أوكرانيا في مهب الريح أمام روسيا بعد مشادة المكتب البيضاوي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

أوكرانيا في مهب الريح أمام روسيا بعد مشادة المكتب البيضاوي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (رويترز)

انتهى اجتماع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على نحو كارثي أمس (الجمعة) بعد مشادة لفظية غير عادية بين الزعيمين أمام وسائل الإعلام العالمية في البيت الأبيض بشأن الحرب على روسيا.

وكانت زيارة زيلينسكي لواشنطن تستهدف إقناع الولايات المتحدة بعدم الوقوف إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أمر بغزو أوكرانيا قبل ثلاث سنوات.

وبدلاً من ذلك، اختلف الزعيم الأوكراني بشدة مع ترمب ونائبه جيه.دي فانس بشأن الصراع، وقال ترمب وفانس إن زيلينسكي أبدى عدم احترام في التعامل مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى تدهور العلاقات مع أهم حليف لكييف في زمن الحرب إلى مستوى جديد.

وقال مسؤول أميركي لوكالة «رويترز» للأنباء إنه طُلب من زيلينسكي مغادرة البيت الأبيض. ونتيجة لذلك لم يتم التوقيع على اتفاقية بين أوكرانيا والولايات المتحدة بشأن التنمية المشتركة للموارد الطبيعية الغنية في أوكرانيا، والتي كانت كييف وحلفاؤها الأوروبيون يأملون أن تؤدي إلى علاقات أفضل.

وسارع زعماء أوروبيون إلى الدفاع عن زيلينسكي. وقال فريدريش ميرتس، المرشح لمنصب المستشار الألماني: «لا ينبغي لنا أبداً الخلط بين المعتدي والضحية في هذه الحرب الرهيبة».

وقال مسؤول في الوفد الأوكراني في واشنطن لوكالة «رويترز» للأنباء إن زيلينسكي تحدث هاتفياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.

ومن المقرر أن تستضيف بريطانيا اجتماعاً لزعماء أوروبا وزيلينسكي غداً (الأحد) لمناقشة الدعم الأمني لأي اتفاق سلام بين موسكو وكييف.

ومال ترمب نحو روسيا منذ توليه منصبه كرئيس، مما أثار صدمة الحلفاء التقليديين في أوروبا وخارجها، وترك أوكرانيا معرضة للخطر بشكل متزايد. وكان اشتباك أمس (الجمعة) هو العرض الأكثر علنية لهذا التحول، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وشدد فانس على الحاجة إلى الدبلوماسية لحل أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، في حين رد زيلينسكي قائلاً إن بوتين لا يمكن الوثوق به في أي مفاوضات.

وسارع ترمب إلى منصته «تروث سوشيال» لاتهام زيلينسكي بعدم احترام الولايات المتحدة. وكتب ترمب: «أرى أن الرئيس زيلينسكي ليس مستعداً للسلام إذا ما شاركت أميركا... يمكنه العودة عندما يكون مستعداً للسلام».

منشور الرئيس ترمب عبر منصة «تروث سوشيال» بعد المشادة الكلامية مع زيلينسكي أمس

وفي وقت لاحق قال ترمب للصحافيين، أثناء مغادرة البيت الأبيض في الطريق إلى منزله في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، إن زيلينسكي عليه أن يدرك أنه يخسر الحرب.

ويقوض الصدام أيضاً أحدث الجهود التي بذلها الزعماء الأوروبيون لإقناع ترمب بتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا حتى لو رفض نشر جنود أميركيين على الأراضي الأوكرانية. وتعد مثل هذه الضمانات ضرورية لردع روسيا عن أي عدوان مستقبلي.

وقال ترمب لزيلينسكي في جدال محتدم أمام الصحافيين في المكتب البيضاوي: «الناس يموتون... أنت تعاني من نقص في الجنود». وهدد ترمب بسحب الدعم الأميركي لأوكرانيا. وقال ترمب لزيلينسكي: «إما أن تتوصل إلى اتفاق، أو نخرج. وإذا خرجنا، فستظل تحارب. لا أعتقد أن الأمر سيكون لطيفاً». وأضاف: «ليست لديك أي أوراق. بمجرد توقيعنا على هذا الاتفاق، ستكونون في وضع أفضل بكثير. لكنك لا تبدي أي امتنان، وهذا ليس بالأمر الجيد. سأكون صريحاً. هذا ليس بالأمر الجيد على الإطلاق».

وجادل زيلينسكي ترمب صراحة بشأن نهجه الأكثر ليونة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحثه على «عدم تقديم تنازلات لقاتل». وأكد ترمب أن بوتين يريد إبرام اتفاق. وقال ترمب لزيلينسكي: «أنت تقامر بإشعال الحرب العالمية الثالثة»، وحثه على أن يكون أكثر امتناناً.

وقاطع فانس نائب ترمب حديث زيلينسكي قائلاً إن قدومه إلى البيت الأبيض للجدال ينم عن عدم احترام منه، وهو ما اتفق معه ترمب. وقال فانس: «لم تقل شكراً»، ورد زيلينسكي، رافعاً صوته: «لقد قلت شكراً مرات عديدة للشعب الأميركي».

زيلينسكي:أشعر بالأسف لما حدث

وفي مقابلة في وقت لاحق مع قناة «فوكس نيوز»، قال زيلينسكي إنه من الممكن إنقاذ علاقته مع ترمب بعد اشتباك أمس (الجمعة). وأضاف: «بالطبع... أشعر بالأسف لما حدث».

ونشر قائد القوات المسلحة الأوكرانية، أوليكساندر سيرسكي، بياناً على «تلغرام» أكد فيه أن قواته تقف إلى جانب زيلينسكي، وأن قوة أوكرانيا تكمن في وحدتها. وأبدى الأوكرانيون القلقون الذين كانوا يتابعون اللقاء من بعيد تأييدهم لزعيمهم إلى حد كبير، لكنهم أبدوا قلقهم إزاء احتمالات استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأميركية التي تعتمد عليها البلاد.

رد فعل أعضاء الكونغرس

وفي الكونغرس، كانت ردود فعل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب مختلطة، في حين انتقد الديمقراطيون طريقة تعامله مع الاجتماع.

ويواجه زيلينسكي الذي حصل على مليارات الدولارات من الأسلحة الأميركية والدعم المعنوي من إدارة الرئيس السابق جو بايدن للمعركة ضد روسيا، موقفاً مختلفاً تماماً من ترمب. ويريد ترمب إنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات بسرعة، وتحسين العلاقات مع روسيا واستعادة الأموال التي أُنفقت لدعم أوكرانيا. وقال ترمب: «آمل أن يتذكرني الناس كصانع سلام».

وفي وقت سابق، قال ترمب لزيلينسكي إن جنوده كانوا شجعاناً بشكل لا يصدق، وإن الولايات المتحدة تريد أن ترى نهاية للقتال، وأن يتم استخدام الأموال «بشكل مختلف مثل إعادة البناء».

وخلال الأسابيع الماضية انتقد ترمب طريقة تعامل الرئيس الأوكراني مع الحرب، ووصفه بأنه «ديكتاتور»، وحثه على الموافقة على اتفاق المعادن.

وبدا الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف مستمتعاً بالمشهد؛ إذ كتب على «تلغرام» أن الزعيم الأوكراني تلقى «توبيخاً قاسياً».

خروج مبكر

بعد المحادثات، وجّه ترمب اثنين من كبار مساعديه لإخبار زيلينسكي أنه حان وقت المغادرة، حتى في الوقت الذي كان الحاضرون يستعدون لتقديم الغداء للوفود، وفقاً لمسؤول في البيت الأبيض. وأضاف المسؤول أن الأوامر صدرت للأوكرانيين بالمغادرة رغم رغبتهم في مواصلة المحادثات.

وتوسعت أوكرانيا بسرعة في إنتاج صناعتها الدفاعية، لكنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على المساعدات العسكرية الأجنبية. وفي حين صدت أوكرانيا الغزو الروسي من ضواحي كييف، واستعادت مساحات واسعة من الأراضي في عام 2022، لا تزال روسيا تسيطر على نحو خُمس مساحة أوكرانيا، وتسيطر ببطء على الأرض منذ الهجوم المضاد الأوكراني الفاشل في عام 2023.

وتسيطر القوات الأوكرانية على جزء من الأرض في منطقة كورسك الغربية في روسيا بعد توغل في عام 2024.


مقالات ذات صلة

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
أوروبا عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب) p-circle

5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

أسفرت ضربات مسيّرات روسية عن مقتل 5 أشخاص، الجمعة، في وضح النهار في كييف، بعدما أعلنت أوكرانيا حصولها على موافقة نهائية من ترمب لإنتاج صواريخ «باتريوت» محلياً.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث في سان بطرسبورغ (رويترز)

بوتين: روسيا لا تستعد لأي صراع مع أوروبا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، أن بلاده «لا تستعد لأي نوع من أنواع الصراع مع أوروبا».

«الشرق الأوسط» (سان بطرسبورغ)
أوروبا ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» p-circle

ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت»

حسم الرئيس دونالد ترمب قراراً يسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

آلاف يتظاهرون في مدريد احتجاجاً على أزمة سبتة ويطالبون بانتخابات مبكرة

متظاهرون في مدريد يحملون الأعلام وصورة لبيغونيا زوجة رئيس الوزراء المتهمة بالفساد (رويترز)
متظاهرون في مدريد يحملون الأعلام وصورة لبيغونيا زوجة رئيس الوزراء المتهمة بالفساد (رويترز)
TT

آلاف يتظاهرون في مدريد احتجاجاً على أزمة سبتة ويطالبون بانتخابات مبكرة

متظاهرون في مدريد يحملون الأعلام وصورة لبيغونيا زوجة رئيس الوزراء المتهمة بالفساد (رويترز)
متظاهرون في مدريد يحملون الأعلام وصورة لبيغونيا زوجة رئيس الوزراء المتهمة بالفساد (رويترز)

تظاهر آلاف الأشخاص في مدريد، اليوم السبت، احتجاجاً على ما وصفوه بإخفاق الحكومة الإسبانية في التعامل مع التدفق الهائل للمهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة في يوليو (تموز)، مطالبين بإجراء انتخابات عامة مبكرة.

وخلال مسيرة في وسط العاصمة الإسبانية، هتف المتظاهرون وهم يلوحون بأعلام بلدهم: «سبتة ليست للبيع، يجب الدفاع عن سبتة».

ولا تزال الأجواء مشحونة منذ دخول أكثر من 70 ألف مهاجر في 30 و31 يوليو إلى سبتة. ورغم أنّ معظم المهاجرين عادوا بعد ساعات من وصولهم إلى الجيب الإسباني، فإن الآلاف لا يزالون موجودين في الجيب منذ أسابيع، ما أدى إلى استنزاف موارد المدينة الصغيرة وسبّب أزمة سياسية لرئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز.

وتعد منصة «المجتمع المدني الإسباني» اليمينية الجهة المنظمة للمظاهرة التي حظيت بدعم حزب «الشعب» (يمين محافظ) وحزب «فوكس» (يمين متطرف).

وقدر ممثل الحكومة المركزية في منطقة مدريد عدد المشاركين بنحو 20 ألفاً، فيما قال المنظمون إن 180 ألف شخص شاركوا في المظاهرة.

متظاهرون حملوا العلم الإسباني وصوراً لرئيس الوزراء بيدرو سانشيز مع شعارات تتهمه بالفساد (رويترز)

ودعا بيان نشرته المنصة إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة بحلول 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، وإعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، ومحاكمة سانشيز بتهمة ارتكاب «خيانة».

وقال المتحدث باسم حزب «الشعب» ميغيل تيلادو، للصحافيين خلال المظاهرة: «هناك إهمال واضح»، مضيفاً أن «غالبية الإسبان يريدون إجراء الانتخابات فوراً»، علماً بأن الموعد المقرر للانتخابات العامة المقبلة في إسبانيا هو أغسطس (آب) 2027.

وتعتزم الحكومة إقرار مرسوم خلال اجتماع لمجلس الوزراء، الثلاثاء، يقضي بتسريع إعادة المهاجرين من سبتة إلى المغرب، وفق ما أفادت صحيفة «إل بايس» اليومية السبت.

وتعقيباً على ذلك، قال زعيم حزب «فوكس» سانتياغو أباسكال: «لا يمكن لأحد أن يثق بقدرة هذه الحكومة على اتخاذ أي خطوة».

ورداً على سؤال حول التقرير، قال أباسكال للصحافيين خلال مشاركته في المظاهرة: «هذه الحكومة عجزت عن فعل أي شيء طوال هذه الفترة»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.


600 ألف مُصَلٍّ في باريس... حشود ضخمة لحضور قداس البابا ليو

البابا ليو يصل لإقامة القداس في ساحة الكونكورد بباريس (أ.ب)
البابا ليو يصل لإقامة القداس في ساحة الكونكورد بباريس (أ.ب)
TT

600 ألف مُصَلٍّ في باريس... حشود ضخمة لحضور قداس البابا ليو

البابا ليو يصل لإقامة القداس في ساحة الكونكورد بباريس (أ.ب)
البابا ليو يصل لإقامة القداس في ساحة الكونكورد بباريس (أ.ب)

تدفق المصلون اليوم (السبت) إلى جادة الشانزيليزيه لحضور القداس الضخم الذي يحييه البابا ليو الرابع عشر بعد الظهر، في ساحة الكونكورد، ويُتوقع أن يحضره 600 ألف شخص، في اليوم الثاني من زيارته لفرنسا التي تلقى إقبالاً شعبياً هائلاً.

وقبل 4 ساعات من بدء القداس، بدأ مؤمنون من كل الأعمار يتقاطرون إلى محيط قوس النصر، رافعين أعلام الفاتيكان.

وصل فيديريكو كولومبيل (28 عاماً) الأستاذ في إحدى كليات الهندسة باكراً في الصباح، بعدما شارك الجمعة في أمسية صلاة أقامها البابا في ملعب «استاد دو فرنس» في سان دوني عند أطراف باريس. وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ذلك رائعاً... آمل أن يكون الأمر أفضل في هذا القداس».

وكانت عشرات السيارات تتقاطر إلى الشوارع المؤدية إلى الشانزيليزيه لنقل مصلين قادمين من المقاطعات، بعضهم يحمل مقاعد صغيرة، تحسباً للانتظار لساعات طويلة قبل وصول البابا.

راهبات ينتظرن البابا ليو في شارع الشانزليزيه قبيل قداس في ساحة الكونكورد بباريس (أ.ب)

وقالت سيلفي لوكلير، المدرسة البالغة 51 عاماً، وهي تنزل من حافلة قادمة من سين ماريتيم: «لا نسمع أصوات الكاثوليك كثيراً، سنُحدث ضجيجاً، ولكن للتعبير عن الحب والسلام والفرح».

وأنشد مؤمنون ترانيم دينية في أحد قطارات المترو الباريسية وهم يتوجهون إلى الشانزيليزيه، على ما أفادت صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية».

قداس في غياب ماكرون

وإزاء حجم الحشود المرتقبة، وسَّع المنظمون المساحة المخصصة للجمهور وصولاً إلى ساحة ليتوال وصولاً إلى جادة لا غراند أرميه.

البابا ليو يبارك الطفلة صوفيا البالغة من العمر 6 أشهر ووالدتها أليسيا بريمرو أثناء مغادرته المعهد الكاثوليكي في ختام لقاء جمعه بأعضاء الجمعية السينودسية الإقليمية في فرنسا (أ.ف.ب)

وسيتم إغلاق نحو 10 محطات مترو بمناسبة القداس الذي سيحضره كثير من الشخصيات السياسية والمرشحين للانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، من بينهم مارين لوبان وغابرييل أتال وإدوار فيليب، بينما يغيب عنه الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استقبل البابا الجمعة فور وصوله إلى المطار.

وتحاط هذه الزيارة البابوية الأولى منذ زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2008، والتي تنتهي الاثنين في ميتز، بعد محطة في لورد بدءاً من مساء السبت، بتدابير أمنية بالغة الشدة، وتشهد تعبئة 17 ألف متطوع، و15 ألف عنصر من الشرطة والدرك، و2500 صحافي معتمد، وخُصصت لها ميزانية هائلة قدرها 27 مليون يورو.

أشخاص يلوِّحون بأعلام الفاتيكان وفرنسا أثناء تجمُّعهم في شارع الشانزليزيه قبيل القداس المهيب الذي يترأسه البابا في الهواء الطلق بساحة الكونكورد في وسط باريس (أ.ف.ب)

وبدأ ليو الرابع عشر -وهو نفسه ابن مهاجرين- يومه الثاني في فرنسا بزيارة «دار باخيتا» وهي جمعية أبرشية لاستقبال المهاجرين أسسها البابا فرنسيس عام 2017، وتحمل اسم القديسة جوزفين باخيتا، وهي راهبة سودانية عانت من العبودية في صغرها، قبل أن تتحرر وتصبح رمزاً عالمياً لمكافحة الاتجار بالبشر.

وقال إن «تاريخ الكنيسة والبشرية... لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة؛ بل الذين يفسحون المجال لغيرهم، ويوجدون آليات سلام، ويبعثون الثقة، ويشجعون الحياة».

ودعا إلى «الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة».


أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت القارة مرحلة أمنية جديدة تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الهجمات السيبرانية والتخريب وانتهاكات المجال الجوي وحملات التضليل والضغط على البنية التحتية. والمقلق أن أوروبا تتحدث على نحو متزايد عن الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا في نهاية العقد، مع أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) يواصل التأكيد أن لا مؤشرات تُنبئ بهجوم وشيك.

المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير خلال زيارة لقاعدة فورفنيخ الجوية في غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

المشهد الأوروبي يحمل إذاً رسالتين متوازيتين: الأولى أن خطر المواجهة الأوسع أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، والثانية أن الحرب الشاملة ليست، راهناً، السيناريو المتوقع غداً أو بعد غد. فالمخاوف الحالية ترتبط بصورة أساسية بتراكم أحداث «الحرب الهجينة»، وباحتمال أن تستخدم موسكو عمليات محدودة أو خفيّة لاختبار مدى استعداد الحلف للرد.

وتتزايد الدلائل على ذلك. فقد شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مرتبطة بالمجال الجوي، بينها إسقاط مقاتلات تابعة للناتو طائرة مسيّرة روسية فوق ليتوانيا، وحوادث أخرى شملت طائرة عسكرية روسية وسفينة روسية ومروحية عسكرية دنماركية. وفي ألمانيا، رُبطت محاولة هجوم بطائرة مسيّرة في مطار لايبزيغ بشخص يُشتبه في ارتباطه بروسيا. وفي الوقت نفسه، تتحدث حكومات أوروبية عن تصاعد عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية.

*استعدادات ميدانية

ولم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات السياسية، فألمانيا تستعد لاحتمال استقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات، فيما حدّثت ليتوانيا خطط إجلاء المدنيين، وتكثفت المناورات العسكرية في منطقة بحر البلطيق والدول الإسكندنافية. وأجرت القوات الألمانية والسويدية تدريبات مشتركة قرب جزيرة غوتلاند الاستراتيجية، في وقت تجري فيه قوات «الناتو» تدريبات أخرى بالقرب من جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا والبعيد عن الحدود الروسية نحو 360 كيلومتراً.

علم حلف شمال الأطلسي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق فقط بما يحدث الآن، بل بموعد الحرب الذي يتردد في أوروبا سراً وعلناً: 2029 – 2030.

لماذا تحديداً نهاية العقد؟

التفسير الرسمي الأوروبي والأطلسي لا يقول إن الحرب ستندلع بحلول عام 2030. بل إن التقديرات تتحدث عن الفترة التي يمكن أن تكون فيها روسيا قد أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا، وأعادت تجهيز قواتها بما يكفي لتهديد الجناح الشرقي لـ«الناتو». ويوضح الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني (أعلى رتبة عسكرية في ألمانيا)، أن الكلام عن تاريخ معيّن ليس نبوءة، بل تقدير زمني لقدرة الجيش الروسي المحتملة على استعادة قوته. وحسب التقديرات المنسوبة إلى الناتو، يمكن أن تكون موسكو، بحلول نهاية العقد، قد راكمت الموارد والقدرات اللازمة لشن هجوم محتمل.

وهنا تظهر معضلة أوروبا السياسية. فكلما تكررت التحذيرات من حرب محتملة في 2029 أو 2030، أصبح التاريخ نفسه جزءاً من الوعي العام. والأهم أن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى رفع الإنفاق الدفاعي، والحكومات تعيد بناء قدراتها العسكرية، و«الناتو» يكثّف تدريباته، بينما تتحول فكرة الاستعداد لحرب مستقبلية إلى سياسة دائمة.

آثار قصف روسي بالصواريخ في العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وقد عبّر الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، عن هذا المنطق بالقول إن أوروبا «آمنة الآن»، لكنها قد لا تكون كذلك بعد ثلاث إلى خمس سنوات، مستخدماً هذا الإطار الزمني لدفع خيار زيادة الإنفاق الدفاعي. وفي المقابل، تحدث مسؤولون أوروبيون عن ضرورة الاستعداد للرد على «العدوان الروسي»، لا عن قرار أوروبي بخوض حرب مع روسيا.

*بين الوقاية والعلاج

انطلاقاً من هذا، يمكن فهم أحد أكثر جوانب المشهد إثارة للاهتمام: هل تعمل أوروبا على منع الحرب، أم أنها بدأت تتعامل معها باعتبارها نتيجة محتملة لا بد من الاستعداد لها؟

الفرق ليس لغوياً فقط. فالاستعداد العسكري يمكن أن يكون أداة ردع، وقد يكون الهدف منه إقناع الخصم بأن كلفة الهجوم ستكون مرتفعة. لكن كثافة الخطاب حول الحرب يمكن، في المقابل، أن تجعل سيناريو كان يبدو مستبعداً قبل سنوات جزءاً من النقاش السياسي اليومي.

طائرتان مقاتلتان روسيتان من طراز «سوخوي 35» (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا السياق، بدأت بعض الأصوات الأوروبية تدعو في الوقت نفسه إلى العودة إلى الحوار مع موسكو. وقال الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، إن الوقت حان لكي يبدأ الاتحاد الأوروبي فتح قنوات اتصال مع روسيا، فيما تحدث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن استعداد أوروبا لاحتمال إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا. ويناقش الاتحاد الأوروبي تحديد جهة اتصال لإجراء هذه المحادثات.

يعكس هذا التناقض بين الاستعداد العسكري والحاجة إلى الحوار المأزق الأوروبي الحقيقي. فمن جهة، تتزايد الضغوط الشعبية لإنهاء الحرب وتقليص الأموال التي تُنفَق على الأسلحة. ومن جهة أخرى، ترى الحكومات الأوروبية أن إنهاء الحرب بشروط قد يسمح لروسيا بإعادة بناء قوتها العسكرية سريعاً، فيما تكون أوروبا نفسها في مرحلة انتقالية لإعادة تسليح جيوشها.

أما أوكرانيا، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فاستمرار الدعم العسكري الأوروبي يعني استمرار تدفق الأسلحة إلى كييف، لكنه يعني أيضاً استمرار الحرب. وهكذا يصبح الدعم العسكري في الوقت نفسه وسيلة لمساعدة أوكرانيا ووسيلة لإبقاء الضغط العسكري على روسيا، في انتظار أن تستعيد أوروبا قدراتها الدفاعية.

*حملة نفسية؟

لكن كل هذه الحسابات لا تعني أن حرباً بين روسيا والناتو باتت حتمية. على العكس، فقد أكدت مصادر في الناتو أنه لا يوجد في الوقت الحالي تهديد وشيك بهجوم. كما لم يتغير التقييم الرسمي للحلف، ولم يتلق الحلفاء إحاطة رسمية بشأن معلومات استخباراتية جديدة تشير إلى هجوم وشيك.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يصافح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما في 15 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وكان لافتاً أن يقول وزير الخارجية الليتواني كستوتيس بودريس إن التصريحات السياسية يمكن أن تكون حملة منسقة لتحذير موسكو من اختبار المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي للناتو.

لكن الأرقام تعكس في الوقت نفسه سبب القلق. فبين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2026، سُجلت 100 واقعة حرب هجينة مسجلة رسمياً في أوروبا، مقابل 60 خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفق «مركز ساهايداشني للأمن» في أوكرانيا. وقال مصدر في الناتو إن العدد الحقيقي قد يتجاوز 200 حادث إذا استُبعدت الهجمات الإلكترونية، التي قال إنها تصل إلى آلاف الهجمات شهرياً ضد مؤسسات الحلف.

ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق الأوروبي هو ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 18 سبتمبر (أيلول)، عندما جمع في قصر الإليزيه قادة الأحزاب والمرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في اجتماع أمني سري. وقد تلقى المشاركون إحاطة من مسؤولين استخباراتيين كبار حول تطور التهديد. وقال ماكرون إن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تتغير، وإن التخريب الذي كان يستهدف أساساً منشآت حكومية أو عسكرية قد يتجه نحو أهداف يمكن أن توقع ضحايا مدنيين.

هكذا تبدو أوروبا اليوم عالقة بين حربين: حرب قائمة في أوكرانيا، وحرب محتملة يجري الاستعداد لها في نهاية العقد. وبينهما مساحة واسعة من الردع والتخريب والحرب السيبرانية والمناورات والتحذيرات.

قد يكون الحديث عن 2029 أو 2030 مجرد إطار تخطيطي لإعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، وقد يكون جزءاً من استراتيجية ردع تهدف تحديداً إلى منع موسكو من التفكير في اختبار «الناتو». لكن الخطر يكمن في أن يتحول الاستعداد للحرب إلى حالة دائمة، وأن يصبح سيناريو الحرب نفسه أكثر اعتياداً من سيناريو السلام.

دبابتان روسيتان من طراز «ت 72» (أرشيفية - رويترز)

في النهاية، لا تقول المعطيات الحالية إن أوروبا ذاهبة حتماً إلى حرب مع روسيا. لكنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً: أوروبا بدأت تتصرف على أساس أن عليها أن تكون مستعدة لها، فيما لا تزال في الوقت نفسه تبحث عن الطريق الذي يمكن أن يمنع وقوعها، والخيار الثاني هو مسؤولية الطرفين.