«حماس» تريد إبقاء التفاوض... وإسرائيل تتوسع في نتساريم

أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

«حماس» تريد إبقاء التفاوض... وإسرائيل تتوسع في نتساريم

أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، يوم الأربعاء، أنه وسَّع سيطرته على وسط محور نتساريم في قطاع غزة، في الوقت الذي واصلت فيه إسرائيل، لليوم الثاني على التوالي، غاراتها الجوية في قطاع غزة، مخلّفة مزيداً من الضحايا.

وقال أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي في منشور على منصة «إكس»: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، بدأت قوات جيش الدفاع عملية برية محددة ودقيقة في منطقة وسط قطاع غزة وجنوبها، بهدف توسيع منطقة التأمين، وخلق منطقة عازلة بين شمال القطاع وجنوبه».

وأضاف: «خلال العملية، سيطرت القوات ووسعت سيطرتها المتجددة على وسط محور نتساريم».

يجيء هذا في وقت لا تزال تلتزم فيه «حماس» عسكرياً بعدم الرد، رغم اغتيال العديد من قياداتها، الأمر الذي يشير إلى نيات الحركة إبقاء الفرصة سانحة أمام المسار السياسي، وإمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات الجارية.

فلسطينيون يتفحصون آثار الدمار بعد ضربة جوية إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

ويبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي قال مساء الثلاثاء إن المفاوضات بعد الآن ستكون تحت النار، يحاول من خلال ذلك إرضاء وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وكذلك إيتمار بن غفير، اليميني المتطرف الآخر العائد لمنصبه الليلة الماضية وزيراً للأمن القومي، الذي وافق على العودة للحكومة بعدما استؤنفت الحرب على غزة.

كما يبدو أنه يحاول ممارسة ضغط أكبر على حركة «حماس»، لتقديم تنازلات خلال المفاوضات الجارية، مستغلاً ما يراه البعض ضعف الحركة وتراجع قوتها، في وقت تؤكد فيه «حماس» على لسان ناطقين باسمها أنها لن تتنازل أو تتراجع عن أي من مطالبها.

اتصالات مكثفة

وتؤكد مصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط» أن الوسيطين المصري والقطري يكثفان من اتصالاتهما، منذ عودة القتال، مع قيادة الحركة وإسرائيل لمحاولة التوصل إلى اتفاق من أجل العودة لوقف إطلاق النار.

وأشارت المصادر إلى أن الحركة «معنية بالمسار السياسي، وإيجاد حل يوقف الجرائم الإسرائيلية بحق سكان القطاع، لكن المشكلة تكمن في حكومة الاحتلال».

وتكشف المصادر أن الوسطاء حاولوا العمل على وقف «مؤقت» لإطلاق النار لمدة محددة، والبدء في مفاوضات أكثر جدية لمحاولة التوصل لاتفاق، إلا أن إسرائيل رفضت ذلك وأصرت على التزام «حماس» بمقترح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التزاماً كاملاً دون أي تغييرات، الأمر الذي ترفضه الحركة.

وينص مقترح ويتكوف على الإفراج عن أكثر من 10 رهائن أحياء، ومثلهم أموات، وذلك في يوم واحد، مقابل وقف إطلاق النار لنحو 50 يوماً وإطلاق مفاوضات فورية للتوصل لاتفاق، وفي نهايتها يتم الإفراج عمن تبقى من رهائن.

وتعتبر «حماس» أن هذا المقترح لا يلبي مطالبها المتعلقة بانسحاب إسرائيل من محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وكذلك التزامها بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة، وفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، إلى جانب التأكيد على وقف إطلاق النار الدائم وانتهاء الحرب.

وقال أحد المصادر: «لا ينص مقترح ويتكوف بشكل واضح على التزام إسرائيل بالبروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة، ولا الانسحاب من محور صلاح الدين، كما أنه لا يشير إلى أي التزام بوقف إطلاق نار دائم ولا حتى مناقشة هذا الأمر في المفاوضات».

ووفقاً للمصادر، اعتبرت قيادة الحركة هذا المقترح مجرد محاولة لدعم إسرائيل في استعادة أسراها فقط دون أي مقابل، ولذلك قدمت رداً، يوم الجمعة الماضي، على مقترح ويتكوف وكذلك المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، يضمن إطلاق سراح رهينة يحمل الجنسية الأميركية، إضافة إلى 4 جثث من حاملي الجنسية المزدوجة، كحل وسط، بما يُلزم إسرائيل بإدخال المساعدات فوراً وبدء مفاوضات فورية لتبادل الأسرى الآخرين والتوصل لاتفاق بشأن كل القضايا العالقة.

محاولة لإبعاد شبح الحرب

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إنه رغم التصعيد الإسرائيلي الجديد: «لا تزال الحركة ملتزمة بخيار المسار الدبلوماسي، مع الاحتفاظ بحقها في الرد على هذه الجرائم وفق الظروف التي يحددها الميدان»، مشيرة إلى أن هناك إجماعاً داخلها على التمسك بمطالبها لوقف الحرب وقفاً كاملاً.

وسبق أن قالت مصادر من «حماس» إن الحركة تدرس كل الخيارات بما فيها المسار السياسي «لتجنيب سكان القطاع عملية عسكرية أوسع، مع إتاحة الفرصة أمام جناحها العسكري لأخذ زمام المبادرة من جديدة بالرد على تلك المجازر».

وأضافت أن الحركة تسعى بكل قوة «لإبعاد شبح الحرب، لكن في حال فُرضت عليها فإنها جاهزة لكل الخيارات»، مشيرة إلى أن قيادة «حماس» تحرص على توقف الحرب تماماً، خصوصاً خلال شهر رمضان وفترة عيد الفطر، ولهذا اقترحت في ردها تسليم الرهينة الإسرائيلي الأميركي والجثث الـ4، تزامناً مع فتح معبر كرم أبو سالم وإدخال المساعدات فوراً.

وتتزامن جهود الوسطاء وتكثيف اتصالاتهم لمحاولة التوصل لوقف إطلاق النار، مع استمرار الغارات الإسرائيلية المتصاعدة، التي تخلّف مزيداً من الضحايا على مدار الساعة، وتُضاعف الأزمات الإنسانية في ظل نقص المعونات الغذائية وغيرها.

وشنَّت طائرات إسرائيلية سلسلة غارات جديدة، مستهدفة منازل وشققاً سكنية ومركبات في مناطق متفرقة من القطاع، ما أدى لمقتل ما لا يقل عن 40 فلسطينياً.

فلسطيني يتفحص كلباً أُصيب في ضربة جوية بمدينة غزة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وقُتل أجنبي واحد على الأقل وأصيب 5 آخرون من العاملين في عمليات الأمم المتحدة، إثر غارة شنتها طائرة إسرائيلية مسيرة استهدفت طابقاً علوياً في قصر «أبو سليم» الواقع شرق دير البلح وسط قطاع غزة، وذلك بعد يوم من استهداف المكان بقذيفة دبابة؛ حيث وصل الموظفون الأجانب لتفقد المكان قبل استهدافهم فيه.

وتشير تقارير إعلامية في إسرائيل إلى أن الجيش سيوسّع عملياته بغزة وفقاً لتطورات المفاوضات.

وتترافق هذه الخطوات مع تأزم الأوضاع الإنسانية بشدة، في ظل نقص بالغ في المواد الأساسية وارتفاع باهظ في أسعار ما يتوفر منها بالأسواق، الأمر الذي يزيد من أعباء الحياة بالنسبة لسكان القطاع خاصة في شهر رمضان.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تغلق معبر كرم أبو سالم التجاري منذ 18 يوماً، لتضع سكان القطاع تحت حصار مشدَّد بعد انفراجة استمرت 58 يوماً، هي عمر وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى.


مقالات ذات صلة

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

شؤون إقليمية دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو (رويترز) play-circle

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

قرّر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية، مساء الأحد، عدم فتح معبر رفح في الوقت الراهن، رغم طلب تقدّمت به الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية.

نجلاء حبريري (دافوس)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

توفيت رضيعة فلسطينية، صباح اليوم (الثلاثاء)، نتيجة البرد القارس في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)

«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» بعد إجراء «ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع في إطار المرحلة الثانية»

«الشرق الأوسط» (غزة)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.