ماكرون يطلق من بيروت مبادرة فرنسية لإعادة الإعمار بعد الحرب

دعا لتنفيذ بنود وقف إطلاق النار... وعون طالبه باستئناف التنقيب عن الطاقة

عون يرحب بنظيره الفرنسي في القصر الجمهوري في بعبدا (أ.ب)
عون يرحب بنظيره الفرنسي في القصر الجمهوري في بعبدا (أ.ب)
TT

ماكرون يطلق من بيروت مبادرة فرنسية لإعادة الإعمار بعد الحرب

عون يرحب بنظيره الفرنسي في القصر الجمهوري في بعبدا (أ.ب)
عون يرحب بنظيره الفرنسي في القصر الجمهوري في بعبدا (أ.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بيروت، الجمعة، 17 يناير (كانون الثاني)، عن مؤتمر دولي تعتزم باريس استضافته خلال الأسابيع المقبلة بهدف إعادة إعمار لبنان، داعياً إلى وجوب تشكيل حكومة جديدة سريعاً، وإلى الإسراع في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل.

وأتت الزيارة الرئاسية الفرنسية إلى لبنان، تتويجاً للوساطة التي لعبتها باريس والولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بين إسرائيل و«حزب الله» للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كما لعبت باريس، بالموازاة، دوراً في المساعدة في كسر الجمود السياسي في لبنان الذي أدى إلى انتخاب الرئيس اللبناني جوزيف عون في الأسبوع الماضي.

وقال ماكرون في مؤتمر صحافي مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في القصر الجمهوري في بعبدا: «إنّ المجتمع الدولي يعد لدعم واسع من أجل إعادة إعمار البنى التحتية». وبينما دعا إلى الإسراع في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل، ضمن المهل المتفق عليها، أشار إلى أنه «تم تحقيق نتائج... لكن يجب تسريع العملية وتأكيدها على المدى الطويل من خلال الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، واحتكار الجيش اللبناني بشكل كامل للسلاح».

عون وماكرون في بيروت (أ.ف.ب)

دور فرنسا المحوري

الدور المحوري لفرنسا في لبنان أتى تصريحاً لا تلميحاً من الرئيس عون الذي رأى «أنّ في عمق كل فرنسي، شيئاً من لبنان، وفي قلبِ كلِ لبناني، وعقلِه ووجدانِه ولغتِه اليومية وتاريخِه الحيّ وثقافتِه المبدعة... الكثيرَ الكثيرَ من فرنسا». وقال عون لضيفه الفرنسي: «السيد الرئيس، تأتون اليومَ لتهنئتنا، وأنتم تدركون أنّ التهنئة هي للبنان، ولكلِ لبناني. للذين صمدوا وناضلوا وتمسكوا بوطنِهم وأرضهم، للذين عادوا إلى بيوتهم المدمَّرة أمس، وهم يبتسمون للغد. وللذين رحلوا وعيونُهم علينا. أو سافروا، وأيديهم على حقيبةِ العودة، ينتظرون... وننتظرُهم».

وأضاف: «أتمنى منكم السيدَ الرئيس أمراً واحداً فقط، أنْ تشهدوا للعالم كلِه، بأنّ ثقةَ اللبنانيين ببلدِهم ودولتِهم قد عادت، وأنّ ثقةَ العالمِ بلبنانَ يجب أن تعودَ كاملة؛ لأن لبنانَ الحقيقي الأصيل قد عاد. أما الباقي كلُه، فنحن وأنتم وأصدقاؤنا في العالم، قادرون عليه».

في سياق متّصل عبَّر الرئيس اللبناني جوزيف عون عن شكر اللبنانيين للجهود التي بذلتها فرنسا في مساعدة لبنان، سواء عبر موفدها الخاص جان إيف لودريان، أو من خلال اللجنة الخماسية التي أسهمت في إنهاء الشغور الرئاسي، وانتخاب رئيس جديد بعد فترة طويلة من الفراغ السياسي.

النفط يحضر في الزيارة

بينما ليس بعيداً عن الهاجس اللبناني بالنهوض اقتصادياً، شكّل التنقيب عن النفط عنواناً على بساط المطالب اللبنانية، إذ أكد الرئيس اللبناني أهمية استئناف عمليات التنقيب عن النفط في البلوكات البحرية اللبنانية، مطالباً ماكرون بتوجيه شركة «توتال» لاستئناف أعمالها في هذا المجال.

وأعرب عون عن تطلُّعه لملاقاة رؤساء دول الاتحاد الأوروبي بعد تشكيل الحكومة اللبنانية، مؤكداً أهمية تفعيل الشراكة بين لبنان وأوروبا، وما تمثله من فرصة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

الزيارة الثالثة

تعد هذه الزيارة الثالثة لماكرون للبنان، منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020. وقال ماكرون: «أنا سعيد جداً ومتأثر؛ إذ أعود إلى لبنان بعد 4 سنوات من انفجار مرفأ بيروت. انتخبتم رئيساً للجمهورية، ومنذ 9 يناير عاد الربيع في فصل الشتاء»، وتَوَجَّهَ إلى عون بالقول: «فخامة الرئيس أنتم الأمل، ورئيس الحكومة سيجسد هذا الأمل؛ فانتخاب اللبنانيين لك أكد على مطالبتهم بالتغيير وإنعاش لبنان».

محادثات بين الرئيسين ماكرون وعون في القصر الرئاسي اللبناني (أ.ف.ب)

وأضاف: «سوف ندعمكم، وسندعم هدفكم بلبنان ذات السيادة وهذا شرط لحماية لبنان من الاعتداءات، ولاستمرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي كان نجاحاً دبلوماسياً». وتابع: «سنعمل على تجنيد المجتمع الدولي لمساعدة لبنان في كل المجالات، ويجب تعزيز عمل (اليونيفيل) للتمكن من إنجاز مهمتها». ودعا إلى وجوب «تشكيل حكومة جديدة سريعاً»، وقال: «أعرف أن كل القوى السياسية ستتحرك لمواكبتكم ومواكبة رئيس الحكومة المكلف، والجميع مجنّد إلى جانبكم لإيجاد الحلول».

بري وميقاتي

انضم رئيسا مجلس النواب نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى الاجتماع الرباعي مع الرئيسين عون وماكرون في القصر الجمهوري.

الرئيس الفرنسي يوقِّع على سجل الزوار ويظهر إلى جانبه الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي (أ.ب)

وكان ماكرون وميقاتي قد عقدا صباحاً اجتماعاً ثنائياً، قال ماكرون في نهايته للصحافيين: «أنا سعيد لوجودي في لبنان الذي دخل مرحلة جديدة، وعبّرتُ عن امتناني وتقديري للرئيس ميقاتي وللمهمة التي قام بها على مدى سنوات لخدمة الجميع في لبنان، لا سيما خلال المرحلة الصعبة جداً بسبب الحرب الأخيرة».

بدوره، أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، أنه جرى التباحث مع الضيف الفرنسي في الأوضاع الراهنة، وضرورة دعم لبنان على الصُّعد كافة، لا سيما اقتصادياً وفي مجال إعادة الإعمار، مضيفاً أنّ موضوع الخروقات الإسرائيلية تتم متابعته مع لجنة تطبيق القرار 1701، كما يتم تقديم الشكاوى اللازمة، وهناك وعود بأن الخروقات ستنتهي مع انتهاء مهلة الستين يوماً، نهاية الشهر الحالي.

وعما إذا كان الجانب الفرنسي يضمن الانسحاب الإسرائيلي، قال ميقاتي: «لم نتحدث عن هذا الموضوع مع الرئيس ماكرون، والجانبان الفرنسي والأميركي يتابعان هذا الملف، وأؤكد مجدداً أنّ الرئيس ماكرون يشدد على أهمية التعاون مع لبنان وحرصه عليه».

جولة في بيروت

جال الرئيس الفرنسي صباحاً في منطقة الجميزة في بيروت، واطَّلع على أوضاع المنطقة بعد إعادة ترميم ما تضرر فيها جراء انفجار 4 أغسطس 2020.

ماكرون يلتقط صوراً تذكارية مع لبنانيين خلال زيارته إلى منطقة الجميزة في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ولبيروت روابط تاريخية قوية مع باريس، لكن العلاقة شهدت تعقيدات في السنوات القليلة الماضية. وسعى ماكرون جاهداً دون جدوى في عام 2020 لإقناع الأطراف الفاعلة اللبنانية بدعم الإصلاحات السياسية والمالية بعد انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، ودمَّر أحياءً بأكملها. وعلى أثر الانفجار، كان ماكرون قد زار المنطقة نفسها في ذلك الوقت.


مقالات ذات صلة

جلسة للحكومة اللبنانية الخميس تختبر تداعيات إبعاد السفير الإيراني

المشرق العربي صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

جلسة للحكومة اللبنانية الخميس تختبر تداعيات إبعاد السفير الإيراني

تمثل جلسة مجلس الوزراء التي تُعقد الخميس أول اختبار لعمق الأزمة السياسية في لبنان، بعد الانقسام الحاد بين «الثنائي الشيعي» من جهة؛ وأقطاب الحكومة من جهة أخرى.

نذير رضا (بيروت)
بروفايل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني (إعلام إيراني)

بروفايل محمد رضا شيباني... دبلوماسي بأدوار استخبارية

لم تمضِ أسابيع على عودة الدبلوماسي الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني إلى بيروت سفيراً لبلاده، حتى تحوّل اسمه إلى عنوان أزمة دبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (المركزية)

تحليل إخباري سحب اعتماد السفير الإيراني يختبر الدبلوماسية بين طهران وبيروت

تختبر العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران مرحلة جديدة من التوتر، مع تصعيد لبناني غير مسبوق تُرجم بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن في بيروت

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال اجتماعه مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في القصر الجمهوري الخميس (الرئاسة اللبنانية)

خاص انسداد الأفق أمام باريس لوقف النار لربطه لبنانياً بإيران

اصطدمت محادثات وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في بيروت بانسداد الأفق أمام التوصل لوقف النار بين «حزب الله» وإسرائيل

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي أطفال ومصلون يخرجون من مسجد محمد الأمين في وسط بيروت صبيحة عيد الفطر (أ.ب)

المؤسسة الدينية الشيعية تهاجم الدولة اللبنانية على خلفية التفاوض مع إسرائيل

هاجمت المؤسسة الدينية الشيعية، الدولة اللبنانية، على خلفية مواقفها الأخيرة من الحرب و«حزب الله» والتفاوض المباشر مع إسرائيل

«الشرق الأوسط» (بيروت)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.