«نيوتن»… ذكاء اصطناعي يتدارك الأحداث قبل وقوعها

يتنبأ بالأنماط المستقبلية لها ويُشبه «جي بي تي» لكنه موجّه للعالم المادي

تحليل البيانات من المستشعرات
تحليل البيانات من المستشعرات
TT

«نيوتن»… ذكاء اصطناعي يتدارك الأحداث قبل وقوعها

تحليل البيانات من المستشعرات
تحليل البيانات من المستشعرات

مدينة بيلفيو الأميركية، موطن لآلاف من موظفي «مايكروسوفت»، حيث يقبع نظام مراقبة حركة المرور المُدعّم بالذكاء الاصطناعي ليُلبي كل التوقعات. فباستخدام كاميرات المرور الحالية القادرة على قراءة اللافتات والإشارات الضوئية، لا يتتبع النظام الحوادث فحسب، بل أيضاً الحوادث التي «كادت تقع». ويقترح حلولاً للمشرفين على تنظيم المرور، مثل إعادة النظر في مسار المنعطفات، أو تغيير خط التوقف عن الحركة.

البرنامج يحلل بيانات حركة المرور

ذكاء اصطناعي للعالم المادي

لكن تقنية الذكاء الاصطناعي هذه لم تولد من «مايكروسوفت» وشراكتها الكبيرة مع «أوبن إيه آي»، بل طُوّرت من قِبل شركة ناشئة تُدعى «أركيتايب إيه آي» Archetype AI التي قد تُعتبر بمثابة «أوبن إيه آي» في العالم المادي.

يقول إيفان بوبيريف، المؤسس المشارك للشركة: «تُبلغ سلطات المدينة عن حادث بعد وقوعه. لكن ما تُريد معرفته هو، على سبيل المثال، أين الحوادث التي كادت تقع – لأن أحداً لا يستطيع الإبلاغ عنها. وتريد السلطات منع وقوعها». لذا، يُعدّ التنبؤ بالمستقبل أحد أهمّ استخداماتنا حالياً.

أسس بوبيريف وليوناردو جيوستي الشركة بعد مغادرتهما فريق التكنولوجيا والمشاريع المتقدمة التابع لشركة «غوغل»، حيث عملا على مبادرات مشاريع متطورة، مثل مشروع النسيج الذكي «جاكار»، ومشروع رادار الأدوات «سولي». ويشرح بوبيريف تاريخ عمله في شركات عملاقة مثل «سوني» و«ديزني»، حيث كان على المهندسين دائماً تطوير خوارزمية واحدة لفهم أشياء مثل نبضات القلب، وأخرى للخطوات. كل شيء مادي تُريد قياسه، مهما كان، كان دائماً نظاماً منفصلاً – كان برنامجاً صغيراً آخر يجب برمجته ودعمه.

وهناك الكثير مما يحدث داخل عالمنا الطبيعي بحيث لا يمكن قياسه أو دراسته من خلال هذا النهج الذي يُركّز على معالجة مشكلة واحدة في كل مرة. ونتيجة لذلك، لا تزال أجهزتنا المتطورة تقنياً لا تفهم سوى القليل جداً عن بيئتنا الحقيقية، وما يحدث فيها بالفعل.

استنتاجات فيزيائية بدلاً من اللغوية

ما تقترحه «أركيتايب» هو ذكاء اصطناعي قادر على تتبع تعقيد العالم المادي والتفاعل معه. خذ نموذج «نيوتن» الأساسي، فهو مُدرّب على أكوام من بيانات أجهزة الاستشعار المفتوحة من مصادر مثل وكالة ناسا، التي تنشر كل شيء بدءاً من درجات حرارة المحيطات المُجمّعة باستخدام ماسحات الميكروويف وصولاً إلى عمليات مسح الأشعة تحت الحمراء لأنماط السحب.

وكما يُمكن لنظم الذكاء الاصطناعي المطورة حديثاً استنتاج المنطق اللغوي من خلال دراسة النصوص، يُمكن لـ«نيوتن» استنتاج الفيزياء من خلال دراسة قراءات أجهزة الاستشعار.

البرنامج يتنبأ بالأحداث اللاحقة

«نيوتن» يحلل ويتنبأ

تكمن الميزة الرئيسة للشركة في قدرة «نيوتن» Newton على تحليل مخرجات أجهزة الاستشعار الموجودة بالفعل. يحتوي هاتفك على اثني عشر مستشعراً أو أكثر، وقد يحتوي العالم قريباً على تريليونات منها، بما في ذلك مقاييس التسارع، وأجهزة استشعار التدفق الكهربائي والسوائل، وأجهزة الاستشعار البصرية، والرادار. من خلال قراءة هذه القياسات، يُمكن لـ«نيوتن» تتبع وتحديد ما يحدث داخل البيئات بدرجة مُذهلة.

حتى أنه أثبت قدرته على التنبؤ بالأنماط المستقبلية للتنبؤ بأحداث تتراوح من تأرجح بندول صغير في مختبر إلى حادث مُحتمل في مصنع، إلى البقع الشمسية والمد والجزر في الطبيعة.

من نواحٍ عديدة، تُنشئ أركيتايب النظامَ المطلوبَ حقاً للحوسبة المحيطة، وهي رؤيةٌ تتلاشى فيها الخطوط الفاصلة بين عالمنا الحقيقي وعالم الحوسبة. ولكن بدلاً من التركيز على رؤيةٍ طموحة، تُسوّق «نيوتن» كمترجمٍ عالميٍّ يُمكنه تحويل بيانات الاستشعار إلى رؤى قابلةٍ للتنفيذ.

يقول جيوستي: «(إنه) تحوّلٌ جذريٌّ في نظرتنا للذكاء الاصطناعي كمجتمع. (حالياً) هو تقنية أتمتة نستبدل فيها الذكاء الاصطناعي بجزء من عملنا البشري. نُفوّض الذكاء الاصطناعي للقيام بشيءٍ ما... نحاول تغيير المنظور، ونرى الذكاء الاصطناعي كطبقةٍ تفسيريةٍ للعالم المادي. سيساعدنا الذكاء الاصطناعي على فهم ما يحدث في العالم بشكلٍ أفضل».

ويضيف بوبيريف: «نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة قوةٍ عظمى تُمكّننا من رؤية أشياء لم نكن لنراها من قبل، وتُحسّن عملية اتخاذ القرار لدينا».

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي من أركيتايب؟

في أحد عروض «أركيتايب» التوضيحية، يُلاحظ رادارٌ دخول شخصٍ ما إلى المطبخ. يستطيع الميكروفون الاستماع لأي شيء يُطلب منه، مثل غسل الأطباق. إنه عرض توضيحي لتقنيتين موجودتين في العديد من الهواتف الذكية، ولكن من خلال سياق «نيوتن»، تتحول بيانات المستشعرات إلى معرفة.

في عرض توضيحي آخر، يُحلل «نيوتن» أرضية مصنع ويُنشئ خريطة حرارية لمخاطر السلامة المحتملة (تُرسم بشكل ملحوظ في مسار رافعة شوكية تقترب من الناس). وفي عرض توضيحي ثالث، يُحلل «نيوتن» عمل قوارب البناء، ويرسم في الواقع جدولاً زمنياً لساعات نشاطها كل يوم.

بالطبع، لا يمكن للفيزياء وحدها استقراء كل ما يحدث في هذه المشاهد، ولهذا السبب يُدرج «نيوتن» أيضاً بيانات تدريب حول السلوك البشري (حتى يعرف ما إذا كان هزّ صندوق، على سبيل المثال، يمكن استنتاجه على أنه «سوء تعامل») ويستخدم تقنية النماذج اللغوية الكبيرة التقليدية لتصنيف ما يحدث.

ومن الناحية الفنية، يمكنك تشغيل «نيوتن» من أجهزة الكمبيوتر التي تديرها Archetype، أو على خدمات سحابية مثل AWS أو Azure، أو حتى على خوادمك الخاصة إذا كنت تفضل ذلك.

مهمتك الأساسية هي ببساطة تغذية أي بيانات استشعار تستخدمها شركتك بالفعل من خلال «عدسة» «نيوتن» للذكاء الاصطناعي. والعدسة هي استعارة الشركة لكيفية ترجمة معلومات الاستشعار إلى رؤى.

الاختلاف عن النماذج الذكية اللغوية

وبخلاف النماذج الذكية اللغوية، التي تعتمد على أسئلة وأجوبة تقودنا إلى استعارات مثل المحادثات والوكلاء، تُخرِج المستشعرات تدفقات من المعلومات قد تتطلب تحليلاً مستمراً. لذا، تُعدّ العدسة وسيلةً لتدقيق هذه البيانات على فترات زمنية، أو آنياً.

وستكون التكلفة التشغيلية لتشغيل «نيوتن» للذكاء الاصطناعي متناسبة مع كمية وتواتر تحليل المستشعر الخاص بك. ولكن ما يثير اهتمام الشركة بشكل خاص هو أن «نيوتن» للذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل أشكال موجات المستشعرات، أثبت أنه لا يفهم الكثير مما يحدث فحسب، بل يمكنه أيضاً التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل.

وكما أن الإكمال التلقائي يعرف مسبقاً ما قد تكتبه تالياً، يمكن لـ«نيوتن» النظر في أشكال موجات البيانات (مثل المعلومات الكهربائية أو الصوتية من جهاز) للتنبؤ بالاتجاه التالي. وفي المصانع، قد يسمح هذا برصد العطل الوشيك للآلة. كما تزعم «أركيتايب» أنها تستطيع تتبع تأرجح البندول الفوضوي بدقة والتنبؤ بحركاته التالية.

تعتقد «أركيتايب» أنها تستطيع إحداث ثورة في جميع أنواع المنصات، بدءاً من التطبيقات الصناعية، ووصولاً إلى التخطيط الحضري. وفي خطوتها التالية، تريد الشركة أن يُنتج «نيوتن» أكثر من مجرد نص؛ فلا يوجد سبب يمنعه من التواصل بالرموز أو الرسوم البيانية في الوقت الفعلي.

هذه الادعاءات، من ناحية، ضخمة للغاية، ويصعب فهمها. من ناحية أخرى، بنى بوبيريف مسيرته المهنية بأكملها على بناء ابتكارات مبتكرة ومذهلة من تقنيات موجودة، وهي فعالة بالفعل.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

خاص ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بتحويل القدرة الحاسوبية إلى تطبيقات تجارية، وكفاءات محلية، وبنية تقنية قابلة للتصدير.

نسيم رمضان (الرياض)
الاقتصاد شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول، كوريا الجنوبية (إ.ب.أ)

الأسهم الكورية تتعافى من خسائرها المبكرة بدعم من شركات الرقائق

استعادت الأسهم الكورية الجنوبية بعض خسائرها المبكرة خلال تعاملات الثلاثاء، بدعم من عمليات شراء انتقائية لأسهم شركات الرقائق.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«هيوماين» و«كاوست» تستكشفان إتاحة قدرات الحاسوب العملاق «شاهين 3» عبر السحابة

تستكشف «هيوماين» و«كاوست» إتاحة قدرات «شاهين 3» عبر السحابة لدعم الذكاء الاصطناعي والبحث والتطبيقات كثيفة الحوسبة.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد جانب من المؤتمر الصحافي على هامش المنتدى العالمي الرابع لـ«اليونيسكو» لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

«اليونيسكو»: تحذيرات متزايدة من فقدان السيطرة على تطوير الذكاء الاصطناعي

قالت نائبة مدير عام «اليونيسكو»، آسيا ريجينيه، إن العالم يشهد تحذيرات متزايدة بشأن احتمال فقدان السيطرة على تطوير الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع وتيرة تطور التقن

عبير حمدي (الرياض)
يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)
الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)
TT

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)
الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)

أطلق الأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز، وزير الحرس الوطني السعودي، في الرياض، الاثنين، أعمال النسخة الرابعة لـ«القمة العالمية للتقنية الحيوية الطبية 2026»، التي تتضمن جلسات حوارية ولقاءات علمية وورش عمل متخصصة بمشاركة نحو 100 متحدث من الرؤساء التنفيذيين ورؤساء الجامعات العالمية والخبراء والباحثين.

وتقام القمة العالمية برعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة مؤسسة «مركز الرياض للتقنية الحيوية» خلال الفترة من 14 إلى 16 سبتمبر (أيلول) الحالي تحت شعار «بناء أسس التميز في التقنية الحيوية الطبية».

وحضر وزير الحرس الوطني الجلسة الافتتاحية للقمة، التي جمعت نخبة من القيادات والخبراء والباحثين والمبتكرين والمستثمرين في قطاع التقنية الحيوية الطبية من مختلف دول العالم.

الجلسة الافتتاحية للقمة جمعت نخبة من القيادات والخبراء والمبتكرين والمستثمرين في قطاع التقنية الحيوية (واس)

وتناقش القمة عدة موضوعات مرتبطة بمستقبل التقنية الحيوية الطبية، من أبرزها الاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية، والبنية التحتية للبحث والتطوير والابتكار، والتمويل والاستثمار، وبناء القدرات والكفاءات البشرية، إلى جانب استعراض أحدث التطورات والابتكارات في القطاع.

وتشهد القمة معرضاً مصاحباً تشارك فيه جهات حكومية وأكاديمية وصحية وتقنية وصناعية واستثمارية، لاستعراض أحدث المنتجات والخدمات والتقنيات الطبية المتقدمة.

كما تتضمن لقاءات تجمع المستثمرين وصنّاع القرار، وتضم منصة لتوقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بما يعزز فرص التعاون والشراكات في مجال التقنية الحيوية الطبية.

المعرض المصاحب للقمة يستعرض أحدث المنتجات والخدمات والتقنيات الطبية المتقدمة (واس)

يشار إلى أن القمة تنعقد بتنظيم من وزارة الحرس الوطني، ممثلةً بالشؤون الصحية، وجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية، ومركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية «كيمارك»، بالشراكة مع وزارة الاستثمار و«مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار» كشريك استراتيجي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


دفعة جينية جديدة لاختراق أقوى للأورام الصلبة

رسم توضيحي لخلية تائية ذات مستقبلات مستضدية خيمرية (باللون الأزرق) 
 تهاجم خلايا سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية (باللون الأرجواني)
رسم توضيحي لخلية تائية ذات مستقبلات مستضدية خيمرية (باللون الأزرق) تهاجم خلايا سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية (باللون الأرجواني)
TT

دفعة جينية جديدة لاختراق أقوى للأورام الصلبة

رسم توضيحي لخلية تائية ذات مستقبلات مستضدية خيمرية (باللون الأزرق) 
 تهاجم خلايا سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية (باللون الأرجواني)
رسم توضيحي لخلية تائية ذات مستقبلات مستضدية خيمرية (باللون الأزرق) تهاجم خلايا سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية (باللون الأرجواني)

كشفت دراسة جديدة عن أن تعديلين جينيين يمكن أن يجعلا خلايا CAR - T أكثر قدرة على اختراق الأورام الصلبة، ومهاجمتها، في خطوة قد تساعد على التغلب على أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا النوع من العلاج المناعي.

وأظهرت التجارب على الفئران أن تعطيل جينين هما GNAS وP2RY8 في الخلايا المناعية أدى إلى تعزيز قدرتها على الوصول إلى الأورام، ومواصلة نشاطها المضاد للسرطان.

كما ساعدت هذه التعديلات في تقليص أورام متعددة، بينها سرطان الرئة، والبنكرياس، والجلد، وبعض سرطانات الجهاز الهضمي، والرحم.

ونُشرت النتائج في مجلة «Nature» في 12 أغسطس (آب) 2026 بعد استخدام أول منصة واسعة النطاق تعتمد على تقنية كريسبرCRISPR لدراسة تأثير تعديلات جينية في خلايا مناعية بشرية داخل كائن حي.

مكافحة الأورام الصلبة

• لماذا تواجه CAR - T الأورام الصلبة؟ يعتمد علاج CAR - T على أخذ خلايا مناعية تسمى «الخلايا التائية» من المريض، ثم تعديلها في المختبر لتتعرف إلى الخلايا السرطانية، وتهاجمها قبل إعادتها إلى جسم المريض. والمستقبلات الخيمرية للخلايا التائية (CAR - T) هي عبارة عن مستقبلات اصطناعية تم إنشاؤها خصيصاً في المختبر، بهدف تمكين الخلايا التائية من التعرف على بروتينات معينة على سطح الخلايا (الخلايا السرطانية مثلاً)، واستهدافها.

وقد حقق العلاج نجاحاً مهماً في بعض سرطانات الدم، مثل اللوكيميا، والأورام الليمفاوية.

لكن فعاليته لا تزال محدودة أمام الأورام الصلبة، ومنها سرطانات الرئة، والبنكرياس، والمبيض، والقولون، والثدي. ويعود ذلك جزئياً إلى أن البيئة المحيطة بالورم الصلب مليئة بإشارات تعيق الخلايا المناعية، كما يصعب v CAR v- T الوصول إلى الورم، والبقاء داخله نشطة بما يكفي للقضاء على الخلايا السرطانية.

• اختبار آلاف الجينات داخل الأورام. وبدلاً من دراسة الخلايا المعدلة في أطباق المختبر فقط، طور الباحثون في معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة برئاسة الدكتورة تشي ليو طريقة تتيح اختبار تأثير تعديلات جينية واسعة النطاق داخل الأورام في الفئران.

واختبر الفريق ما يقرب من 20 ألف جين للبحث عن التعديلات التي تساعد الخلايا التائية على الوصول إلى الأورام، أو الحفاظ على نشاطها بعد دخولها إليها.

وتمكن الباحثون من جمع ملايين الخلايا التائية من كل ورم، وهو عدد أكبر بكثير مما كان ممكناً باستخدام الطرق السابقة، ما أتاح إجراء الاختبارات الجينية على نطاق واسع داخل البيئة الحقيقية للورم.

تعديل جيني

• جينان يزيلان «مكابح» الخلايا المناعية. برز جين P2RY8 كأحد أهم الجينات التي تؤثر في قدرة الخلايا التائية على دخول الورم.

وأظهرت النتائج أن تع0طيله أدى إلى تجمع أعداد أكبر من الخلايا المناعية داخل الأورام بعدما أزيلت إحدى الإشارات التي يبدو أنها تعمل كـ«مكبح» يحد من وصول الخلايا التائية.

أما تعطيل جين GNAS فكان له تأثير مختلف، فقد أصبحت الخلايا التائية قادرة على إنتاج مستويات أعلى من الإنترفيرون - غاما interferon - gamma، وهو جزيء مهم في الاستجابة المناعية، ومهاجمة الخلايا السرطانية.

ويبدو أن GNAS يعمل كحلقة مركزية تستقبل مجموعة من الإشارات التي تستخدمها البيئة المحيطة بالورم لإضعاف الخلايا المناعية. وعند تعطيله تصبح الخلايا التائية أقل استجابة لهذه الإشارات المثبطة، ما يسمح لها بالحفاظ على نشاطها المضاد للسرطان.

• نتائج قوية في نماذج متعددة. عندما عُطّل جين GNAS في خلايا CAR - T تمكنت هذه الخلايا من تقليص الأورام في نماذج متعددة من السرطان لدى الفئران.

وكان الجمع بين تعطيل الجينين أكثر فاعلية. ففي أحد نماذج سرطان الرئة ظلت نحو ثلثي الفئران خالية من الأورام في نهاية التجربة رغم استخدام جرعة منخفضة جداً من خلايا CAR - T، بينما لم تحقق الخلايا المعدلة بالطريقة التقليدية النتيجة نفسها.

كما اختبر الباحثون التعديلات باستخدام خلايا تائية مأخوذة من مرضى مصابين بسرطان المبيض، والميلانوما، ووجدوا أن التعديلات الجينية احتفظت بقدرتها على تعزيز مكافحة الأورام.

ورغم النتائج المشجعة، لا تزال هذه الاستراتيجية في مرحلة ما قبل التجارب السريرية، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل اختبارها على البشر. وتابع الباحثون الفئران لأكثر من ستة أشهر بعد اختفاء الأورام، ولم يلاحظوا آثاراً جانبية طويلة الأمد. ويعتقد الفريق أن أحد أسباب ذلك هو أن التعديلات لا تؤدي إلى تنشيط الخلايا التائية بشكل واسع في أنحاء الجسم، وإنما تظهر آثارها بصورة أكبر داخل البيئة المحيطة بالورم.

ويرى العلماء أن أهمية الدراسة لا تقتصر على الجينين المكتشفين، إذ تتيح منصة كريسبر داخل الكائن الحي البحث عن تعديلات جينية أخرى قد تجعل العلاجات الخلوية أكثر قدرة على الوصول إلى الأورام، ومقاومة دفاعاتها، ما قد يمهد الطريق أمام جيل جديد من العلاجات المناعية المصممة بدقة أكبر لمواجهة السرطانات الصلبة.


طريقة علمية تساعد على توقّع أخطاء السيارات ذاتية القيادة

تعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)
تعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)
TT

طريقة علمية تساعد على توقّع أخطاء السيارات ذاتية القيادة

تعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)
تعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)

مع التوسع في تطوير السيارات ذاتية القيادة، لم يعد التحدي مقتصراً على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ القرار أثناء القيادة، بل بات من الضروري أيضاً أن يفهم البشر الأسباب الكامنة خلف تلك القرارات، لا سيما حين تتصرف المركبة بطريقة غير متوقعة.

وتعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة، إذ تعالج البيانات الواردة من الكاميرات، وأجهزة الاستشعار، لتكوّن تصوراً عن البيئة المحيطة، ثم تحدد ما ينبغي للمركبة فعله، وترسم المسار الذي ستسلكه. غير أن هذه النماذج غالباً ما تعمل كـ«صندوق أسود»، ما يصعّب معرفة السبب الحقيقي وراء بعض قراراتها، خصوصاً عند وقوع خطأ.

«شبكة تأطير المفاهيم»

وفي هذا السياق طوّر باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالولايات المتحدة، بالتعاون مع شركة «موشنال» المتخصصة في المركبات ذاتية القيادة، طريقة جديدة أطلقوا عليها اسم «شبكة تأطير المفاهيم» (Concept - Wrapper Network)، تهدف إلى تحويل عملية اتخاذ القرار داخل أنظمة القيادة الذاتية إلى تفسيرات مفهومة للبشر، بما يساعدهم على توقع سلوك السيارة بدقة أكبر. وقد صُمم النموذج ليعمل ضمن نظام التخطيط المستخدم في السيارة، ومن دون الحاجة إلى إعادة تدريب النموذج الأصلي من الصفر، أو التضحية بأدائه.

وتقوم الفكرة، وفق الفريق، على استبدال مصنّف للمفاهيم بالمرحلة الأخيرة المسؤولة عن تقييم مسارات القيادة في النموذج الأصلي، تليه مرحلة جديدة لاتخاذ القرار. وبذلك تصبح المفاهيم التي يتعرف عليها النظام جزءاً فعلياً من عملية اتخاذ القرار، لا مجرد وصف يُضاف بعد اتخاذه، ونشرت النتائج بعدد 2 سبتمبر (أيلول) 2026 من دورية «Nature».

ولتدريب النظام استخدم الباحثون مجموعتين من البيانات ضمّت ملايين سيناريوهات القيادة الذاتية، ومصنَّفة وفق المفاهيم الظاهرة في كل مشهد؛ إذ تضمنت إحدى المجموعتين 500 ألف سيناريو، بينما بلغت الأخرى 3 ملايين سيناريو، مع مفاهيم متعددة مصنّفة لكل سيناريو. وأتاحت هذه السيناريوهات مجتمعة مئات الملايين من نقاط البيانات لتدريب مصنّف المفاهيم، ما مكّن النظام من التعرف على أنماط متنوعة من مواقف القيادة.

وعند تقييم أداء النظام على بيانات الاختبار، بلغت دقة تصنيف المفاهيم 54 في المائة، مع معدل استدعاء وصل إلى 77 في المائة، ودقة بلغت 23 في المائة، وهي نتائج أظهرت قدرة النظام على ربط عملية اتخاذ القرار بمفاهيم قابلة للفهم البشري، بحسب الفريق.

ولم يكتفِ الباحثون بالاختبارات أثناء المحاكاة، بل نشروا النظام «CW - Net» على سيارة حقيقية ذاتية القيادة تابعة لشركة «موشنال»، خلال تجارب أُجريت على مسار خاص، وبوجود سائق أمان. وواجهت السيارة خلال هذه التجارب مواقف مفاجئة، حيث طُلب من سائقي الأمان مراقبة سلوكها، ومحاولة التنبؤ بما ستفعله. وأظهرت النتائج أن التفسيرات التي قدّمها النظام حسّنت قدرة السائقين على تكوين تصور أدق لطريقة عمل السيارة، وبالتالي التنبؤ بسلوكها بشكل أفضل، خصوصاً في المواقف غير المتوقعة.

أسلوب قيادة جديد

ويوضح الدكتور إوين كيني، الباحث الرئيس للدراسة في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن النظام يختلف عن الأساليب التقليدية المستخدمة في تفسير قرارات السيارات ذاتية القيادة؛ فهو لا يكتفي بتفسير القرار بعد اتخاذه، بل يربط التفسير مباشرة بعملية اتخاذ القرار داخل نظام القيادة نفسه. ويحوّل النظام آلية التفكير المعقدة في نموذج التعلم العميق إلى مفاهيم واضحة، مثل «الاقتراب من مركبة متوقفة»، أو «الاقتراب من راكب دراجة»، ويستخدم هذه المفاهيم فعلياً عند تحديد مسار السيارة، ما يجعل التفسير مرتبطاً سببياً بالقرار، وليس مجرد وصف خارجي قد يكون مضللاً، مع إمكانية تقديمه في الوقت الفعلي من دون التأثير في أداء نظام القيادة.

وأضاف كيني لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المفاهيم تدخل فعلياً في عملية التخطيط، واتخاذ القرار، وهو ما يمنح التفسير ارتباطاً سببياً حقيقياً بسلوك السيارة، بعيداً عن كونه وصفاً خارجياً قد يكون مضللاً، مشيراً إلى أن النظام قادر على تقديم هذه التفسيرات في الوقت الفعلي إلى جانب المسار الذي تختاره السيارة، من دون أي تأثير في أداء نموذج القيادة الأصلي.

وأشار كيني إلى أن الاختبارات التي أُجريت على مركبة حقيقية ذاتية القيادة أظهرت أن تزويد سائقي السلامة بتفسيرات شبكة «CW - Net» جعلهم أكثر قدرة على توقع سلوك السيارة، خصوصاً في المواقف المفاجئة. وضرب مثالاً بحادثة توقفت فيها السيارة عند اقترابها من راكب دراجة، إذ اعتقد سائق السلامة في البداية أن التوقف جاء لأن النظام اكتشف راكب الدراجة بشكل صحيح. غير أن تفسير النظام كشف حقيقة مختلفة، وهي أن نموذج القيادة لم يكن يتعامل مع راكب الدراجة بالشكل الصحيح، وأن التوقف حدث فعلياً نتيجة تدخل نظام الكبح الطارئ بعدما اقتربت السيارة منه أكثر من اللازم.

وأوضح كيني أن معرفة السبب الحقيقي وراء التوقف غيّرت فهم السائق لما يحدث فعلياً، وأتاحت له اتخاذ إجراء في وقت أبكر، كخفض السرعة، أو الانتقال إلى القيادة اليدوية. كما يمكن لهذه المعلومات أن توفر للمهندسين وسيلة أفضل لاكتشاف أخطاء أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومعالجتها.

ولفت كيني إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في توسيع نطاق المفاهيم والمواقف التي يستطيع النظام التعامل معها، واختبار أساليب مختلفة لتدريبه، وتصميمه، لتحسين أدائه، وقابليته للتفسير، إلى جانب إجراء اختبارات أوسع، وفي ظروف قيادة أكثر تنوعاً، للتأكد من دقة وموثوقية تفسيراته، مشدداً على ضرورة ألا تمنح هذه التفسيرات السائقين ثقة زائفة، بل أن تعكس بدقة الأسباب الحقيقية لقرارات السيارة، موضحاً أن الهدف النهائي هو التأكد من قدرة «CW - Net» على مساعدة البشر في فهم سلوك المركبات ذاتية القيادة، والتنبؤ به بصورة موثوقة ومتسقة في مختلف ظروف القيادة.