داخل القصر الرئاسي في الخرطوم... دماء طازجة وآثار دمار

جندي سوداني على سلالم القصر الرئاسي الملطخة بالدماء يوم الأحد بعد يومين من استعادته (خدمة نيويورك تايمز)
جندي سوداني على سلالم القصر الرئاسي الملطخة بالدماء يوم الأحد بعد يومين من استعادته (خدمة نيويورك تايمز)
TT

داخل القصر الرئاسي في الخرطوم... دماء طازجة وآثار دمار

جندي سوداني على سلالم القصر الرئاسي الملطخة بالدماء يوم الأحد بعد يومين من استعادته (خدمة نيويورك تايمز)
جندي سوداني على سلالم القصر الرئاسي الملطخة بالدماء يوم الأحد بعد يومين من استعادته (خدمة نيويورك تايمز)

تجمّع الجنود تحت ثريا في القصر الرئاسي المُدمّر في قلب العاصمة السودانية المُحطمة، يوم الأحد بعد الظهر، بينما كانت البنادق وقاذفات الصواريخ معلقة على أكتافهم، يستمعون إلى الأوامر.

ثم انطلقوا فوق السجادة الحمراء التي كانت تستقبل في الماضي كبار الضيوف الأجانب، نحو مركز المدينة المهجور في مهمة لاجتثاث آخر جيوب «قوات الدعم السريع» التي اشتبكت معهم على مدى عامين.

جنود يتجمعون داخل القصر الرئاسي في الخرطوم قبل تمشيط محيطه بحثاً عن جيوب لـ«قوات الدعم السريع» (خدمة نيويورك تايمز)

بعد أن سيطر الجيش السوداني على القصر الرئاسي، يوم الجمعة الماضي، في معركة شرسة خلّفت مئات القتلى، سيطر على معظم مناطق الخرطوم المركزية، ما يمثل تحولاً مصيرياً قد يغيّر مسار الحرب.

بحلول يوم الأحد، كان الجيش قد سيطر على البنك المركزي، ومقر جهاز الأمن الوطني، وفندق كورنثيا الشاهق على ضفاف النيل.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير ميداني موسع من قصر الرئاسة السوداني إن «ما شهدناه هناك أكد بشكل قاطع كيف غيّرت أحداث الأيام الأخيرة اتجاه الحرب، لكنه لم يبعث أملًا بإنهائها قريباً».

وقال محمد إبراهيم، ضابط في القوات الخاصة، مُشيراً إلى «قوات الدعم السريع»: «لن نترك بلدنا أبداً للمرتزقة».

في شارع مهجور على طول النيل كان حتى أيام قليلة خاضعاً لسيطرة «الدعم السريع»، كان حجم الدمار واضحاً للعيان. الأشجار على جانب الطريق جردتها الانفجارات من أوراقها. مسجدٌ تتناثر عليه آثار الرصاص. مبانٍ وزارية ومكاتب شاهقة، بُنيت بعضها بأموال من احتياطيات الذهب الهائلة في السودان، احترقت حتى أصبحت هياكل عظمية.

مقر الجيش، حيث حوصرت مجموعة من كبار الجنرالات خلال الأشهر الأولى من الحرب، تمزق بالقنابل. جامعة الخرطوم التي كانت يومًا مركزًا للنقاش السياسي، نُهبت. ومنطقة شهدت تظاهر عشرات الآلاف من الشباب السوداني في انتفاضة شعبية عام 2019 أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير، أصبحت مهجورة.

كل ما تبقى من تلك الأوقات المشحونة بالأمل هو حفنة من الجداريات الباهتة المثقوبة بالرصاص.

جندي يحرس أطلال القصر الرئاسي في الخرطوم (خدمة نيويورك تايمز)

بدلًا من ذلك، حمل بعض المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية الأسلحة للقتال في الحرب المشتعلة في السودان وكانوا مجتمعين في أنقاض القصر الرئاسي يوم الأحد. القصر الرئاسي الذي بناه الصينيون، والذي تقاسمه قبل سنوات قليلة قادة الجيش المتنازعون، تحول إلى هيكل مهترئ. غطى الغبار والحطام الأجنحة الوزارية وقاعات الدولة. انهارت الأسقف. وفتحات كبيرة تطل على النيل.

في حدائق قصر قديم مجاور كان الجنود يغفون تحت الأقواس المحترقة لمبنى دمّرته القنابل.

على سلالم القصر أكوام من الأنقاض الملطخة بالدماء، في دليل على ضراوة معركة الجمعة. وتشير بقعة دماء طازجة إلى المكان الذي قتل فيه صاروخ أطلقته مسيرة تابعة لـ«الدعم السريع» أربعة موظفين من التلفزيون السوداني وضابطين صباح الجمعة.

بينما كان الجيش يطوق الموقع، وجه الجنرال محمد حمدان دقلو، زعيم «قوات الدعم السريع»، رسالة فيديو يحث فيها قواته على الصمود.

جنود يستريحون في إحدى ردهات القصر الرئاسي في الخرطوم (خدمة نيويورك تايمز)

عندما بدأ الهجوم الأخير، كان لا يزال ما لا يقل عن 500 مقاتل من جماعته داخل القصر، وفقًا لضباط عدة. لكن عندما حاولوا الفرار، وقعوا في كمائن قاتلة.

في فيديو التُقط على بعد نصف ميل من القصر، وتحققت منه «نيويورك تايمز»، ظهرت عشرات الجثث متناثرة في الشارع بجانب مركبات محترقة أو مثقوبة بالرصاص، فيما يقول الضابط الذي صور الفيديو مؤرخاً له بالسبت: «هذا موسم صيد الفئران».

وروى جنود أن مقاتلي «الدعم السريع» المتمركزين في جزيرة توتي، عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، حاولوا الفرار بالقوارب. ولم يتضح عدد الناجين. وقال متحدث عسكري سوداني، من دون ذكر تفاصيل، إن «مئات» من مقاتلي الميليشيا قُتلوا. لكن العشرات من قوات الجيش لقوا حتفهم أيضاً في معارك وهجمات بطائرات مسيّرة، وفقاً لجنود تحدثوا سراً.

قال آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في «المجموعة الدولية للأزمات»، إنها «مسألة وقت» قبل أن يستولي الجيش السوداني على المدينة بأكملها، مما سيجبر «الدعم السريع» على التراجع إلى معقلها في دارفور. وأضاف: «تراجع كبير مقارنة بوضعهم خلال العام الأول ونصف من الحرب، عندما كانوا يسيطرون على معظم الخرطوم».

آثار المعارك في القصر الرئاسي بالخرطوم (خدمة نيويورك تايمز)

مع ذلك، لا يعتقد الكثيرون أن الحرب تقترب من نهايتها. كلا الطرفين مدعومان من قوى أجنبية قوية زودت السودان بالأسلحة على مدى العامين الماضيين. وقدّر نائب زعيم السودان مالك عقار أخيراً وجود 36 مليون سلاح صغير في البلاد، التي كان عدد سكانها قبل الحرب 48 مليوناً.

مع إخلاء مركز المدينة، انتقلت معركة الخرطوم الآن إلى المطار الدولي، على بعد ميل ونصف من القصر. وتظهر صور الأقمار الصناعية أن مدارجه مثقوبة بقذائف ومليئة ببقايا طائرات ركاب دمرت بعد اندلاع القتال في 2023.

وإذا نجح الجيش في الخرطوم، فمن المرجح أن يتحول تركيز الحرب إلى دارفور، حيث تفرض «قوات الدعم السريع» حصاراً قاسياً على مدينة الفاشر التي تعاني من المجاعة، وهي المدينة الوحيدة في دارفور التي لا تسيطر عليها.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

شمال افريقيا الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

قالت «حركة تحرير الجزيرة» إن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين الجيش السوداني ومسلحين تابعين له (غير نظاميين) في مدينة رفاعة بشرق ولاية الجزيرة في وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قوات «تأسيس» تضيق الخناق على مدينة الكرمك السودانية

تواصل قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» تقدمها بوتيرة سريعة لتطويق مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

تحالف «تأسيس» السوداني يحشد قواته قرب مدينة الكرمك

ذكر مسؤول حكومي أن تحالف «تأسيس» السوداني المساند لـ«قوات الدعم السريع»، حشد أعداداً كبيرة من مقاتليه، استعداداً للهجوم على مدينة الكرمك الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)

عقوبات بريطانية على الجيش السوداني و«الدعم السريع»

فرضت بريطانيا، يوم الخميس، عقوبات استهدفت قادة كبار من الجيش السوداني وفي "قوات الدعم السريع"، بالإضافة إلى 3 أفراد من كولمبيا، بينهم أمراة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)

خاص بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

بقدمٍ مبتورة، متوكئاً على عصا، عاد المسنّ السوداني، محمد الحسن البالغ من العمر 70 عاماً، إلى دار رعاية المسنّين في العاصمة الخرطوم.

وجدان طلحة (الخرطوم)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».