الخارجية السودانية تندد باجتماعات نيروبي والجيش يتوعد

الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» يرعيان مشاورات سياسية سودانية بأديس أبابا

ممثلون لأحزاب سياسية وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات لتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان بنيروبي الثلاثاء (د.ب.أ)
ممثلون لأحزاب سياسية وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات لتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان بنيروبي الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

الخارجية السودانية تندد باجتماعات نيروبي والجيش يتوعد

ممثلون لأحزاب سياسية وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات لتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان بنيروبي الثلاثاء (د.ب.أ)
ممثلون لأحزاب سياسية وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات لتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان بنيروبي الثلاثاء (د.ب.أ)

قللت وزارة الخارجية السودانية من الاجتماعات الجارية في العاصمة الكينية «نيروبي»، التي تهدف لتوقيع ميثاق سياسي يمهد الطريق لتشكيل حكومة في الأراضي التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان، تكون موازية للحكومة الموالية للجيش وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة لها.

وصفت الخارجية الخطوة بأنها «تظاهرة دعائية»، ولوحت بإجراءات تعيد الأمور لنصابها، بينما توعد الجيش بمقاتلة أنصار الحكومة الجديدة في كل مكان في البلاد، وتطهيرها من قبضة «قوات الدعم السريع»، وفي أثناء ذلك انطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مشاورات بين القوى المدنية والسياسية السودانية، دعت لها الآلية رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي.

العطا يتوعد

وقال مساعد القائد العام للجيش، الفريق أول ياسر العطا، في خطاب تعبوي بمدينة «الدبة» بشمال السودان، إن قواته تستعد لتطهير البلاد من «قوات الدعم السريع»، و«تحرير» كل المناطق التي تحت سيطرتها، وذلك في أول ردة فعل «عسكرية» على اجتماعات «نيروبي» المدعومة من قبل «قوات الدعم السريع»، لتكوين «حكومة وحدة وسلام» – حسب اسمها الرسمي – من قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة و«قوات الدعم السريع»، مقابل الحكومة العسكرية في بورتسودان.

الفريق ياسر العطا (وكالة السودان للأنباء)

وبلهجة تصعيدية غاضبة، توعد العطا بمحاربة من يسعون لتكوين الحكومة الموازية، بقوله: «لأولئك الذين يقولون إنهم حكومة موازية، سنحاربهم في كل شبر من الأراضي السودانية، ونجعلهم يعرفون أن في الأمة السودانية أسوداً لها أنياب ومخالب قوية».

من جهتها، قللت وزارة الخارجية السودانية من اجتماعات «نيروبي» لتشكيل حكومة موازية في البلاد، ووصفتها بأنها «تظاهرة دعائية» لن يكون لها أثر على أرض الواقع، ولوّحت في الوقت نفسه باتخاذ قرارات لإعادة الأمور إلى نصابها.

وأعربت في بيان، ليل الثلاثاء، عن أسفها على استضافة كينيا لمناسبة توقيع ما سمي باتفاق سياسي بين «ميليشيا قوات الدعم السريع الإرهابية» وأفراد ومجموعات مؤيدة لها، وعدّته تنكراً من الحكومة الكينية لالتزاماتها بالقانون الدولي والأمم المتحدة والأمر التأسيسي للاتحاد الأفريقي.

وتأجل التوقيع على الميثاق السياسي الذي كان مقرراً الثلاثاء إلى الجمعة المقبلة، بعد انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان، برئاسة عبد العزيز آدم الحلو للمشاركة في الفعاليات، وسط توقعات بالتحاق فصائل عسكرية ومدنية أخرى للمشاركة في تأسيس الحكومة في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، موازية للحكومة التي يرأسها قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان في بورتسودان.

وقالت الخارجية السودانية إن الهدف المعلن لهذا الاتفاق، هو إقامة حكومة في جزء من أرض السودان، وهذا يعني تشجيع وتقسيم الدول وانتهاك سيادتها والتدخل في شؤونها. وأضافت أن احتضان كينيا قيادات «ميليشيا قوات الدعم السريع» والسماح لهم بممارسة النشاط السياسي والدعائي العلني، تشجيع للاستمرار في جرائم الإبادة الجماعية والمجازر ضد المدنيين.

إبراهيم الميرغني من الحزب الاتحادي الديمقراطي من المؤيدين لقيام حكومة موازية لدى مشاركته في اجتماعات نيروبي (د.ب.أ)

وذكرت في البيان أن هذه الخطوة من الحكومة الكينية تتعارض مع قواعد حسن الجوار، كما تناقض التعهدات التي قدمتها كينيا على أعلى مستوى بعدم السماح بقيام أنشطة عدائية ضد السودان في أراضيها.

وأكدت الخارجية السودانية أن هذه التظاهرة الدعائية لن يكون لها أثر على أرض الواقع، في ظل عزم القوات المسلحة والقوات المشتركة المساندة لها، على تحرير كل شبر دنسته «الميليشيا الإرهابية» ومرتزقتها الأجانب. ودعت المجتمع الدولي لإدانة هذا المسلك من الحكومة الكينية، مشيرة إلى أنها ستتخذ من الخطوات ما سيعيد الأمور إلى نصابها.

إدانات لكينيا من الداخل

وتعرّضت كينيا لإدانات أيضاً من الداخل، اتُهمت فيها بانعدام المسؤولية و«التستر» على أعمال إجرامية لاستضافتها حدثاً تنظمه «قوات الدعم السريع» لإعلان حكومة موازية. وقال مصدران مشاركان في تنظيم الحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي ظل بعيداً عن الأنظار معظم فترة الحرب، وصل إلى كينيا ومن المتوقع أن يحضر الإعلان يوم الجمعة.

زعيم «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - الشرق الأوسط)

واستضافت كينيا عدة اتفاقيات سلام إقليمية، من بينها اتفاقية السلام الشامل في السودان قبل 20 عاماً، لإنهاء حرب أهلية أخرى. لكن أحد المحامين العاملين في منظمة اللاجئين الدولية، وهي جماعة حقوقية، قال إنّ الخطوة الأخيرة «تحطّم» الصورة التي تحبّ كينيا أن تعكسها عن نفسها.

ووصف عبد الله بارو هالاخه قرار استضافة «قوات الدعم السريع» بأنّه «تستر على الإبادة الجماعية». وعدّ في حديث لـ«الوكالة الفرنسية»، أنّ «هذا يضعها في أدنى مستوى في السلوك الدبلوماسي الذي لا يمكنها التراجع عنه».

ولم يصدر أي تعليق من «نيروبي» على الخارجية السودانية، فيما تتواصل اجتماعات التحالف المدني العسكري بمركز «جومو كنياتا» للمؤتمرات وسط العاصمة، بمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، قبل توقيع الميثاق السياسي لـ«تأسيس» الحكومة يوم الجمعة.

ويترقب تشكيل هياكل السلطة الجديدة التي أطلق عليها «حكومة السلام والوحدة» في غضون أسبوع أو أكثر من التوقيع النهائي على الميثاق السياسي، وطرح الوثيقة الدستورية، وسيتم الإعلان عن الحكومة التأسيسية من داخل البلاد.

هل الإعتراف متوقع؟

نصر الدين عبد الباري وزير العدل في حكومة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك وهو أكثر المتمسكين بالحكومة الجديدة، كان أكد في السابق أن من يتبنون فكرة قيام سلطة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» لا يخططون لتقسيم البلاد، أو تأسيس دولة جديدة، مشيراً في حديث سابق مع «الشرق الأوسط» إلى وجود خلط عند البعض، بين مفهومي الدولة والحكومة، ومثال ذلك في ليبيا التي بقيت دولة واحدة بحكومتين، وأنه لا يرى «أي مشكلة في وجود عدة حكومات بالدولة الواحدة، ما دامت الأطراف المختلفة متمسكة بوحدة السودان».وقال الوزير السابق، إن «الاعتراف بالحكومة من قبل الدول الأخرى مهم، ويتم في العادة لاعتبارات سياسية، أو لمصالح مشتركة»، مشيراً إلى أهمية التعاون الدولي، «وسيكون صعباً خصوصاً في أوضاع الحرب والنزاعات». واستدرك قائلاً: «هذا لا يعني أن الحكومة غير المعترف بها لا تستطيع أداء مهامها... المهم أن تكتسب هذه الحكومة الشرعية الداخلية، وهي اعتراف السكان بأنها تمثلهم وتمثل مصالحهم، وهو أمر قد يتحقق من الأيام الأولى. قد يزيد أو ينقص بحسب قدرة الحكومة على توفير الخدمات والعدالة والأمن لهؤلاء السكان».وتشير توقعات مراقبين لـ «الشرق الأوسط» أن تحظى الحكومة المزمعة على الأقل برضا عدة دول في الجوار، تدعم ضمناً «الدعم السريع»، ويطوف قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» بين عواصمها من بينها، كينيا وإثيوبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وأوغندا.

حزب الأمة منقسم

وأثارت خطوة التحالف الذي اتخذ لنفسه اسم «تحالف تأسيس»، ردود فعل متباينة بين القوى السياسية والمدنية، وندد بيان عن مؤسسة الرئاسة في حزب الأمة القومي بمشاركة رئيس الحزب، فضل الله برمة ناصر، وعدد من قادة الحزب في اجتماعات نيروبي. وقال البيان إن الحزب لم يفوض «الرئيس المكلف» فضل الله برمة ناصر، أو أحداً من أعضائه بتمثيله في ذلك الحدث، وتوعد بأن تتخذ مؤسسات الحزب القرارات اللازمة بشأن من شاركوا في الحدث دون تفويض.

وتزامناً مع اجتماعات «تحالف تأسيس» في نيروبي، تشهد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مشاورات دعا لها الاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد»، بين عدد من الكتل السياسية السودانية المتباينة في موافقها من الحرب الجارية في البلاد.

مشاركون في اجتماعات لتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في السودان بنيروبي الثلاثاء (د.ب.أ)

وأفادت مصادر «الشرق الأوسط» بأن الاجتماعات تضم الكتلة الديمقراطية، أبرز الكيانات السياسية المؤيدة للحكومة التي يقودها الجنرال البرهان، والتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، بجانب تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» الذي تقف القوى المنضوية تحت لوائه وراء تشكيل الحكومة الموازية بالشراكة مع «قوات الدعم السريع».

وقال التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إنه لبى دعوة الآلية الأفريقية الرفيعة المستوى لحل الأزمة في السودان، والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد»، في مقر الاتحاد، للتشاور حول كيفية دفع جهود إنهاء الحرب، وتحقيق السلام المستدام في السودان.

ووصف التحالف مشاركته في الاجتماعات بأنها تواصل لالتزامه ببذل الجهود كافة لمعالجة الأزمة الإنسانية الناتجة عن حرب 15 أبريل (نيسان)، وإيجاد الحلول الممكنة لوقف نزف الدم وإحلال السلام، وتابع في بيان: «يناقش الاجتماع مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد السبل الأمثل لتحقيق هذه الغايات، لقناعتنا بأهمية الدور الأفريقي... عبر عملية سلمية تخاطب جذور الأزمة في السودان، وتستكمل مهام ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، ولا تكافئ عناصر النظام البائد وواجهاتهم».

سودانيون يصطفون للحصول على المياه في أم درمان خلال المعارك الجارية بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتأتي هذه المشاورات برعاية الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية الأفريقية «إيغاد» مواصلة لاجتماعات جرت في السابق مع القوى السياسية بشأن العملية السياسية في السودان بعد وقف الحرب، وتشارك فيها تحالفات سياسية رافضة للحرب وأخرى حليفة للجيش وحركات مسلحة بجانب شقي التحالف المدني السابق «تقدم»، «صمود وتأسيس».

وشكل الاتحاد الأفريقي في يناير (كانون الأول) 2024 «الآلية الأفريقية الرفيعة المستوى» برئاسة ممثل الاتحاد لإسكات السلاح محمد بن شمباس، وعضوية نائب رئيس أوغندا الأسبق وانديرا كازيبوي، والممثل الخاص السابق لمفوضية الاتحاد الأفريقي إلى الصومال فرانسيسكو ماديرا.

وحدد مهمتها في العمل أصحاب المصلحة السودانيون وأطراف الحرب والمجتمعان الإقليمي والدولي، لبناء عملية شاملة تستعيد السلام والنظام الدستوري في البلاد، لكن جهود اللجنة تعثرت بسبب اشتراط الحكومة التي يقودها الجيش استعادة عضوية السودان المجمدة في الاتحاد الأفريقي منذ انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، قبل الجلوس لأي مباحثات تحت قيادته.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.