بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

استوحيت منها أجنحة أوزبكستان في "إكسبو أوساكا" و"بينالي فينيسيا"... وتنتظر مكانها في قائمة اليونيسكو

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
TT

بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

لمدينة طشقند بأوزبكستان طابع خاص؛ فهي تتميز بالبنايات العصرية في الغالب، وليست أي بنايات؛ فهي تتميز بالحجم الضخم والامتداد على مساحات واسعة، ولا يبدو ذلك غريباً في المدينة التي تتميز بشوارعها العريضة التي تحدها الحدائق والأشجار. ولكن للبنايات التي تصادفنا تاريخاً ومعماراً متميزاً.

وفي العموم، تستحق المباني الحديثة التي بُنِيت في النصف الثاني من القرن العشرين الزيارة والتأمل في تفاصيل المعمار الحديث المخلوط بعوامل من التراث الإسلامي للمدينة. لكل بناية حكاية ومصممون معماريون من الروس والأوزبك، ولكن العنصر الجامع بينها هو المعمار المميز بالصلابة والقوة والضخامة، أمر كان مهماً بعد الزلزال المدمر الذي قضى على أجزاء كبيرة من طشقند في عام 1966.

كلية الفنون الجمهورية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

وحالياً، يجري مشروع ضخم لحصر ومعاينة مباني مدينة طشقند الأيقونية بأوزبكستان التي جعلت من المدينة مركزاً مهماً في آسيا الوسطى إلى درجة أن أُطلق عليها لقب «موسكو الشرق». وبحسب جايان عوميروفا المدير التنفيذي لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان، فالطرز المعمارية التي تميزت بها المباني في طشقند خرجت عن الأنماط الأوروبية، ودمجت الأنماط التراثية والأشكال الإسلامية مع التصاميم المعاصرة.

عوميروفا تقود مع فريق من المعماريين والباحثين وخبراء الترميم العالميين مشروعاً ضخماً لأرشفة وتوثيق العمارة الحداثية في طشقند. وأسفرت مجهودات المؤسسة عن تسجيل 20 مبنى في القائمة الوطنية، لتصبح مواقع تراثية محمية. وتنتظر المنظمة قرار اليونيسكو بإدراج 16 من المباني تحت بند التراث العالمي.

تشير عوميروفا في مقدمة كتاب Tashkent Modernism إلى أهمية المحافظة على البنايات الشهيرة، وأنه أصبح أمراً ملحاً، لا سيما بعدما دُمّرت بناية «بيت السينما» الشهير في طشقند عام 2017. وتضيف: «لقد أدركنا بوضوح أن المباني التي أصبحت رموزاً لطشقند الحديثة تحتاج إلى حماية من الدولة وحملة لرفع مستوى الوعي بأهميتها». وبحسب تقرير اليونيسكو تُعدّ البنايات الـ16 «نماذج بارزة للعمارة السوفياتية الحديثة، بفضل تصميمها الفريد. كما تعكس التعاون بين معاهد التصميم في طشقند وموسكو، وتطور البحث المعماري من عام 1960 إلى عام 1991. وقد أدّت التجارب إلى ابتكارات في علم الأنماط والتقنيات لمقاومة الزلازل، وتخفيف آثار المناخ، والتكيُّف مع الثقافة الإقليمية».

جايان عوميروفا المديرة التنفيذية لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان (ACDF)

أُتيحت لـ«الشرق الأوسط» المشاركة في جولة مركزة على أهم المباني بالمشروع، برفقة عدد من الخبراء العالميين الذي يعملون حالياً على توثيقها في كتاب يصدر قريباً. وركزت الجولة أيضاً على أهمية المعمار الحديث في استلهام موضوعات أجنحة الدولة في «إكسبو أوساكا» و«بينالي فينيسيا» للعمارة. وفيما يلي نظرة على بعض المباني الأيقونية بالعاصمة الأوزبكية.

متحف الدولة لتاريخ أوزبكستان

يقع المتحف في مبنى ضخم بواجهة تحمل كثيراً من العناصر الشرقية المتمثلة في أسلوب الأرابيسك الذي يميز الواجهة. انتهى بناء المبنى في 1974 وصممه معماريون روس ليكون أحد المتاحف المخصصة للزعيم الروسي لينين.

وبحسب المهندسة المعمارية، المشاركة في المشروع إيكاترينا جولوفاتيوك، وهي أيضاً قيمة مشاركة على جناح أوزبكستان في بينالي فينيسيا للعمارة التي رافقتنا في الجولة؛ فالمتحف أصبح مقياساً للمباني المماثلة بعد ذلك، كما أنه أصبح أيقونة رمزية لمدينة طشقند.

تقول جولوفاتيوك إنَّ المبنى يتميز ببنائه من الصلب الذي اعتبر ملائماً لمدينة عاصرت زلزالاً مدمراً في الستينات.

وتؤكد أن التصميم المعماري أكد العناصر التراثية التقليدية مثل «البانجارا» أو السواتر الخشبية، وهي تماثل المشربيات الخشبية التي تميز المباني التقليدية في البلاد الإسلامية التي كانت تستخدم لحجب أشعة الشمس المباشرة، وأيضاً للخصوصية.

اللافت أن المباني الحديثة في أوزبكستان خلال الستينات، وحتى التسعينات من القرن الماضي كثفت من استخدام العناصر التراثية وعناصر الأرابيسك في واجهات المباني. وأصبح استخدام طراز السواتر الخشبية أو المشربيات جامعاً بين الوظيفة والعناصر الجمالية.

متحف التاريخ بطشقند (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

بناية زم تشونغ السكنية

يعد المعماريون نمط بناية زم تشونغ في طشقند مرادفاً لمفهوم «المحلة»، وهو ما يوازي نظام «الحارة». والبناية يمكن اعتبارها مجتمعاً سكنياً، بحسب تصميمها المعتمد على وجود فناء واسع له شرفة ضخمة مفتوحة تطل عليه أبواب الشقق، ويتكرر كل ثلاثة أدوار. نصعد مع الفريق المعماري المصاحب لتفقد أدوار البناية الفريدة في تصميمها، وهو للمعمارية أوفيليا آيدينوفا.

التصميم بالفعل مختلف. ومع أن البناية تحتاج إلى صيانة، فإن ذلك لم يُفقِدها أهميتها، ولا خصوصيتها التي يحرص عليها السكان. تقترب منا سيدة يبدو عليها الانزعاج من وجود غرباء في المبنى، وتتساءل لماذا نحن هنا. ويجيبها أحد المعماريين بغرضنا من الزيارة، وأننا برفقة واحدة من السكان. هذا الاهتمام يدل على الإحساس بالجماعة، كما يقول المعماري المرافق لنا: «السكان هم من يتولون إدارة هذا المبنى، ولا يريدون التدخل الخارجي في أمورهم».

تقول لنا سيدة من السكان إن الفناءات الموزَّعة على المبنى هي مساحات للقاء السكان، وقد تحتضن الأفراح أو حفلات الشواء.

على السطح نرى بركة للسباحة كان الصغار يسبحون فيها في أوقات الصيف، ونعرف أن هذه البركة مهمة لتصميم العمارة، حيث يساعد ثقل الماء على توازن البناية.

جانب من بناية بناية زم تشونغ السكنية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

أوتيل أوزبكستان

يُعتبر هذا الفندق بتصميمه اللافت على هيئة صفحة كتاب مفتوح من أهم النماذج البصرية المميزة لمعمار مدينة طشقند. شُيّد المبنى في عام 1974 بوسط المدينة، ويتميز بواجهته التي تشبه الشبكة الخراسانية، وتحمل طابعاً جمالياً مقتبساً من فن الأرابيسك... مزج فريق المعماريين في هذا التصميم الهائل حجماً بين الاستفادة من الشكل الجمالي للمبنى وحماية الغرف من أشعة الشمس المباشرة.

السينما البانورامية

المبنى الدائري للسينما البانورامية يحتل رقعة ضخمة من الأرض تحيط به مساحات فارغة تُركت عمداً لضمان حركة الجماهير التي تفد لهذا المبنى الذي يحتضن فعاليات مهرجان طشقند السينمائي الدولي. يجسد المبنى روح المدينة في ستينات القرن الماضي، ويكتسب أهمية خاصة، بسبب تصميمه التجريبي.

السينما من خارجها، كما داخلها، تتميز بالحجم الضخم. ومن الواضح أنها صُمّمت لأعداد كبيرة جداً من الجمهور، غير أن نمط السينما البانورامية لم يستمر طولياً، ما جعل الشاشة الضخمة والتقنيات المعدة لمثل هذه العروض من دون فائدة.

ولهذا يتم تحويل نشاطات السينما لاستضافة مسرحيات ومؤتمرات أو جلسات للكونغرس وما شابه ذلك.

مبنى السينما البانورامية (الشرق الأوسط)

مبان ملهمة

ضمَّت الجولة زيارة مبانٍ مختلفة الوظائف، مثل محطة مترو «كوزمونوت» المخصصة للاحتفاء بعلماء ورواد الفضاء من أوزبكستان، ومبنى فرن الطاقة الشمسية في منطقة باركنت خارج العاصمة، وهو الذي مثَّل الإلهام لجناح الدولة في «إكسبو أوسكا» باليابان... هناك أيضا مبنى البازار الضخم «خورسو» المميز بقبة هائلة تضمّ أسفل منها مساحات واسعة حيث تُقام منصات لبيع الخضراوات والأطعمة والملابس. مبنى السيرك أيضاً من المباني التي تطمح أوزبكستان لأرشفتها.

محطة مترو "كوزمونوت" (الشرق الأوسط)

جناح أوزبكستان ببينالي فينيسيا

يبدو بارعاً استخدام أجنحة الدولة في المحافل العالمية أنماط العمارة المحلية لتسليط الضوء عليها؛ ففي «بينالي فينيسيا للعمارة» استوحى المعماريان إيكاترينا جولوفاتيوك وجياكومو كانتوني تصميم الجناح من مبنى Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» خارج العاصمة طشقند. ويتأمل الجناح في أهمية معمار أوزبكستان الحديث وإمكاناته، ويتناول الأهمية التاريخية والمعاصرة لمبنى «معهد الشمس»، مسلطاً الضوء على دوره العلمي وأهميته الثقافية خارج الحدود الوطنية.

مبنى معهد الشمس للعلوم المادية (الشرق الأوسط)

يمثل Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» آخر المشروعات العلمية للاتحاد السوفياتي، وبُنِي عام 1987 ويُعدّ واحداً من اثنين في العالم متخصصَيْن في دراسة تحولات المواد تحت درجات حرارة هائلة، ويتميز المبنى بموقعة المتربع على تلة عالية وبتصميمه اللافت والمرايا التي تغطي واجهته. خلال زيارتنا للمبنى نلحظ وجود العائلات التي تحرص على زيارة المبنى وإتاحة الفرصة للأطفال للاطلاع على التجارب العلمية البسيطة التي يقوم بها فريق من الخبراء أمام الزوار. وبحسب بيان العرض، فسيقدم القيمان سرداً مزدوجاً لـ«معهد الشمس»، مستكشفين إرثه المتناقض، كإنجاز تكنولوجي متقدم وبنية تحتية شكلتها قيود عصره. سيسلط المعرض الضوء على كيفية تجسيد هذا الهيكل للتناقضات؛ فهو حداثي وقديم، مستدام وغير مستدام، تعليمي وسري، احتفالي ونفعي. من خلال إعادة تفسير أهميته المعمارية والعلمية. يهدف المعرض إلى إثارة نقاشات حول الحفاظ على التراث والابتكار ودوره في صياغة المستقبل. وسيعرض داخل الجناح بعض القطع التي زينت المعهد، ويتم حالياً تفكيك بعض الثريات العملاقة التي تتخذ من الشمس موضوعاً لها، ولها جماليات عالية.

جناح أوزبكستان في أوساكا والمسجد الكبير

تضم مدينة خيوة في ولاية خوارزم بغرب أوزبكستان أعجوبة أثرية، تتمثل في قلعة إيجان، وهي مدينة داخلية مسورة داخل المدينة، ومحمية كموقع تراث عالمي. تحوي المدينة القديمة أكثر من 50 أثراً تاريخياً تعود للقرن الثامن عشر والتاسع عشر.

المسجد الجامع في خيوة (الشرق الأوسط)

ومن أمثلة هذه المباني المسجد الجامع الذي شيد في القرن العاشر، وأعيد بناؤه في عامي 1788 و1789م، ويتميز ببهو معمد يتألف من 112 عموداً خشبياً مأخوذة من بناية المسجد القديم. هناك جو خاص للمسجد المنخفض السقف، ويمثل الوقوف بين الأعمدة المتتالية وتأمل الطريقة التي ثُبّتت بها في الأرضية تجربة ممتعة للزائر.

بعض الأعمدة الخشبية أصابتها الأَرَضَة، وبعضها الآخر تم استبداله، ونلحظ خلال الجولة أن العواميد الجديدة تختلف في لونها ونقوشها. تعمل حالياً بعثة ترميم ألمانية على ترميم بعض الأعمدة وتثبيت القطع المتكسرة بها عبر إضافة قطع من خشب مماثل.

جانب من تصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» (أتيليه بروكنر - مؤسسة تنمية الفنون والثقافة في أوزبكستان ACDF

المسجد الجامع أيضاً كان ملهماً لتصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» الذي يحمل عنوان «حديقة المعرفة... مختبر للمجتمع في المستقبل»، وصمَّمه أتيليه بروكنر، ويركز على مفهوم الاستدامة والابتكار والثقافة الأوزبكية.

يمزج الجناح المكوَّن من طابقين، بمساحة 750 متراً مربعاً، بين التقاليد والتصميم المستقبلي، ليعكس دورة حياة الحديقة. ويُعيد الجناح تفسير تراث مدينة خيوة كمساحة معاصرة للتجمع والتبادل. يدمج هيكله بين الطوب والطين، اللذين يُمثلان الأرض والتراث، وخشب السوجي، وهو نوع من السرو يُزرع بالقرب من أوساكا.


مقالات ذات صلة

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.