بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

تركز على العودة إلى «اتفاق المرحلة الأولى»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
TT

بكين تستعد لتقديم عرض لتجنب حرب تجارية شاملة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الصين شي جينبينغ خلال قمة قادة «مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (رويترز)

تستعد بكين لتقديم عرض افتتاحي في محاولة لتفادي زيادات أكبر في التعريفات الجمركية والقيود التكنولوجية التي قد تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما يعكس رغبتها في استئناف محادثات تجارية جديدة.

ومع ذلك، فإن ما تستعد الصين لتقديمه، وفقاً لأشخاص مطلعين في العاصمتين على تفكير بكين، يركز بشكل رئيسي على العودة إلى اتفاق تجاري سابق لم يُنفذ، وهو ما من المحتمل أن يعمق الجدل في واشنطن حول كيفية التفاوض مع الصين، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وعلى الرغم من أن البيت الأبيض قد فرض على الصين تعريفات جمركية بنسبة 10 في المائة بدءاً من يوم الثلاثاء بسبب فشلها في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، فإنه لا يبدو أن أياً من الجانبين مستعد للانزلاق إلى حرب تجارية شاملة. فالصين، التي تواجه تحديات اقتصادية جسيمة، أبدت اهتمامها بالتفاوض مع ترمب، الذي أشار بدوره إلى استعداده للحوار من خلال تأجيل معظم التعريفات الجمركية التي وعد بها ضد الصين.

حاويات بمحطة بميناء المياه العميقة يانغشان في شنغهاي (رويترز)

وبحسب مصادر مطلعة، عدّت بكين أن التعريفات الجمركية بنسبة 10 في المائة هي مجرد وسيلة ضغط من ترمب، لكنها أوضحت أن تحركه الأول لم يكن من النوع «الأقصى للضغط» الذي قد تجده القيادة الصينية غير محتمل. ففي وقت سابق، هدّد ترمب بفرض تعريفات تصل إلى 60 في المائة.

وقد أدى قرار ترمب بفرض تعريفات جمركية على الواردات من كندا والمكسيك والصين إلى إثارة توترات تجارية. وفي استجابة أولية، قالت وزارة التجارة الصينية إنها ستطعن في التعريفات الجمركية أمام منظمة التجارة العالمية، التي تعطلت آليتها لحل النزاعات التجارية منذ ولاية ترمب الأولى. كما دعت الوزارة إلى «الحوار الصريح» بين الجانبين، وطالبت السفارة الصينية في واشنطن الولايات المتحدة بـ«تصحيح أخطائها».

وفي إطار استعداداتها للمفاوضات، يركز الاقتراح الأولي للصين على استعادة اتفاقية تجارية كانت قد وقعتها بكين مع إدارة ترمب الأولى في أوائل عام 2020، لكنها فشلت في تنفيذها. وتقتضي الصفقة، المعروفة بالمرحلة الأولى، من الصين زيادة مشترياتها من السلع والخدمات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين. وعلى الرغم من أن ترمب وصف هذه الصفقة بأنها «أعظم صفقة» تم التوصل إليها، فقد وصفها كثير من خبراء التجارة والمديرين التنفيذيين بأنها غير واقعية منذ البداية.

وأفادت المصادر بأن الصين، بعد فشلها في الوفاء بتعهداتها بموجب الصفقة بزيادة المشتريات الأميركية، تستعد الآن للتفاوض مع إدارة ترمب حول المجالات التي يمكنها شراء مزيد من المنتجات الأميركية فيها. وتشمل الأجزاء الأخرى من خطة الصين عرضاً لزيادة الاستثمارات في الولايات المتحدة، وخاصة في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية. كما تتعهد الصين مجدداً بعدم خفض قيمة اليوان للحصول على ميزة تنافسية، وتلتزم بخفض صادرات سلائف الفنتانيل.

وفي محاولة لخلق جو إيجابي، تخطط بكين أيضاً للتعامل مع قضية «تيك توك» على أنها «مسألة تجارية» بحتة، رداً على تصريحات ترمب التي اقترح فيها تقسيم السيطرة على التطبيق بين المصالح الأميركية والصينية بنسبة 50 - 50 في المائة، وأوضحت المصادر أن الحكومة الصينية تنوي البقاء بعيداً عن هذه المسألة والسماح للمستثمرين في الشركة الأم لـ«تيك توك»، أي «بايت دانس»، بالتفاوض على صفقة مع مقدمي العروض الأميركيين المهتمين.

ومع ذلك، يبقى غير واضح ما إذا كانت بكين مستعدة للتخلي عن السيطرة على خوارزمية «تيك توك»، وهي الصيغة السرية التي يستخدمها التطبيق لتوجيه المحتوى للمستخدمين، والتي أضافتها الصين إلى قائمة الرقابة على الصادرات. وإذا كانت هذه الخوارزمية جزءاً من أي صفقة محتملة، فإن ذلك سيشكل نقطة محورية في المفاوضات.

نموذج مصغر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب وشعار «تيك توك» (رويترز)

ويعكس العرض الافتتاحي للصين اهتمام الرئيس شي جينبينغ في تحسين العلاقة مع ترمب، وتعزيز فرص إتمام صفقات تجارية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الزائدة التي تواجهها الصين. وفي الوقت نفسه، يعزز الزعيم الصيني من هيمنة الدولة المركزية لتحضير الصين لمنافسة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، خاصة في المجالات التي تتعلق بالتكنولوجيا. كما تعمل بكين على تطوير أدوات انتقامية لتعزيز نفوذها في المفاوضات.

وفي هذا السياق، قال آرثر كرويبر، الشريك المؤسس ورئيس الأبحاث في شركة «جافيكال دراغونوميكس»، وهي شركة استشارية اقتصادية تركز على الصين: «سيكون الصينيون سعداء للغاية بالدخول في مفاوضات الصفقة. الهدف الأساسي بالنسبة لهم هو صد الهجوم الأميركي، بدلاً من تحقيق مكاسب ملموسة».

ومنذ توليه منصبه، أظهر الرئيس ترمب استعداده لاستخدام التعريفات الجمركية أداة ضغط على الصين في مختلف القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. ومن ضمن أجزاء خطة الصين، تعرض بكين زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية.

وقد أشار ترمب إلى الفائض التجاري الضخم للصين مع الولايات المتحدة، الذي غالباً ما يتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وأعرب عن رغبته في أن تشتري الصين مزيداً من السلع الأميركية لتقليص هذه الفجوة. كما عبّر ترمب عن رغبته في تقديم دعم للرئيس شي في مسألة إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً إلى أنه مستعد لاستخدام التعريفات الجمركية بوصفها ورقة مساومة.

وتأتي هذه الجهود في وقت حساس، حيث يخطط الرئيس ترمب لعقد قمة مع شي في المستقبل القريب وسط ضغط داخلي وخارجي. وقد وجه ترمب الوكالات الفيدرالية لمراجعة العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين، ومنحها حتى أوائل أبريل (نيسان) لتقديم توصيات بشأن المسار الذي ينبغي اتخاذه تجاه الصين.

ونظراً لوجود كثير من منتقدي الصين داخل فريق ترمب، فضلاً عن الدعم الحزبي المستمر للنهج الصارم تجاه الصين في واشنطن، فإن هذه التوصيات قد تؤدي إلى حزمة شاملة تهدف إلى تقليص الاعتماد الاقتصادي على الصين. ويشمل ذلك زيادة التعريفات الجمركية ليس فقط على السلع الصينية، ولكن أيضاً على المنتجات التي تحتوي على مكونات صينية، إضافة إلى توسيع القيود على بيع التكنولوجيا الأميركية للصين.

وأشار نائب الرئيس هان تشنغ، المبعوث الخاص للرئيس شي إلى حفل تنصيب ترمب في 20 يناير (كانون الثاني)، إلى استعداد بكين لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا بما في ذلك «تيك توك»، والفنتانيل، والتجارة، بحسب مصادر مطلعة.

وقال يون صن، مدير برنامج الصين في مركز «ستيمسون» البحثي في واشنطن: «بكين حريصة على معرفة الثمن الذي يطلبه فريق ترمب لاستكشاف مجالات التفاوض، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات والتكنولوجيا».

وتسعى الصين إلى أن يُسمح لها بشراء السلع التي تحتاجها، مثل المنتجات التقنية الأميركية، في إطار هذه المفاوضات.

ومن المتوقع أن تكشف المحادثات التجارية التي تركز على المرحلة الأولى عن انقسامات داخل إدارة ترمب، مما يثير التساؤلات مرة أخرى حول جدوى الاتفاقات التي تعتمد على تعهدات يصعب على بكين الوفاء بها حتى بعد توقيعها.

ولتحقيق هدفها بزيادة مشترياتها من المنتجات الأميركية بمقدار 200 مليار دولار من 186 مليار دولار استوردتها الصين في عام 2017، قبل بدء الحرب التجارية، كان لا بد أن ترتفع الصادرات الأميركية إلى الصين بمعدل 33 في المائة سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف سرعة نموها السنوي منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.

وفي النهاية، وفقاً لتقديرات معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، اشترت الصين 58 في المائة فقط من السلع الأميركية التي التزمت بشرائها، وهو ما لم يكن كافياً للوصول حتى إلى مستويات عام 2017. وأشار المحللون في المركز البحثي إلى أن الصين لم تشتري أياً من الصادرات الأميركية الإضافية التي وعدت بها.

وهذه المرة، تخطط بكين مجدداً لتقديم مزيد من المشتريات من المنتجات الزراعية والطاقة والصناعية الأميركية، وفقاً لأشخاص مطلعين على تفكير الصين. ولكن، في الوقت نفسه، ستدافع الصين عن السماح لها بشراء السلع التي تحتاجها بشكل أساسي، مثل الرقائق الأميركية، وغيرها من المنتجات التقنية التي تخضع الآن لقيود التصدير.

وفي إطار إدارة ترمب الجديدة، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسات تأكيد تعيينه إنه سيكون منفتحاً على المحادثات لفرض ضمانات شراء للمرحلة الأولى، مع إمكانية دفع الصين إلى «بند اللحاق بالركب» لتعويض النقص في المشتريات خلال السنوات الأربع الماضية.

ومن المتوقع أن يجادل مستشارو ترمب الآخرون، بما في ذلك فريق الأمن القومي وبيتر نافارو، كبير مستشاري ترمب للتجارة والتصنيع، بضرورة التركيز على ما هو أبعد من التجارة فقط، مع معالجة التهديدات الأمنية الأوسع نطاقاً التي تمثلها الصين.

وبدا أن هوارد لوتنيك، الذي اختاره ترمب لمنصب وزير التجارة، يدعو أيضاً إلى اتخاذ إجراءات أقوى، بما في ذلك منع التكنولوجيا الأميركية من مساعدة الصناعات الصينية.

وفي جلسة تأكيد تعيينه الأسبوع الماضي، أشار لوتنيك إلى أن شركة «ديب سيك»، وهي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تمكنت من التهرب من بعض ضوابط التصدير الأميركية على الرقائق لتطوير روبوت دردشة ينافس الروبوتات الأميركية. وقال لأعضاء مجلس الشيوخ: «يجب أن ينتهي هذا»، متعهداً برد «قوي للغاية» إذا تم تأكيد تعيينه.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الرئيس ترمب هو الأمل الأفضل للرئيس شي جينبينغ في التوصل إلى اتفاق لتجنب تصعيد الحرب التجارية.

وقال بوب ديفيس، الصحافي المتخصص في السياسة التجارية الأميركية تجاه الصين والمؤلف المشارك لكتاب «المواجهة بين القوى العظمى»: «لا يرى ترمب الصين بوصفها تهديداً وجودياً عسكرياً للولايات المتحدة كما يفعل كثير من مستشاريه، ومن المحتمل أن يكون أكثر انفتاحاً على التوصل إلى اتفاق». وأضاف: «لكنها ستكون معركة كبيرة داخلياً».


مقالات ذات صلة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعقد اجتماعاً لكبرى شركات إنتاج الأسلحة الأميركية يوم الجمعة بالبيت الأبيض (ا.ف.ب) p-circle

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة... تقييمات تشير إلى أن واشنطن تستنفد مخزوناتها من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الشباب الكوبي يواجهون تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»... لكن العقاب الجماعي يشكِّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي.

شوقي الريّس (هافانا)
تحليل إخباري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز في الكرملين 18 فبراير (د.ب.أ)

تحليل إخباري كوبا… وقائع انهيار معلن

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات

شوقي الريّس (هافانا)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري 4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد بإجراءات «أكثر صرامة» بشأن الرسوم الجمركية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​في ‌إفادة، أنه ​سيوقع على أمر بفرض رسوم جمركية عالمية تبلغ 10 ‌في المائة ​بموجب المادة ‌122 ‌من قانون التجارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الدولار يقفز لأعلى مستوى في 3 أشهر مع تصاعد الحرب في إيران

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يقفز لأعلى مستوى في 3 أشهر مع تصاعد الحرب في إيران

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى له في أكثر من ثلاثة أشهر، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل مكسبه الأسبوعي الثاني منذ اندلاع الحرب في إيران، إذ عززت اضطرابات الأسواق مكانته كأبرز ملاذ آمن للمستثمرين.

في المقابل، تراجع اليورو إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما حذّرت اليابان من استعدادها لاتخاذ إجراءات لحماية عملتها بعد أن لامس الين أضعف مستوياته في نحو 20 شهراً. وجاء ذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط، بينما سمحت الولايات المتحدة ببيع بعض المنتجات البترولية الروسية التي كانت خاضعة للعقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا، وفق «رويترز».

وفي سياق متصل، صعّدت إيران هجماتها على منشآت النفط والنقل في أنحاء الشرق الأوسط، بينما تعهّد مرشدها الجديد، مجتبى خامنئي، بالإبقاء على مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة الملاحة.

وقال غافين فريند، كبير استراتيجيي الأسواق في «بنك أستراليا الوطني» في لندن، في بودكاست: «يركّز السوق حالياً على عامل جديد، ليس التنويع، بل مزيج من التضخم المرتفع وتباطؤ النمو. إنه مزيج سام من التضخم المرتفع والنمو الضعيف، وقد يزداد سوءاً كلما طال أمد هذه الأزمة».

وسجّل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، أعلى مستوى له منذ 26 نوفمبر، مستفيداً من جاذبيته كملاذ آمن، فضلاً عن كون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للطاقة. وارتفع المؤشر بنسبة 0.16 في المائة إلى 99.83 نقطة، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 1 في المائة.

وتراجع اليورو بنسبة 0.08 في المائة إلى 1.1501 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ 21 نوفمبر، بينما انخفض الين إلى 159.69 ين للدولار، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024. كما تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.08 في المائة إلى 1.333 دولار.

وقبل نحو أسبوعين، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ما دفع طهران إلى تنفيذ ضربات انتقامية وسّعت نطاق الصراع وأدت إلى تعطّل شبه كامل لحركة الشحن البحري من الخليج. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يعتقد أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي، لا يزال على قيد الحياة لكنه «مصاب»، بعد أن وصفه التلفزيون الإيراني الرسمي بأنه مصاب بجروح حرب.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن إدارة ترمب استهلكت «سنوات» من الذخائر الحيوية منذ بداية الحرب. وفي غرب العراق، تُجري الولايات المتحدة عمليات إنقاذ عقب تحطم طائرة عسكرية مخصّصة للتزوّد بالوقود جواً.

وعلى صعيد الطاقة، وافقت وكالة الطاقة الدولية يوم الأربعاء على الإفراج عن كمية قياسية من النفط من المخزونات الاستراتيجية بلغت 400 مليون برميل، فيما أصدرت الولايات المتحدة يوم الخميس إعفاءً لمدة 30 يوماً يسمح للدول بشراء المنتجات البترولية الروسية العالقة حالياً في البحر.

من جهتها، قالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، إن بلادها مستعدة لاتخاذ أي خطوات ضرورية لمواجهة تحركات الين التي تؤثر على معيشة المواطنين، مضيفة أنها على اتصال وثيق مع السلطات الأميركية بشأن سوق الصرف الأجنبي.

وكان الين قد تراجع إلى مستوى حساس عند 160 يناً للدولار في يناير (كانون الثاني)، ما دفع الولايات المتحدة إلى إجراء ما يُعرف بـ«مراقبة أسعار الصرف»، وهي خطوة غالباً ما تمهّد لتدخل محتمل في السوق، الأمر الذي ساهم حينها في دعم العملة اليابانية.

باعتبارها مستورداً رئيسياً للطاقة، تواجه اليابان ضغوطاً مزدوجة نتيجة أزمة الشرق الأوسط، تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع جاذبية الين كملاذ آمن، وفقاً لتوني سيكامور، محلل الأسواق في شركة «آي جي».

وقال في مذكرة: «ما كان يُعد سابقاً خطاً فاصلاً عند مستوى 160 يناً للدولار أصبح أشبه بهدف متحرك. وفي ظل هذه البيئة الاقتصادية الكلية المتوترة، من غير المنطقي أن تهدر السلطات أدوات التدخل القيّمة».

كما يترقب المستثمرون اجتماعات البنوك المركزية، الأسبوع المقبل، في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان لتقييم كيفية استجابة صناع السياسات لاحتمال حدوث صدمة في أسعار الطاقة.

وأظهرت سوق المقايضات أن المتداولين يتوقعون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ربما في أقرب وقت في يونيو (حزيران)، بينما قد يؤجل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفض أسعار الفائدة حتى ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان متوقعاً سابقاً في يوليو (تموز).

وفي أسواق العملات الأخرى، تراجع الدولار الأسترالي بنسبة 0.18 في المائة إلى 0.7061 دولار، بينما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.44 في المائة إلى 0.5828 دولار.

أما في سوق العملات الرقمية، فقد ارتفع سعر البتكوين بنسبة 1.90 في المائة ليصل إلى 71.527.50 دولار، فيما صعد الإيثيريوم بنسبة 2.23 في المائة إلى 2.109.03 دولار.


الأسواق الآسيوية تنهي الأسبوع على تراجع بضغط من «وول ستريت»

متداولو العملات يراقبون أسعار الصرف داخل مقر بنك هانا في سيول (أ ف ب)
متداولو العملات يراقبون أسعار الصرف داخل مقر بنك هانا في سيول (أ ف ب)
TT

الأسواق الآسيوية تنهي الأسبوع على تراجع بضغط من «وول ستريت»

متداولو العملات يراقبون أسعار الصرف داخل مقر بنك هانا في سيول (أ ف ب)
متداولو العملات يراقبون أسعار الصرف داخل مقر بنك هانا في سيول (أ ف ب)

تراجعت معظم الأسهم الآسيوية، يوم الجمعة، متأثرة بخسائر «وول ستريت»، في حين تذبذبت أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بالحرب الإيرانية وتأثيرها المحتمل على إمدادات النفط الخام والغاز.

ففي طوكيو، انخفض مؤشر «نيكي 225» بنسبة 1.3 في المائة ليصل إلى 53.746.50 نقطة؛ حيث تكبّدت أسهم شركات التكنولوجيا بعضاً من أكبر الخسائر، إذ تراجع سهم مجموعة «سوفت بنك» بنسبة 4.7 في المائة. كما هبط مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 1.8 في المائة إلى 5.481.09 نقطة، وفق «وكالة أسوشيتد برس».

وفي هونغ كونغ، خسر مؤشر «هانغ سينغ» نحو 0.8 في المائة ليصل إلى 25.523.60 نقطة، بينما تراجع مؤشر «شنغهاي» المركَّب في الصين بنسبة 0.6 في المائة إلى 4.105.40 نقطة. أما في أستراليا، فانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز- إيه إس إكس 200» بنسبة طفيفة بلغت 0.1 في المائة ليصل إلى 8.617.10 نقطة.

كما تراجع مؤشر «تايكس» التايواني بنسبة 0.5 في المائة، فيما انخفض مؤشر «سينسكس» الهندي بنسبة 0.9 في المائة.

في المقابل، أشارت العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى بعض التعافي؛ إذ ارتفعت عقود «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.2 في المائة، بينما صعدت عقود «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.3 في المائة.

واستقرت أسعار النفط نسبياً؛ إذ ظل «خام برنت»، المعيار العالمي، قريباً من مستوى 100 دولار للبرميل، يوم الجمعة، بعد أن تجاوز هذا الحاجز يوم الخميس، عقب قفزة حادة أوصلته إلى ما يقارب 120 دولاراً في وقت سابق من الأسبوع. في المقابل، تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.7 في المائة، ليصل إلى 95.02 دولار للبرميل.

وفي أول تصريحات علنية له، تعهَّد المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، يوم الخميس، بمواصلة القتال، مؤكداً أن طهران ستستمر في استخدام مضيق هرمز، وهو ممر بحري حيوي لنقل النفط والغاز، كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير التقديرات إلى أن نحو 20 في المائة من نفط العالم يمر عبر هذا المضيق.

وقد أدَّت الهجمات المتزايدة على السفن في المضيق أو بالقرب منه إلى تصاعد المخاوف بشأن حجم اضطراب الإمدادات واستمرار اختناقات الشحن، وفقاً لمحللين في بنك «ميزوهو».

جاءت تصريحات المرشد الجديد، بعد أن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب بأنها «شاملة تماماً»، ما زاد من المخاوف بشأن مدة استمرار التوترات في المنطقة.

وتشهد أسعار النفط تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب مع إيران؛ حيث قفز خام برنت هذا الأسبوع إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2022.

وفي محاولة لتهدئة الأسواق، أعلنت «وكالة الطاقة الدولية»، يوم الأربعاء، أن الدول الأعضاء ستفرج عن 400 مليون برميل من النفط من احتياطياتها الطارئة، وهو أكبر حجم إفراج من هذا النوع على الإطلاق. ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن هذه الخطوة قد لا تكون كافية لطمأنة الأسواق.

ومن المرجَّح أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية عالمياً؛ إذ بدأت تكاليف الوقود المرتفعة بالفعل تؤثر في المستهلكين حول العالم. كما يشير بعض المحللين إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد أيضاً من تكاليف تطوير وإنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية.

وكانت «وول ستريت» قد أنهت تعاملات الخميس على انخفاض، بعد موجة من التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق هذا الشهر. فقد تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.5 في المائة ليصل إلى 6.672.62 نقطة، بينما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 1.6 في المائة إلى 46.677.85 نقطة، وهبط مؤشر «ناسداك» المركَّب بنسبة 1.8 في المائة إلى 22.311.98 نقطة.

وتكبدت بعض الشركات الأكثر حساسية لتكاليف الوقود خسائر أكبر، إذ هبط سهم شركة «كارنيفال» لتشغيل الرحلات البحرية بنسبة 7.9 في المائة، فيما تراجع سهم «يونايتد إيرلاينز» بنسبة 4.6 في المائة.

وفي تعاملات صباح الجمعة المبكرة، تراجعت أسعار المعادن النفيسة، إذ انخفض سعر الذهب بنسبة 0.5 في المائة إلى 5.099.40 دولار للأونصة، بينما تراجعت الفضة بنسبة 2.3 في المائة إلى 83.16 دولار للأونصة.

وفي سوق العملات، ارتفع الدولار الأميركي بشكل طفيف مقابل الين الياباني إلى 159.39 ين مقارنة بـ159.34 ين في الجلسة السابقة، بينما جرى تداول اليورو عند 1.1497 دولار، متراجعاً من 1.1512 دولار.


الذهب يتجه لخسارة أسبوعية ثانية مع ارتفاع أسعار الطاقة

صائغ يزن حُليّاً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد الهند (رويترز)
صائغ يزن حُليّاً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد الهند (رويترز)
TT

الذهب يتجه لخسارة أسبوعية ثانية مع ارتفاع أسعار الطاقة

صائغ يزن حُليّاً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد الهند (رويترز)
صائغ يزن حُليّاً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد الهند (رويترز)

يتجه الذهب نحو تسجيل تراجع أسبوعي ثانٍ على التوالي رغم ارتفاعه الطفيف، يوم الجمعة، إذ أدّى صعود أسعار الطاقة نتيجة تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى تقليص التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية في المدى القريب.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 5095.55 دولار للأونصة بحلول الساعة 06:33 بتوقيت غرينتش، في حين تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.1 في المائة إلى 5100.20 دولار، وفق «رويترز».

وفي المقابل، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، ما عزّز جاذبية المعدن الأصفر الذي لا يدرّ عائداً. ومع ذلك، فقد الذهب أكثر من 1 في المائة من قيمته خلال الأسبوع الحالي، كما تراجع بأكثر من 3 في المائة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط).

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة «كيه سي إم»، إن المخاوف المرتبطة بالتضخم، إلى جانب التساؤلات حول قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط، تُضعف إلى حد ما جاذبية الذهب.

وأضاف: «في ظل حالة عدم اليقين المستمرة بشأن مدة الصراع في الشرق الأوسط ونطاقه، من المرجح أن يظل الذهب ملاذاً آمناً مفضلاً لدى المستثمرين».

وفي تطور متصل، أعلن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، يوم الخميس، أن طهران ستُبقي مضيق هرمز الاستراتيجي مغلقاً كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أثار مخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية وأصول المخاطرة.

وفي الأسواق، تجاوزت أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، بعدما أدّت الهجمات على ناقلات النفط في الخليج والتحذيرات الإيرانية إلى تقويض آمال التهدئة السريعة للصراع في الشرق الأوسط. ومع ارتفاع أسعار النفط، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعوته لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى خفض أسعار الفائدة.

ورغم ذلك، يتوقع المتداولون أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن النطاق الحالي البالغ 3.5 في المائة إلى 3.75 في المائة عند ختام اجتماعه في 18 مارس (آذار)، وفقاً لأداة «فيد ووتش». وبينما تشير بيانات التضخم الأخيرة إلى أن وتيرة ارتفاع الأسعار لا تزال تحت السيطرة، فإن تأثير الحرب والارتفاع الحاد في أسعار النفط لم ينعكس بعد بشكل كامل في البيانات الاقتصادية.

ويترقب المستثمرون صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي لشهر يناير (كانون الثاني)، المقرر نشره لاحقاً اليوم، الذي يُعد المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم.

وعلى صعيد الطلب العالمي، اتسعت الخصومات على الذهب في الهند هذا الأسبوع إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقد، في ظل ضعف الطلب وتجنب بعض التجار دفع رسوم الاستيراد، في حين أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى تعزيز الطلب على الملاذات الآمنة في الصين.

أما في المعادن النفيسة الأخرى، فقد تراجعت الفضة الفورية بنسبة 1 في المائة إلى 82.91 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين بنسبة 1 في المائة إلى 2111.45 دولار، كما هبط البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1603 دولارات للأونصة.