الحكومة السورية الجديدة منشغلة بترتيب البيت الداخلي

خطط إسعافية تراعي تنشيط الاقتصاد وإصلاح الخراب

الرئيس الشرع يترأس الاجتماع الأول للحكومة الجديدة (سانا)
الرئيس الشرع يترأس الاجتماع الأول للحكومة الجديدة (سانا)
TT

الحكومة السورية الجديدة منشغلة بترتيب البيت الداخلي

الرئيس الشرع يترأس الاجتماع الأول للحكومة الجديدة (سانا)
الرئيس الشرع يترأس الاجتماع الأول للحكومة الجديدة (سانا)

باشرت الحكومة السورية الجديدة عملها بمجموعة قرارات تهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي في ظل تحديات داخلية وخارجية معقدة. وعقدت الحكومة أول اجتماع لها، مساء الاثنين، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، لبحث أولويات الحكومة للمرحلة الجديدة.

وحدد الشرع في كلمته أولويات العمل الحكومي والتحديات التي تضطلع بها الوزارات المختلفة، مؤكداً أهمية التكامل في عمل الوزارات من أجل وضع خطط إسعافية بالدرجة الأولى تراعي أولوية المواطن السوري لجهة تنشيط الاقتصاد، وإصلاح الخراب الكبير الذي ألحقه النظام البائد ببنية الدولة، خاصة في النظم الاقتصادية والمالية التي تحتاج إلى إجراءات عاجلة، بما يوفر بيئة آمنة للاستثمار تحول التحديات إلى فرص استثمارية ضخمة تقود عجلة الاقتصاد.

عائلات سورية نازحة تُشكّل قافلة عودة إلى قريتها المُدمّرة في إدلب (د.ب.أ)

وشدد الرئيس الشرع أيضاً على أهمية ملف إعادة الإعمار، وضرورة وضع خطط استراتيجية لتنظيم المدن والبلدات، مؤكداً الترابط الحضاري والثقافي مع العمران. كما أكد مبدأ السلم الأهلي بوصفه ناظماً رئيسياً لعمل الحكومة خلال المرحلة المقبلة، مركزاً على الخطاب الإعلامي «الذي يجب أن يكون وطنياً جامعاً يعزز الوحدة الوطنية، ويعلو فوق كل انقسامات، فسوريا لكل مواطنيها».

على المستوى الدبلوماسي، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الثلاثاء، بدء عملية إعادة هيكلة السفارات والبعثات الدبلوماسية السورية. مصدر بالوزارة قال إن العمل يجري حالياً على مراجعة شاملة لوضع البعثات السورية في الخارج، «وسيتم الإعلان قريباً عن قرارات جادة تتعلق بإعادة ترتيبها وتنظيمها... بما يضمن كفاءة الأداء ووضوح التمثيل السياسي».

الاستعانة بالعسكر المنشقين

عسكرياً، أفادت المصادر الإعلامية السورية بمباشرة وزارة الدفاع عملية إعادة الضباط وصف الضباط المنشقين عن نظام الحكم السابق إلى مواقعهم في المؤسسة العسكرية والأمنية. وأوضحت أنه بدأ فعلياً العمل على وضع جدول جديد للرواتب، كما تم إقرار صرف راتب شهري تقاعدي لمن بلغ سن التقاعد. ونشرت مواقع سورية صوراً قالت إنها لمباشرة وزارة الدفاع عقد مقابلات مع الضباط المنشقين عن النظام السابق في المحافظات السورية.

من مقابلة وزارة الدفاع السورية للضباط وصف ضابط الذين انشقوا عن نظام الأسد (الدفاع)

وقال ضابط منشق عن النظام السابق وشارك بعملية «ردع العدوان» لإسقاط النظام، إن وزارة الدفاع وبعد أيام من سقوط النظام بدأت بتعيين الضباط، ولكن على نحو ضئيل جداً بحسب ما تقتضيه الحاجة للاختصاص. وتابع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن مئات الضباط وصف الضباط المنشقين عن النظام السابق من الذين عملوا في الشمال بتوصيفهم العسكري الثوري، بانتظار التعيين، وكذلك أعداد من آلاف الضباط المنشقين ممن غادروا البلاد إلى دول أخرى، وقال إن تأخر التعيين تسبب بالقلق لدى الضباط الذين عملوا في الشمال، وخلق لديهم شعوراً بعدم الارتياح خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.

الأمن والسلم الأهلي

لا يزال التحدي الأمني يفرض نفسه على السلطات السورية، وأعلنت إدارة الأمن العام خلال أربع وعشرين ساعة الماضية، القبض على خلية تجارة مخدرات في حلب، ومجموعة أخرى مسلحة ترعب الأهالي في حمص، حيث شهدت المحافظة في الفترة الأخيرة عمليات إطلاق نار متكررة على منازل المدنيين بهدف الترويع. كما تم القبض على المدعو محمود شدود، وهو أحد المتهمين بارتكاب جرائم في بابا عمرو بحمص في عهد النظام السابق، بالإضافة إلى ضبط أسلحة وأجهزة اتصال لا سلكي تتبع للفلول في أحد منازل جبلة في الساحل، وفق بيانات الأمن العام.

وتبذل لجان سلم أهلي محلية وأخرى رسمية جهوداً حثيثة لاحتواء تداعيات الانتهاكات. وبحسب مصادر في لجنة السلم الأهلي «المحلية» في حمص، فإن عدد الانتهاكات تراجع كثيراً لكنه لم يتوقف بعد. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن أصعب ما تواجهه في عملها المعلومات المضللة وحملات التجييش في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعزز «الخوف وانعدام الثقة».

تعيين حاكم مصرف

وباشر حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أعماله، وسط تحديات كبيرة جداً تواجه القطاع المصرفي السوري، بعد تعيينه من قبل الرئيس الشرع حاكماً جديداً للمصرف المركزي، وأدائه القسم أمام الرئيس، الاثنين.

حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد عبد القادر الحصرية يؤدي القسم أمام رئيس الجمهورية الاثنين (سانا)

واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي، أيهم أسد لـ«الشرق الأوسط» أن التحديات التي تواجه القطاع المصرفي السوري لسنوات مقبلة «ليست سهلة»، بسبب تعقد المشهد الاقتصادي والسياسي الداخلي والدولي. ومن أهم التحديات المقبلة «مدى قدرة مصرف سوريا المركزي على إدارة السيولة في الاقتصاد من خلال ما يتوفر لديه من أدوات نقدية؛ إذ لا بد من ربط تلك السيولة مع متغيرات الاقتصاد الكلي الأخرى؛ كالتضخم وسعر الصرف والبطالة والنمو الاقتصادي، وغيرها».

يضاف إلى ذلك، التحدي الأبرز القادم، وهو التحكم في سعر الصرف، «حيث لا بد من الحفاظ على استقرار سعر الصرف لتأثيره المباشر على الميزان التجاري ومعدلات التضخم، وبالتالي مستويات المعيشة والفقر».

وقال أسد إن مصرف سوريا المركزي سيعمل في «بيئة غير مستقرة اقتصادياً وسياساً وأمنياً»، ما يتطلب منحه الكثير من الاستقلالية في ممارسة عمله وبشكل كبير. كما يتطلب «نجاح عمل المركزي لاحقاً، التعاون معه من بعض الوزارات الأساسية، مثل المالية والاقتصاد والصناعة، من أجل تنسيق السياسات المالية والتجارية مع السياسات النقدية».

في السياق، ولتشجيع الصناعة الوطنية، أصدرت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء قراراً بخفض تكلفة الكهرباء للمناطق الصناعية المعفاة من ‏التقنين جزئياً أو كلياً، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مدير مؤسسة الكهرباء خالد أبو ‏دي، الذي أوضح أن القرار يشمل المدن والمناطق الصناعية بنسبة 21 في المائة للصناعي والتجاري، ليصبح السعر ‌‏1500 ليرة سورية للكيلوواط الساعي.

التعاون مع أطباء مغتربين

شهدت البلاد إطلاق مبادرتين من فرق طبية سورية من المغتربين برعاية وزارة الصحة، لتغطية العجز في القطاع الصحي السوري المتهالك. وأطلق نحو مائة طبيب سوري من مختلف الاختصاصات ومقيمين في ألمانيا، حملة «شفاء» لتقديم الدعم الطبي المجاني، بالتعاون مع منظمة الأطباء المستقلين في سوريا ووزارة الصحة السورية.

وزير الصحة الدكتور مصعب العلي يلقي كلمة خلال مؤتمر تعافي حمص (سانا)

وباشر الفريق الطبي عمله في دمشق، وحلب، وإدلب، وحمص، ودير الزور، ودرعا، واللاذقية، وسيستمر حتى نهاية الشهر الحالي، ويشار إلى أن الحملة واجهت عراقيل كثيرة بسبب العقوبات الاقتصادية الأوروبية التي تتعلق بتحويل أموال التبرعات والحصول على المستلزمات الطبية اللازمة.

وقال وزير الصحة السوري، مصعب العلي، إن وزارته تعمل حالياً وفق خطين متوازيين؛ الإسعافي عبر افتتاح مراكز صحية بشكل مدروس، وخط ثان لتوفير أكبر تغطية صحية ممكنة ضمن خطة مستدامة. كلام الوزير كان خلال افتتاحه عيادة مركز «تعافي» في حمص، والتي تقدم رعاية شاملة طبية نفسية واجتماعية للمعتقلين السابقين، وذلك ضمن فعاليات مؤتمر «تعافي حمص وسوريا»، الذي عقد بالتعاون بين وزارة الصحة ومنظمة «ميد غلوبال»، وأعضائها من الأطباء السوريين المقيمين في أميركا. وبدأت بالعمل في حمص عبر عيادات متنقلة بعد سقوط النظام، وتخطط لتوسيع تقديم خدماتها في مجمل سوريا.


مقالات ذات صلة

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

المشرق العربي جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

أعلن في دمشق أن عدد طلبات تجنيس المواطنين المشمولين بأحكام المرسوم 13 الخاص بحقوق الأكراد السوريين وصل إلى 2892 طلباً عائلياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد أنهم على صلة بمسلحي تنظيم «داعش» ينتظرون مغادرة مخيم روج بسوريا (رويترز)

سوريا: المجموعة الأخيرة من النساء والأطفال الأستراليين تُغادر مخيم روج

غادرت آخر دفعة من النساء والأطفال الأستراليين مخيم روج في شمال شرقي سوريا، الذي يؤوي أقارب لمشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش»، وفق مسؤول.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزراة الداخلية السورية في دمشق (موقعها الرسمي)

القبض على أحد ضباط النظام السوري السابق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم السبت، القبض على ضابط في نظام بشار الأسد يحمل رتبة لواء متهم بارتكاب جرائم وانتهاكات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من الشرطة العسكرية السورية في دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

توقيف 10 أتراك في سوريا يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش»

أوقف 10 أتراك يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية مشتركة بين الاستخبارات التركية والسورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يرفع علماً على دبابة في الجولان (أرشيفية - رويترز)

قوات إسرائيلية تنفذ حملة تفتيش وتطلق النار في الجنوب السوري

توغلت القوات الإسرائيلية، اليوم السبت، في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، منفذة حملة تفتيش في المنطقة الواقعة بجنوب سوريا.


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.


إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

قال «حزب الله»، السبت، إن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه، وإن أحدث مقترح إيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة شدد على شمول لبنان.

وأورد «حزب الله»، المدعوم من طهران، في بيان، أن عراقجي أكد في رسالته أن «الجمهورية الإسلامية حتى اللحظة الأخيرة لن تتخلى عن دعم الحركات المطالبة بالحق والحرية، وعلى رأسها (حزب الله) المقاوم والمنتصر»، مضيفاً أن إيران طرحت منذ بدء وساطات إقليمية لخفض التوتر بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق.

طفل يتفقد آثار الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وقال في الرسالة التي نشرها الحزب: «منذ اللحظة الأولى التي تدخلت فيها بعض دول المنطقة وسيطاً بقصد خفض التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق، وهذا الموضوع المهم حتى يومنا هذا بقي بمثابة مبدأ لا ريب فيه، وهو من جملة المطالب المحقة للحكومة الإيرانية وشعبنا البطل وسيبقى كذلك».

وتابع أن آخر مقترح قدمته إيران عبر الوسيط الباكستاني بهدف «إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر»، أكد «مطلب شمول لبنان في وقف إطلاق النار».

مسار مستقل

ويسلك لبنان خطاً دبلوماسياً مستقلاً مع الولايات المتحدة بهدف خفض التصعيد وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، عبر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وتمثلت في جلستين تمهيديتين بين سفيري البلدين في واشنطن، تلتها مفاوضات على مدى يومين في مقر الخارجية الأميركية.

وقبل جلسة مفاوضات أمنية ستُعقد في 29 مايو (أيار) الحالي، يواصل لبنان اتصالاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، لكن إسرائيل تتجاهل الطلب، كما أن «حزب الله» لا يستجيب.

ويرفض «حزب الله» و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وأكد عضو كتلة «التنمية والتحرير» قبلان قبلان أن «الموقف من إسرائيل ثابت ولا يتغير»، قائلاً «إنها كانت عدواً وما زالت وستبقى عدواً»، مشدداً على أن «هذا الأمر راسخ في الوعي الوطني والسياسي والديني، ولا يمكن لأي ظرف داخلي أو خارجي أن يبدل هذه الحقيقة أو يفرض مقاربات مختلفة». كما اعتبر أن «محاولات تغيير هذه المعادلات أو الترويج لخيارات بديلة لن تنجح، في ظل ما يرتكبه الاحتلال من اعتداءات مستمرة».