رسوم ترمب تشعل حروباً تجارية وسط تنامي مخاطر التباطؤ العالمي

الصين طالبت بـ«إلغاء فوري» وتوعدت بالرد... وأوروبا أعلنت تجهيز تدابير مضادة... وخسائر فادحة في الأسواق

TT

رسوم ترمب تشعل حروباً تجارية وسط تنامي مخاطر التباطؤ العالمي

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً بالرسوم الجديدة بعد توقيعه في حديقة البيت الأبيض (منصة إكس)
الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً بالرسوم الجديدة بعد توقيعه في حديقة البيت الأبيض (منصة إكس)

شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هجوماً على النظام التجاري العالمي، وفرض سلسلة من الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية، في خطوة أدت إلى اضطراب الأسواق المالية وتعميق المخاوف بشأن صحة الاقتصاد العالمي، واشتعال صراعات وحرب تجارية عالمية مع أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وفرض ترمب نوعين من الرسوم التي شملت مجتمعةً 180 دولة: الأول عبارة عن رسوم جمركية أساسية بنسبة 10 في المائة على الواردات الأميركية، والآخر رسوم جمركية متبادلة مع الدول التي لدى أميركا تبادل تجاري معها، حيث تراوحت بين 10 في المائة و49 في المائة.

ردود أفعال

أثارت الرسوم الجمركية الجديدة الشاملة استياءً وتهديدات باتخاذ تدابير مضادة ودعوات لإجراء مزيد من المفاوضات، لجعل قواعد التجارة أكثر عدلاً. لكن الردود كانت مدروسة، مما يسلط الضوء على عدم وجود شهية بين الشركاء التجاريين الرئيسيين لحرب تجارية صريحة مع أكبر اقتصاد في العالم.

وحذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الرسوم الجمركية ستُوجّه «ضربة قوية» للاقتصاد العالمي، وقالت إن الاتحاد يُجهّز تدابير مضادة. وطالبت وزارة التجارة الصينية واشنطن بأن «تلغي فوراً» الرسوم الجمركية. وتوعدت بكين باتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها، محذّرة من أنّ هذه التعريفات «تُعرّض التنمية الاقتصادية العالمية للخطر»، وتضرّ بالمصالح الأميركية وبسلاسل التوريد الدولية.

وعدّت تايوان الرسوم الجمركية عليها «غير معقولة»، وقالت إن الحكومة تخطط لإجراء «مفاوضات جادة» مع واشنطن، موضحةً أنها ستُقدّم احتجاجاً رسمياً لدى الولايات المتحدة.

وأعلنت الهند أنها تدرس تأثير رسوم واشنطن الجمركية بنسبة 27 في المائة على صادراتها، وتعهَّدت بالدفع نحو اتفاق تجاري هذا العام، في إشارة إلى نبرة تصالحية رغم فشلها في الحصول على إعفاء من سياسة ترمب التجارية.

واعترف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بأن الرسوم الجمركية الأميركية سيكون لها «تأثير» على الاقتصاد البريطاني. وقال: «من الواضح أن القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة سيكون لها تأثير اقتصادي، على الصعيدَين المحلي والعالمي. لكنني أريد أن أكون واضحاً؛ نحن مستعدون، لأن إحدى نقاط القوة التي يتميز بها بلدنا هي قدرتنا على الحفاظ على الهدوء». فيما قال وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز، إن تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على صناعة السيارات في البلاد كان من أبرز مخاوف الحكومة.

وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيماسا هاياشي، إن اليابان، أقرب حلفاء أميركا في آسيا، تخطط لتحليل الرسوم الجمركية الأميركية وتأثيرها من كثب، بينما امتنع عن الحديث عن الانتقام. لكنه قال إن هذه التحركات سيكون لها تأثير كبير على العلاقات مع الولايات المتحدة.

وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية المحافظة جيورجيا ميلوني، إن الرسوم الجمركية المرتفعة لن تفيد أياً من الجانبين.

وقالت البرازيل، التي تضررت من فرض تعريفة جمركية بنسبة 10 في المائة، إنها تفكر في اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية.

وقد أقر الكونغرس البرازيلي بالإجماع مشروع قانون يسمح بالرد على أي رسوم جمركية على السلع البرازيلية.

أطفال يشاهدون المنطقة من نقطة مراقبة فوق الرافعات والحاويات في ميناء كيلونغ بتايوان (رويترز)

ضربة للاقتصاد العالمي

وعلى وقع هذه الرسوم، تراجعت الأسواق الأميركية والعالمية. إذ تراجعت «وول ستريت» بشكل حاد يوم الخميس، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 3.4 في المائة قبل بدء التداول، بينما انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 2.8 في المائة. وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 3.8 في المائة.

متداولون في بورصة نيويورك قبل لحظات من قرع جرس الإغلاق وبدء المؤتمر الصحافي لترمب (أ.ف.ب)

وتراجع مؤشر طوكيو القياسي بنسبة 3.1 في المائة ليقود الخسائر في آسيا. وانخفضت أسعار النفط لفترة وجيزة بأكثر من دولارين للبرميل. وانخفضت أسعار النفط بأكثر من 4 في المائة، وبلغ الدولار الأميركي أدنى مستوى له مقابل الين الياباني منذ أوائل أكتوبر (تشرين الأول).

مقامرة عالية المخاطر

ووصف خبراء إقدام ترمب على هذه الخطوة بانها أكبر مقامرة سياسية بالاقتصاد الأميركي يقوم بها رئيس أميركي، وأشاروا إلى أنه يلعب لعبة عالية المخاطر يخاطر فيها بتأجيج دوامة تضخم على أمل استعادة الوظائف والصناعة إلى الولايات المتحدة. وأشار هؤلاء إلى أن إعلان ترمب يعد نقطة انطلاق، ومن المرجح أن تتبعه أشهر من المفاوضات مما سيؤدي إلى استمرار حالة القلق وعدم اليقين في الأسواق، وهو أسوأ سيناريو تتوقعه الأسواق المالية.

وفي خطابه بحديقة الزهور بالبيت الأبيض مساء الأربعاء، وصف ترمب التعريفات الجمركية بأنها عادلة، مؤكداً أنها متبادلة، وتعد رداً على الرسوم الجمركية والحواجز المفروضة على السلع الأميركية. وقال في خطابه المطوّل إنّ قراره هذا إنما هو بمثابة «إعلان استقلال اقتصادي» للولايات المتحدة و«يوم تحرير» لها.

تظهر الرافعات وحاويات الشحن بميناء في تشيناي بالهند (أ.ب)

وأعلن ترمب تعريفات جمركية أساسية بنسبة 10 في المائة على واردات معظم الدول، وتعريفات أعلى بكثير على 60 دولة تعد من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي (20 في المائة)، واليابان (24 في المائة)، وتايوان (32 في المائة)، والهند (26 في المائة)، وفيتنام (46 في المائة). إضافةً إلى الصين التي تواجه الآن تعريفة جمركية تبلغ 54 في المائة، وهي الأعلى في قائمة الدول، تليها كمبوديا في المركز الثاني بتعريفة بلغت 49 في المائة.

وتوقعت شركة «كايوان» للأوراق المالية أن تؤدي التعريفات الجمركية إلى خفض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 30 في المائة، وهو ما قد يقوّض جهود الصين في مكافحة الانكماش الاقتصادي، ويجعل من الصعب تحقيق هدف نمو بنسبة 5 في المائة الذي تستهدفه.

وحسب مسؤولي البيت الأبيض، فإنّ الرسوم الجديدة ستدخل حيّز التنفيذ على مرحلتين: منتصف ليل السبت 5 أبريل (نيسان) للتعريفات البالغة نسبتها 10 في المائة، وفي 9 منه لتلك التي تزيد على هذا الحدّ.

ودخلت الرسوم الجمركية على السيارات المصنعة في الخارج حيز التنفيذ الفوري، إضافةً إلى التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب قبل أيام على الفولاذ والألمنيوم.

ويدافع أنصار ومؤيدو ترمب عن هذه الخطوة مشيرين إلى أنها أداة لتأكيد قوة الولايات المتحدة، وإحياء التصنيع داخل الولايات المتحدة، وإعادة بناء القاعدة الصناعية وخلق فرص عمل، وانتزاع تنازلات جيوسياسية.

ورأى ترمب أن خططه التجارية ستعطي دفعة للعمال ذوي الياقات الزرقاء خصوصاً العمال في مجال صناعة السيارات. وأعلن حالة الطواري الوطنية بسبب حجم العجز التجاري، وهي الخطوة التي سمحت له باستخدام صلاحيات خاصة لفرض الرسوم الجمركية، يستهدف منها جمع تريليونات الدولارات من عوائد التعريفات الجديدة. لكن ما إن وقّع ترمب أمره التنفيذي بهذه التعريفات حتى انقلبت أسواق المال، وتراجع سعر الدولار أمام العملات الرئيسية، وارتفع سعر الذهب إلى مستوى قياسي، وتهاوت البورصات الآسيوية عند الافتتاح صباح الخميس.

الركود والتضخم

وأعرب المحللون عن وجهة نظر متشائمة، وتوقعوا زيادة مخاطر الركود في الولايات المتحدة، وأشار معظم المراقبين إلى أن التعريفات الجمركية سترفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات غير مسبوقة.

وتوقع المحللون في «بنك باركليز» حدوث ركود في الولايات المتحدة، وارتفاع معدلات التضخم إلى 4 في المائة وارتفاع مستويات البطالة. وحذر المحللون في بنك «جي بي مورغان تشيس» من دخول الاقتصاد في حافة الركود بشكل خطير. فيما قال «بنك أوف أميركا»: «إذا استمرت التعريفات الجمركية، نعتقد أنها ستضيف ما بين نقطة مئوية ونقطة ونصف إلى التضخم على المدى القريب، وستخصم مبلغاً مماثلاً من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدفع الاقتصاد إلى حافة الركود».

تغيير قواعد اللعبة

وقالت أولو سونولا، رئيسة أبحاث الاقتصاد الأميركي في وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، إن هذه التعريفات من شأنها تغيير قواعد اللعبة ليس فقط للاقتصاد الأميركي بل للاقتصاد العالمي، ومن المرجح ان يدخل كثير من الدول في حالة ركود.

وقال تاي هوي، المحلل في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن هذه التعريفات الجمركية إذا استمرت ستؤثر على التضخم في وقت يكافح قطاع التصنيع الأميركي لزيادة طاقته الإنتاجية، كما تثير مخاوف بشأن مخاطر النمو. فقد يخفض المستهلكون الأميركيون إنفاقهم بسبب ارتفاع أسعار الواردات، وقد تؤجل الشركات إنفاقها الرأسمالي وسط حالة من عدم اليقين بشأن تأثيرات هذه التعريفات على المديين المتوسط والطويل، والردود الانتقامية من الشركاء التجاريين.

وقال ديفيد روزنبرغ، رئيس شرطة روزنبرغ للأبحاث: «إن الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس ترمب لا رابح فيها، وسيتحمل المستهلك العبء الأكبر، لأن الشركات المستوردة هي التي تدفع الرسوم الجمركية وليست الدولة المصدِّرة، وسوف يؤثر ذلك على المستهلك، ولذا فنحن مقبلون على صدمة أسعار كبيرة للغاية ستستمر لعدة أشهر». وأكد ديفيد روش، الاستراتيجي في شركة «كوانتم»، أن هذه التعريفات تشير إلى التحول من العولمة إلى سياسات انعزالية وقومية قد تستمر عدة سنوات، وستكون لها آثار جانبية في مجالات سياسية متعددة مع ردود الفعل الانتقامية من الدول، وستسهم هذه التعريفات في ترسيخ سوق الهبوط، وتتسبب في ركود تضخمي عالمي وركود في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

وقال إيسوار براساد، أستاذ السياسة التجارية بجامعة كورنيل، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن ترمب كان بإمكانه إصلاح القواعد التي تحكم التجارة العالمية والتي يقول إن حلفاءه أساءوا استخدامها على حساب الاقتصاد الأميركي والمستهلكين الأميركيين لكنه اختار -بدلاً من ذلك- تفجير النظام الذي يحكم التجارة الدولية».

صراع وحروب

وأشار الملياردير راي داليو، أحد أكبر أقطاب الاستثمار ومؤسس صندوق التحوط «بريدجووتر أسوشيتس»، في منشور على «لينكد إن»، إلى أنه يعتقد أن العالم يتجه نحو حرب عالمية. وقال: «التعريفات الجمركية ليست مجرد مسألة تتعلق بالإيرادات، بل هي وسيلة للدول لإعداد اقتصاداتها لأوقات الصراع والحرب، وهي ضرورية في وقت الصراع بين القوى العظمى».

ولاقت تعليقات داليو الكثير من الاهتمام خصوصاً أنه نشر في عام 2021 كتاباً تنبأ فيه باندلاع صراع بين القوي العظمى، وتوقع أن تُحدث المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تغييرات جذرية وفوضوية في العالم.


مقالات ذات صلة

الذهب عند ذروته التاريخية... كيف يقتنص المستثمرون الفرص وما يحرك الأسعار؟

الاقتصاد سبائك ذهبية جاهزة للختم في مصفاة «إيه بي سي» بأستراليا (رويترز)

الذهب عند ذروته التاريخية... كيف يقتنص المستثمرون الفرص وما يحرك الأسعار؟

قفزت أسعار الذهب متجاوزة حاجز 4600 دولار للأونصة التاريخي يوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقعات بتبني الولايات المتحدة سياسة نقدية تيسيرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد علما الهند والولايات المتحدة في خلفية مجسمين لشخصين يحملان حاسبين محمولين (رويترز)

الهند والولايات المتحدة تتفقان على مكالمة تجارية في 13 يناير

قال سيرجيو غور، السفير الأميركي المُعيَّن حديثاً في نيودلهي، يوم الاثنين، إن الهند والولايات المتحدة ستناقشان قضايا التجارة في مكالمتهما القادمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك يلوح بيده لدى وصوله إلى البيت الأبيض، 4 يناير 2026 (إ ب أ)

بسبب «مكالمة لم تتم مع»... لوتنيك يكشف سر تعثر اتفاق التجارة مع الهند

قال وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك إن اتفاقية التجارة بين الهند والولايات المتحدة تأخَّرت بسبب عدم إجراء رئيس الوزراء ناريندرا مودي مكالمة هاتفية مع ترمب.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفاع الدولار بانتظار «تقرير الوظائف» وقرار «المحكمة العليا الأميركية»

واصل الدولار الأميركي ارتفاعه، يوم الجمعة، في تعاملات آسيوية هادئة، مع ترقُّب المستثمرين صدور تقرير الوظائف الأميركية واستعدادهم لقرار مرتقب من المحكمة العليا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد العَلم الأميركي يرفرف فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

انخفاض العجز التجاري الأميركي في أكتوبر لأدنى مستوى منذ 2009

سجَّل العجز التجاري الأميركي انخفاضاً حاداً في أكتوبر (تشرين الأول)، مُسجِّلاً أدنى مستوى له منذ منتصف عام 2009، في ظل تراجع واردات السلع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
TT

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)

كشفت مصادر مطلعة لـ«أكسيوس» أن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أعرب للرئيس دونالد ترمب، في اتصال هاتفي متأخر يوم الأحد، عن امتعاضه الشديد من التحقيق الفيدرالي الذي يستهدف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، محذراً من أن هذه الخطوة «تسببت في فوضى» قد تعصف بالاستقرار المالي.

اضطراب الأسواق وردود الفعل

ولم تتأخر تداعيات هذه المخاوف؛ إذ شهدت الأسواق، يوم الاثنين، تراجعاً في قيمة الدولار، بينما ارتفعت عوائد السندات وأسعار الذهب، وسط قلق المستثمرين من التدخل السياسي في استقلالية البنك المركزي.

وفي تصعيد غير مسبوق، خرج باول في بيان فيديو نادر ليلة الأحد، نافياً ارتكاب أي مخالفات فيما يتعلق بتكاليف ترميم مقر البنك في واشنطن. واتهم باول إدارة ترمب بـ«تسييس وزارة العدل» انتقاماً منه لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي طلبها الرئيس، قائلاً: «التهديد بالملاحقة الجنائية هو نتيجة لعملنا بناءً على مصلحة الجمهور لا تفضيلات الرئيس».

«تحرك منفرد» وصدع في الإدارة

وتشير التقارير إلى أن مكتب المدعية العامة في واشنطن، جانين بيرو، أطلق التحقيق دون إخطار مسبق لوزارة الخزانة أو كبار المسؤولين في البيت الأبيض أو حتى القيادة المركزية لوزارة العدل. ووصف مصدر بالإدارة تحرك بيرو بأنه «خروج عن النص».

من جانبه، حاول ترمب النأي بنفسه عن تفاصيل التحقيق، مصرحاً لشبكة «إن بي سي»: «لا أعرف شيئاً عن مذكرات الاستدعاء»، لكنه لم يترك الفرصة دون مهاجمة باول، قائلاً: «إنه ليس جيداً في إدارة الفيدرالي، وليس جيداً في تشييد المباني».

كواليس «مارالاغو» وأصابع الاتهام

وتتجه الأنظار داخل الإدارة إلى بيل بولت، مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان؛ حيث يعتقد مسؤولون أنه كان المحرك وراء دفع وزارة العدل لفتح هذا التحقيق. ورغم نفي بولت هذه المزاعم، تشير المصادر إلى أن «الضوء الأخضر» لبيرو قد يكون جاء نتيجة اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بين ترمب وبولت في نادي «مارالاغو».

العواقب السياسية

لقد أدى هذا التحقيق إلى نتائج عكسية لما كانت تخطط له الإدارة؛ فبينما كان بيسنت يأمل في استقالة باول مبكراً لإفساح المجال لمرشح جديد، يرى مراقبون أن باول بات الآن «أكثر تمسكاً بمنصبه» للدفاع عن نفسه.

وعلى الصعيد البرلماني، أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، العضو البارز في لجنة الخدمات المصرفية، اعتزامه عرقلة أي إجراء لتعيين بديل لباول طالما استمر هذا التحقيق، مشككاً في مصداقية وزارة العدل.


رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
TT

رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)

أصدر جميع رؤساء البنوك المركزية الأميركية السابقين الأحياء بياناً مشتركاً ينتقدون فيه التحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، قائلين يوم الاثنين، إن خطوة وزارة العدل «لا مكان لها» في البلاد.

وجاء في البيان، الذي وقّعه أيضاً قادة اقتصاديون أميركيون سابقون آخرون: «إن التحقيق الجنائي المزعوم مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هو محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلاليته».

وفي هذا الوقت، أعلنت السيناتورة ليزا موركوفسكي، دعمها خطة زميلها الجمهوري توم تيليس، لعرقلة مرشحي الرئيس دونالد ترمب لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وذلك بعد أن هددت وزارة العدل بتوجيه اتهامات إلى باول.

وكتبت موركوفسكي على منصة «إكس»: «المخاطر جسيمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها: إذا فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، فسيتأثر استقرار أسواقنا والاقتصاد ككل».

وتُعد موركوفسكي من قلة من الجمهوريين المقربين من ترمب الذين أبدوا استعدادهم للتصويت ضد رغباته في مجلس الشيوخ في بعض الأحيان، حيث يتمتع حزبه بأغلبية 53-47.

وقالت النائبة عن ولاية ألاسكا إنها تحدثت في وقت سابق من يوم الاثنين، مع باول، الذي صرّح، يوم الأحد، بأن البنك المركزي الأميركي تلقى مذكرات استدعاء الأسبوع الماضي، وصفها بأنها «ذريعة» تستهدف بدلاً من ذلك تحديد أسعار الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي» بناءً على السياسة النقدية وليس بناءً على تفضيلات ترمب.

ووصفت موركوفسكي تهديد وزارة العدل بأنه «ليس أكثر من محاولة إكراه»، مضيفةً أنه ينبغي على الكونغرس التحقيق مع الوزارة إذا كان يعتقد أن التحقيق مع «الاحتياطي الفيدرالي» كان مبرراً بشأن تجاوزات تكاليف التجديد، التي وصفتها بأنها «ليست غير مألوفة».

من جانبه، دعا السيناتور الأميركي كيفن كرامر، العضو الجمهوري في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ والناقد لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، إلى إنهاء سريع للتحقيق الفيدرالي مع رئيس البنك المركزي، مشيراً إلى الحاجة إلى استعادة الثقة بالمؤسسة.


قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

أبدت «وول ستريت» قلقاً، يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض و«الاحتياطي الفيدرالي»، وهما مؤسستان في واشنطن اعتاد المستثمرون اعتبار استقلاليتهما أمراً مفروغاً منه.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، بينما ارتفعت أسعار الذهب وغيرها من الاستثمارات التي عادةً ما تحقق أداءً جيداً في أوقات القلق، كما تراجع الدولار الأميركي مقابل اليورو والفرنك السويسري وعملات أخرى، وسط مخاوف من احتمال تراجع استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في تحديد أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وفق «وكالة أسوشيتد برس».

كما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 432 نقطة، أو 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما بقي مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيير يُذكر.

وتأتي هذه التحركات في الأسواق المالية بعد أن استدعت وزارة العدل الأميركية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مهددة بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول بشأن شهادته حول أعمال التجديد الجارية في مقرّ المجلس.

وفي بيان مصوّر نُشر، يوم الأحد، وصف باول التحقيق بأنه «ذريعة» تهدف إلى ممارسة مزيد من النفوذ على أسعار الفائدة التي يسعى الرئيس ترمب إلى خفضها بشكل كبير، مؤكداً أن تحديد أسعار الفائدة يتم «بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، وليس اتباعاً لرغبات الرئيس».

وفي مقابلة مع قناة «إن بي سي نيوز» يوم الأحد، أصر الرئيس ترمب على أنه لم يكن على علم بالتحقيق الجاري مع باول، وقال عند سؤاله عن احتمال أن يكون الهدف الضغط على باول: «لا، لم يخطر ببالي مجرد القيام بذلك بهذه الطريقة».

وتنتهي ولاية باول رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار) المقبل، وقد أشار مسؤولون في إدارة ترمب إلى احتمال تعيين بديل له هذا الشهر. كما سعى ترمب إلى إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.

ويشهد المجلس خلافاً حاداً مع البيت الأبيض حول أسعار الفائدة؛ إذ كثيراً ما دعا ترمب إلى خفضها بشكل كبير لجعل الاقتراض أرخص للأسر والشركات الأميركية، ما قد يمنح الاقتصاد دفعة قوية.

وقد خفض «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي ثلاث مرات، العام الماضي، وأشار إلى إمكانية المزيد من التخفيضات هذا العام، إلا أن وتيرة خفضه كانت بطيئة؛ ما دفع ترمب لإطلاق لقب «فات الأوان» على باول.

ويعمل «الاحتياطي الفيدرالي» تقليدياً بشكل مستقل عن الأجهزة السياسية في واشنطن، ويتخذ قراراته بشأن أسعار الفائدة دون الخضوع للأهواء السياسية؛ ما يمنحه حرية اتخاذ إجراءات غير شعبية ضرورية لصحة الاقتصاد على المدى الطويل، مثل الإبقاء على أسعار مرتفعة للسيطرة على التضخم.

وفي «وول ستريت»، تكبدت أسهم الشركات المالية بعضاً من أكبر الخسائر بعد مسعى منفصل من ترمب لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على أسعار بطاقات الائتمان لمدة عام؛ ما قد يقلص أرباح شركات بطاقات الائتمان.

وانخفض سهم «كابيتال وان فاينانشال» بنسبة 6 في المائة، وخسر سهم «أميركان إكسبريس» 4 في المائة.

وفي سوق السندات، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.19 في المائة من 4.18 في المائة في نهاية، يوم الجمعة.

على الصعيد العالمي، ارتفعت مؤشرات الأسهم في معظم أنحاء أوروبا، وقفزت الأسهم بنسبة 1.4 في المائة في هونغ كونغ و1.1 في المائة في شنغهاي، مسجلةً اثنين من أكبر المكاسب العالمية، عقب تقارير تفيد بأن القادة الصينيين يعدّون المزيد من الدعم للاقتصاد.