تقلبات العملات تكشف عن إعادة تشكيل الموقف التجاري للإدارة الأميركية

مجموعة من العملات تشمل اليورو والدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليوان الصيني (رويترز)
مجموعة من العملات تشمل اليورو والدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليوان الصيني (رويترز)
TT

تقلبات العملات تكشف عن إعادة تشكيل الموقف التجاري للإدارة الأميركية

مجموعة من العملات تشمل اليورو والدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليوان الصيني (رويترز)
مجموعة من العملات تشمل اليورو والدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليوان الصيني (رويترز)

تشير التقلبات الكبيرة في استجابة العملات للتهديدات المتقطعة بشأن التعريفات الجمركية الأميركية هذا الأسبوع إلى أن هناك جهوداً مستمرة من جانب الإدارة الجديدة لتعديل أو مواجهة التأثيرات الناتجة عن سياستها التجارية، بهدف تقليل الآثار السلبية لهذه السياسات. وشملت الدفعات الأولى في أحدث حرب تجارية للرئيس دونالد ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على الواردات من المكسيك وكندا، التي تم تأجيلها على الفور تقريباً لمدة شهر على الأقل، بالإضافة إلى الرسوم بنسبة 10 في المائة على السلع الصينية التي لا تزال سارية.

وارتفع الدولار في البداية مقابل البيزو والدولار الكندي، ليعكس مساره بعد الأنباء عن تأجيل التعريفات. وكان رد فعل اليوان الصيني معقداً بسبب إغلاق الأسواق في البر الرئيسي وقت الإعلان، وفق «رويترز».

وفي هذه العملية، تمكن مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة الدولار مقابل العملات الأكثر تداولاً، من تسجيل تقلبات بنسبة 2 في المائة من أدنى مستوى له يوم الجمعة الماضي، ليعكس مساره بحلول منتصف الأسبوع. وتشير هذه التحولات إلى أنه إذا تم فرض أي من هذه الضرائب على الواردات، فسيكون رد فعل السوق رفع قيمة الدولار؛ حيث تعمل المخاوف بشأن احتمال حدوث أضرار اقتصادية خارجية وتهيج التضخم المحلي في الولايات المتحدة على تضخيم فجوات أسعار الفائدة النسبية.

ويعتبر هذا أمراً إيجابياً للعديد من الشركات الأجنبية؛ حيث يمكن أن يسمح لها الدولار الأقوى بالحفاظ على استقرار أسعار سلعها بالدولار في الأسواق الأميركية، مما يساعدها على الاحتفاظ بحصتها السوقية دون تأثيرات كبيرة على أرباحها بالعملة المحلية. وبطبيعة الحال، فإن ضعف العملة المحلية يمكن أن يؤثر على التوظيف والنشاط الاقتصادي في بلد ما بطرق معقدة. كما أظهرت الدراسات الأخيرة، ولكن بشكل عام يمكن لسوق العملات أن تقدم تعويضاً فورياً ومهماً ضد الزيادة في الرسوم الجمركية. ومن الأمثلة الرئيسية على ذلك تراجع اليوان الصيني خلال حرب التعريفات الثنائية التي شنها ترمب في 2018 - 2019 مما أسهم بشكل واضح في التخفيف من تداعياتها.

وفي الواقع، هناك العديد من العوامل التي قد تجعل من المستحيل التنبؤ بدقة بالعواقب الاقتصادية الكلية المترتبة على فرض التعريفات الجمركية، حتى إذا تم الافتراض بشكل مؤكد ما إذا كانت التعريفات ستُطبق وما مدى حجمها.

ومن الناحية النظرية، قد تعمل تحولات أسعار الصرف على تقليص التأثير الفعلي للتعريفات الجمركية وأي ضغوط تصاعدية على التضخم في الولايات المتحدة، ولو أن هذا قد يكبح جماح أسعار الفائدة وعائدات السندات، مما يؤدي إلى المزيد من التغييرات في الأسواق. ثم تبرز المناقشات حول ما إذا كانت الزيادة لمرة واحدة في الأسعار تسهم فعلاً في تعزيز معدل التضخم على المدى الطويل، أو كيف يعمل التحول التجاري وعدم اليقين في خفض النشاط المحلي والثقة والنمو العالميين.

وفي مثل هذه البيئة، تميل القواعد العامة إلى الهيمنة. وقد استخدم بنك «غولدمان ساكس» قاعدة عامة للإشارة إلى أن فرض تعريفات ثابتة بنسبة 25 في المائة على الواردات من كندا والمكسيك من شأنه أن يعادل زيادة بنسبة 7 نقاط مئوية في معدل التعريفات الجمركية الإجمالي «الفعّال» في الولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة بنسبة 0.7 في المائة في الأسعار الأساسية في سلة الإنفاق على الدخل الشخصي.

لكن المفاجأة تكمن في أن الزيادة الفعلية في التعريفات تعادل تقريباً الزيادة في مؤشر الدولار المسجلة منذ أكتوبر (تشرين الأول)، عندما كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن ترمب هو المرشح الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات. وكان ارتفاع قيمة الدولار مقابل كل من البيزو والدولار الكندي خلال تلك الفترة نحو 10 في المائة.

وفي ضوء هذه التعقيدات، ليس من الصعب فهم سبب تجنب البنوك المركزية اتخاذ موقف حازم بشأن مسألة التعريفات. وبدا مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع عازمين على الإشارة إلى أن خطط المزيد من التيسير لا تزال قائمة، حتى وإن كانت حالة عدم اليقين تعني أنه لا يوجد «تسرع» في الوقت الحالي وهم يقيمون «إجمالي» سياسات ترمب.

وفي الوقت نفسه، دفع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك كندا وبنك المكسيك قدماً في خفض أسعار الفائدة خلال الأسبوع الماضي. وقد عبّر رئيس بنك إنجلترا، أندرو بيلي، عن الأمر بأفضل شكل يوم الخميس عندما قال إن السياسة النقدية ليس لها تأثير يذكر على القوى قصيرة الأجل التي تؤثر على التضخم الرئيسي، ولكن لا ينبغي استخدامها أيضاً للرد على العوامل التي ستتلاشى بحلول الوقت الذي تدخل فيه السياسة حيز التنفيذ.

لكن من غير الواضح ما هي الأهداف الحقيقية التي تسعى التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب لتحقيقها. فقد طرح مرشح ترمب لمنصب الممثل التجاري للولايات المتحدة، جيميسون غرير، أفكاره هذا الأسبوع، بما في ذلك الوصول «المتبادل» إلى الأسواق الخارجية. لكن بغض النظر عن النية، فإن التحركات السريعة في أسواق العملات قد تقلل من حدة أي تداعيات تضخمية، إلى جانب الهدف الأساسي من فرض التعريفات الجمركية في المقام الأول.


مقالات ذات صلة

الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع

عانى الدولار تراجعاً في جميع العملات، يوم الأربعاء، ولا سيما مقابل الين والدولار الأسترالي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتراجع قبيل بيانات أميركية حاسمة لرسم مسار الفائدة

تراجع الدولار الأميركي يوم الثلاثاء قبيل صدور حزمة من البيانات الاقتصادية المرتقبة التي يُتوقع أن تحدد مسار أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تكنولوجيا شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات بتكوين بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شعار بورصة إندونيسيا على مبناها في جاكرتا (رويترز)

تخفيض نظرة «موديز» لإندونيسيا يهوي بالروبية والأسهم

انخفضت الأسهم الإندونيسية وعملتها يوم الجمعة بعد أن خفضت وكالة «موديز» توقعاتها للتصنيف الائتماني للبلاد، مسجلةً أحدث ضربة لأكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا - سنغافورة:)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.