الحكومة المصرية تعزز توجهها نحو الدعم النقدي بـ«حزم مساعدات مالية»

وسط مطالبات بالتمهل في إلغاء «النظام العيني»

سلع تباع بأسعار مخفضة مقارنة بالسوق (وزارة التموين والتجارة الداخلية)
سلع تباع بأسعار مخفضة مقارنة بالسوق (وزارة التموين والتجارة الداخلية)
TT

الحكومة المصرية تعزز توجهها نحو الدعم النقدي بـ«حزم مساعدات مالية»

سلع تباع بأسعار مخفضة مقارنة بالسوق (وزارة التموين والتجارة الداخلية)
سلع تباع بأسعار مخفضة مقارنة بالسوق (وزارة التموين والتجارة الداخلية)

فَرِح الخمسيني كريم عبد الغني، وهو بائع متجول في حي المهندسين بمحافظة الجيزة القريبة من العاصمة المصرية القاهرة، بالمبلغ الإضافي الذي سوف تمنحه الحكومة للمستفيدين من «بطاقات التموين» خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) المقبلين، قائلاً إن «المبلغ الإضافي سوف يساعد الأسرة نوعاً ما، لكن السلع التموينية الموجودة في البطاقة أفضل».

وأقرت الحكومة المصرية، الأربعاء، حزمة مساعدات مالية، موجهة إلى «10 ملايين أسرة من الأكثر احتياجاً»، حيث قررت صرف 125 جنيهاً (الدولار الأميركي يساوي 50.58 جنيه في البنوك المصرية) على البطاقة التموينية للأسر التي لديها طفل واحد، و250 جنيهاً للأسر ذات الطفلين، في ظل «الاتجاه للتحول إلى الاستهداف والدعم والمساندة النقدية»، حسب وزير المالية المصري، أحمد كجوك.

وتُطبِّق الحكومة، منذ عقود طويلة، منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، بينها: الخبز، والزيت، والسكر، تُصرف شهرياً من خلال «بطاقات التموين». لكن حكومات متعاقبة شكت من الأعباء الاقتصادية لتلك المنظومة على الموازنة العامة.

وأعلنت الحكومة، قبل شهور، اعتزامها إجراء تعديلات جذرية على نظام الدعم المُقدّم إلى مواطنيها، يتضمّن التحول من نظام «الدعم العيني» إلى «النقدي» أو «الدعم النقدي المشروط»؛ وسط مطالبات متكررة بالتمهل في إلغاء «النظام العيني».

وزير التموين المصري ممسكاً بسلعة خلال جولة تفقدية في إحدى الأسواق (وزارة التموين والتجارة الداخلية)

واعتبر وزير التموين المصري، شريف فاروق، أن الدعم النقدي «أفضل للمواطن»، وقال في تصريحات متلفزة، الشهر الجاري، إنه «سيمكن الدولة من توجيه الدعم إلى مستحقيه، ويحرر المواطن من السلع المفروضة على البطاقة التموينية من (زيت وسكر ومكرونة)، مقابل أن تترك له حرية الاختيار».

وكان وزير التضامن والتموين الأسبق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، جودة عبد الخالق، قد طالب الحكومة بـ«التمهل في مسألة تحويل الدعم التمويني من سلع إلى دعم نقدي»، وأشار خلال ندوة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، قبل أيام، إلى أن «نسبة الفقراء في مصر تتزايد منذ عام 2016، وتحويل الدعم إلى (نقدي) قد يؤدي إلى زيادة أعداد الفقراء، التي تخطت 30 في المائة».

وبينما لا يُفضل عبد الغني، الذي يترك عائلته في محافظة أسيوط (صعيد مصر) ليعمل في الجيزة، «الحصول على الدعم النقدي والاستغناء عن السلع التموينية على البطاقة». يرى السبعيني سيد أحمد السيد، يعمل حارس عقار في منطقة المهندسين، أن «الحصول على الدعم النقدي أفضل»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نشتري به ما نريد، أما في (العيني) فنحصل على سكر وزيت وأرز فقط».

ويستند معارضو استبدال «الدعم النقدي» بـ«العيني» إلى أن مصر «غير جاهزة لهذه الخطوة في ظل عدم انضباط سعر الصرف وارتفاع نسب التضخم»، حسب عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، عضو «مجلس أمناء» الحوار الوطني، ضياء الدين داود، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «تطبيق هذا النظام يحتاج إلى استقرار أسعار السلع في السوق، وزيادة في المعروض، وهما أمران غير موجودين».

يتفق معه الخبير الاقتصادي المصري، رشاد عبده، بقوله إن الحكومة ترغب في تخفيف حمل «الدعم العيني عن كاهلها، ولو على حساب المواطن»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدعم التمويني يلزم الحكومة بتوفير سلع معينة، بداية من الخبز وحتى السكر، حتى لو من خلال استيرادها بالعملة الصعبة».

إحدى أسواق الحكومة لبيع السلع المخفضة (وزارة التموين والتجارة الداخلية)

وتقدر الحكومة قيمة «الدعم العيني» حالياً في الموازنة العامة للدولة بـ«134 مليار جنيه»، لكن وزير التموين يرى أن «القيمة الفعلية هي 234 مليار جنيه؛ وذلك بالنظر إلى فارق سعر السلع في منظومة الدعم عنها بالسوق».

وأضاف عبده أن «الدعم النقدي لن يُمكن المواطن من الحصول على السلع نفسها، في ظل ارتفاع نسب التضخم، وعدم قدرة الحكومة على ضبط السوق».

وتستند الحكومة في تفضيلها لـ«الدعم النقدي» إلى أن «نسب التضخم آخذة في التراجع». وقال وزير المالية، الأربعاء، إن التضخم تراجع، و«سنشهد خلال الأشهر المقبلة أيضاً تراجعاً كبيراً في معدلاته، ما يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد والمواطن المصري».

وسجل التضخم في يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 22.6 في المائة على أساس سنوي، بعدما كان 23.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

ووفق مراقبين، فإن تطبيق منظومة «الدعم النقدي» من قبل الحكومة «لا تزال غير واضحة المعالم»، و«هل سيتم استبدال الأموال بسلع يحصل عليها المواطن بشكل مباشر، أم برصيد في كارت تمويني يشتري به المواطن السلع بسعر السوق». ورغم امتلاك وزير التموين تصوراً لذلك، بحسب ما تحدث به أخيراً، فإنه «تحفظ في عرض هذا التصور»، متمسكاً بترك الأمر لـ«الحوار الوطني».

جانب من اجتماع سابق لمجلس أمناء الحوار الوطني المصري (الحوار الوطني)

وحدد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في سبتمبر (أيلول) الماضي، موعداً لبدء التحول من «العيني» إلى «الدعم النقدي» في بعض المحافظات، وذلك مع العام المالي الجديد، بداية من يوليو (تموز) المقبل، شرط حدوث «توافق في الآراء بشأن قضية الدعم النقدي في جلسات الحوار الوطني».

وبحسب أعضاء في مجلس أمناء «الحوار الوطني» فإن «قضية الدعم النقدي والعيني» لم يُحدد موعد بعد لمناقشتها بالتفصيل، وقال عضو مجلس النواب المصري، طلعت عبد القوي، لـ«الشرق الأوسط» إن «الفرصة لا تزال سانحة لفتح نقاش حول الأمر والانتهاء منه قبل بداية العام المالي المقبل».

في حين يرى وكيل «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب المصري، كمال الدين الشافعي، أن البقاء على «الدعم العيني» أفضل للمواطن، أما التوجه إلى «الدعم النقدي» أفضل للحكومة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا رغبت الحكومة في التوجه لـ(النقدي)، فعلى الأقل لا بد من ضمان توفر الخبز وصرفه على بطاقة التموين، حتى إذا تم استبدال المال بالسلع الأخرى»، محذراً من الانتقال بالكامل من هذا النظام لذاك، وترك «الخبز» للسوق.

في مقابل ذلك، أكد وزير المالية المصري، الأربعاء، توجه الدولة نحو «الدعم النقدي»، قائلاً إن الحكومة استفادت من «الاستثمار الكبير الذي تم إجراؤه لتنقية البيانات وتدقيقها للوصول إلى مستحقي الدعم، حتى يتسنى لهذه الأسر الاستفادة من المساندة النقدية».


مقالات ذات صلة

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

شمال افريقيا مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

حالة طوارئ شهدها مطار القاهرة الدولي، بعد تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من محادثات وزير البترول المصري مع وزير الطاقة الأميركي في واشنطن (وزارة البترول المصرية)

محادثات مصرية أميركية لتعزيز التعاون في مجال الطاقة

التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، في واشنطن، الجمعة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً إلى الواجهة.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا تخفيضات على أسعار السلع داخل إحدى مبادرات «كلنا واحد» لخفض الأسعار بمنطقة الدقي (الشرق الأوسط)

مصر: إجراءات حكومية للحد من ارتفاع أسعار السلع قبل رمضان

أمام سرادق «أمان» المخصص لبيع اللحوم الحمراء بأسعار مخفضة اصطحب الستيني شريف بركات، وهو موظف متقاعد، نجله لشراء احتياجاتهم من اللحوم.

رحاب عليوة (القاهرة)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
TT

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

شهد مطار القاهرة الدولي حالة طوارئ، بعد حدوث تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

وقدَّمت شركة «مصر للطيران» (الناقل الوطني بمصر)، صباح السبت، اعتذاراً لعملائها على التأخيرات التي طرأت على عدد من رحلاتها الجوية، وأكدت في الوقت نفسه أن «حادث التسريب لم يؤدِّ إلى توقف حركة التشغيل».

وأعلنت شركة «ميناء القاهرة الجوي»، وهي شركة حكومية تابعة لوزارة الطيران المدني المصرية، عن «رصد تسريب وقود بالخط الفرعي، الخاص بتغذية مبنيَي الركاب رقمَي (2) و(3)، من خلال أجهزة المراقبة الموجودة بالغرفة المركزية للتحكم الخاصة بشركة (مصر للبترول)، في مستودع الوقود داخل مطار القاهرة»، وقالت في إفادة لها، مساء الجمعة، إنها «قامت بإيقاف الخط، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة».

وتضمن التدابير البديلة قيام شركة «ميناء القاهرة الجوي» بـ«استدعاء 6 وحدات تستوعب أكثر من ربع مليون لتر، إلى جانب 3 وحدات ترشيح لتأمين أعمال التشغيل بمبنى الركاب، بالتزامن مع أعمال الإصلاح للخط».

وقالت الشركة في بيانها إنه «جرى تحديد موقع التسريب بدقة، وذلك باستخدام أحدث الأجهزة التكنولوجية، وتنفيذ أعمال الإصلاح اللازمة، وعودة الخط الفرعي للتشغيل الطبيعي».

ولم تتوقف حركة التشغيل في مطار القاهرة الدولي، وفق شركة «مصر للطيران» التي أشارت إلى أن «حركة الرحلات تأثرت تأثراً جزئياً»، موضحة أن التأخيرات التي طرأت على عدد من الرحلات: «تعد ظروفاً استثنائية» خارجة عن إرادتها، وأنه «في مثل هذه الظروف، يتم إيقاف خط الوقود، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة، وهو ما تم بالفعل، وصولاً لإصلاح الخط الفرعي وعودته للتشغيل الطبيعي».

وتقدم عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، ضياء داود، بطلب إحاطة بشأن تسرب وقود تموين الطائرات بمطار القاهرة، وقال إن «الحادث يثير تساؤلات عن الخطط البديلة للتعامل مع مثل هذه الأزمات من قبل وزارة الطيران المدني»، إلى جانب «الآثار السلبية لذلك على قطاع النقل الجوي والسياحة».

واعتبر داود أن «مثل هذه الوقائع يترتب عليها تأخير في تقديم الخدمات، وفي مواعيد الرحلات، وهو ما يتناقض مع خطط الحكومة المصرية للوصول إلى 25 مليون سائح سنوياً».

من جهته، أوضح كبير طياري «مصر للطيران» سابقاً، المحقق الدولي في حوادث الطائرات، هاني جلال، أن «تسرب الوقود من الحوادث الواردة في المطارات، ومن الأخطار المنصوص عليها في صناعة النقل الجوي، ولها بروتوكول أمني معتمد للتعامل بشكل طارئ معها»؛ مشيراً إلى أن «الإجراءات التي تمت مع الأزمة كانت سريعة، وبالتالي لم تحدث خسائر كبيرة».

وشدد جلال على «ضرورة مراجعة كافة الإجراءات الخاصة بإصلاح خط الوقود، لضمان عدم عودة التسريب مرة أخرى، ومراقبته بشكل مستمر، إلى جانب إجراء الصيانات الدورية»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها تسريب بمطار القاهرة بهذا الشكل، وكان من الأفضل تجنب حدوثه بالمراجعة الدورية لكل خطوط تغذية الوقود».

وأكدت شركة «ميناء القاهرة الجوي» في بيانها على «التزامها الكامل بأعلى معايير السلامة والأمان لعملائها»، وقالت إن «التأخيرات التي طرأت نتيجة التسريب كانت لظروف استثنائية خارجة عن إرادتها».

ويرى جلال أن «تأخير بعض رحلات الطيران بسبب حوادث تسرب الوقود يكون للصالح العام، ويهدف لضمان السلامة والأمان، ولا داعي للاستعجال في حركة الرحلات الجوية في مثل هذه الحوادث».

أما مستشار وزير السياحة المصري الأسبق، وليد البطوطي، فقد أوضح من جانبه أن تأخير الرحلات «يحدث في جميع دول العالم، والتريث في واقعة التسريب ضروري من أجل السلامة العامة»؛ مشيراً إلى أن «هناك مطارات في الخارج يتم إغلاقها عدة أيام بسبب عواصف أو طوارئ الطقس، وبالتالي فالحوادث الطارئة واردة».

ويضيف البطوطي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية تعاملت بشفافية مع الحادث»، موضحاً أن «ما حدث لن تكون له تأثيرات سياحية، أو على معدلات نمو رحلات الطيران إلى مطار القاهرة، باعتبار أن ما حدث أمر طارئ، وجرى التعامل معه وفقاً للتدابير المنصوص عليها في تأمين المطارات وصناعة النقل الجوي».

وأعلنت الحكومة المصرية في يناير (كانون الثاني) الماضي تحقيق قطاع السياحة نمواً بلغ 21 في المائة، بواقع 19 مليون سائح خلال عام 2025.


ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
TT

ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)

تتصاعد التوقعات والتكهنات في ليبيا بشأن احتمال قيام الولايات المتحدة بملاحقة مزيد من المشتبهين الليبيين في الهجوم الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي عام 2012، بعد اعتقال الليبي الزبير البكوش، الذي تتهمه أميركا بالضلوع في الهجوم، الذي أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز و3 أميركيين آخرين.

وحتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا بشأن تسليم البكوش، لكن وسائل إعلام محلية أشارت إلى أن الحكومة سلّمته للولايات المتحدة، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال إعلانها عن اعتقال البكوش (رويترز)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، «ملاحقات أميركية لمشتبهين آخرين»، مشيراً إلى أن قائمة المشتبه بهم تشمل العديد من الأسماء، وذهب إلى الاعتقاد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «حكومة (الوحدة) ربما أسهمت في توقيف البكوش، نتيجة تسلسل الأحداث من الاستدعاء، والتحقيق أمام جهاز الأمن الداخلي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم الإعلان المفاجئ عن وصوله إلى أميركا في سيناريو مشابه لما حدث مع أبو عجيلة مسعود المريمي».

والمريمي، هو ضابط استخبارات ليبي سابق، لا يزال موقوفاً في الولايات المتحدة بعد أن سلمته حكومة «الوحدة الوطنية» في ديسمبر (كانون الأول) 2022، للاشتباه بتورطه في تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق لوكربي في 1988.

أبو عجيلة مسعود المريمي (متداولة)

ويرى خبراء أمنيون ليبيون، من بينهم محمد السنوسي، أن تسليم مطلوبين آخرين للولايات المتحدة «ليس مستبعداً»، مبرزاً أن هذا المسار بدأ منذ عام 2014 مع اعتقال كل من أبو أنس الليبي، وأحمد أبو ختالة، وأبو عجيلة المريمي، وأنه من المتوقع أن يستمر في المرحلة المقبلة.

واعتُقل أحمد أبو ختالة على يد القوات الخاصة الأميركية عام 2014، ونقل إلى واشنطن لمحاكمته وإدانته في تفجير «مجمع بنغازي»، وهو يقضي حالياً عقوبة السجن. كما سبق أن اعتُقل أبو أنس الليبي، القيادي في تنظيم «القاعدة»، في طرابلس عام 2013 بتهمة التورط في تفجيرات سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتوفي في السجن عام 2015.

ويشير السنوسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوضع السيادي الليبي لا يسمح بالاعتراض على تسليم مطلوبين للولايات المتحدة»، مذكراً بدخول حكومة «الوحدة» في «تفاهمات وصفقات اقتصادية ضخمة مع واشنطن، فيما تلعب الأخيرة دوراً محورياً في المسار السياسي الليبي، ضمن ترتيبات تهدف إلى توحيد الحكومتين».

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ووجهت المدعية العامة الأميركية، جانين بيرو، الجمعة، 8 تهم ضد البكوش، منها قتل السفير ستيفنز، وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين لم تتضح على الفور تفاصيل الدفاع القانوني للبكوش، وما إذا كان قد وكل محامياً.

ويعتقد الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، أن نقل البكوش إلى الولايات المتحدة يعكس سعي إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى تحقيق اختراق في قضية الهجوم على بنغازي، التي ظلت معقدة ومعلقة لسنوات.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مكتب التحقيقات الفيدرالي صنّف البكوش ضمن نحو 20 شخصاً نفذوا الهجوم، لكن بيانه لم يتطرق إلى بقية الشبكات الداعمة للعملية»، ما يؤشر حسبه، إلى أن «القضية لم تُغلق بعد، بل هي في بدايتها الفعلية».

وفي 11 سبتمبر (أيلول) 2012 شهد «المجمع الدبلوماسي» الأميركي في بنغازي اقتحام نحو 20 مسلحاً مزودين ببنادق «كلاشينكوف»، وقاذفات قنابل يدوية لبوابته، وإضرام النار في المباني، ما أدى إلى مقتل السفير ستيفنز وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين فرّ موظفون آخرون إلى منشأة أميركية مجاورة تعرف باسم الملحق؛ حيث تعرّضوا لهجوم آخر من قبل مجموعة مسلحة كبيرة.

ويبدو أن الملاحقات الأميركية للمشتبهين في تفجير 2012 ستكون عملية طويلة ومعقدة، وفق مراقبين محليين.

وحسب الحاسي، قد تشمل توجيه اتهامات جديدة، واستدعاء أسماء أخرى داخل ليبيا وخارجها، في إطار ما وصفه بـ«تصفية حسابات أميركية مؤجلة»، لافتاً إلى «انتشار قيادات (مجلس شورى بنغازي) و(مجلس شورى مجاهدي درنة) في مناطق مختلفة من ليبيا بعد هروبهم، مع تحولات في خطابهم السياسي، بما في ذلك الدعوة إلى الدولة المدنية، بدلاً من إمارة إسلامية».

سيارة تعرّضت للاحتراق أمام مبنى القنصلية الأميركية أثناء الهجوم (أ.ب)

أما الدبلوماسي الليبي، محمد المرداس فيعتقد أن الأميركيين يمتلكون قائمة طويلة من الأسماء، التي قد تطولها التحقيقات، خصوصاً من تيارات الإسلام السياسي، لافتاً إلى أن «البكوش يمتلك شركة لتوظيف الأموال في طرابلس، تعمل في الإقراض بفوائد وتحويلات مالية كبيرة، وهو ما قد يشير إلى شبكة مالية معقدة متورطة بأطراف متعددة».


مقتل سيف القذافي يفتح الباب لخلافته داخل «تيار سبتمبر»

سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل سيف القذافي يفتح الباب لخلافته داخل «تيار سبتمبر»

سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)

منذ اغتيال سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، في مدينة الزنتان الواقعة غرب ليبيا، الثلاثاء الماضي، طفت على السطح بشكل واسع تساؤلات ملحة حول الشخصية التي ستخلفه في قيادة التيار الذي كان يمثله.

وجاءت هذه التساؤلات في ظلِّ ما كان يتمتع به سيف الإسلام من «رمزية تاريخية» داخل أوساط أنصار النظام السابق، المعروفين بـ«تيار سبتمبر (أيلول)»، وهم المناصرون لـ«ثورة الفاتح من سبتمبر»، التي قادها الرئيس الراحل معمر القذافي عام 1969.

نحو قيادة جديدة

أوضح عثمان بركة، القيادي في «التيار الوطني» الداعم لسيف الإسلام القذافي، أن تيار أنصار النظام السابق، ورغم عدم استقراره حتى الآن على قيادة جديدة، «فإنه يمتلك قدرةً تنظيميةً وسياسيةً تخوّله تجاوز هذه المرحلة، والانتقال لاحقاً إلى صيغة قيادية بديلة».

وقال بركة لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقة مع القذافي وأبنائه كانت ذات بعد عاطفي، إلى جانب بعدها السياسي، غير أن العمل الوطني سيستمر»، مؤكداً أن «جهداً منظماً سيُبذَل للوصول إلى قيادة جديدة، عقب تجاوز تداعيات حادثة الاغتيال».

منذ اغتيال سيف الإسلام طفت على السطح بشكل واسع تساؤلات ملحة حول الشخصية التي ستخلفه (أ.ف.ب)

ولم يتضح بعد موقف أحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي في «جبهة النضال الوطني الليبية»، وأحد أبرز رموز النظام السابق، من مستقبل قيادة «تيار سبتمبر»، بعد اغتيال سيف الإسلام، لكن مصادر مقربة منه قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه من السابق لأوانه الحديث عن قيادة جديدة في ظل استمرار مراسم العزاء القائم في بني وليد.

واكتفى قذاف الدم، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بإعادة نشر بيان لمَن يصفون أنفسهم بـ«أنصار النظام الجماهيري». وشدَّد على وحدة الصف، مؤكداً أن الاغتيال «لن يؤدي إلى تفكك التيار»، وأن أنصار سبتمبر «كتلة واحدة صلبة».

وفي بني وليد (غرب)، حيث وُوري جثمان سيف الإسلام الثرى، الجمعة، بدت الصدمة واضحة في نبرة الناشط الليبي حميد القذافي، أحد أبناء قبيلة الرئيس الراحل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «دعنا ننتظر نحو 10 أيام، وحينها ستكون الصورة أوضح بشأن مآلات القيادة الجديدة».

شخصيات مرشحة

تداولت صفحات ليبية أسماء بعض الشخصيات المحتملة لخلافة سيف الإسلام، مثل شقيقته عائشة، وشقيقه الساعدي، غير أن المحلل السياسي الليبي، إبراهيم بلقاسم، عارض هذا الرأي، مبرزاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الرافعة الوحيدة لمشروع أنصار النظام السابق هي ظهور شخصية غير متوقعة وغير سياسية»، مشيراً إلى أنها «ستكون مجرد محاولة لإنقاذ هذا التيار».

تداولت صفحات ليبية أسماء بعض الشخصيات المحتملة لخلافة سيف الإسلام بينهم شقيقته عائشة (رويترز)

بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، عقب 42 عاماً في الحكم منذ «ثورة الفاتح من سبتمبر» عام 1969، برز أنصاره تحت مسمى «تيار سبتمبر»، والذين يُعرَفون شعبياً بـ«الخضر»، في رمزية «الكتاب الأخضر».

ويتسم «تيار سبتمبر» بتعدد مكوناته وغياب قيادة موحدة، بينما كان يُنظَر إلى سيف الإسلام بوصفه «رمزاً مركزياً» لدى قطاع واسع من أنصاره، إلى جانب سياسيين ومجموعات تطالب بإعادة إدماج أنصار النظام السابق في الحياة السياسية، والاعتراف بحقوقهم.

وتوقَّع ناصر سعيد، الناطق باسم «الحركة الوطنية الشعبية الليبية»، إحدى الأذرع السياسية لأنصار النظام السابق، أن تتشكَّل قيادة سياسية وطنية خلال المرحلة المقبلة لمواصلة ما وصفه بـ«العمل الوطني»، إلى حين استقرار البلاد، وتمكين الليبيين من تقرير مصيرهم. وبينما عدّ أن مسألة بروز قائد أو رمز جديد «متروكة للمرحلة المقبلة»، أكد أن المشروع «فكري وعقائدي وليس مرتبطاً بأشخاص».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أن إرث سيف الإسلام القذافي يتمثل في «مشروع وطني جامع»، يرفض التدخل الأجنبي، ويسعى لاستعادة السيادة والاستقرار، عادّاً أن سيف الإسلام كان رمزاً وأملاً للخروج من الأزمة، وأن مشروعه امتداد لمسار «ثورة الفاتح» بوصفه خياراً تحررياً ما زال يحظى بأنصار.

صعوبات بنيوية

تنظيمياً، لا يمكن حصر «تيار النظام السابق» في إطار سياسي واحد، إذ تتعدَّد أطره وقياداته بين تنظيمات وشخصيات مستقلة، أبرزها حزب «الحركة الوطنية الشعبية الليبية»، الذي تأسَّس عام 2012، ثم «الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا»، التي تَشكَّلت من سياسيين وقيادات قبلية تأييداً لسيف الإسلام القذافي عام 2016.

كما ازداد حضور ممثليه منذ عام 2020، سواء في «ملتقى جنيف»، الذي أفضى إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية»، أو ضمن مسارات «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، قبل أن يعلّقوا مشاركتهم عقب اغتيال سيف الإسلام.

ترى أصوات من داخل «تيار سبتمبر» أن اغتيال سيف الإسلام ألقى بظلال ثقيلة على قدرة أنصار النظام السابق على بلورة قيادة موحدة (أ.ب)

وتذهب أصوات من داخل «تيار سبتمبر» إلى الاعتقاد بأن اغتيال سيف الإسلام شكَّل نقطة تحول حاسمة، وألقى بظلال ثقيلة على قدرة أنصار النظام السابق على بلورة قيادة موحدة، في ظل صعوبات بنيوية تعود إلى «خلافات تاريخية»، بين ما يُعرف بـ«الحرس القديم» و«أنصار التغيير»، الذين كان يقودهم سيف الإسلام.

ويتفق خالد الحجازي، أحد النشطاء السياسيين البارزين في «تيار سبتمبر»، مع هذه الرؤية، مؤكداً أن رمزية سيف الإسلام القذافي كانت عامل توازن يدير الخلافات داخل التيار، بفضل مشروعه الإصلاحي قبل «17 فبراير».

ويرى الحجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن غياب هذه الرمزية قد «يعيد الانقسامات القديمة، ويصعّب إعادة إنتاج قيادة جامعة»، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية، تجعل توحيد التيار مهمة «شديدة التعقيد» في المدى المنظور.

غير أن عثمان بركة قال: «إن الاختلاف أمر طبيعي، فنحن لسنا حزباً مغلقاً»، متحدثاً عن «الإيمان بالديمقراطية وتعدد الرؤى». وأوضح أن «تدافع الأجيال لا يعني صراعاً»، مشدداً على أنه «لم يُسجل أي صدام دموي بين أنصار مسارَي تيار سبتمبر».

وختم بركة بالقول: «إن تعدد المسارات داخل التيار يصب في هدف واحد، يتمثل في حرية ورفاهية المواطن الليبي، وبناء دولة ذات سيادة قادرة على تجاوز أزمتها المستمرة منذ عام 2011».