سبتيموس يعود لـ«ميدان الشهداء» مخالفاً تعليمات القذافي

تمثال الإمبراطور الروماني... من المخازن إلى مكانه الأول وسط اعتراضات

تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
TT

سبتيموس يعود لـ«ميدان الشهداء» مخالفاً تعليمات القذافي

تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)

انتصب تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس، من دون حصان، على قاعدة خرسانية سنوات طوالاً على مدخل سوق المشير المطل على «الساحة الخضراء» وسط العاصمة، قبل أن يأمر الرئيس الراحل معمر القذافي بنقله إلى موطنه الأصلي في لبدة الكبرى، القريبة من الخُمس، شرق طرابلس. ويُذكر أنه بعد اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام القذافي تغير اسم «الساحة الخضراء» إلى «ميدان الشهداء».

أمام «باب المشير» المجاور للسراي الحمراء

وراجت روايات عدة في حياة القذافي، تحكي أن الليبيين استخدموا اسم سبتيموس للتورية على تداول الأخبار والمعلومات التي تعكّر صفو السلطة، دون تعقّب أو مطاردة، وإذا سأل أحدهم الآخر: كيف عرفت هذه المعلومات؟ أجاب: «قالها لي سبتيموس»!

وقضت الظروف والملابسات أن يقبع تمثال الإمبراطور، الذي وُلد في مدينة لبدة الليبية سنة 145 وحكم الإمبراطورية الرومانية من عام 193 إلى 211 ميلادية، في مخازن مصلحة الآثار، جزاءً لما نُسب إليه من «شائعات مغرضة» في حق القذافي ونظامه.

د. حافظ الولدة مندوب ليبيا السابق لدى «يونسكو» (الشرق الأوسط)

والسرديات التي يتناقلها ليبيون، وأكدها الدكتور حافظ الولدة، مندوب ليبيا السابق لدى «يونسكو»، تحكي بفخرٍ تاريخ سبتيموس، وكيف وُلد وعاش بينهم، قبل تنصيبه إمبراطوراً، ويوثّقونها بذكرياتهم المصوّرة مع التمثال في فترة السبعينات، وهم يرتدون السراويل «شارلستون»، والآن وبعد اتخاذ قرار رسمي بإعادة التمثال إلى طرابلس، ضجَّت مدينة الخُمس رافضةً القرار.

ونظّم عدد من أهلي الخُمس وقفة احتجاجية مساء (الأحد)، تنديداً باعتزام سلطات طرابلس نقل تمثال سبتيموس من «منشئه الأصلي» إلى طرابلس، وعدّوا القرار «تعدياً صارخاً على الإرث التاريخي والحضاري، ويفتح الباب أمام العبث بالآثار».

ووسط حالة جدل، طالب أهالي الخُمس بضرورة إجراء تحقيق شفاف حول قرار نقل تمثال الإمبراطور من البلدة التي وُلد بها. غير أن الدكتور الولدة قال إن أهالي الخُمس «يخشون فقدان التمثال أو تعرضه للتلف أو السرقة في حال نقله إلى مكان غير معلوم؛ لكنه قال في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «بعد اتصال برئيس مصلحة الآثار؛ أكد أن التمثال يخضع راهناً لرعاية المصلحة وستُدرَس إعادته إلى مقره الأصلي أمام السراي الحمراء في طرابلس».

ولبدة مدينة ليبية تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتعد من أهم المدن الأثرية في شمال أفريقيا، أسَّسها الفينيقيون في القرن السابع قبل الميلاد، وازدهرت في فترة حكم الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس.

«قوس النصر» المشيَّد احتفاءً بالإمبراطور الروماني في لبدة الليبية (الشرق الأوسط)

وتضم المدينة الكثير من الآثار الرومانية المهمة، من بينها المسرح الروماني، والحمامات، والقصر، والكثير من المعابد والقصور. تم إدراجها على قائمة التراث العالمي لـ«يونسكو» في عام 1982.

وقبيل أن يوارى تمثال سبتيموس سيفيروس المخازن زَيَّن لفترة مدخل متحف مدينة لبدة، الذي كان سيفتتحه القذافي آنذاك. لكن حسب الولدة، عندما أُخبر بوضعية التمثال تجاهل افتتاحه، فكان مصير سبتيموس المخازن مذَّاك الزمان.

ورأى الولدة أن اعتراض أهالي الخُمس على نقل التمثال «يعكس اهتمامهم بالحفاظ على تراث بلدهم التاريخي والأثري»، لكنه قال: «عملية نقله التي يُرتَّب لها الآن شأنٌ وإجراءٌ داخلي لمصلحة الآثار ولا أحد يستطيع تغيير ذلك».

وسبتيموس، الذي يوصف بأنه من أقوى الأباطرة الرومان، قاد الكثير من الحملات العسكرية الناجحة، وأجرى أيضاً -حسب رصد الولدة- عملية توسيع مدينة لبدة وتجميلها، وأصبحت من أهم المدن في الإمبراطورية الرومانية.

وُلد سبتيموس في لبدة الكبرى في 11 أبريل (نيسان) 145 بإقليم طرابلس، عندما كانت مستعمرة رومانية ضمن ولاية أفريقيا الرومانية. وهنا يلفت الولدة إلى أنه أخذ اسم جده من جهة الأب، وبعد مرور خمسين عاماً، اختار أن يلقب نفسه بـ«ابن ماركوس المؤلّه» بدلاً من «ابن بوبليوس».

وأمام عاصفة الجدل التي صاحبت قرار نقل التمثال، دخل ليبيون كثيرون على خط الأزمة خوفاً عليه من مصير مجهول سبق وواجه «الحسناء العارية».

ودعا المخرج الليبي أسامة رزق، عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، إلى ترك تمثال الإمبراطور سبتيموس في مدينته «مرتاحاً حتى لا يحدث له ما حدث للغزالة». وقال: «أخذتم من مدينة الخمس كل شيء؛ اتركوا لها تاريخها».

وأنجب الإمبراطور سبتيموس ولدان، الأول «كاركالا» والثاني «غيتا». ويروى أن الأول قتل الثاني خوفاً على ملكه، وعمد فيما بعد إلى قطع رأس كل تماثيل شقيقه.

وحسب مؤرخين شيَّدت لبدة في القرن الثاني الميلادي «قوس النصر» في مدخلها احتفالاً باستقبال ابنها سبتيموس.

تمثل لرأس غيتا نجل سبتيموس كانت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة قد استردته من الخارج

وفي ظروف غامضة، اختفى تمثال «الحسناء العارية» البرونزي من وسط طرابلس، عقب الانفلات الأمني الذي ساد ليبيا بعد اندلاع «ثورة 17 فبراير»، ولا تزال الروايات تتهم تيارات متشددة بنزع التمثال الذي يعود لفترة الاحتلال الإيطالي لليبيا ويجسد امرأة عارية بجوار غزالة.

وإرث سبتيموس سيفيروس الحضاري لا يزال شاهداً على فترته في لبدة الكبرى، إذ يمكن لزائريها مشاهدة كثير من الآثار الرومانية التي تعود إلى عصره، مثل المسرح الروماني، والحمامات الضخمة، وقوس النصر.


مقالات ذات صلة

تمثال في مدخل طريق الإسكندرية الصحراوي يثير جدلاً في مصر

يوميات الشرق التمثال الذي شهد جدلاً في مدخل طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي (فيسبوك)

تمثال في مدخل طريق الإسكندرية الصحراوي يثير جدلاً في مصر

ما بين محتفٍ بمستواه الفني، ومنتقد يرى أنه لا يصل لأن يكون في مفتتح طريق يؤدي إلى المتحف الكبير، دار جدل حول تمثال بطريق القاهرة - الإسكندرية.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق تمثال برونزي للسيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب يظهر في مسقط رأسها بسلوفينيا (أ.ف.ب)

سرقة تمثال ميلانيا ترمب في سلوفينيا... والشرطة تحقق

دُمر أول تمثال للسيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب في موطنها سلوفينيا جراء حريق، وفُقد الآن التمثال البرونزي البديل له، مما دفع الشرطة إلى فتح تحقيق.

«الشرق الأوسط» ( ليوبليانا)
يوميات الشرق تمثال الدكتور مجدي يعقوب بسيمبوزيوم أسوان (فيسبوك الفنان ناثان دوس)

«الثقافة المصرية» ترد على شائعة تحطيم تمثال مجدي يعقوب

أصدرت وزارة الثقافة المصرية بياناً للرد على ما أشيع عن تحطيم تمثال جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مُرمّمة تنظف تمثال «دافيدي» لميكيلانجيلو في «غاليريا ديل أكاديميا» بفلورنسا (أ.ف.ب)

في فلورنسا... عملية تنظيف كل شهرين لتمثال «دافيدي» الشهير (صور)

يستلزم الغبار الذي يعشش في ثنايا منحوتة «دافيدي» (داود) الرخامية الشهيرة للفنان ميكيلانجيلو إجراء عمليات تنظيف دورية.

«الشرق الأوسط» (فلورنسا (إيطاليا))
يوميات الشرق احتفال «غوغل» بتماثيل عين غزال الأثرية (صورة من صفحة «دودل» التابعة لـ«غوغل»)

تماثيل عين غزال الأردنية... لم يعرفها كثيرون إلا بعد احتفاء «غوغل» بها

ربما لا يعرف رجل الشارع الأردني أن بعضاً من أقدم التماثيل الآدمية اكتُشفت على مقربة منه، بل وربما لم يعلم البعض عنها شيئاً قبل أن يحتفي بها محرك البحث «غوغل».

«الشرق الأوسط» (عمان)

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
TT

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)

شهد ملايين المصلين بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ليلة ختم القرآن الكريم، مساء الثلاثاء، حيث أدوا صلاة العشاء والتراويح ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وسط أجواء روحانية تحفّها السكينة والاطمئنان.

ومنذ الصباح الباكر، توافد ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار والمصلين، إلى أروقة وساحات المسجد الحرام، والطرق المؤدية إليه، حيث تمكن أكثر من مليونين ونصف مليون مصلٍ من أداء مناسكهم وعباداتهم بكل يسر وأمان، بفضل ما وفرته الحكومة السعودية من خدمات، وما نفذته من مشروعات بإشراف ومتابعة قيادة البلاد.

يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المصلين من مختلف بقاع العالم (واس)

وجندت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كامل طاقاتها وإمكاناتها ضمن منظومة عمل متكاملة، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لاستقبال القاصدين وتنظيم حركتهم، وتوجيههم إلى صحن المطاف والمصليات المخصصة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عبر مسارات مهيأة تسهّل تنقلهم.

وامتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه، والتوسعات المحيطة به بالمصلين وزائريه، التي حرصت الهيئة على تهيئتها الكاملة، ووضع كل الترتيبات اللازمة للمحافظة على سلامة وراحة المصلين والزائرين، ومساعدتهم في قضاء أوقات مليئة بالذكر والعبادة والراحة والطمأنينة.

وتشهد صلاة التراويح في ليلة ختم القرآن الكريم بالمسجدين «الحرام» و«النبوي» توافداً مبكراً للمتعبدين، حيث تتوافد جموع المصلين منذ ساعات العصر، في انسيابية حركية، وتنظم دقيق، يعكس مستوى العناية براحة القاصدين وسلامتهم.

وهيأت الهيئة لوحات إرشادية مصنفة وفق المواقع، لتيسير وصول المصلين إلى الخدمات والمرافق، إلى جانب تعزيز أعمال النظافة والتعقيم والتعطير باستخدام أحدث المعدات والآليات، وتشغيل دورات المياه بكامل جاهزيتها، وفرش المسجد الحرام بأعداد كبيرة من السجاد، وتوفيرها على المدار الساعة نقاطاً كثيرة لسقيا ماء زمزم، مبردة وغير مبردة.

امتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه والتوسعات بالمصلين وزائريه منذ وقت مبكر (واس)

وفي إطار تسهيل الدخول والخروج، عملت الهيئة على تخصيص مداخل لكبار السن وذوي الإعاقة، إلى جانب تكثيف فرق البلاغات لاستقبال الملاحظات، وتوفير المصاحف، والتأكد من كفاءة أنظمة الصوت والتكييف والتهوية، وتشغيل العربات الكهربائية واليدوية عبر تطبيق «تنقل»، وتنظيم عمل دافعي العربات وفق خطط تشغيلية دقيقة.

وعززت الهيئة وجود المراقبين على أبواب المسجد الحرام لتوجيه المصلين، استخدمت فيها شاشات الإلكترونية متعددة اللغات للإرشاد المكاني، بالتكامل مع الجهات الأمنية لتنظيم الحشود، خاصة عند امتلاء المصليات، إضافة إلى تنفيذ خطط متقدمة لأعمال التطهير والتعقيم.

وكثفت الهيئة جهودها الميدانية عبر كوادر مؤهلة للإشراف على تنظيم الساحات والممرات، ومتابعة أعمال النظافة وغسل المسجد الحرام بشكل مستمر، وتهيئة المداخل والممرات، وتنظيم استخدام السلالم الكهربائية، وإرشاد المصلين إلى الأدوار العلوية، والمعتمرين إلى صحن الطواف، مع التأكد من جاهزية أنظمة السلامة وخطط الطوارئ لمواجهة مختلف الظروف.

تعدّ ليلة ختم القرآن من أكثر الليالي ازدحاماً خلال شهر رمضان المبارك (واس)

وجهزت الهيئة السلالم الكهربائية والمصاعد، ورفعت من كفاءة الأنظمة الصوتية والتكييف والإضاءة والتهوية، وصيانة المرافق، وتطبيق أعلى معايير الوقاية البيئية، مع استخدام أنظمة متقدمة لمتابعة الحالة الجوية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.

ونفذت الهيئة بالتكامل مع الجهات المعنية خططاً شاملة للإرشاد المكاني، وتخصيص مسارات واضحة في الممرات، ضمن مبادرة «اسألني» التي تقدم خدمات إرشادية ميدانية بعدة لغات، لمساعدة القاصدين وتيسير تنقلهم داخل المسجد الحرام وساحاته.

وأوضح المهندس محمد فقيهي مدير عام خدمات الحشود في هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين بالمسجد النبوي، أن الهيئة تعمل على تعزيز جوانب التكامل بين مختلف الجهات المعنية في خدمة زائر المسجد النبوي، وتكثيف الجهود التنظيمية والخدمية؛ إذ عُزّزت نقاط الإرشاد، وزادت من جاهزية الفرق الميدانية، للتعامل مع مختلف الحالات، لدعم تنفيذ الخطط التشغيلية بسلاسة وكفاءة، بالإضافة إلى الخدمات المساندة لتعزيز راحة المصلين، من خلال توفير مياه الشرب، واستمرار أعمال التطهير، والعناية بالسجاد، وتيسير حركة التنقل والعربات لكبار السن وذوي الإعاقة.

هيأت الهيئة العامة لـ«شؤون الحرمين» بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة منظومة متكاملة من الخدمات لاستقبال المصلين والزائرين (واس)

وتعكس هذه الجهود منظومة تشغيلية متكاملة تُدار وفق معايير عالية من الكفاءة والتنسيق، تُسهم في تمكين جموع المصلين من أداء صلاة التراويح في ليلة الختمة في أجواء يسودها التنظيم والانسيابية والطمأنينة، بما يجسد مستوى العناية المتواصلة بخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، ويؤكد جاهزية المنظومة التشغيلية للتعامل مع أعلى معدلات الكثافة بكفاءة واقتدار.

وأكدت الهيئة العامة للعناية بـ«شؤون الحرمين» تسخير جميع إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، والعمل وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة، بما يحقق تجربة إيمانية ميسّرة وآمنة لقاصدي بيت الله الحرام في هذه الليلة المباركة.


«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
TT

الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)

بعد أكثر من 15 عاماً على طرح فكرة تقديم عمل درامي يتناول سيرة العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود (1921 - 2009)، أعيد طرحها ولكن برؤية تتضمن عرضه في رمضان 2027 على أن يقوم الكاتب محمد هشام عبية بكتابة العمل وتخرجه كاملة أبو ذكري.

وتصدر العمل الذي يعد أول مشروع درامي يعلن تقديمه في رمضان المقبل الاهتمام في مصر، لكثرة العثرات التي واجهتها الفكرة من قبل، بالإضافة لطبيعة أعمال السيرة الذاتية التي عادة ما تكون محل ردود فعل متباينة وترقب لما سيتم تقديمه على الشاشة.

المسلسل الذي تقوم المنتجة مها سليم عبر شركتها بتنفيذه من إنتاج «الشركة المتحدة» و«سعدي - جوهر» حصل صناعه على موافقات رسمية بتوقيعات من ورثة العالم الراحل وهما ابناه أدهم وأمل لتقديم العمل درامياً، مع إنهاء أي تعاقدات سابقة وفق بيان صدر عن المنتجة المصرية.

وأكدت المنتجة أن ورثة الراحل انتهى تعاقدهم الذي يعود لعام 2012 مع المنتج أحمد عبد العاطي، الذي كان يمنحه حق تنفيذ العمل خلال 5 سنوات، لافتة إلى أن الورثة بدأوا منذ عام 2018 توجيه إنذارات عبر المحكمة تفيد بانتهاء جميع الصلاحيات القانونية لأي طرف سابق، مع توجيه إنذار أخير في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت أن شركتها «فورايفر دراما» حصلت على حقوق العمل من الورثة بالفعل قبل الإعلان عن المشروع، مؤكدة اعتزامهم إصدار بيان توضيحي خلال الأيام المقبلة لتوضيح الحقائق حول المشروع وتفاصيله.

ومن المقرر أن يقدم الفنان خالد النبوي شخصية مصطفى محمود، وقد أشارت إليه منتجة المسلسل في المقطع الدعائي الذي نشرته، وكان النبوي هو بطل المشروع السابق للمسلسل.

من المقطع الترويجي للعمل (يوتيوب)

وقال الناقد خالد محمود إن شخصية «مصطفى محمود» ثرية جداً، وتستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما تحمله من قيمة يمكن أن تقدم نموذجاً مهماً للأجيال الجديدة، لكن التحدي لا يكمن فقط في تقديم القصة، بل في كيفية صياغتها درامياً، بحيث توضح كيف وصل إلى هذه المرحلة وما طبيعة تكوينه، خصوصاً أنها شخصية تجمع بين أنشطة وتجارب متعددة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الشخصيات تغري كثيراً من المؤلفين، لكن الأهم أن يُكتب العمل بطريقة قادرة على جذب الجمهور وتحقيق تفاعل معه، لا سيما وأن أعمال السيرة الذاتية غالباً ما تواجه ردود فعل متباينة، وهو ما يتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة».

وأوضح أن «اختيار البطل عنصر أساسي في نجاح العمل، وخالد النبوي ممثل ذكي ومتحمس لتجسيد الشخصية منذ فترة، وهو أمر إيجابي، لكن الأهم أن يمتلك القدرة على نقل كل المشاعر والتفاصيل الإنسانية الخاصة بالشخصية إلى الجمهور، لأن هذا النوع من الأعمال يعتمد على صدق الأداء وقدرته على التأثير».

شخصية مصطفى محمود ضمن تناول الدراما (إكس)

وأثير جدل «سوشيالي» حول فريق عمل مشروع المسلسل السابق، وعدم الاستعانة بهم في العمل الجديد، الأمر الذي أرجعه الناقد أحمد سعد الدين إلى وجود صور نشرت بالفعل من تحضيرات وتجهيزات للعمل السابق، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «شخصية مصطفى محمود من الشخصيات التي تستحق بالفعل تقديمها درامياً وبأكثر من زاوية للمعالجة».

وأضاف أن ارتباط اسم مصطفى محمود ببرنامج «العلم والإيمان»، الذي يُعد من أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون، يضاعف من حجم التوقعات والاهتمام بالعمل، عادّاً أن الإعلان المبكر عن المسلسل قد يسهم في استمرار الجدل لفترة أطول، خصوصاً في ظل عدم بدء التصوير حتى الآن أو الكشف الكامل عن فريق العمل.