سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

تتناول الرواية حكاية الطموح المستحيل لموظف صغير

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».