رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

الكاتبة الليبية جعلت الحرب العالمية الثانية خلفية لروايتها الأخيرة

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل
TT

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

رزان المغربي: معيشتي في الغرب وفرت لي مساحة للتأمل

تعيد الكاتبة الليبية المقيمة في هولندا رزان نعيم المغربي تناول العلاقة بين الشرق والغرب من منظور مختلف عبر روايتها اللافتة الصادرة أخيراً «الرسام الإنجليزي»، حيث تقتفى فيها أثر شخصية الرسام جون فردريك بيرل الذي جاء إلى ليبيا وأبدع جدارية شهيرة في مدينة طبرق. ورغم أن العمل يتخذ من الحرب العالمية الثانية بأجوائها الدامية خلفية تاريخية للأحداث فإنها نجحت في نسج خيوط إنسانية متعددة المستويات النفسية والاجتماعية في النص. صدر للمغربي عدد من الأعمال منها «نصوص ضائعة التوقيع»، «الجياد تلتهم البحر»، «في عراء المنفى»، «مشاهد متعددة للحب».

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الكتابية:

* ألم تتخوفي من أن فكرة الرواية التي تغطي مساحة زمنية تمتد لنحو 70 عاماً عبر أجيال وأمكنة متنوعة ما بين ليبيا ومصر وإيطاليا ربما تكون تقليدية بعض الشيء، عكس الكتابة الحداثية التي تميل للتركيز على شخصية أو مكان بعينه؟

- بالطبع، قد يبدو للوهلة الأولى أن رواية تمتد عبر سبعة عقود وأجيال متعاقبة وتتنقل بين أماكن متنوعة تحمل صبغة تقليدية، لكنني أرى أن التصنيف الأدبي، خاصة في إطار ما بعد الحداثة، لا يتعلق بالضرورة بالزمان أو المكان أو حتى عدد الشخصيات. جوهر ما بعد الحداثة يكمن في تفكيك السرديات التقليدية وإعادة تشكيلها بأساليب تفتح آفاقاً جديدة أمام القارئ.

في روايتي، لم يكن الهدف تقديم سردية تاريخية بقدر ما كان محاولة لتقديم تجربة إنسانية متعددة الأبعاد. الشخصيات، رغم تعددها، صُممت بعناية بحيث لا تكون مجرد أدوات لتحريك القصة، بل كيانات مستقلة تحمل رؤاها وهواجسها، وتعكس تناقضات الزمن والمكان. كان كل منها بمثابة قطعة في فسيفساء أوسع، وكل مكان بمثابة مرآة تعكس ظلال الشخصية وتفاعلها مع محيطها.

* يعتبر البعض أن عملك الأحدث «الرسام الإنجليزي» بمثابة رواية عن تعاقب الأجيال، فيما يراها البعض الآخر رواية عن الصراع بين الشرق والغرب... كيف ترين أنت العمل بعين المؤلف؟

- عندما أستعيد النظر إلى العمل بعين المؤلف، أجد أنني لا أميل لحصرها في تصنيف واحد أو تفسير نهائي. الكتابة بالنسبة لي ليست محاولة للإجابة عن الأسئلة بقدر ما هي خلق فضاء واسع يسمح بطرح أسئلة جديدة. لذا، سواء قرأها البعض كرواية عن تعاقب الأجيال أو كعمل يناقش التصادم الحضاري بين الشرق والغرب، أرى فيها انعكاساً لثراء النص وقابليته للتأويل.

في أثناء كتابة الرواية أُبعد نفسي تماماً عن هواجس التصنيف أو كيف سيتم قراءتها. أدخل إلى النص محمّلة ببحث عميق ومعرفة دقيقة، لكن تركيزي ينصب بشكل أساسي على التوازن الفني. يشبه الأمر مراقبة الرسام لفضاء لوحته، محاولاً تحقيق انسجام بين الألوان والخطوط بحيث تعبر عن رؤيته الداخلية.

تعاقب الأجيال كان اختياراً مقصوداً لمنحي مساحة زمنية أتحرك فيها بحرية. هي ليست رواية فقط عن الشرق أو الغرب، ولا عن الأجيال وحدها، بل عن الإرث الذي نحمله جميعاً، والذي يشكل هويتنا سواء أدركنا ذلك أم لا.

* ما الذي أثار حماسك لتقتفي إبداعياً أثر الفنان التشكيلي الإنجليزي جون فرديرك بيرل ورحلته إلى ليبيا وجداريته في مدينة طبرق؟

- ما أثار حماسي هو رغبتي الدائمة في خوض تحديات جديدة، وطرح مواضيع لم أتناولها من قبل. بالنسبة لي، الكتابة عن شخصية فنية بهذا العمق ليست مجرد استكشاف لسيرة أو حدث تاريخي، بل محاولة لتقمص روح الفنان نفسه، للكتابة عنه من الداخل، عن أحلامه وهواجسه ورؤيته للعالم، بعيداً عن الصورة النمطية التي غالباً ما تُقدَّم في الدراما العربية.

ما شدّني أكثر هو فكرة وجود عمل فني بهذه الأهمية، جدارية تمثل امتزاجاً بين التاريخ والفن، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى بين الليبيين أنفسهم. شعرت بأن تسليط الضوء على هذا الأثر يمثل مسؤولية ثقافية، خاصة في وقت بدأ فيه الليبيون يتطلعون لاكتشاف ما تحتويه بلادهم من كنوز طبيعية وتراثية. ليبيا، بمساحتها الشاسعة وتنوعها الجغرافي، تزخر بمثل هذه الكنوز التي قد لا يتمكن كثيرون من زيارتها أو معرفتها بسبب الظروف والتحديات.

شعرت بأنني أفتح نافذة جديدة للقارئ، ليست فقط لاستكشاف أثر فني، بل للغوص في أعماق الروح الإبداعية التي صنعته. هذا التحدي، وهذه الرغبة في تقديم الفن بروح حقيقية، هما ما ألهماني وحرّكا شغفي لكتابة الرواية.

* شخصية «سدينة»، المرأة الليبية التي عاشت مراحل الصبا والأمومة ثم أصبحت جدة، بدت من لحم ودم... كيف راودتك ملامح شخصيتها؟

- «سدينة» كانت أول شخصية ترتسم ملامحها في ذهني عند البدء في كتابة العمل. كان هناك شيء عميق يجذبني نحو فكرة المرأة الليبية القوية، تلك التي تحمل بين طيات حياتها مراحل الصبا والأمومة والجَدَّة بحكمة وشجاعة نادرتين. كنت دائماً معجبة بنماذج الجدات في مجتمعاتنا، ليس فقط بسبب قوتهنّ في مواجهة المصاعب، ولكن أيضاً بسبب انفتاحهنّ المدهش على التعامل مع ما هو مختلف عنهنّ، سواء في الأفكار أو التجارب.

بالنسبة لي، «سدينة» ليست مجرد شخصية متخيلة، بل تمثل خلاصة حكايات وأصوات نسائية تراكمت في ذاكرتي على مر السنين. إنها تلك الجدة التي تحمل قصصاً من الماضي، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع الحاضر بعقل متفتح وقلب مفعم بالحب والفهم. أحببت أن أكتب شخصية تشبه هذه النماذج الواقعية، التي ربما لم تنل حقها في التوثيق الأدبي بما يكفي.

* هل كانت الإضاءة على الحرب العالمية الثانية في شمال أفريقيا أحد أهداف النص؟

- بالطبع، لكنه لم يكن الهدف الوحيد أو الأبرز. عندما اخترت أن أكتب عن جندي بريطاني شارك في الحرب العالمية الثانية، وجدت في ذلك فرصة لا يمكن تجاهلها لاستحضار حقبة زمنية عانى فيها الشعب الليبي من احتلالات متعاقبة وصراعات دارت رحاها على أرضه، غالباً دون أن يكون له يد في إشعالها.

الحرب العالمية الثانية ليست مجرد خلفية تاريخية في الرواية، بل هي مرآة تعكس معاناة الإنسان الليبي في تلك الحقبة. أردت أن أظهر كيف أن هذه الأرض، التي كانت ساحة للمعارك بين قوى كبرى، تحملت عبء الحروب دون أن يُلتفت إلى الألم الذي عاشه سكانها.

لكنني لم أكتفِ بذلك، بل سعيتُ لأن تكون الحرب خلفية إنسانية أيضاً. أردت أن أستعرض كيف تتقاطع حكايات الأفراد، مثل الجندي الفنان والشخصيات الليبية، مع هذا المشهد الكبير، وكيف تُعيد هذه التقاطعات تعريف الصراعات والتجارب التي يعيشها كل منهم.

* أعمال كثيرة تناولت العلاقة بين الشرق والغرب... ما الذي كان في ذهنك وأنت تعزفين على هذا الوتر في «الرسام الإنجليزي»؟

- صحيح أن العلاقة بين الشرق والغرب تم تناولها في أعمال روائية كثيرة، لكنها غالباً ما كانت تقع في فخ النمطية، حيث جرى تقديمها في إطار آيديولوجي يختزل الآخر ويُصوره ككتلة واحدة باعتباره المستعمر الظالم أو المحتل المنمّق. هنا، لم أسعَ لتجميل هذه العلاقة أو تقديمها بانحياز، بل أردت أن أُعيد تركيب المشهد بعمق إنساني يملأ الفجوات، ويطرح زوايا جديدة لفهم التداخل بين الثقافات بعيداً عن القوالب التقليدية.

كنت واعية تماماً بأن الاحتلال، أياً كان، يحمل في جوهره القبح والاستغلال. ومع ذلك، ما بعد الكولونيالية كمنهج أدبي يتيح لنا النظر إلى ما وراء الشعارات والمظاهر، لاستكشاف الأبعاد الإنسانية الكامنة في مثل هذه العلاقات.

* إلى أي حد ساهمت إقامتك بهولندا في نظرتك لتلك العلاقة المأزومة بين الشرق والغرب؟

- إقامتي في هولندا لم تشكل لي صدمة كما يحدث للبعض عند انتقالهم إلى بيئة جديدة ومختلفة تماماً. كنتُ منفتحة منذ البداية على التعامل مع الآخر، سواء من خلال عملي أو اطلاعي على الأدب والفنون الغربية، لكن العيش في هولندا كان تجربة أعمق وأكثر تفصيلاً. كان عليَّ أن أتعلم عادات جديدة تندرج ضمن تفاصيل الحياة اليومية: تفقد صندوق البريد يومياً، قراءة الفواتير وفهم طرق سدادها بالتقسيط، التعامل مع الإدارات الحكومية عن بُعد من خلال الهاتف أو البريد الإلكتروني.

* هل اكتشفتِ «غرباً» آخر بخلاف الصورة النمطية التي بمخيلتنا؟

- نعم، الكثير من التفاصيل الصغيرة التي عايشتها وتبدو بسيطة كشفت لي عن أن الحياة في الغرب ليست بالضرورة معقدة كما تصوّر لنا أحياناً. في هولندا، لمست أن هناك قيماً اجتماعية حقيقية: التعاون بين الجيران، كسر الجدران بين الأفراد من خلال التودد والمساعدة المتبادلة، والتقدير العميق للقانون واحترام النظام.

لكن الأثر الأكبر كان في المساحة التي وفرتها لي هذه التجربة للتأمل والنمو الداخلي. أدركت أن الأحكام الجاهزة على الآخرين لا طائل منها، وأن تقبُّل الآخر كما هو شرط أساسي للتعايش الحقيقي. في تلك العزلة، بدأت أواجه نفسي بصدق، أبحث في أعماقي عن مواطن القوة والضعف، وأسأل: كيف يمكنني أن أنمو؟ كيف أحقق سعادتي بعيداً عن آراء الآخرين وتوقعاتهم؟

* كيف ترين الأدب الليبي على خارطة الثقافة العربية... ما الذي يميزه، وهل نال ما يستحقه؟

-أعتقد أن الأدب الليبي شهد طفرة ملحوظة في الإنتاج خلال العقد الماضي، حيث ظهرت أصوات جديدة استطاعت أن تبرز بقوة، وتنقل تجارب إنسانية عميقة تعكس واقعاً غنياً بالتناقضات والتحديات. هذا الزخم أتاح للأدب الليبي مساحة أوسع على خارطة الثقافة العربية، وبدأ يلفت الانتباه بفضل ما يقدمه من رؤى جديدة وأساليب سردية مميزة.

لكن رغم هذه الخطوة الإيجابية، لا أعتقد أن الأدب الليبي قد نال بعد ما يستحقه من اهتمام أو تقدير، سواء على مستوى العالم العربي أو خارجه. جزء من هذا يعود إلى غياب الدعم المؤسسي، وضعف الترويج للأدباء الليبيين على الساحة الدولية. هناك كنوز أدبية داخل ليبيا، لكنها تحتاج إلى مزيد من الجهود للتعريف بها وتوثيقها وترويجها.

ما يميّز الأدب الليبي هو تنوعه، فهو يعكس تركيبة المجتمع الليبي ذات الخلفيات الثقافية والجغرافية المتعددة. من الصحراء إلى المدن الساحلية، ومن الهجرة إلى البقاء، استطاع الأدباء الليبيون أن يصوغوا نصوصاً تستحق أن تكون جزءاً من الحوارات الثقافية الكبرى.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».