إسرائيل تعاود حربها على غزة... وسقوط أكثر من 400 قتيل

TT

إسرائيل تعاود حربها على غزة... وسقوط أكثر من 400 قتيل

فلسطينيون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا الغارات الجوية الإسرائيلية الليلية على قطاع غزة في مستشفى الأهلي العربي المعروف أيضاً باسم المستشفى المعمداني (أ.ف.ب)
فلسطينيون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا الغارات الجوية الإسرائيلية الليلية على قطاع غزة في مستشفى الأهلي العربي المعروف أيضاً باسم المستشفى المعمداني (أ.ف.ب)

أفادت وزارة الصحة في قطاع غزة، الثلاثاء، بأن حصيلة القتلى الفلسطينيين جرَّاء سلسلة الغارات الجوية الإسرائيلية العنيفة في قطاع غزة فجر اليوم، ارتفعت إلى 330 قتيلاً، «غالبيتهم من الأطفال والنساء».

وقال المدير العام للمستشفيات في الوزارة محمد زقوت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «وزارة الصحة أحصت صباح اليوم (الثلاثاء) أكثر من 412 شهيداً غالبيتهم من الأطفال والنساء»، لافتاً إلى وجود «عشرات المفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة».

وأحصت وزارة الصحة أكثر من 440 مصاباً بينهم عشرات في حالات خطيرة وحرجة، جرَّاء العدوان الإسرائيلي وسلسلة الغارات الجوية العنيفة والدموية على قطاع غزة.

أقارب يقفون حول جثث ذويهم بعد غارة إسرائيلية في مستشفى المعمداني بمدينة غزة في 18 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وأعلن الجيش الإسرائيلي في وقت سابق أنه يشن غارات مكثفة على أهداف تابعة لحركة «حماس» في غزة.

كما أمر لاحقاً، السكان بإخلاء شرق غزة والتوجه نحو وسط القطاع، بعدما شنت إسرائيل موجة من الهجمات الجوية على جميع أنحاء القطاع.

وتشير الأوامر التي صدرت اليوم الثلاثاء إلى أن إسرائيل قد تشن عمليات برية مجدداً.

ودعا أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، سكان أحياء بيت حانون وخربة خزاعة وعبسان الكبيرة والجديدة في قطاع غزة، إلى الجلاء الفوري عن أماكنهم والتوجه إلى غرب مدينة غزة ومدينة خان يونس.

وقال قيادي في حماس لـ«رويترز» إن إسرائيل تنهي اتفاق وقف إطلاق النار من جانب واحد. وقالت الحركة في بيان: «نتنياهو وحكومته المتطرفة يأخذون قراراً بالانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار، ويعرّضون الأسرى في غزة إلى مصير مجهول».

رجل ينظر إلى أنقاض قسم مدمر من مدرسة حُوّلت إلى مخيم بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة في 18 مارس 2025 (أ.ف.ب)

ولم يقدم الجيش مزيداً من التفاصيل عن الغارات، لكن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصدر بياناً يفيد بأن الجيش تلقى تعليمات «باتخاذ إجراءات حازمة ضد منظمة حماس الإرهابية».

وأضاف في البيان: «يأتي هذا في أعقاب رفض (حماس) المتكرر إطلاق سراح رهائننا، ورفضها جميع المقترحات التي تلقتها من المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف والوسطاء». وتابع: «ستتحرك إسرائيل، من الآن فصاعداً، ضد (حماس) بقوة عسكرية متزايدة».

إسرائيل تشاورت مع واشنطن

وفي واشنطن، قال متحدث باسم البيت الأبيض لقناة «فوكس نيوز» إن إسرائيل تشاورت مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غاراتها على غزة.

وقال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي في منشور على منصة «إكس» إنّه «بناء على توجيهات المستوى السياسي، تشنّ قوات جيش الدفاع والشاباك هجوماً واسعاً على أهداف إرهابية تابعة لمنظمة (حماس) الإرهابية في أنحاء قطاع غزة».

طفل يجلس على حطام منزل مدمر فيما يتفقد فلسطينيون موقع ضربة جوية إسرائيلية على منزل في خان يونس اليوم (رويترز)

وذكر مسعفون وشهود أن الغارات الإسرائيلية أصابت ثلاثة منازل في دير البلح وسط غزة، إلى جانب مبنى في مدينة غزة وأهداف في خان يونس ورفح. وقال الدفاع المدني الفلسطيني إن إسرائيل نفذت ما لا يقل عن 35 غارة جوية على غزة. وذكرت قناة «الأقصى» التلفزيونية الفلسطينية أن القصف الإسرائيلي استهدف عشرات المنازل والمساجد ومدارس وخيام الإيواء في القطاع.

رجل يحمل جثة طفل قُتل في غارة إسرائيلية على مستشفى المعمداني في مدينة غزة في 18 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وأفاد مصدران في حركة «حماس»، أحدهما من وزارة الداخلية، «وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم، بمقتل وكيل وزارة الداخلية في قطاع غزة اللواء محمود أبو وطفة، الذي كان يتولى مسؤولية الشرطة والأجهزة الأمنية في حكومة «حماس» في غزة، في الغارات الجوية الإسرائيلية الليلة الماضية على القطاع.

مئات القتلى والمفقودين خلال 5 ساعات

وأفادت وزارة الصحة في غزة بارتفاع عدد المصابين في القطاع إلى أكثر من 440 مصاباً.

وفي وقت سابق، قال المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة في بيان إن هناك 322 قتيلاً ومفقوداً وعشرات المصابين في قطاع غزة خلال خمس ساعات جرَّاء الهجمات الإسرائيلية، مضيفاً أن عائلات بأكملها قتلت نتيجة الهجمات الإسرائيلية في آخر 5 ساعات.

وأشار إلى تعذّر وصول عدد كبير من القتلى إلى المستشفيات حتى الآن بفعل صعوبة الوضع الإنساني الميداني، وشل قطاع المواصلات بسبب انعدام توفر الوقود في جميع محافظات قطاع غزة، وأن معظم هؤلاء القتلى والمفقودين من النساء والأطفال والمسنين، «في جرائم إبادة جماعية».

امرأة تبكي بجانب قريبتها المصابة في غارة إسرائيلية بمستشفى المعمداني بمدينة غزة 18 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وأوضح المكتب أن ذلك يأتي مع انهيار المنظومة الصحية في القطاع، نتيجة استمرار منع دخول الإمدادات الطبية والمساعدات الإنسانية، مما يهدد بتوقف المستشفيات عن العمل وعجزها التام عن تقديم الخدمات الصحية للجرحى والمرضى، وكذلك منع دخول الوقود للقطاعات الحيوية والإنسانية لقطاع غزة مما سيجعل من القطاع منطقة منكوبة.

وأدان المكتب بأشد العبارات مواصلة الجيش «الإسرائيلي لارتكاب هذه الجرائم الوحشية البشعة»، وأضاف: «نُحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعياتها الخطيرة، ونؤكد أن شعبنا الفلسطيني العظيم لن يُرهب بهذه الجرائم، وسيواصل صموده ونضاله المشروع حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي».

آثار الحريق بمخيم للنازحين في المواصي بخان يونس جرَّاء الغارات الإسرائيلية (رويترز)

وطالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية والإنسانية بالتحرك الفوري «لوقف هذه المجازر الوحشية ووقف العدوان فوراً ضد الأطفال والنساء والمدنيين بشكل عام، ومحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي».

وتجددت الهجمات الإسرائيلية في أعقاب تقارير عن عودة وفد التفاوض الإسرائيلي من القاهرة دون تحقيق أي تقدم في المفاوضات مع «حماس» بشأن المراحل التالية من اتفاق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن. وقالت «حماس» إن إسرائيل قتلت أكثر من 150 فلسطينياً منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني).


مقالات ذات صلة

عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

المشرق العربي الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط) p-circle 05:27

عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

للعام الثالث على التوالي يأتي عيد الأضحى في حين تحرم إسرائيل سكان غزة من تأدية فريضة الحج، كما تمنعهم من إدخال لحوم الأضاحي وتبطئ دخول البضائع والمساعدات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يمرون وسط أنقاض منزل لعائلة الكرد دمرته غارة إسرائيلية على دير البلح (أ.ب)

مسعفون: قصف إسرائيلي يقتل طفلة وامرأة في غزة

أفاد ‌مسؤولون فلسطينيون بقطاع الصحة بأن غارة جوية إسرائيلية استهدفت خيمة في جنوب قطاع غزة ​مما أسفر عن مقتل امرأة وطفلة تبلغ من العمر ست سنوات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فتى فلسطيني يقف وسط حطام مبنى دمره قصف إسرائيلي في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس» تتهم إسرائيل بالتنصل من تفاهمات التهدئة

اتهمت حركة «حماس»، اليوم السبت، إسرائيل، بخرق التفاهمات والاتفاقات الخاصة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في «مستشفى الشفاء» بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية» تحذّر من «نقص حاد» في المعدات الطبية بقطاع غزة

حذّرت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، من نقص حاد في المعدات الطبية يمنع المستشفيات والمراكز الصحية من العمل بكامل طاقتها في غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينية داخل خيمة في مخيم للنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة 18 مايو 2026 (رويترز)

فلسطينية تصف معاناتها في خيمة للنازحين بغزة... «كأنني في سجن»

يعاني نازحو غزة أوضاعاً قاسية في خيام تفتقر للمياه والصرف الصحي والخصوصية، وسط انتشار القوارض والحشرات واستمرار تداعيات الحرب والنزوح.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
TT

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

أفرجت الحكومة السورية، الاثنين، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها، من المنتسبين إلى «قسد»، وذلك في منطقة الميلبية جنوب مدينة الحسكة، ضمن جهود الفريق الرئاسي المكلف متابعة تنفيذ بنود «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» مع «قسد»، وقيادة الأمن الداخلي في المحافظة. وقال محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، في تصريح صحافي، إن عدد المفرج عنهم، الاثنين، بلغ 88 شخصاً، مبيناً أن عملية الإفراج تأتي استكمالاً لدفعات سابقة تم الإفراج عنها، بدعم ومتابعة من القيادة السورية.

وأشار أحمد إلى استمرار العمل لإطلاق سراح الموقوفين والمحتجزين في السجون؛ «حيث ستكون هناك، اليوم (الاثنين) أو غداً (الثلاثاء)، دفعة جديدة، وصولاً إلى الإفراج عن جميع المعتقلين‏ بعد عيد الأضحى المبارك».

وشهد يوم 8 مايو (أيار) الحالي إخلاء سبيل 232 من «قسد» الذين اعتقلوا في الأحداث الأخيرة، ضمن استكمال تنفيذ «اتفاق 29 يناير 2026» الذي ينص على إطلاق جميع المعتقلين.

يذكر أن الحكومة السورية أعلنت، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع «قسد» على وقف إطلاق النار؛ ضمن اتفاق شامل ينص على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، والإفراج عن المعتقلين والموقوفين، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.


في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
TT

في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

داخل مركز اجتماعي في بيروت، تنهمك عاملات مهاجرات في إعداد وجبات طعام ساخنة وحياكة أغطية وتوضيب مساعدات في أكياس بلاستيكية لتوزيعها على من يعانون في كسب لقمة عيشهم منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

في إحدى الغرف، يعدّ بعضهن حساء البامية مع الفستق.

وتسكب امرأة لفّت رأسها بشال أزرق الحساء إلى جانب قطعة خبز في صحن، بينما تنتظر امرأة أمامها الحصول عليه لاحتسائه.

عاملة مهاجرة (أ.ف.ب)

في غرفة أخرى، تنهمك شابات في تفصيل قماش ذي مربعات باللونين النبيذي والبيج، أو مربعات أخرى بالأحمر والبني والأزرق، وحياكته أغطية على ماكينات خياطة بيضاء.

يخرج رجل يحمل فرشاً على كتفه من المركز، بينما يتوافد آخرون للحصول على مواد غذائية ومعلبات.

وتقول العاملة الكاميرونية فياني دو مارسو (33 عاماً) التي تدير منظمة «ريمان» لدعم العمال الأفارقة في لبنان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «إن لم نفعل ذلك، فلن يقوم أحد بذلك من أجلنا».

تتلقى مكالمة عبر هاتفها الجوال وتسير في فناء المركز وهي تردّ على محدثها في الطرف الآخر.

وتقول: «حتى خلال الليل... لا يتوقف الهاتف عن الرنين».

وتصبّ دو مارسو والمتطوعات معها اهتمامهن على مساعدة نحو 1500 شخص من دول إفريقية عدة بينها إثيوبيا وبنين وكينيا، إضافة إلى بعض اللبنانيين النازحين.

وتوضح أنّ مساعدة أفراد المجتمع «تمنحني نوعاً من السعادة».

ويستضيف لبنان نحو 164 ألف مهاجر من أكثر من 80 جنسية، معظمهم من النساء، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

على بعد كيلومترات شمال بيروت، تنهمك ميرا أراغون (52 عاماً) المتحدّرة من الفلبين بتوزيع طعام بدورها على زوّار مركز آخر.

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

تعلو ابتسامة وجهها، بينما تحيط بها نساء أخريات يساعدنها ويتبادلن أطراف الحديث.

سخّرت منظمة «تريس مارياس» التي تديرها أراغون وتدعم العمال المهاجرين أيضاً، جهودها خلال الشهرين الماضيين للاستجابة لتداعيات الحرب.

في مطبخ تحيط به رفوف تصطف عليها أنواع مختلفة من البهارات والصلصات والمعلبات، تعمل متطوعة في تنظيف أوانٍ استخدمت لإعداد وجبات ساخنة.

على طاولة مستطيلة، تنهمك نساء في تحضير قطع من الكرواسان.

ترتاد عاملات أجنبيات المركز، أحياناً برفقة أطفالهن، للحصول على حصص مساعدات تتضمن خبزاً ومعلبات ومعجون أسنان.

وتقول أراغون إن منظمتها بدأت تتلقى نداءات الاستغاثة «منذ الساعة الثالثة» من فجر الليلة التي اندلعت فيها الحرب في الثاني من مارس (آذار).

وتوضح أنها تعد يومياً مع المتطوعين نحو 150 وجبة ساخنة لتوزيعها على العمال المهاجرين أو الذين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة. يحاولون المساعدة قدر المستطاع رغم محدودية الإمكانات.

وتقول: «لا يمكننا أن نقول لهم ببساطة: آسفون، لا يمكننا إعطاؤكم طعاماً اليوم لأنه ليس لدينا ما نطبخه»، مضيفة: «علينا أن نجد طريقة لتحقيق ذلك».


عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

TT

عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)
الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)

للعام الثالث على التوالي يأتي عيد الأضحى في حين يُحرم سكان غزة من تأدية فريضة الحج، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ورغم إعلان الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي، واصلت إسرائيل منع خروج الغزيين عبر المعابر تحت ذرائع مختلفة.

ولا يقتصر حرمان إسرائيل لأهل قطاع غزة على الخروج منه بصورة طبيعية باستثناءات طبية محدودة؛ إذ تمنعهم كذلك من إدخال لحوم الأضاحي، وإبطاء وتعقيد دخول البضائع والمساعدات الإنسانية.

يقول الغزي رمضان أبو زيادة (61 عاماً)، وهو من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنه كان ينتظر فرصةً للتوجه إلى الحج قبل الحرب على القطاع، ولكن لم يحالفه الحظ ليكون اسمه ضمن القرعة التي يتم اختيارها في كل عام، ومنذ آخر دفعة خرجت للحج عام 2023 يتحين الفرصة كل عام.

حجاج فلسطينيون يستقلّون حافلة من معبر رفح مع مصر جنوب قطاع غزة 12 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يقول أبو زيادة لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان يأمل في أن تسمح إسرائيل لسكان القطاع بأداء مناسك الحج، خاصةً بعد وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح جزئياً، إلا أن ذلك لم يتحقق. مضيفاً: «حُرمنا كل شيء من أجواء الأعياد، حتى زيارة بيت الله الحرام لم يُسمح لنا، وكأننا نعيش في سجن أو إقامة جبرية يمنع علينا فيها التنفس أو الحصول على أبسط حقوقنا كبشر».

ووفقاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، فإن حصة القطاع كل عام تبلغ 2508 حجَّاج وحاجّات؛ ما يعني أنه تم حرمان أكثر من 7500 فلسطيني من أداء هذه الفريضة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. مبينةً أن 2473 حاجاً وحاجة كانوا ينتظرون منذ 2023 السفر لأداء الحج بعدما حالفهم الحظ باجتياز قرعة اختيار الأسماء، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، وتوفي 31 منهم إما نتيجة وفيات طبيعية أو جراء القصف الإسرائيلي خلال الحرب.

ويأمل أبو زيادة بشكل عام أن يتمكن الغزيون من الحج خلال العام المقبل، وعلى المستوى الشخصي يرجو الرجل أن يكون بديلاً لأحد أسماء المتوفيين ممن اختيروا خلال السنوات الثلاث الماضية.

أضاحٍ قليلة

ومن انعدام فرصة أداء فريضة الحج، إلى واقع أكثر تعقيداً بحرمان الغزيين للعام الثالث على التوالي من الأضاحي في ظل تدمير إسرائيل مزارع تربية المواشي، والتي كانت غالبيتها في المناطق الشرقية من قطاع غزة، وتحوي آلاف المواشي المختلفة والتي نفقت بفعل استهداف تلك المزارع مع بدء الحرب.

في مزرعة صغيرة غرب خان يونس جنوب قطاع غزة، اعتاد الشاب أحمد النجار أن يساعد والده في تربية المواشي، وخاصةً الخراف (الضأن)؛ بهدف بيعها وخاصة في موسم عيد الأضحى، لكنه كما المئات من أصحاب المزارع فقدوا ما لديهم من مواشٍ بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب. كما يوضح لـ«الشرق الأوسط».

إحدى المزارع الصغيرة النادرة في خان يونس جنوب غزة توفر الأضاحي ولكن بأسعار مرتفعة (الشرق الأوسط)

وقال النجار إنه لم يتبق لديهم سوى بعض الخراف الصغيرة والتي تكاثرت خلال فترة الحرب، وأنه حاول مع والده الحفاظ على ما لديهم؛ وهو الأمر الذي ساعدهم حالياً في توفر الكثير منها وهي بحالة صحية جيدة رغم الظروف البيئية المحيطة بها وقلة توفر طعامها وغيره. مشيراً إلى أن تربيتها كلفتهم مادياً؛ ما تسبب في ارتفاع أسعارها في كل القطاع.

ولفت إلى أن إسرائيل تمنع إدخال المواشي سواء بهدف بيعها خلال عيد الأضحى أو لتربيتها، بينما تسمح فقط بإدخال المُجمدات وبشكل متقطع وتفرض أسعاراً باهظة على تنسيق دخول شاحنتها.

ويبلغ سعر الخروف الواحد قرابة 5 آلاف دولار في المتوسط ويتفاوت حسب الجودة والوزن.

وأوضح النجار أن أسرته كان لديها سابقاً مزرعة كبيرة شرق خان يونس، في حين تراجع الوضع ولم يعد لديهم سوى مزرعة صغيرة قرب خيام التي يسكنونها ولكنها «لا تلبي احتياجات السكان بالكامل» وفق قوله.

ويقدر متعاملون في الأسواق أن إجمالي مزارع الماشية في القطاع باتت محدودة بفعل الحرب والتضييق الإسرائيلي المستمر على إدخالها أو أعلافها، ولا تزيد على عشر مزارع.

ويقول النجار: الأسعار باهظة الثمن بسبب الظروف التي نعيشها، وفي المقابل لا يوجد إقبال حقيقي على شرائها سوى من بعض المؤسسات التي هي الأخرى بدأت تعزف عنها وتحاول إيجاد حلول أخرى مثل شراء المجمدات لتوزيعها على السكان بدلاً من الأضاحي.

بضائع من دون زبائن

ولا يقتصر ضعف القدرة الشرائية في العيد على اللحوم، ففي أسواق مختلفة من غزة، توجد بضائع تجارية مختلفة دخلت القطاع بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لكن أسعارها لا تزال باهظة الثمن، بينما لا يتمكن السكان من شرائها رغم الحاجة الماسة إلى بعضها.

خليل بكر العامل في أحد المحال التجارية بمدينة غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن أجواء عيد الأضحى كما عيد الفطر، غائبة عن السكان الذين كانوا قبل الحرب على القطاع يلجأون لشراء كل احتياجاتهم من ملابس وغيرها، لكن الأوضاع اختلفت على كل المستويات، بما في ذلك أسعار ما يتوفر من بضائع.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

ويتذكر بكر: في مثل هذه الأيام (قبل الحرب) نكون مضغوطين في العمل والبيع والشراء ونستقبل زبائن بشكل كبير، وتتم التحضيرات قبل أسبوع من العيد، لكن خلال فترة الحرب وحالياً الأوضاع اختلفت تماماً، مشيراً إلى أنه قبل الحرب كان الشخص يستطيع كسوة نفسه بمبلغ 100 شيقل (الدولار يساوي 2.89 شيقل تقريباً)، لكن حالياً هذا المبلغ لم يعد يوفر شيئاً للسكان الذين كانوا يشترون القميص الواحد بمبلغ 30 شيقلاً سابقاً، واليوم وصلت إلى 70 أو أكثر، بسبب ارتفاع التنسيقات التجارية.

وتفرض إسرائيل وجهات أخرى من خارج قطاع غزة، على التجار الذين يُسمح لهم باستيراد البضائع التجارية بشكل محدود، دفع مبالغ مالية تحت بند «التنسيقات»، وتصل لأرقام فلكية لبعض البضائع؛ ما تسبب برفع أسعارها.

الحياة باتت مختلفة

ويصف الغزي إبراهيم أبو جامع من سكان خان يونس، الأوضاع بأنها صعبة وكارثية، ولم يعد يشعر سكان القطاع بأن لديهم حياة كريمة في ظل معاناتهم مع نقص المياه والعيش في خيام وغيرها بعدما فقدوا منازلهم وأراضيهم.

وأشار أبو جامع إلى أنه في كل عام كان يضحي بما يتوفر من مواشٍ، لكنه للعام الثالث لم يستطع فعل ذلك بسبب الأوضاع المأساوية والأسعار الخيالية. قائلاً: قبل 3 سنوات كانت الحياة تختلف وننتظر استقبال الأعياد، لكن الأوضاع اليوم تختلف والسكان بالكاد يستطيعون توفير كيلو لحم واحد لعوائلهم.

ويتفق الغزي تيسير الأغا، مع أبو جامع على أن الحياة في قطاع غزة باتت مختلفة، وأن أجواء الأعياد باتت غائبة عن السكان الذين كانوا يشعرون بسعادة في مثل هذه الأوقات من أعوامهم، مشيراً إلى أنه في الماضي كان السكان جميعهم يتناولون الأضاحي لتوفرها سواء الغني أو الفقير، لكن حالياً أصبحوا جميعهم سواسية.

وتقول الغزية ولاء أبو الخير، إنه قبل الحرب كان السكان يستقبلون العيد في أجواء جميلة، ويستعدون له بأفضل حال، ويشترون لأطفالهم الملابس، وكانوا يشاهدون المواشي في الشوارع تمهيداً لذبحها ويلاحقونها وتلاحقهم، في أجواء وصفتها بأنها كانت بهيجة، مشيرةً إلى أنه حالياً بات السكان لا يعرفون بقدوم العيد سوى من تكبيراته بعدما انقلب الحال وباتت الظروف أصعب، خاصةً مع فقدان الكثير من العوائل لأبنائها. متأملةً في أن تعود الحياة لقطاع غزة وأن يعيش سكانه كما حال باقي سكان العالم.

ويشير عبد الرؤوف صافي، وهو تاجر، إلى أنه قبل الحرب كان يتوفر كل شيء من بضائع وأضاحٍ وبأسعار مقبولة وفي متناول اليد، لكن اليوم الأسعار باهظة الثمن، ورغم ذلك يحاول رسم البسمة على وجوه التي تحاول التكيف مع ظروف العيد. مشيراً إلى أن سعر كيلو الشوكولاته ارتفع من 90 شيقلاً قبل الحرب إلى 150 حالياً؛ وهو الأمر الذي أدى إلى عزوف الكثير من السكان عنه.

عبد الرؤوف صافي صاحب متجر صغير بغزة يعرض قطعاً من الشوكولاته التي يبيعها لسكان القطاع في العيد (الشرق الأوسط)

عيد وتصعيد

يأتي عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي وسط تصعيد إسرائيلي لا يتوقف، أدى إلى وقوع مزيد من الضحايا الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 900 منذ وقف إطلاق النار.

وعادت إسرائيل في الأيام الأخيرة لاستهداف مربعات سكنية؛ ما زاد من معاناة السكان وتشريد عائلات كانت قد وجدت بيوتها سليمة أو متضررة جزئياً واختارت العيش فيها على حياة النزوح في الخيام والتي باتت حالياً هي خيارهم الأخير بعدما دُمّرت مربعات سكنية بأكملها في سياسة إسرائيلية جديدة – قديمة تهدف للضغط على السكان.

أب يبكي بجوار جثمان ابنته داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ويقول المواطن أدهم الهمص من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة والذي فقد منزله منذ يومين، إنه فوجئ بطلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربعهم السكني، قبل أن يتم قصف أحد المنازل المجاورة لبيته؛ ما أدى إلى تدمير 8 منازل على الأقل وأضرار جسيمة في منازل أخرى لم تعد صالحة للسكن؛ ما تسبب بتشريد مئات العوائل وإجبارها على النزوح والبحث عن خيام بديلاً لحياتهم التي كانت مستقرة مع وجود منازلهم آمنة قبل استهدافها.

وأضاف الهمص: عن أي عيد يتحدثون، وعن أي هدنة يقولون، نحن هنا ما زلنا في حالة الحرب، ولم نعد نشعر لا بأفراحنا وأعيادنا، ولا حتى بأحزاننا بفعل الهموم التي تلاحقنا بسبب الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحقنا كمدنيين لا ناقة ولا جمل لنا من هذه الحرب.