المخرج الأرجنتيني إيفان فوند: السينما مساحة للتجربة والدهشة

تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» بعد فوزه بـ«الدب الفضي» في «برلين السينمائي»

إيفان فوند خلال تسلمه الجائزة على المسرح في برلين (إدارة المهرجان)
إيفان فوند خلال تسلمه الجائزة على المسرح في برلين (إدارة المهرجان)
TT

المخرج الأرجنتيني إيفان فوند: السينما مساحة للتجربة والدهشة

إيفان فوند خلال تسلمه الجائزة على المسرح في برلين (إدارة المهرجان)
إيفان فوند خلال تسلمه الجائزة على المسرح في برلين (إدارة المهرجان)

وصف المخرج الأرجنتيني، إيفان فوند، السينما بأنها «مساحة للتجربة والدهشة تعيدنا إلى الطفولة»، وعدَّ عرض فيلمه «الرسالة» في مهرجان برلين السينمائي الدولي (أقيم من 13 إلى 23 فبراير «شباط» الماضي) وحصوله على جائزة الدب الفضي، تجربة استثنائية بالنسبة له.

وقال فوند لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه المشاركة لم تكن مجرد فرصة لعرض الفيلم أمام جمهور جديد، بل كانت أيضاً لحظة فارقة في مسيرتي بصفتي مخرجاً؛ حيث أتاح لي المهرجان التواصل المباشر مع الجمهور والنقاد من مختلف الثقافات، ورؤية الجمهور يتفاعل مع العمل، ويتأثر بتفاصيله العاطفية لا تُقدّر بثمن».

ولم تقتصر فرحة فوند على مجرد المشاركة، بل تعززت بفوز الفيلم بجائزة الدب الفضي من لجنة التحكيم، وهو «إنجاز» رآه تكريماً ليس فقط له بصفته مخرجاً، بل أيضاً لكل فريق العمل الذي أسهم في تقديم الفيلم، وفق قوله. موضحاً أن «الجائزة تُثبت أن السينما التي تستكشف الأحاسيس الإنسانية العميقة لا تزال تجد صداها لدى الجمهور والنقاد على حد سواء».

وتدور أحداث فيلم «الرسالة» في الريف الأرجنتيني القاسي؛ حيث تعيش الطفلة «أنيكا»، التي تمتلك قدرة فريدة على التواصل مع الحيوانات، سواء الحية أو النافقة. لكن هذه الهبة، بدلاً من أن تكون نعمة، تتحول إلى وسيلة للاستغلال من قِبَل البالغين المحيطين بها. فمريم، المرأة التي تدَّعي رعايتها، تتعامل معها بوصفها أداة لتحقيق الربح، فتقوم بترجمة رسائلها الغامضة إلى أصحاب الحيوانات، في حين يتولى شريكها روجر التفاوض على الأتعاب.

مشهد من الفيلم (إدارة مهرجان برلين)

ويجوب الثلاثي الطرق الريفية في شاحنتهم الصغيرة، متنقلين من قرية إلى أخرى؛ حيث يبحث الناس عن أي بصيص من الأمل في كلمات الفتاة التي تبدو كأنها تصل إلى ما وراء الإدراك البشري، فتبدو حياة أنيكا أشبه بسجن متنقل؛ حيث تُطلب منها إجابات لا تملكها، وتتحول موهبتها إلى عبء ثقيل.

ورغم ذلك، لا تبدي الفتاة مقاومة، بل تنغمس في الدور الذي فُرض عليها، وكأنها تؤمن بواقعها الخاص. في لحظات تواصلها مع الحيوانات تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والوهم، ويصبح المشاهد متردداً بين الإيمان بقدرتها الفعلية أو كونها مجرد ضحية لوهم جماعي تتغذى عليه تجارة المشعوذين.

ويتميز الفيلم بأسلوبه البصري الفريد؛ حيث اختار فوند التصوير بالأبيض والأسود، ما منح العمل طابعاً زمنياً غامضاً، إذ لا تبدو القصة مرتبطة بحقبة زمنية محددة. كما اعتمد على الصمت أكثر من الحوار.

ويؤكد فوند أن «هناك تشابهاً جوهرياً بين السينما والطفولة، فكلاهما مساحة للتجربة والدهشة. الطفولة هي تلك المرحلة التي يكون فيها العالم مليئاً بالمفاجآت؛ حيث يمكن لكل شيء أن يكون مختلفاً عما نتصوره، وهو أيضاً جوهر السينما، فهي تمنح الفرصة لنرى الواقع من زاوية جديدة».

الملصق الدعائي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

وأضاف فوند أن «هذا التناقض بين الخيال والواقع هو ما جعله مهتماً بطرح القصة، من خلال عيون طفلة تحاول فهم العالم من حولها»، لافتاً إلى أن الفيلم لا يقتصر على الجانب الخيالي فحسب، بل يطرح أيضاً تساؤلات حول مفهوم العائلة، فالعلاقات في «الرسالة» لا تُبنى على الروابط البيولوجية فقط، بل تعتمد على الرفقة والدعم، وفق المخرج.

ويقول فوند إن «العائلة ليست مجرد علاقة دم، بل هي الأشخاص الذين يكونون معك في رحلتك، فالشخصيات في الفيلم ليست مرتبطة وراثياً، لكنها تخلق نوعاً من العائلة عبر التجربة المشتركة»، مشيراً إلى أن «أنيكا»، رغم صغر سنها، تمر بلحظة جوهرية عندما تدرك أنها لم تعد مجرد طفلة تعتمد على الآخرين، بل أصبحت قادرة على تقديم العزاء للبالغين، في تحول درامي يعكس كيف يمكن للأطفال أن يكونوا أكثر وعياً ونضجاً مما يعتقده الكبار.

صناع الفيلم بعد العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

لم تكن رحلة صناعة الفيلم خالية من التحديات، فقد واجه فوند صعوبات تتعلق بالتصوير مع الأطفال والحيوانات في آنٍ واحد، وهي من أكثر العناصر تعقيداً في صناعة السينما، حسبما يؤكد المخرج الأرجنتيني، قائلاً: «التعامل مع الحيوانات كان تحدياً؛ لأنها لا تتبع تعليمات مثل البشر، وكان علينا انتظار اللحظات المناسبة لتسجيل المشاهد المطلوبة».

وتطرق إلى التحديات المالية، مع اعتماد الفيلم على أسلوب بصري وتجريبي يتطلب تمويلاً مستقراً لضمان تحقيق الرؤية الفنية المطلوبة، لافتاً إلى أن «أفلام مثل هذه، التي لا تعتمد على حبكة تقليدية، تواجه دائماً صعوبة في التمويل، لكنه كان محظوظاً بفريق إنتاج دعم الفكرة وآمن بها منذ البداية.

ويرى فوند أن «الفيلم لا يقدم إجابات سهلة، بل يترك المشاهد في حالة تأمل مستمرة»، مشيراً إلى أنه لم يرغب في فرض تفسير واحد على الجمهور، بل أراد أن يختبر كل شخص الفيلم بطريقته الخاصة، عادّاً أن السينما يجب أن تكون فضاءً لطرح الأسئلة وليس لإعطاء الحلول، وهو ما انعكس في النهاية المفتوحة للعمل.


مقالات ذات صلة

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

سينما مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين»...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما «المحطة» (جورج فيلمز)

شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

على الرغم من أن فيلم سارة إسحاق يعرض وضعاً سياسياً ومجتمعياً عاماً يعيشه اليمنيون في ظل الميليشيات والحروب الأهلية وفوضى الحياة في بعض أقاليم اليمن...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي، وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

أبطال «إذما» من الرياض: فيلم عن الشغف حين يضيع والطريق إلى استعادته

نالت الحملة الترويجية للفيلم تفاعلاً واسعاً خلال المدّة الماضية، خصوصاً بعد طرح الأغنية الرسمية «سر وجعنا»...

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

«فم مليء بالذهب»... يوثق رحلة «الأخوين بلين» في عالم «الهيب هوب» بنيويورك

قال المخرج البريطاني لايل ليندجرين إن الشغف الكبير بموسيقى وثقافة «الهيب هوب» منذ طفولته كان المحرك الأساسي وراء خروج فيلمه الوثائقي الجديد.

أحمد عدلي (القاهرة )

مصر: اكتشاف أجزاء جديدة من معبد القصر القديم بالواحات البحرية

اكتشاف عناصر معمارية جديدة في معبد القصر القديم (وزارة السياحة والآثار)
اكتشاف عناصر معمارية جديدة في معبد القصر القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف أجزاء جديدة من معبد القصر القديم بالواحات البحرية

اكتشاف عناصر معمارية جديدة في معبد القصر القديم (وزارة السياحة والآثار)
اكتشاف عناصر معمارية جديدة في معبد القصر القديم (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الجمعة، الكشف عن أجزاء جديدة من «معبد القصر القديم»، الذي يرجع تاريخه إلى عصر الأسرة الـ26 (منذ نحو 2600 سنة)، وذلك خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة في موقع المعبد بالواحات البحرية (335 كيلومتراً غرب الجيزة).

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، الدكتور هشام الليثي، في بيان صحافي، أن «البعثة نجحت في الكشف عن عناصر معمارية جديدة من المعبد، من بينها بقايا حجرة مشيدة من الحجر الرملي، وعدد من الكتل الحجرية المنقوشة التي تحمل أسماء وألقاب الملك بسماتيك الأول، فضلاً عن مجموعة من القطع الأثرية التي تسهم في استكمال فهم التخطيط المعماري للمعبد وتاريخه».

وعدَّ الليثي الكشف «شاهداً جديداً على الأهمية التاريخية والأثرية الكبيرة لموقع القصر القديم بالواحات البحرية، ودوره بوصفه مركزاً دينياً وإدارياً بارزاً عبر عصور تاريخية متعاقبة»، مشيراً إلى أن «الكشف يسهم في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ الواحات البحرية وعلاقاتها بالدولة المصرية القديمة».

معبد القصر القديم في الواحات البحرية (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدُّ موقع «القصر القديم» أحد أهم المواقع الأثرية بمنطقة الواحات البحرية، حيث كان يمثل العاصمة القديمة للمنطقة خلال العصر المتأخر.

ووفق مدير عام آثار الواحات البحرية، صبري فرج، فإن «الكشف يضم دلائل تؤكد استمرار استخدام الموقع خلال العصرين اليوناني والروماني، حتى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، حيث تم العثور على أوستراكات ونصوص قبطية ولاتينية، إلى جانب منشآت صناعية وأحواض استُخدمت في إنتاج النبيذ والزيوت، ومناطق مخصصة للتخزين».

بدوره، وصف عالم الآثار المصرية الدكتور حسين عبد البصير الكشف بأنه «خطوة علمية مهمة في إعادة رسم الخريطة الدينية والإدارية للواحات البحرية خلال العصر المتأخر، ويؤكد أن هذه المنطقة لم تكن مجرد واحة معزولة، بل كانت جزءاً فاعلاً من منظومة الدولة المصرية القديمة».

الموقع الأثري في الواحات الخارجة (وزارة السياحة والآثار)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اكتشاف كتل حجرية تحمل أسماء الملك بسماتيك الأول «يضيف أدلة أثرية جديدة على النشاط العمراني والديني الكبير الذي شهدته الواحات البحرية خلال عصر الأسرة الـ26، وهي الفترة التي عُرفت بعودة مصر إلى قوتها السياسية والثقافية بعد مراحل من الاضطراب، واهتمام ملوكها بإحياء التقاليد الدينية والمعمارية المصرية الأصيلة».

وتعمل البعثة في موقع القصر منذ عام 2014، وأسهمت أعمالها على مدار سنوات في «الكشف عن أجزاء مهمة من معبد أثري يرجع في أساسه إلى عصر الأسرة الـ26، إذ بدأ تشييده في عهد الملك بسماتيك الأول، واستُكمل خلال عهدي الملكين واح-إيب-رع (أبريس) وأحمس الثاني (أمازيس)»، حسب رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، في البيان.

وقال عبد البديع إن «من أبرز المكتشفات صالة الأعمدة الرئيسية بالمعبد، التي تضم 16 عموداً من الحجر الرملي، إلى جانب عدد من الحجرات والمقصورات المرتبطة بها، فضلاً عن بقايا مناظر ونصوص هيروغليفية تسجل أسماء عدد من المعبودات المصرية القديمة، وعلى رأسها (آمون رع) و(أمونت) و(خونسو)».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة حديثاً (وزارة السياحة والآثار)

وعثرت البعثة على «لوحة حجرية ترجع إلى عهد الملك أمنحتب الثاني من الأسرة الثامنة عشرة، تحمل نصوصاً تؤكد ارتباط الواحات البحرية بالدولة المصرية منذ عصر الدولة الحديثة، بالإضافة إلى أجزاء أثرية تعود إلى عهد الملك رمسيس الثاني»، ما يشير، بحسب البيان، إلى أن الموقع شهد نشاطاً دينياً وعمرانياً منذ فترات أقدم من الأسرة السادسة والعشرين التي حكمت مصر خلال الفترة «644 – 525 قبل الميلاد».

وأوضح عبد البصير أن «الكشف يوضح أن المعبد لم يكن مبنى أُنشئ في مرحلة واحدة، بل مشروعاً معمارياً استمر تطويره عبر عهود عدة ملوك، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية والدينية للواحات البحرية داخل الدولة المصرية، وهو ما يثبته العثور على آثار من عصور مختلفة، ما يمنح الباحثين فرصة لإعادة دراسة تاريخ الاستيطان والنشاط الديني في الواحات بصورة أكثر شمولاً».

اكتشاف كتل حجرية تحمل أسماء وألقاب الملك بسماتيك الأول (وزارة السياحة والآثار)

كشفت حفائرها السابقة لأول مرة عن اسم المعبد، وهو «إيب-ست» (مقر القلب)، وذلك من خلال ختم معدني عُثر عليه داخل المعبد، إلى جانب عدد من التماثيل والقطع الأثرية، من بينها تمثال للمعبود تحوت، وتمثال برونزي للمعبود أوزير، وتميمة برونزية للمعبود «رع-حور-آختي»، بالإضافة إلى رأس تمثال لكاهن أو مسؤول بارز بالواحات البحرية، ومقصورة ترجع إلى الحاكم والكاهن المحلي «با-دي-إيزة»، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بإدارة الواحات خلال العصر المتأخر.

وتقع منطقة آثار الواحات البحرية على بعد نحو 335 كيلومتراً غرب الجيزة. وتضم، حسب موقع وزارة السياحة والآثار، مواقع أثرية عدة، من بينها «منطقة القصر» و«منطقة الباويطي»، التي تضم مقبرة لشخص يُدعى «أمنحتب»، وكان حاكماً للواحة في عصر الدولة الحديثة.


المكتبات العامة في لبنان... مسعى لترميم العلاقة بالمعرفة

حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)
حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)
TT

المكتبات العامة في لبنان... مسعى لترميم العلاقة بالمعرفة

حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)
حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)

تستعيد المكتبات العامة في لبنان دورها تدريجياً بعد سنوات من التراجع الذي فرضه الاختناق الاقتصادي والحروب والتحوّلات الرقمية، في محاولة لوَصْل المجتمع بمساحات المعرفة المفتوحة خارج المؤسّسات التعليمية السائدة. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الثقافة مشروع إعادة تأهيل المكتبات العامة بالشراكة مع منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، وبدعم من السفارة النرويجية ومؤسّسات من الاغتراب اللبناني، ضمن مسعى لإعادة الحياة إلى شبكة من المكتبات المُنتشرة في المناطق اللبنانية.

رهان على المستقبل من بوابة الثقافة (وزارة الثقافة)

لا يقتصر المشروع على ترميم أبنية أو تحديث تجهيزات، فهو ينطلق من رؤية أشمل تتعامل مع المكتبة العامة على أنها مساحة للتعلُّم والحوار واللقاء المجتمعي، في وقت تتكثَّف فيه الحاجة إلى أماكن تجمع الناس حول المعرفة والثقافة خارج الانقسامات الاجتماعية والسياسية. ومن هنا تأتي خطّة تطوير البنية التحتية والخدمات والتجهيزات، إلى جانب تدريب العاملين في المكتبات وتعزيز قدرتهم على مواكبة حاجات المجتمعات المحلّية المُتغيّرة.

وتعكس المبادرة إدراكاً متنامياً للتحوّلات التي طرأت على وظيفة المكتبات في العالم خلال العقود الأخيرة. فهذه المؤسّسات التي تحتضن الكتب تحوَّلت إلى منصات ثقافية وتربوية تستضيف أنشطة متنوّعة وتؤمّن فرصاً للتعلُّم المستمر والتفاعل الاجتماعي. وفي بلد يعاني تفاوتاً في فرص الوصول إلى المعرفة والموارد الثقافية، تكتسب المكتبات العامة أهمية إضافية. فهي إحدى الوسائل القليلة القادرة على تأمين هذا الحقّ بصورة مُتاحة للجميع.

وتشير المعطيات التي عرضتها وزارة الثقافة إلى أنّ عدد روّاد المكتبات العامة خارج بيروت لا يزال متواضعاً قياساً بحجم الحاجة الفعلية، وهو ما دفع القائمين على المشروع إلى وضع هدف يتمثَّل في زيادة الإقبال عليها خلال السنوات المقبلة. فالجهود التي تُرافق إعادة تأهيل المباني تشمل تحويلها إلى أماكن جاذبة للأطفال والشباب والعائلات، وإقناع المجتمع بالاستفادة من خدماتها. وفي هذا السياق، يرى وزير الثقافة غسّان سلامة أنّ المكتبة العامة تؤدّي دوراً يتجاوز القراءة إلى تنشيط الحياة الثقافية وخَلْق مساحة مفتوحة تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية «من دون أيّ تمييز»، مؤكداً أنّ وظيفتها أساسية في بناء الشخصية الوطنية.

إعادة بناء تبدأ من المعرفة (وزارة الثقافة)

وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظلّ واقع ثقافي يُواجه تحدّيات مُتراكمة. فالتكنولوجيا غيَّرت طُرق الوصول إلى المعرفة، فيما أدَّت وفرة المعلومات وانتشار المحتوى المُضلِّل وخطابات الكراهية عبر المنصّات الرقمية إلى مُساءلة دور المؤسّسات الثقافية في تنمية التفكير النقدي وتعزيز الوعي. وفي هذا المشهد، تبدو المكتبات مؤهَّلة للعب وظيفة تتجاوز توفير الكتب نحو الإسهام في بناء مهارات التعامل مع المعرفة الرقمية وفهمها وتمييز مصادرها. ويذهب مدير مكتب «اليونيسكو» الإقليمي في بيروت، باولو فونتاني، في هذا الاتجاه حين يصف المكتبات بأنها فضاءات قادرة على «حماية العقول عبر تمكين الناس، ولا سيما الشباب، من التفكير النقدي»، خصوصاً وسط تسارُع المعلومات وتضاعُف الحاجة إلى التمييز بين الموثوق منها والمحتوى الزائف.

ثمة ضوء يخرج من بين الرفوف (وزارة الثقافة)

كذلك يحمل المشروع بُعداً إنمائياً يشمل تحديث مكتبات عدّة عبر تزويدها بتقنيات وأدوات تعليمية حديثة تتيح للشباب اكتساب مهارات ترتبط بمتطلّبات المستقبل. وتتضمَّن الخطط توفير خدمات رقمية وتجهيزات تقنية متطوّرة تُساعد المكتبات على التحوّل إلى بيئات تعليمية أكثر تفاعلاً وقدرة على استقطاب الأجيال الجديدة.

وإنما الطريق نحو إعادة بناء هذه الشبكة الثقافية لا يخلو من الشقاء. فبعض المكتبات تعرَّض لدمار كامل خلال الحرب الأخيرة، خصوصاً في عدد من بلدات الجنوب، ممّا يجعل عملية التأهيل مختلفة من منطقة إلى أخرى. ففي حين تحتاج مكتبات إلى تحديث خدماتها وتجهيزاتها، تتطلَّب أخرى إعادة بناء كاملة تسمح بعودة دورها الثقافي والاجتماعي داخل مجتمعاتها المحلّية.

ومن المتوقَّع أن تشمل المرحلة الأولى من المشروع 15 مكتبة من 53 موزَّعة على المحافظات اللبنانية، على أن تُحدَّد طبيعة التدخّلات المطلوبة وفق تقييم خاص بكلّ مكتبة وحاجاتها الفعلية. ويهدف هذا النهج إلى ضمان استدامة النتائج وعدم الاكتفاء بمعالجات ظرفية أو مؤقّتة.

تبدأ بعض عمليات الترميم من صفحة (وزارة الثقافة)

وتكشف هذه المبادرة عن محاولة لإعادة المكانة للبنية التحتية الثقافية في لبنان في مرحلة تتراجع فيها الاستثمارات المخصَّصة للقطاع الثقافي. فالمكتبة العامة تُشكّل مساحة مُشتركة تتيح للأفراد الالتقاء والتفاعل وتبادل الأفكار، وتمنح الأطفال والشباب فرصة لاكتشاف عوالم جديدة خارج حدود الواقع اليومي الضاغط. بهذا المعنى، ترى السفيرة النرويجية هيلدي هارالدستاد أنّ هذه المكتبات تُمثّل «مساحات تتيح للأطفال والمجتمعات أنّ يتعلّموا ويتواصلوا ويتخيّلوا مستقبلاً أفضل، حتى في أصعب الأوقات».

يبدو مشروع إعادة تأهيل المكتبات العامة أقرب إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان. فبين رفوف الكتب ومساحات التعلُّم والأنشطة الثقافية، تُطرَح محاولة لإعادة نسج علاقة تضرَّرت على مدى سنوات بين الناس والمعرفة. وقد يكون هذا التحدّي أكثر أهمية من ترميم الجدران.


لبلبة: أتصالح مع سنّي ولا أكذب على جمهوري

لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
TT

لبلبة: أتصالح مع سنّي ولا أكذب على جمهوري

لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)

قالت الفنانة المصرية لبلبة إنها تأثرت كثيراً وهي تُشاهد فيلماً يوثق مسيرتها الفنية، عُرض خلال تكريمها في مهرجان «روتردام للفيلم العربي»، مؤكدة أن لكل تكريم تتلقاه مذاقاً خاصّاً. وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنها تشكر الله على أن منحها العمر لترى حصاد سنوات طويلة من العمل، معربة عن تطلعها إلى تقديم مزيد من الأدوار الجديدة التي تُمتِّع الجمهور الذي عرفها وأحبها منذ طفولتها.

وقالت لبلبة إنها لم تخدع جمهورها، لا في أدوارها ولا في ملامحها، إذ لم تغيِّر شكلها ولم تخضع لأي عمليات تجميل. وأشارت إلى أنها تواصل تصوير دورها في فيلم «خلي بالك من نفسك»، كما أعربت عن استيائها من حذف مشاهد عدة لها من فيلم «جوازة ولا جنازة»، مؤكدة في الوقت نفسه أنها اعتادت احترام رؤية المخرج.

وعن تكريمها في مهرجان «روتردام للفيلم العربي»، قالت لبلبة: «لكل تكريم طعم خاص، وكانت هذه المرة الأولى التي أزور فيها هولندا، ورغم أنني لم أمكث هناك سوى ساعات قليلة بسبب ارتباطي بالتصوير في القاهرة، فإنني لمست جمال البلد حتى من نافذة السيارة. وخلال حفل الافتتاح عُرض فيلم قصير يوثق مسيرتي الفنية، وقد تأثرت كثيراً أثناء مشاهدته، إذ استعدت ذكريات تلك الأعمال وتذكرت والدتي، رحمها الله، التي رافقتني منذ بداياتي في التمثيل وأنا طفلة. كما أسعدني الاستقبال الحافل الذي حظيت به من الجمهور وأبناء الجاليات العربية إلى جانب النقاد وصناع الأفلام المشاركين في المهرجان».

لبلبة تؤكد أنها تبحث عن أدوار جيدة (حسابها على «فيسبوك»)

ورغم تأثرها، تقول لبلبة: «أفرح لأن الله منحني العمر لأرى حصاد هذه السنوات، وألمس أثرها في الناس. والغريب أنهم جميعاً قالوا لي إنني لم أتغيَّر. وحين أقول لهم إنني كبرت، يجيبونني: لا، أنتِ كما أنتِ». وتفسر ذلك قائلة: «لم أغيِّر شكلي ولا شعري، الذي ظل قصيراً وأسود اللون، كما لم أغيِّر ملامحي، ولم أخضع لأي عمليات تجميل، ولم أبتعد عن الفن طوال مسيرتي».

وتضيف: «لقد شاهدني الجمهور في مختلف مراحلي العمرية؛ لذلك لا يشعر بتغيُّر السنوات كما أشعر بها أنا. عشت طفولتي ومراهقتي ومرحلة النضج أمامه على الشاشة، ثم واصلت العمل مع تقدمي في السن. لم أحاول يوماً التحايل على الزمن، بل كنت سعيدة بتقديم أدوار تُناسب كل مرحلة مررت بها، فأنا متصالحة مع سنّي ومع جمهوري، ولا أكذب عليه».

ولا يُمثل مرور الزمن مصدر قلق أو هاجساً بالنسبة إلى لبلبة، إذ تقول: «هذا أمر طبيعي لم يزعجني يوماً. وأشكر الله دائماً على نعمة العمر، فما زلت أعمل وأمثل وأسافر وأحظى بمحبة الناس وحفاوة استقبالهم. وأتمنى أن يمد الله في عمري لأقدم أدواراً جديدة ومختلفة لم أقدمها من قبل».

وتعترف لبلبة بأنها تجد صعوبة في العثور على أدوار جيدة تُناسب سنّها، قائلة: «هناك مشكلة حقيقية في كتابة أدوار للكبار في السينما المصرية». وأشارت إلى أنها ترفض أعمالاً كثيرة لهذا السبب، لكنها تفضِّل عدم الإعلان عن ذلك، موضحة: «لأن هذه الأدوار ستذهب في النهاية إلى زميلات أخريات، ولا أرى من اللائق أن يعرفن أن لبلبة رفضتها. هذه من المبادئ والتقاليد التي اكتسبتها من الجيل الذي نشأت بين نجومه، وتعلمت منه الكثير».

وقد عادت لبلبة سريعاً إلى القاهرة لمواصلة تصوير فيلم «خلي بالك من نفسك»، الذي تُشارك في بطولته إلى جانب ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا، ومن إخراج معتز التوني. وتقول عن العمل: «هو فيلم كوميدي لطيف، يجمعني بنجمين أحبهما وأقدِّر جمهورهما الكبير، كما أنني سعيدة بالتعاون مع المخرج معتز التوني للمرة الأولى».

كما تتحدث لبلبة عن حرصها على الحفاظ على صورتها أمام الجمهور، مؤكدة أنها تتبع أسلوب حياة صحياً، وتحافظ على مظهرها ولياقتها. وتقول: «أنتبه حتى للنَّفَس الذي أتنفسه. لا أذهب إلى مكان لا يليق بي، ولا أرتدي ما لا يناسبني. لقد تشربت الفن منذ طفولتي، وتعلمت كيف أحافظ على حب الجمهور واحترامه؛ لذلك أحرص دائماً على مظهري ولياقتي. ومنذ 26 عاماً أصبحت نباتية، فلا أتناول اللحوم، وأكتفي بالخضراوات والجبن، وأتناول الأسماك أحياناً، وأدرك أن لكل شيء ثمناً».

فوجئت بحذف مشاهد صوّرتها من فيلم «جوازة ولا جنازة» (حسابها على «فيسبوك»)

وفي زمن تطغى فيه قسوة تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو لبلبة بعيدة عن تلك الأجواء، مستندة إلى رصيد كبير من محبة الجمهور. وتقول: «أكثر ما يسعدني هو حب الناس، فهو شعور رائع أن يُحبك الجمهور دون غرض أو مصلحة. وأسعد لحظاتي حين أكون في الشارع وأجد الناس يلتفون حولي بلا حواجز أو تكلف».

وشاركت لبلبة في فيلم «جوازة ولا جنازة» للمخرجة أميرة دياب، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن «مهرجان البحر الأحمر السينمائي». وتكشف أنها لم تكن راضية تماماً عند مشاهدة الفيلم، قائلة: «فوجئت بحذف جزء كبير من دوري، وشعرت بأن تسلسل مشاهدي لم يعد منطقياً، لكنني اعتدت احترام رؤية المخرج. ومنذ طفولتي كانت والدتي تتولّى قراءة العقود التي أوقعها، وكان هناك بند يؤكد أن المخرج هو صاحب العمل، ومن حقه أن يحذف أو يُضيف إلى الدور. ومع ذلك، كانت هذه المرة الأولى التي تُحذف فيها مشاهد بذلت فيها أنا وفريق العمل جهداً كبيراً، وكان تنفيذها قد استلزم جهداً وتكلفة إنتاجية أيضاً».

ولا ترى لبلبة أنها ضحَّت من أجل الفن، كما تقول، «حتى لا أفسد مشاعر الحب تجاه العمل الذي عشقته منذ طفولتي وعشت حياتي من أجله». كما أنها لا تستسلم لمشاعر الوحدة، رغم اعتيادها الحياة من دون والدتها منذ رحيلها، وتوضح: «كيف أشعر بالوحدة والناس دائماً من حولي؟ أنا أسعى باستمرار إلى التصالح مع الحياة والعمر، ومع الناس الذين أعيش على محبتهم».