«السينما الخضراء»... هل العالم العربي جاهز لصناعة أفلام صديقة للبيئة؟

المنتج الأردني بسام الأسعد يشرح التقنيات ويضيء على الواقع العربي لهذه السينما

خلال تصوير فيلم «كوستا برافا» اللبناني بطريقة مراعية للمعايير البيئية (بسام الأسعد)
خلال تصوير فيلم «كوستا برافا» اللبناني بطريقة مراعية للمعايير البيئية (بسام الأسعد)
TT

«السينما الخضراء»... هل العالم العربي جاهز لصناعة أفلام صديقة للبيئة؟

خلال تصوير فيلم «كوستا برافا» اللبناني بطريقة مراعية للمعايير البيئية (بسام الأسعد)
خلال تصوير فيلم «كوستا برافا» اللبناني بطريقة مراعية للمعايير البيئية (بسام الأسعد)

في فيلم «البحث عن أم الغيث»، تعيد 3 سيّداتٍ إحياء طقوسٍ قديمة في مسعى منهنّ لري أرضٍ يهددها العطش. العمل الوثائقي الأردني ما زال قيد الإنتاج، وهو يتّخذ من تلك السيدات بطلاتٍ يكافحن آثار التغيّر المناخي على طريقتهنّ. لا يكتفين بالغناء استجلاباً للمطر، إنما يبتكرن أساليب فعّالة لحصاد المياه، مثل إعادة إحياء الزراعات التقليدية.

لا يقتصر الهمّ البيئي في هذا الفيلم على المحتوى؛ بل يعتمد في تصويره وتنفيذه أساليب صديقة للبيئة. بخُطى خجولة إنما واعدة، يدخل مفهوم «السينما الخضراء» إلى العالم العربي.

من موقع تصوير فيلم «البحث عن أم الغيث» في الأردن (بسام الأسعد)

ما هي السينما الخضراء؟

يشرح منتج الأفلام الأردني بسام الأسعد -في حديثٍ مع «الشرق الأوسط»- هذا المفهوم الحديث، موضحاً أنّ «السينما الخضراء هي الصناعة السينمائية الصديقة للبيئة التي تراعي في عملها عوامل الأثر البيئي لإنتاج الأفلام، سواء أكان بطريقة تنفيذها أو بدعمها القضايا البيئية والمناخية من خلال محتواها».

ليس من الضروري أن يعالج فيلم ما قضية بيئية كي يلتزم بقواعد الصناعة السينمائية الخضراء. ويجسّد الفيلم البريطاني «1917» خير نموذجٍ لذلك، فرغم إنتاجه الضخم وسَردِه قصة طالعة من الحرب العالمية الأولى، لم يتهاون الفيلم الحائز 3 جوائز «أوسكار»، في تخفيض بصمته الكربونية أقصى المستطاع.

كيف تنتج فيلماً أخضر؟

يعدّد الأسعد -وهو استشاري في مجال السينما الصديقة للبيئة- بعض عناصر الخطة التي يمكن اعتمادها للتخفيف من البصمة الكربونية خلال تصوير الأفلام. من بين تلك الأساليب: «استخدام إضاءة أقل استهلاكاً للطاقة كإنارة الـLED مثلاً، أو الاعتماد على النور الطبيعي، واستخدام المولّدات الكهربائية العاملة بالطاقة الشمسية بدلًا من التي تعمل بالمازوت».

كما تعمد الفِرق الإنتاجية الحريصة على السينما الخضراء إلى التخفيف من التنقّل بالسيارات لمسافاتٍ طويلة، والاستعانة بأدواتٍ قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، سواء في أواني الطعام، أو الديكور، أو الملابس: «من دون أن يؤثّر ذلك على التنفيذ الإبداعي للمخرج»، وفق الأسعد.

ومن ضمن الخطوات المتّبعة، استخدام النفايات العضوية الناتجة عن التصوير كأسمدة، وإرسال ما تبقّى من نفايات إلى إعادة التدوير.

منتج الأفلام والاستشاري في مجال السينما الصديقة للبيئة بسام الأسعد

«نتفليكس» الخضراء

ليست السينما الخضراء مفهوماً مستجداً في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وأوروبا. يشير الأسعد إلى أنّ بريطانيا تبنّتها في مطلع الألفيّة الثالثة من خلال تجارب مستقلّة، وقد تأطّرت لاحقاً عن طريق مؤسستَي «بافتا»، و«بي بي سي». أما هوليوود فتحفّز صنّاع الأفلام على الحرص البيئي، عبر تخفيضات ضريبية يستفيدون منها في عملية الإنتاج، كل ذلك تحت لواء قوانين جرى سنّها خصيصاً لهذا الغرض.

بدورها، تقدّم «نتفليكس» نموذجاً ناجحاً من الوعي البيئي. يتحدّث الأسعد بإعجاب عن تجربة المنصة العالمية التي «قررت منذ سنتَين أن تجعل من إنتاجاتها الأصليّة كافة حياديّة الكربون». ويضيف أنّ الأمر لا يقتصر على الصناعة الدراميّة فحسب؛ بل ينسحب على تشغيل معدّات البثّ الخاصة بالمنصة بطريقة صديقة للبيئة.

موقع تصوير مسلسل «بريدغرتون» حيث تُطبّق شروط الإنتاج الصديق للبيئة (نتفليكس)

«شاشة أكثر اخضراراً»

بدأ مفهوم السينما الخضراء الدخول إلى العالم العربي سنة 2014، وقد لعب الأسعد دوراً أساسياً في هذا المجال، جامعاً ما بين اختصاصه السينمائي وهاجسه الشخصي بحماية البيئة. شارك عام 2017 في تأسيس شركة Greener Screen (شاشة أكثر اخضراراً) التي تهدف إلى نشر الوعي البيئي في صناعة الأفلام والمحتوى في المنطقة العربية، وتعمل بالموازاة على تخفيض البصمة الكربونية لهذه الصناعة.

يتوزّع نشاط الشركة على عواصم عربية عدة، وقد تعاونت مع مؤسسة «أفلامُنا» اللبنانية، لإطلاق «الدليل الأخضر».

يشرح الأسعد بأن تلك الوثيقة هي بمنزلة «منصة مفتوحة لصنّاع الأفلام كي يتعلّموا، من دون الاستعانة بأحد، كيف ينتجون أفلامهم بطريقة صديقة للبيئة».

الأسعد محاضراً في أساسيات إنتاج المحتوى المستدام بيئياً (بسام الأسعد)

متى «تخضرّ» السينما العربية؟

في الأردن، وبمباركة من «الهيئة الملكية للأفلام»، تتواصل ورشات العمل والدورات التدريبية على أساسيات إنتاج المحتوى المستدام بيئياً. وقد تلا ذلك إطلاق «مختبر النص الأخضر» الذي «يساعد المخرجين على تضمين أفلامهم -أياً كان نوعها- أفكاراً توصِّل رسالة بيئية، من دون أن تكون نافرة أو خارجة عن السياق»، وفق ما يوضح الأسعد.

رغم هذا المجهود النظريّ، فإنّ التطبيق ما زال خجولاً في المنطقة العربية؛ إذ يقتصر الإنتاج السينمائي المراعي للبيئة على تجارب مستقلّة ومعدودة؛ من بينها على سبيل المثال فيلم «كوستا برافا» من لبنان و«ترويدة» من الأردن.

ملصق فيلم «كوستا برافا» للمخرجة اللبنانية مونيا عقل

لكنّ ذلك لا يمنع الأسعد من توجيه نظرة تفاؤليّة إلى «الاستوديوهات المطابقة للمعايير البيئية، والتي بُنيت حديثاً في نيوم والعُلا والرياض في المملكة العربية السعودية»، وكذلك إلى العمل الجاري على سنّ قوانين راعية للسينما الخضراء في عددٍ من الدول العربية، مثل السعودية والإمارات والأردن. مع العلم بأنّ الأماني من أجل سينما صديقة للبيئة لا يمكن أن تصبح واقعاً، إن لم تتسلّح بقوانين سارية المفعول «تنظّم القطاع، وتقدّم حوافز، وتفرض غراماتٍ على الجهات التي تتسبب في التلويث خلال إنتاج الأفلام والمحتوى»، وفق تعبير الأسعد.


مقالات ذات صلة

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوميات الشرق «كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم».

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفيلم السوري «حلفاء في المنفى» (إدارة مهرجان الجونة)

المشاهد الإنسانية في أفلام اللاجئين تلفت الأنظار في «الجونة السينمائي»

تُتيح المبادرة لصنّاع الأفلام المتأثرين بالنزوح فرصاً لتطوير مشروعاتهم وعرضها أمام مختصين في صناعة السينما.

انتصار دردير (الجونة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)

«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

يتناول الفيلم قصة تينزينغ نورجاي، المتسلق النيبالي الهندي الذي أصبح - إلى جانب إدموند هيلاري - واحداً من أوائل الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل إيفرست عام 1953

يوميات الشرق الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

قال الفنان اللبناني غسان سعد إن دوره في فيلم «قساطل» قريب من حياته، ومن علاقته بالعمل وأسرته وأهل قريته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)

صور العائلة ومنازلها، ومقاطع الفيديو، والرسائل المكتوبة، إلى جانب المقابلات والحوارات والأغنيات القديمة، باتت تجد مساحة جديدة للحفظ عبر منصة رقمية أطلقتها وزارة الثقافة اللبنانية مؤخراً تحت عنوان «أرشفة تراث لبنان»، لتجمع ذكريات الأفراد والعائلات وتصونها بوصفها جزءاً من الذاكرة الجماعية للبلاد.

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية، وتهدف إلى إنشاء أرشيف عالمي رقمي للتراث اللبناني، يُعنى بحفظ التراث المادي وغير المادي، والطبيعي والشخصي، ونقله إلى الأجيال المقبلة.

ويأتي المشروع ثمرة تعاون بين وزارة الثقافة والمعهد الدولي للتراث وجهات دولية أخرى. وهو عبارة عن أرشيف رقمي مفتوح أمام مساهمات اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وكذلك أمام كل من يمتلك شهادات عن تاريخ البلاد، في مبادرة تهدف إلى تكريم الذاكرة الجماعية وحمايتها من الاندثار. وقد عُرض المشروع بحضور الوزير غسان سلامة، والسفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي، ورئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو، والمدير العام للآثار في لبنان سركيس خوري.

كنوز لبنان مخبأة في المنازل

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد الوزير سلامة أن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً بالتراث المادي وغير المادي، وطالت مواقع أثرية وتراثية وأسواقاً تاريخية. ويضيف: «لا يمكنني حصر هذه الخسائر برقم معيَّن، إذ إنها تتجاوز بالتأكيد ملايين الدولارات، وقد يستغرق ترميمها جيلاً كاملاً».

ويرى سلامة أن آثار الحرب طالت جميع اللبنانيين، بصورة أو بأخرى. ويصف ذلك بأنه «سرقة للتاريخ الحميم، وهو تاريخ لا يُقدّر بثمن».

وزير الثقافة غسان سلامة يلقي كلمة بالمناسبة (وزارة الثقافة)

وعن ضرورة مواصلة المسيرة بما تبقّى من التراث، يوضح سلامة أن المسألة لا تُطرح من هذا المنطلق، بل من باب الحفاظ على ما نملكه من تراث، باستخدام تقنيات جديدة من شأنها إطالة عمر الصورة أو الوثيقة.

كما يلفت سلامة إلى أن ما يمتلكه الأفراد من عناصر ووثائق تراثية قد يفوق، من حيث الأهمية، ما تحتفظ به بعض الجهات الرسمية. ويوضح: «خلال تحضيراتنا لإقامة معرض (بين سطور الدستور)، بمناسبة المئوية الأولى للدستور اللبناني، اكتشفنا وثائق مهمة يحتفظ بها أفراد. وقد احتفظوا بها بحكم وظيفة أو عمل كان يمارسه الجد أو العم أو الأب. فهي بمثابة كنوز مخبّأة في البيوت ولدى العائلات. ولذلك يجب تقدير حجمها لأنه يفوق ما نملكه من تراث ملموس».

وعن آلية تسلّم المواد وحفظها وضمان حقوق أصحابها، يوضح سلامة: «نأخذ نسخة من الوثيقة أو الصورة أو أي مادة تراثية أخرى، لا أصلها. وإذا رغب المتبرّع في تقديم الأصل، يُسلَّم إلى المكتبة الوطنية لحفظه بأمان. كذلك، نوقّع تعهداً خطياً يصون حقوقه في الملكية الفكرية، فتبقى محفوظة له وحده، مع حقه في سحب المادة من المنصة متى شاء».

المتبرّع يختار مستوى السرية وإتاحة المواد

يتمتع المتبرِّع بحرية اختيار مستوى السرية ومدى إتاحة المواد التي يقدّمها. ويشير رئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو إلى أن إطلاق هذه المبادرة يعني تسليم مفاتيح بناء حصن رقمي حقيقي، ليس لملايين اللبنانيين في الاغتراب فحسب، بل أيضاً لجميع أصدقاء لبنان ومواطنيه في أنحاء العالم. ويتابع: «سيكون الأرشيف متاحاً لكل من يرغب في مشاركة مواده. ويحتفظ المتبرّعون بالملكية الكاملة لذكرياتهم، كما يمكنهم اختيار مستوى السرية الذي يناسبهم، بدءاً من حفظها في أرشيف محمي وخاص تماماً، وصولاً إلى منح الإذن بنشرها».

ذكرياتنا تسهم في إنقاذ ما تبقّى

من ناحيته، يرى المدير العام للآثار في لبنان المهندس سركيس خوري أن ما نفقده من تراث بسبب الحروب لا ينبغي أن يحبطنا. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «قصتنا لا تتوقف عند هذا الفقدان أو عند الأضرار التي تلحق بتراثنا المادي أو غير المادي. فنحن من نصنع تراثنا، وهذا ما فعلناه عبر التاريخ. وذكرياتنا هي التي تسهم في إنقاذ ما تبقّى».

إيطاليا تواصل دعم ترميم المعالم التراثية في لبنان

الوزير سلامة مع السفير الإيطالي فابريزيو مارسيلي في حفل إطلاق المنصة (وزارة الثقافة)

وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكد السفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي أن إيطاليا التزمت، في أكثر من مناسبة، دعم التراث اللبناني والمساهمة في ترميمه. واستشهد بمشاركتها في ترميم متحف بيروت ومتاحف أخرى تضرَّرت جراء انفجار المرفأ، مشيراً إلى مشاركتها مؤخراً في ترميم محطة القطار التاريخية في مار مخايل، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأضاف مارسيلي: «هذه مشروعات مختلفة تماماً، لكنها تشترك في هدف واحد، هو الحفاظ على الشهادات التاريخية وإتاحتها للجمهور. أما المبادرة الحالية، فتنقلنا إلى عالم مختلف، إذ تنتقل بنا من تاريخ المعالم والمؤسسات إلى تاريخ الأفراد والعائلات والمجتمعات».

ويتابع أن التاريخ المُصغَّر يحتل بدوره أهمية كبيرة، لأنه لا يُركِّز حصرياً على التطورات السياسية الكبرى، أو الحروب، أو المؤسسات، أو الشخصيات البارزة، بل يدرس تجارب الأفراد والمجتمعات التي ينتمون إليها.

ويختم مارسيلي قائلاً: «تقوم الفكرة الأساسية على أن دراسة حدث يبدو هامشياً، أو شخص عادي، أو مجتمع صغير، يمكن أن تكشف أموراً مهمة عن كيفية عمل مجتمع بأكمله».


ألبومات قديمة في متجر خيري تتحول إلى ثروة تتجاوز 114 ألف دولار

ألبومات قديمة في متجر خيري (موقع المزاد - نونانز)
ألبومات قديمة في متجر خيري (موقع المزاد - نونانز)
TT

ألبومات قديمة في متجر خيري تتحول إلى ثروة تتجاوز 114 ألف دولار

ألبومات قديمة في متجر خيري (موقع المزاد - نونانز)
ألبومات قديمة في متجر خيري (موقع المزاد - نونانز)

لم يتوقع موظفو متجر خيري في إدنبرة، عاصمة اسكوتلندا، أن تخفي ألبومات قديمة وصلت إليهم ضمن تبرع مجهول كنزاً بهذه القيمة؛ فما بدا في البداية مجموعة من الأوراق النقدية، تحوّل بعد فحصه إلى مقتنيات نادرة بيعت في مزاد علني مقابل 114 ألفاً و434 دولاراً.

وصلت الأوراق إلى أحد متاجر مؤسسة القلب البريطانية (British Heart Foundation)، من دون أن يدرك العاملون أهميتها. وبعد تصفح الألبومات قرروا إرسالها إلى فريق البيع الإلكتروني التابع للمؤسسة في مدينة ليدز، أملاً في معرفة قيمتها الحقيقية، وفقاً لموقع «بيبول».

وقال ديفيد مكورماك، مدير المتجر، إن الموظفين ذُهلوا عندما اكتشفوا القيمة المحتملة للمجموعة. وأعرب عن سعادته بأن يختار المتبرع المجهول المؤسسة لتقديم هذه المقتنيات إليها، لتتحول في النهاية إلى مصدر مهم لتمويل العمل الخيري.

أوراق نقدية بينها واحدة تحمل صورة الملكة إليزابيث الثانية (موقع المزاد - نونانز)

وبعد الاستعانة بدار «نونانز» المتخصصة في المزادات والمقتنيات النادرة، عُرضت الأوراق للبيع في مزاد أُقيم في 14 أكتوبر (تشرين الأول)، ضمن نحو 160 مجموعة من الأوراق النقدية النادرة، وسط اهتمام من هواة جمع العملات حول العالم.

وضمت المجموعة ورقة نقدية غير متداولة تحمل صورة الملكة إليزابيث الثانية في شبابها، أصدرتها هيئة مفوضي العملة في مالايا وبورنيو البريطانية. وتكتسب هذه الورقة قيمتها من ندرتها وحالتها الجيدة، إلى جانب ما تحمله من دلالة تاريخية.

وكانت من أبرز القطع أيضاً ورقة عراقية نادرة من فئة عشرة دنانير، تعود إلى عام 1947، وهي نموذج تجريبي ملون أُعدّ في إطار تصميم العملة. كما شملت المجموعة ورقة نموذجية من فئة 100 ريال سعودي تعود إلى عام 1961.

ولا ترتبط قيمة الأوراق النقدية النادرة بفئتها المالية وحدها، بل بندرتها وحالتها والظروف التي أُنتجت فيها. وقد يجعل ذلك بعض النماذج التي لم تدخل التداول أكثر جاذبية لهواة الاقتناء من أوراق استُخدمت فعلياً في المعاملات اليومية.

وقال أندرو باتيسون، رئيس قسم الأوراق النقدية في دار «نونانز»، إن المجموعة حظيت باهتمام واسع، وإن بعض القطع بيعت بأسعار تجاوزت المستويات المعتادة، بفضل ندرتها وجودتها، فضلاً عن الطابع الخيري للمزاد.

ولم تقتصر أهمية البيع على المبلغ الذي حققته المجموعة؛ فقد تنازلت دار «نونانز» عن عمولة البائع، لإتاحة حصة أكبر من العائدات لمؤسسة القلب البريطانية، دعماً لأبحاث أمراض القلب والدورة الدموية.

وهكذا، تحوّل تبرع مجهول لم يكن العاملون يعرفون قيمته إلى حصيلة مالية كبيرة تخدم قضية إنسانية، فبين ألبومات قديمة وأوراق نقدية نادرة جاءت المفاجأة لتذكّر بأن بعض التبرعات قد تحمل قيمة تتجاوز بكثير ما يبدو للوهلة الأولى.


منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)
معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)
TT

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)
معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)

من ذاكرة الريف المصري، يستعيد الفنان عصام درويش وجوه الفلاحات والفلاحين، وحياتهم اليومية، مستحضراً عالماً ارتبط في وجدانه بالعمل، والعطاء، والتناغم مع الأرض.

وفي معرضه «أصلي مصري» المقام في غاليري «المشهد» بالقاهرة، يمنح درويش هذه الشخصيات حضوراً فنياً يوازي حضور الرموز المصرية الشهيرة التي انشغل في تجسيدها من خلال تجاربه النحتية السابقة، مستنداً إلى إيمانه بأن من أسهموا في بناء الشخصية الوطنية يستحقون أن تحفظ الذاكرة ملامحهم، وحكاياتهم.

يضم المعرض 55 عملاً، من بينها 25 عملاً نحتياً، و30 اسكتشاً، تتنوع بين البرونز، ورسوم الفحم، لتقدم مشاهد من الحياة الريفية، من حمل الخبز والزاد، إلى الحصاد، والعمل في الحقول.

وتبدو الشخصيات في تكويناتها المختزلة كأنها تستعيد إيقاع يوم طويل يبدأ مع الشروق، وينتهي عند غروب الشمس، فيما تظل تفاصيل الملابس والأدوات وحركة الأجساد حاضرة بوصفها مفردات تحمل ذاكرة المكان، وروحه.

النحات المصري عصام درويش (الشرق الأوسط)

يقول درويش لـ«الشرق الأوسط»: «بعدما وثقت شخصيات مصرية عظيمة في مجالات مختلفة، اتجهت إلى الفلاحات، والفلاحين». ويتابع: «هؤلاء كانوا في ذاكرتي منذ الطفولة، وأرى أن المرأة المصرية المكافحة، بما تقدمه من عطاء وعمل، نجمة تستحق التخليد، شأنها شأن الشخصيات التي جسدتها من قبل».

ويضيف أن «الرجل والمرأة في الريف المصري أسهما في تشكيل الهوية الوطنية، وأن حضورهما في الحياة اليومية كان أكثر وضوحاً في مراحل سابقة، قبل أن تبدأ صورتهما المألوفة في التراجع منذ أواخر الثمانينات، وبداية التسعينات».

وانطلاقاً من هذه الرؤية، وضع نموذجاً لتمثال الفنانة فاتن حمامة ضمن المعرض، تأكيداً على أن الفلاح المصري يستحق التكريم، والتخليد، شأنه شأن الرموز البارزة في مختلف المجالات.

وتعود جذور هذه التجربة إلى سنوات قضاها الفنان في الحقول، والطرقات الريفية بمحافظة القليوبية، بالقرب من بيت جده، حيث اعتاد مشاهدة الفلاحين والفلاحات وهم يمضون في أعمالهم على مدار اليوم.

وظلت تلك المشاهد حاضرة في ذاكرته، بما فيها من تفاصيل صغيرة تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها تحمل معانيَ عميقة حين تستعيدها الذاكرة: إعداد الخبز، وحمل الطعام إلى الحقول، وجمع المحصول، وملابس العيد، والكعك، والأضاحي، وحركة الناس بين البيت والعمل.

وعلى مدى ثلاث سنوات أخذت هذه المشاهد طريقها إلى أعماله، من دون تخطيط مسبق لإقامة معرض يجمعها، على حد تعبيره.

تمثال «حاملة الزاد» (الشرق الأوسط)

يقول درويش: «كنت أنجز تمثالاً وراء آخر، وأرسم اسكتشات تحمل المفهوم نفسه، إلى أن وجدت أن الأعمال تكوّنت تدريجياً في مجموعة متجانسة».

ويتابع: «عندما التقيت بالفنان إيهاب اللبان منسق المعرض، اكتشفنا أننا نلتقي عند الحكاية نفسها، وأن هناك ضرورة لتقديم هذه الأعمال في حدث واحد».

ومن هذا التلاقي تبلورت فكرة «أصلي مصري»، التي استندت إلى رؤية متكاملة تجمع الأعمال في سياق واحد، وتتيح للشخصيات أن تتجاور، وتتفاعل داخل القاعة.

من بين الأعمال التي تستوقف الزائر تمثال «عمود عيش» الذي يصور امرأة تحمل رغيفاً كبيراً على رأسها، وآخر صغيراً في يدها، في إشارة إلى تقليد قديم كان يراعي اختلاف حجم الخبز بين الكبار والأطفال.

وهناك «حاملة الزاد» التي تحمل الرغيف فيما يستقر فوق رأسها طبق الطعام، والجبن، في مشهد يستعيد عادة حمل الطعام إلى الزوج في الحقل.

أما «سيدة الحصاد»، فإنها تحمل محصول القمح، مستحضرة جانباً من العمل الذي ارتبط بحياة الريف. كذلك تستقر في القاعة مجموعة تماثيل تجسد الفلاح المصري مستغرقاً في عمله بالحقل.

تتجاوز هذه الأعمال تسجيل المشهد إلى استحضار دلالاته، وهنا يلفت درويش إلى أنه لاحظ، بعد جمع التماثيل في القاعة، تشابهاً بصرياً بين ما تحمله الشخصيات وأدوات الحماية، والقوة؛ فالرغيف يبدو كأنه درع، وحمل القمح أو حطب الأرض يكتسب هيئة تشبه حمل السلاح.

ويضيف: «شعرت بأن هذا العطاء ثروة حقيقية للوطن ينبغي الحفاظ عليها، بل إنني أنظر إلى ما تقدمه هذه الشخصيات باعتباره جزءاً من أمننا القومي».

تتسم التماثيل ببساطة التكوين، والاقتصاد في التفاصيل، مع عناية واضحة بحركة الجسد، وانسياب الملابس. ويعتمد درويش على اختزال بعض العناصر التشريحية، مع الإبقاء على ما يكفي لتحديد الشخصية، وإظهار طبيعة الحركة، بحيث تصبح الكتلة نفسها حاملة للتعبير.

نموذج لتمثال سيدة الشاشة ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

ويشرح: «أميل إلى التلخيص والتبسيط في النحت، وأشعر بأنهما يمنحانني متعة أكبر». ويتابع: «هذا ما تعلمناه من المصري القديم، الذي استطاع أن يصل إلى التعبير من خلال حلول تشكيلية شديدة التركيز».

وتحتل الملابس مساحة مهمة في هذه المعالجة، فالجلابية الفضفاضة، وطريقة التفاف القماش حول الجسد، وحركته بفعل الهواء، كلها عناصر تسهم في بناء التمثال.

وفي بعض الأعمال تندمج الذراع مع الرغيف، أو حمولة القمح، لتصبح جزءاً من التكوين العام، فيما تتحول حركة الثوب إلى امتداد لحركة الجسد.

ويصف درويش هذا الجانب من تجربته قائلاً: «أُعدُّ نفسي نحاتاً للهواء على القماش، أهتم بأن يتحرك الضوء على سطح التمثال، وأن تمنح الانحناءات والاختزالات الكتلة انسيابية خاصة».

واختار درويش اللون الأخضر لأعمال البرونز، ليمنح المجموعة وحدة بصرية تتصل بالطبيعة، والأرض، ومعاني العطاء التي يقوم عليها المعرض.

يقول: «اختياري لم يكن منفصلاً عن الفكرة؛ إذ أردت أن تحمل التماثيل لوناً يذكر بالريف، ويعزز العلاقة بين الشخصيات والبيئة التي تنتمي إليها».

إلى جانب النحت يضم المعرض المستمر حتى 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل رسوماً منفذة بالفحم، يقول عنها: «أشعر بأن الرسم بالفحم قريب من النحت، خصوصاً في الحذف، والإضافة، وصناعة الإيقاع».