صناعة العملات المشفرة تسعى لفرض نفوذها في واشنطن

بعد إنفاق الملايين على الحملات الانتخابية

صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

صناعة العملات المشفرة تسعى لفرض نفوذها في واشنطن

صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

عندما عقد ديفيد ساكس، المسؤول عن سياسات العملات المشفرة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مؤخراً، مؤتمراً صحافياً؛ لإعلان تشكيل مجموعة عمل جديدة في الكونغرس تهدف إلى تعزيز تنظيم الأصول الرقمية؛ لم يكن رد فعل مجتمع العملات المشفرة حافلاً بالحماس أو التفاؤل.

وقال ساكس في «بودكاست»، بعد أيام من الإعلان: «كان هناك الكثير من الأشخاص على منصة (إكس) الذين شعروا أن هذا الخبر ليس استثنائياً كما قد يعتقد البعض»، في إشارة إلى المنصة التي كانت تُعرف سابقاً بـ«تويتر». ورغم ذلك، أكد أن التزام البيت الأبيض وأعضاء بارزين في الكونغرس بتمرير تشريعات مهمة تتعلق بالعملات المشفرة خلال العام المقبل، وربما في غضون ستة أشهر، يُعد إنجازاً غير مسبوق. وأضاف: «لم نصل إلى هذه المرحلة من قبل، لذا فهو أمر بالغ الأهمية».

وتُظهر لهجة ساكس الدفاعية واقعاً جديداً في واشنطن؛ فبعد أن أنفقت صناعة العملات المشفرة مبالغ ضخمة لدعم حملة ترمب وانتخاب مشرعين داعمين لها، أصبحت الصناعة أكثر جرأة وذات نفاد صبر، وتسعى بجدية لترسيخ نفوذها في المشهد السياسي والنظام المالي السائد، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي جلسة استماع في مجلس النواب بعنوان «العصر الذهبي للأصول الرقمية: رسم مسار للمستقبل»، قال رئيس مجلس الابتكار في العملات المشفرة والرئيس التنفيذي المؤقت، جي هون كيم: «الوقت عامل حاسم».

ومنذ تولي ترمب منصبه، حقّقت صناعة العملات المشفرة بعض المكاسب المبكرة، مثل إلغاء هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية قاعدة محاسبية مثيرة للجدل، إلى جانب إصدار الرئيس أمراً تنفيذياً يقضي بإنشاء مجموعة عمل لدراسة مقترحات تعديل القوانين المنظمة للعملات المشفرة، والنظر في إمكان تشكيل احتياطي حكومي استراتيجي من العملات الرقمية خلال 180 يوماً.

تصفية الحسابات مع الخصوم القدامى

ومع تصاعد المطالب باتخاذ إجراءات أكثر جوهرية، بدأ بعض الفاعلين في القطاع استعراض نفوذهم عبر معاقبة خصومهم السابقين. فقد أعلن المؤسس المشارك لمنصة «جمني» لتداول العملات المشفرة، تايلر وينكلفوس، أن شركته لن توظّف أي خريج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا رداً على قرار الجامعة بإعادة تعيين رئيس هيئة الأوراق المالية السابق غاري غينسلر أستاذاً. وقال على منصة «إكس»: «حتى برامج التدريب الصيفي لدينا لن تستقبل أي خريج من المعهد».

جاء ذلك بعد أن كشف الرئيس التنفيذي لشركة «كوينباس» عن أن شركته لن تتعامل مع أي مكتب محاماة يوظّف مساعدين سابقين لغينسلر، الذين اتخذوا إجراءات وُصفت بأنها «عدائية» تجاه قطاع العملات المشفرة. فقد كانت هيئة الأوراق المالية، بقيادة غينسلر، من أشد الجهات التنظيمية صرامة في فرض الرقابة على الصناعة.

وفي الأسابيع الأخيرة، عقد الكونغرس عدة جلسات استماع أتاحت لأنصار العملات المشفرة التعبير عن استيائهم مما عدوه استهدافاً منظماً خلال إدارة بايدن، لا سيما فيما يتعلق بإجبار الجهات التنظيمية للبنوك على قطع علاقاتها مع شركات التشفير.

من جانبها، انتقدت القيادة الجمهورية الجديدة في هيئة الأوراق المالية أداء الوكالة في عهد غينسلر، متعهدة بإحداث تغيير جذري، وإن كان ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها. وقالت مفوضة هيئة الأوراق المالية التي تقود فريق العمل الجديد المعني بالعملات المشفرة، هيستر بيرس، في بيان مطول: «لقد استغرقنا وقتاً طويلاً للوصول إلى هذه الفوضى، لذا نرجو التحلي بالصبر».

وفي تحول ملحوظ، طلبت الهيئة مؤخراً من محكمة اتحادية تعليق الدعاوى الجارية ضد منصة «باينانس»، أكبر بورصة عملات مشفرة في العالم، بسبب إعادة تقييم القيادة الجديدة للإجراءات القانونية السابقة.

تشريعات منتظرة قد تعيد رسم ملامح القطاع

يتوقع «غولدمان ساكس» والمشرعون الداعمون للعملات المشفرة تمرير قانونين رئيسيين في المستقبل القريب:

الأول: يضع إطاراً تنظيمياً واضحاً، ويتطلب احتياطيات مالية للمُصدرين لعملات «الستيبلكوين»، وهي عملات رقمية مستقرة ترتبط قيمتها غالباً بالدولار أو عملات تقليدية أخرى، وقد شهدت نمواً هائلاً في شعبيتها.

الآخر: يحدد القواعد التنظيمية التي تحكم عمل منصات تداول العملات المشفرة وشركات القطاع، ويقرر أي الأصول الرقمية يجب تصنيفها بصفتها أوراقاً مالية تخضع لتنظيمات صارمة، وأيها يجب التعامل معها بصفتها سلعاً مثل الذهب أو النفط.

وعلى الرغم من تعثر مشروعات مماثلة في السنوات الماضية، فإن قطاع العملات المشفرة يتوقع هذه المرة دعماً واسعًا من الحزبين، ويرجع ذلك جزئياً إلى الإنفاق السياسي الكبير للصناعة.

وقد أعلنت لجنة العمل السياسي في «فيرشيك»، التي كانت من بين أكبر المنفقين في انتخابات العام الماضي، أنها جمعت بالفعل مبلغاً ضخماً استعداداً لانتخابات التجديد النصفي للعام المقبل. وكان أحد أكبر انتصارات صناعة العملات المشفرة العام الماضي هو المساعدة في الإطاحة بالسيناتور السابق شيرود براون، وهو ديمقراطي من أوهايو ومنتقد للعملات المشفرة الذي قاد اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ.

وقال مستثمر العملات المشفرة، أنتوني سكاراموتشي، الذي شغل لفترة وجيزة منصب مدير الاتصالات خلال فترة ولاية ترمب الأولى: «لقد وصلت الرسالة إلى الديمقراطيين. إنهم لا يريدون أن يكونوا في حملة 2026 ولديهم جيش من العملات المشفرة ضدهم».

وتماماً مثل أسعار العملات المشفرة، فإن شعبية الصناعة ونفوذها عرضة لتقلبات شديدة وانهيارات. قبل بضع سنوات، كان «السوبر بول» مليئاً بالمشاهير الذين يقومون بإعلانات تجارية لشركات العملات المشفرة، وكان رجل الأعمال سام بانكمان فريد يتمتع بسهولة الوصول إلى أعلى قاعات السلطة.

وتضاءلت تلك الشعبية والنفوذ بعد انهيار شركة «بانكمان فريد»، وسط احتيال جنائي ضخم، وانهيار السوق، وفضائح أخرى؛ قبل أن تعود بقوة مع فوز ترمب.

وبينما ظهرت جبهة موحدة للانتخابات، تخاطر المناقشات حول تشريعات العملات المشفرة واقتراحات السياسات الأخرى بالكشف عن خطوط الصدع بين قبائل الصناعة الكثيرة وشخصياتها القوية وغريبة الأطوار.

على سبيل المثال، تسبّب الرئيس التنفيذي لشركة «ريبل» في إحداث موجات عندما قال إنه يرغب في أن تشمل احتياطيات الحكومة الأميركية من العملات المشفرة أصولاً رقمية متعددة بدلاً من «البتكوين»، العملة المشفرة الأكثر شعبية في العالم. وهذه الفكرة غير مقبولة بالنسبة إلى الكثير من المتحمسين لـ«البتكوين».

وسلّط تقرير جديد من «جيه بي مورغان» الضوء على كيف أن بعض المقترحات في تشريعات العملات المستقرة المتعلقة بكيفية احتفاظ هذه العملات بالاحتياطيات يمكن أن تشكّل "تحدياً كبيراً" لشركة «تيثر»، أكبر عملة مستقرة في العالم.

ورد الرئيس التنفيذي لشركة «تيثر» التي انتقلت مؤخراً إلى السلفادور، المعروفة بسياساتها المؤيدة للعملات المشفرة، على التقرير عبر منصات التواصل الاجتماعي، متهماً محللي البنك بـ«التحامل والغيرة».


مقالات ذات صلة

بين إسلام آباد وعائلة ترمب... باكستان تفتح أبوابها لعملة «وورلد ليبرتي» الرقمية

الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب وزاك ويتكوف المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» يشيرون بأيديهم خارج مبنى «ناسداك» بعد قرع جرس الافتتاح (أرشيفية - رويترز)

بين إسلام آباد وعائلة ترمب... باكستان تفتح أبوابها لعملة «وورلد ليبرتي» الرقمية

وقَّعت باكستان اتفاقية مع شركة مرتبطة بشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» الرئيسية في مجال العملات الرقمية لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كراتشي (باكستان))
الاقتصاد تعد عملات «الميم» نوعاً من الرموز الرقمية التي غالباً ما ترتبط بالنكات أو الصور الساخرة (رويترز)

الأصول الرقمية في 2025... من فوضى النمو إلى مرحلة النضج المؤسسي

تتميز العملات المشفرة بتقلبات سعرية عالية جداً لقلة قيمتها الأساسية وغياب المنفعة الملموسة أحياناً، مما يجعلها استثماراً مضارباً عالي المخاطر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أشخاص يغادرون مقر هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في واشنطن (رويترز)

انفتاح الأسواق الأميركية... عهد جديد للأصول البديلة في 2026

تشهد الأسواق المالية في الولايات المتحدة مرحلة من التحول، والتطور، مع اتساع نطاق الخيارات الاستثمارية المتاحة للمستثمرين الأفراد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد صور افتراضية للعملات المشفرة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

عام ذهبي للعملات المشفرة بأميركا يسبق مرحلة عدم يقين

استهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب حقبة رئاسته الثانية بأجواء احتفالية صاخبة للعملات المشفرة ما مهد الطريق لتحول جذري ومكاسب كبيرة

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عملة «بتكوين» أمام شاشة تعرض سعر صرفها مقابل الدولار الأميركي (رويترز)

انهيار العملات المشفرة يثير الحذر ويعزز الابتكار في استراتيجيات الاستثمار

أحدث الانهيار الأخير في سوق العملات المشفرة موجة من الحذر والترقب لدى المستثمرين، بعد أن طال تأثيره أعمق قطاعات الصناعة وأكثرها رسوخاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«قرار الـ10 %» يربك الأسواق: البنوك الأميركية تترقب «ساعة الصفر» من إدارة ترمب

بورصة نيويورك في الصباح (أ.ب)
بورصة نيويورك في الصباح (أ.ب)
TT

«قرار الـ10 %» يربك الأسواق: البنوك الأميركية تترقب «ساعة الصفر» من إدارة ترمب

بورصة نيويورك في الصباح (أ.ب)
بورصة نيويورك في الصباح (أ.ب)

تراجعت أسهم البنوك الأميركية في تعاملات صباح الثلاثاء، بالتزامن مع انخفاض عام في الأسواق، فيما يترقب المستثمرون اتضاح الرؤية بشأن ما إذا كان الموعد النهائي الذي حددته إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في 20 يناير (كانون الثاني) لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على فوائد بطاقات الائتمان، سيدخل معه حيّز التنفيذ.

وقالت الإدارة إن السقف المقترح من شأنه تعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين، في حين حذرت البنوك بأنه قد يؤدي إلى تراجع توافر الائتمان؛ إذ سيحدّ من قدرتها على تسعير المخاطر المرتبطة بقروض بطاقات الائتمان غير المضمونة بصورة ملائمة، وفق «رويترز».

وكان ترمب قد دعا الشركات إلى الامتثال للإجراء بحلول 20 يناير، غير أن الغموض لا يزال يحيط بإمكانية تطبيق الخطوة بشكل أحادي من دون تشريع يصدر عن الكونغرس.

وتراجعت أسهم «جيه بي مورغان تشيس» بنسبة 1.6 في المائة، كما انخفضت أسهم «بنك أوف أميركا» و«سيتي غروب» بنسبتَيْ 1.1 و2.4 في المائة على التوالي، في حين هبطت أسهم «ويلز فارغو» 1.3 في المائة.

وقال برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة «أنيكس» لإدارة الثروات، في تصريح لـ«رويترز»: «في الوقت الراهن، يُنظر إلى هذا التطور بوصفه ضغطاً مؤقتاً، وقد يتلاشى سريعاً إذا اقتصر على دعوة الكونغرس إلى التحرك، بدلاً من اتخاذ إجراء سياسي مباشر من قبل السلطة التنفيذية».

كما تراجعت أسهم «مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس» بنسبتَيْ اثنين و1.5 في المائة على التوالي.

وكان مسؤولون تنفيذيون في «جيه بي مورغان»، من بينهم الرئيس التنفيذي جيمي ديمون، قد حذروا الأسبوع الماضي بأن هذه الخطوة ستُلحق ضرراً بالمستهلكين. وأشار أكبر بنك إقراض في الولايات المتحدة إلى أن «جميع الخيارات مطروحة»، رداً على تساؤلات بشأن احتمال اللجوء إلى القضاء.

ويأتي مقترح فرض سقف على فوائد بطاقات الائتمان في ظل تصاعد موقف إدارة ترمب المتشدد تجاه القطاع المصرفي، الذي قال الرئيس إنه قيّد الخدمات المالية المقدمة لبعض القطاعات المثيرة للجدل. كما فتحت الإدارة تحقيقاً بحق رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، جيروم باول.

وأكد ديمون، يوم السبت، أنه لم يُطلب منه تولي منصب رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، وذلك بعد ساعات من نفي ترمب تقريراً أفاد بأنه عرض عليه المنصب.

وكان ترمب قد أعلن عزمه مقاضاة بنك «جيه بي مورغان» خلال الأسبوعين المقبلين، متهماً إياه بـ«حرمانه من الخدمات المصرفية» عقب هجوم أنصاره على مبنى «الكابيتول» الأميركي في 6 يناير 2021.

حل وسط محتمل

يرى خبراء في القطاع المصرفي أن دخل الفوائد لدى البنوك، وهو مصدر رئيسي للربحية، سيتعرض لضغوط كبيرة إذا جرى تطبيق المقترح بصيغته الحالية.

وكتب محللو شركة «تي دي كوين» في مذكرة: «نعتقد أن حلاً سياسياً، يجري العمل عليه، من شأنه أن يحول دون ممارسة ضغوط على الكونغرس لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان».

وأضاف المحللون أن بإمكان مُصدِري بطاقات الائتمان تقديم بادرة تصالحية عبر إطلاق عروض مبتكرة، مثل خفض أسعار الفائدة لبعض العملاء، أو طرح بطاقات أساسية بفائدة 10 في المائة من دون مكافآت، أو تقليص حدود الائتمان.

وكان كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، قد اقترح في وقت سابق فكرة ما تُعرف بـ«بطاقات ترمب»، التي قد تقدمها البنوك طوعاً بدلاً من فرضها بموجب تشريع جديد، دون كشف تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه البطاقات.


«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)
النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)
TT

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)
النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)

في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يبحث عن جدوى الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، وتتساءل فيه الأسواق عن موعد جني ثمار «سيليكون فالي»، قدمت «أرامكو السعودية» من منصة «دافوس 2026» إجابة عملية وصادمة بلغة الأرقام.

فالمملكة التي تتحرك بجرأة بين رأس المال والطاقة، لم تعد تبني بنية تحتية تقنية فحسب، بل بدأت بالفعل في تحويل «الخوارزميات» إلى قيمة تشغيلية مليارية، متجاوزة مرحلة الوعود إلى مرحلة «النتائج المحققة».

وكشف الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن تحول جذري في كفاءة الشركة بفضل التكنولوجيا، حيث جنت الشركة عائدات تقنية بلغت 6 مليارات دولار خلال عامي 2023 و2024، أكثر من نصفها ناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

هذه القفزة ليست مجرد نمو طبيعي، بل هي انفجار في الكفاءة مقارنة بنحو 300 مليون دولار فقط في السنوات السابقة.

المثير في الأمر أن الذكاء الاصطناعي وحده كان المحرك لنصف هذه القيمة، مع توقعات بإضافة ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار أخرى عند إعلان نتائج عام 2025.

هذه الأرقام تضع «أرامكو» كأكثر شركة طاقة في العالم نجاحاً في «تسييل» البيانات وتحويلها إلى أرباح ملموسة.

وقال الناصر في هذا السياق: «الجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره، لكن السؤال الحقيقي هو: أين القيمة؟ وأين هي الأرقام الدولارية؟ هذا ما أثبتناه في (أرامكو)».

وكان رئيس «مايكروسوفت» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، نعيم يزبك، قال خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن السعودية انتقلت من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنها تقف اليوم في مقدمة مشهد تقني يُعد «لحظة تحول تاريخية لم نشهد مثلها في المائة عام الماضية»، لحظة تُعرّفها البنى السحابية السيادية والذكاء الاصطناعي وقدرات الابتكار الوطني.

وكشف الناصر أن «أرامكو» طوّرت حتى الآن 500 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ400 في العام السابق، انتقل منها 100 إلى التطبيق الفعلي.

وقال إن هذا الإنجاز جاء نتيجة نموذج تشغيلي رقمي تم تطويره عبر شركة رقمية ومركز تميز في الذكاء الاصطناعي، يربط الخبرات الفنية بالقدرات التقنية ويحول الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

عندما تتحدث الآبار

لم يعد التنقيب في «أرامكو» يعتمد على الحدس أو الطرق التقليدية، بل بات محكوماً بـ«نموذج الأرض الذكي»، وفق توصيف الناصر، الذي أحدث ثورة في قطاع التنقيب والإنتاج؛ إذ أسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة إنتاجية بعض الآبار بنسبة مذهلة تصل إلى 40 في المائة.

كما ارتفعت دقة تحديد المناطق الإنتاجية إلى أكثر من 90 في المائة، مما يقلل من هدر الوقت والجهد.

ولم يقتصر الأثر على الأرباح، بل امتد لخفض الانبعاثات وتعزيز الموثوقية التشغيلية.

وكشف الناصر عن توجه «أرامكو» نحو تسويق ابتكاراتها تقنياً، مؤكداً أن الشركة تعمل حالياً مع كبار مزودي خدمات الحوسبة السحابية العالميين (Hyperscalers) لنقل هذه التقنيات إلى خارج حدود الشركة وطرحها تجارياً.

وأوضح أن الهدف هو توسيع أثر الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة العالمي، مستندة في ذلك إلى بيانات عالية الجودة وبنية تحتية متينة تجعل من تقنيات «أرامكو» منتجات قابلة للتصدير والتوسع عالمياً.

المعادلة السعودية

وفي رسالة وجهها الناصر إلى الصناعة العالمية، أكد أن سر تفوق «أرامكو» ليس في «شراء الرقائق» أو تكديس الأجهزة، بل في «جودة البيانات» و«بناء المواهب».

وتمتلك الشركة اليوم جيشاً تقنياً يضم 6 آلاف موهبة مدربة خصيصاً على الذكاء الاصطناعي، مما يثبت أن الخبرة البشرية هي «المعالج الحقيقي» الذي يدير هذه الثورة.

«الاقتصاد الجديد»

تتقاطع تجربة «أرامكو» مع تقرير «بلاك روك» للتوقعات العالمية لعام 2026، الذي يضع المملكة في مقدمة الدول القادرة على قيادة البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.

بفضل ميزتها التنافسية في انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية، تستعد المملكة لتشغيل مراكز بيانات عملاقة (مثل مشاريع شركة «هيوماين» بطاقة 6.6 غيغاواط)، مما يجعلها «المغناطيس العالمي» الجديد للاستثمارات التقنية كثيفة الاستهلاك للطاقة.


مكاسب في معظم الأسهم الخليجية… والسوق السعودية مستقرة

مستثمر يمر أمام شاشة تعرض معلومات «سوق الأسهم السعودية» (رويترز)
مستثمر يمر أمام شاشة تعرض معلومات «سوق الأسهم السعودية» (رويترز)
TT

مكاسب في معظم الأسهم الخليجية… والسوق السعودية مستقرة

مستثمر يمر أمام شاشة تعرض معلومات «سوق الأسهم السعودية» (رويترز)
مستثمر يمر أمام شاشة تعرض معلومات «سوق الأسهم السعودية» (رويترز)

اختتم معظم أسواق الأسهم الخليجية جلسة يوم الثلاثاء على ارتفاع، مع ترقب المستثمرين إعلانات نتائج الشركات. في المقابل، أنهت السوق السعودية تعاملاتها مستقرة إلى مائلة للتراجع الطفيف؛ متأثرة بعمليات جني أرباح بعد المكاسب الأخيرة.

وسجل مؤشر «سوق دبي المالية» ارتفاعاً بنسبة 0.5 في المائة، ليغلق عند أعلى مستوياته منذ نحو عقدين، بدعم من صعود سهم «إعمار العقارية» بنسبة 0.7 في المائة.

في السعودية، أنهى المؤشر العام تعاملاته دون تغير يُذكر، بعد صعوده بنسبة 3.3 في المائة الأسبوع الماضي، غير أن عمليات جني الأرباح حدّت من استمرار الارتفاع.

وفي أبوظبي، ارتفع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة، مدعوماً بصعود سهم «أدنوك للغاز» بنسبة مماثلة. كما ارتفع سهم «بنك أبوظبي الإسلامي» بنسبة 1.2 في المائة، قبيل إعلان نتائجه المالية للربع الرابع المقرر صدورها الأربعاء.

وفي قطر، صعد المؤشر العام بنسبة 0.1 في المائة، بدعم من ارتفاع سهم «صناعات قطر» بنسبة 1.3 في المائة، فيما زاد سهم «قطر لنقل الغاز» بنسبة 0.8 في المائة، قبيل إعلان نتائجه في وقت لاحق من اليوم.

وخارج منطقة الخليج، قفز المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية بنسبة 1.9 في المائة، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً.