة بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)

وأضاف المصدر نفسه أن «لبنان يتطلع إلى انعقاد الاجتماع انطلاقاً من رهانه على أنه سيسهم في خفض منسوب التوتر في الجنوب، في مقابل مخاوف من أن تنعكس الأوضاع المشتعلة سياسياً وعسكرياً في المنطقة على محور إقليم التفاح وجبل الريحان، وأن يعمد (حزب الله) إلى رفع جاهزيته الميدانية، بما يمكّنه من التصدي لأي محاولة من الجيش الإسرائيلي للسيطرة على المنطقة».

وتابع المصدر أنه يأمل أن يسهم الاجتماع، في حال تثبيت موعده، «في إبقاء الوضع العسكري تحت السيطرة، بما يؤدي إلى تبديد مخاوف أهالي البلدات الواقعة على امتداد تلال إقليم التفاح وجبل الريحان من توسّع الحرب لتشمل بلداتهم». وهنا غمز المصدر من قناة «حزب الله»، على خلفية التهديدات التي أطلقها نوابه لاسترداد المتفجّرات، بذريعة «أنها لن تُستخدم في الداخل، خلافاً لما يدّعيه خصومه، وأنها مخصصة لتجهيز العبوات التي تحملها مسيّرات انقضاضية، استعداداً للتصدي للجيش الإسرائيلي في حال قرر توسيع عملياته لتشمل هذه المرتفعات».

وأكد أن الحزب «بتهديده لعون وسلام، أقفل الباب نهائياً أمام احتمال معاودة الحوار». وقال إن مشكلة «حزب الله» تكمن في أنه ليس في وارد التسليم بدخول لبنان في مرحلة سياسية جديدة غير تلك التي كانت قائمة قبل إسناده لغزة وإيران، ومن ثم هناك صعوبة أمامه للتعايش معها ما دام أنه يصر على الاحتفاظ بسلاحه، ولا يأخذ بالتحولات في المنطقة التي انعكست تلقائياً على لبنان، وتتطلب منه إعادة النظر في مواقفه.