«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

«مهرّب» ملفات التعذيب السورية لـ«الشرق الأوسط»: عشت مع الضحايا كأنهم أصدقائي (الحلقة الثالثة الأخيرة)

TT

«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)
من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

في الحلقة الأخيرة من مقابلته الموسّعة مع «الشرق الأوسط»، يروي أسامة عثمان، «مهرّب» ملفات التعذيب السورية المعروفة باسم «ملفات قيصر»، كيف عاش لسنوات مع صور الضحايا حتى باتوا «كأنهم أصدقائي».

ويحكي كيف كان يبكي في البداية أمام الصور «ثم تبلدت مشاعري». ويقول: «عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً، لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لأبحث عن صورة أحسست أنني غريب عن نفسي... بشار الأسد شوّه الضحايا من الخارج وشوّهنا من الداخل».

وقال عثمان الذي عُرف على مدى 11 عاماً باسمه الكودي «سامي» قبل أن يكشف عن هويته عبر «الشرق الأوسط»، إن «أكثر ما يؤلمك أن تسمع أقارب ضحية يتعرفون عليه من الصور ويقولون: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من آلام الانتظار... تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد».

وشارك «سامي» أبرز ما استوقفه في الصور التي بلغ عددها نحو 27 ألفاً، مثل «وجود أكثر من صورة يحمل فيها الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره»، أو ابتسامات عناصر الأمن أمام الجثث المشوهة بآثار التعذيب «وكأنهم في منطقة سياحية». وفيما يلي نص الحلقة:

«كأنهم أصدقائي»

* كيف استطعت احتمال رؤية هذا الكم الهائل من صور التعذيب؟

- أول صور وصلتني من «قيصر» كانت مؤلمة جداً. أنت لا تتصور. يمكنك أن ترى رجلاً أطلق عليه النار وقُتل في مواجهة عسكرية أو في جريمة جنائية عادية وتستطيع أن تتفهم الذي حصل. لكن أن تصل إلى يديك صور تظهر على صدور الضحايا آثار الحرق في مواضع متعددة!

عندما أرى هذه الصور أتعايش معها. أحس أن هذا الرجل هو أخي، هو أبي. ربما يتضاعف الألم هنا. أشعر بآثار الحرق على هذه الجثة وكأنه على صدري. ما الذي دفع المجرم إلى التنكيل بهذه الضحية بهذا الشكل؟ أقتله! أحكم عليه بالقتل! إذا كان دخل إلى السجن لكي يموت فيه، فاقتله. لماذا تقوم بالتعذيب بهذه الطريقة الهمجية؟ نحن لم نر عبر التاريخ نظاماً يصرف هذه الإمكانات لكي يقوم باحتجاز أعداد هائلة جداً من المواطنين، ويقوم بتعذيبهم بهذه الطريقة التي لا تستطيع العقول البشرية السوية أن تتخيلها.

* هل كنت تعاني من الأرق وقلة النوم. هل كنت تبكي مثلاً؟

- في المراحل الأولى لا تستطيع أن تمنع نفسك من البكاء، لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا مجرد أرقام. هؤلاء الأشخاص لديهم أمهات تنتظرهم. لديهم أبناء. لديهم إخوة. لديهم قصة حياة. بشار الأسد حوّل هؤلاء إلى صورة ورقم، وحتى الآن بعد 10 سنوات من خروجنا لسوريا لدينا آلاف الصور التي تحمل أرقاماً من دون أسماء. لا نستطيع أن نعرف صاحب هذه الصورة ما اسمه، وكان لدينا أمل أنه عندما يسقط النظام نستطيع أن نحصل على السجلات التي تربط أسماء هؤلاء بأرقامهم، ونحن حتى هذه اللحظة لم نحصل عليها.

لذلك نعمل الآن في منظمة «ملفات قيصر للعدالة» مع بعض الجهات كي يكون لدينا تطبيق يمكنه مقارنة صور المفقودين التي قد يقدمها الأهالي مع الصور التي لدينا بالطريقة التي تتبعها عادة أجهزة البحث الجنائي في الدول، وتعتمد ربما على قياسات الجمجمة وعلى بعض التفاصيل الأخرى التي لا يمكن للعين المجردة أن تقوم بملاحظتها.

* قلت إنك كنت تبكي في البداية وتتأثر كثيراً بالصور. ماذا حدث لاحقاً بعد سنوات من العيش مع صور الضحايا والتعذيب؟

- بشكل طبيعي عندما يتكرر تصفح هذه الصور عشرات المرات - وهذه آلاف الصور - فأنت تمر أمامك الصورة. عندما سألتني عن موضوع الجثث والضحايا، فأنا في ذهني مباشرة الفرع 227 بعدّه الفرع الذي تكثر فيه حالات اقتلاع العيون. هذا لأنني شاهدت هذه الصور مئات المرات. الفرع 215 هو الفرع الذي قام بأكبر عدد ممكن من الانتهاكات تجاوزت نصف إجمالي هؤلاء الضحايا. هذه الأرقام حُفِرت بذاكرتي، كما حُفِرت صور الضحايا في السنوات الأولى. وصلت إلى مرحلة ربما إذا رأيت صورة أقول لك هذه من الفرع الفلاني.

سورية ضمن مجتمعين أمام سجن في دمشق غداة سقوط الأسد أملاً بجلاء مصير ذويهم المفقودين (أ.ف.ب)

أصبح هؤلاء كأنهم أصدقائي. بعض الصور كان يبدو فيها على الضحية أنه في اللحظة الأخيرة كان يصرخ. مات وفمه مفتوح. هذه الصرخة التي لم يسمعها سوى الله وصلت إلينا عبر الصورة. أحسست أنني كنت أعيش معه، أحسست أنه يطلب شيئاً ويكلفنا ويحملنا أمانة.

في السنوات التالية، وكأن مشاعرنا قد تبلدت. وهذا كان أمراً محزناً. يعني، عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً. لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لكي أبحث عن صورة، أحسست أنني غريب عن نفسي. بشار الأسد جعلنا نتشوه، ليس من الخارج فقط كما فعل بهؤلاء الضحايا، ولكن من الداخل أيضاً.

* جرت عمليات قتل في المستشفيات كما سمعنا... هل ضلع أطباء في عمليات التعذيب؟

- من خلال الملف الذي خرجنا به من سوريا، كانت لدينا صور كما ذكرت قبل قليل لأشخاص لا تزال الأنابيب في أذرعهم واللصقات الطبية على أجسادهم. الكثيرون ممن يتضح أنهم كانوا في المستشفيات وانتُزعوا منها وكانوا يتعالجون بطريقة أو بأخرى لا أعرف ما الذي حصل لهم بالتحديد. هل هم اعتقلوا وأخذوا إلى المشفى أو هم مرضى ودخلوا المشفى ثم اعتقلوا من هناك؟

لا أستطيع أن أجزم بهذا الأمر ولا أبت في هذه التفصيلة لأنها تحتاج إلى أدلة أخرى لا أملكها بالتأكيد. شهدنا بعض المحاكمات في ألمانيا لأطباء اتهموا بارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين، وهذا الأمر - إذا خرجنا من إطار البحث الحقوقي الصارم والذي لا يأخذ إلا بالأدلة - نجد كثيرين من الناحية الشعبية يتداولون هذه القصص حوله. ولكن كما ذكرت قبل قليل أي تداول إعلامي أو شعبي لعمليات القتل والتعذيب لا يكون له سند قانوني حقيقي لا يصمد للأسف أمام أي قاضٍ في أي محكمة في العالم.

التعرف على الضحايا وآلام الانتظار

* كشفت الصور عن مصير حالات مفقودين. هل اتصل بك أقارب لأصحاب الصور، وماذا كان شعورك تجاه هؤلاء؟

- على فترات متقاربة أو متباعدة كانت تأتيني صور بعض الأشخاص يشتبه ذووهم بأنهم قد يكونون من الضحايا الذين وردوا في ملف قيصر، وأحاول بالوسائل الطبيعية مساعدتهم. أقوم بتصفح آلاف الصور والمقارنة. أتنقل بعيني بين الصورة التي أرسلها الإخوة وصور «قيصر» وأحاول أن أجد ملامح الشبه. هذا الأمر كان يستغرق مني وقتاً طويلاً جداً حتى أستطيع أن أجد صورة فعلاً مشابهة لتلك الملامح في غالب الأحيان.

في غالب الأحيان عندما نرسل صورة الجسد الكامل للضحية إلى الأهل، لا يكون هو. وفي حالات قليلة يكون هو، وأكثر ما يؤلمك أن تسمع كلمة «الحمد لله. الحمد لله». لماذا؟ لأنه مات. الحمد لله تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد. أهل الضحية يقولون لك: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من حالة الانتظار وآلام الانتظار. هذا ينقلك إلى التفكير بمن أوصلهم إلى هذه الحالة، أن تصل الأم أن ترى ابنها معذباً بهذا الشكل وميتاً وتقول الحمد لله.

لدينا صور لبعض الأشخاص الذين فقدوا عيونهم. هناك صورة لضحية في فرع المخابرات الجوية، وهناك وشم على أسفل الصدر إلى ما فوق السرة بقليل لبشار الأسد وتحته مكتوب سوريا الأسد. هذا الرجل تم قتله تحت التعذيب في فرع المخابرات الجوية في دمشق.

في صورة أخرى عدد كبير من الضحايا من الجثث الملقاة في العربة وتنتمي إلى عدد من الفروع وليست من فرع واحد. وفي خلفية الصورة هناك جثث تم صفها بجانب بعضها وجثث ألقيت في العراء خارج المرأب، وهناك بعض الأعضاء المتعفنة. ما يثير الحسرة في هذه الصورة هو جندي تابع للنظام يبتسم ابتسامة تجعلك تشك في مشاعرك تجاه هذا المنظر بالكامل. هل هذا الشخص يبتسم سعادة أو هو يبتسم نتيجة أنه فقد الإحساس بما يجب أن يفعله حيال منظر بهذه القسوة؟

لدينا صورة لعناصر في أحد المشافي يبتسمون في صورة تذكارية كما لو أنهم في منطقة سياحية. وفي الخلفية نرى جثثاً يتم تغليفها بالنايلون، وهناك جثث أيضاً على الطاولات، وهذه جثث في الأرض، ويبدو من الطرف الآخر بعض الأطراف. ففعلاً كان ممرات المشافي تستخدم لتغليف الجثث.

لدينا صور ذات دقة عالية للعيون المفقودة بحيث يستطيع الطبيب الجنائي أو الطبيب الشرعي أن يحدد مدى الإصابة وما التلف الذي قامت به الحشرات على الجثة التي بين يدينا. لا أريد أن أستعرض الكثير، ولا أريد أن أزيد على هذه الصور أكثر من ذلك لأن الأمر مؤلم لمن يشاهدونه ومؤلم لأقارب هؤلاء الضحايا. وصلت رسالتنا إلى العالم وفهم العالم مؤخراً مدى إجرام هذا النظام الذي كشفت عنه صور «قيصر» قبل 10 سنوات. واليوم، كشفت عنه المؤسسات الأمنية والسجون ومن كانوا فيها، قبل أن يصبحوا في مرحلة هذه الصور.

محاكمة بشار الأسد

* حين سمعت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منح بشار الأسد اللجوء الإنساني، بماذا شعرت؟

- من بداية التدخل الروسي في سوريا في 2015، كان النظام الروسي شريكاً في جرائم النظام السوري. وكانت نظرتنا إلى المسؤولين الروس على أنهم شركاء حقيقيون للنظام وربما تقع على عاتقهم مسؤولية أكبر من مسؤولية النظام نفسه، لذلك لم نستغرب أن يلجأ بشار الأسد إلى روسيا ولا أعتقد أن هذا اللجوء سيستمر طويلاً، لأننا سنسعى بكل قوة إلى استعادة بشار الأسد واستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمته في دمشق.

* هل تتوقع أن تأتي ساعة تقف فيها في المحكمة ويكون بشار الأسد في القفص؟

- أرجو أن أعيش حتى أرى هذه اللحظة كما أمد الله بعمري حتى سمعت خبر سقوط بشار الأسد وتحرر دمشق.

* هل تعتقد أن بشار الأسد كان يعرف ما يجري في السجون السورية؟

- إذا كنت تسألني عن رأيي الشخصي، فنحن في سوريا لا يحصل شيء لا يعلم به الرئيس. هذا نظام قمعي أمني يجلس على رأس الهرم شخص اسمه بشار الأسد أو حافظ الأسد سابقاً، ولا يمكن أن يقوم موظف في الأجهزة الأمنية التابعة لهذا النظام بتصرف لا يرضى عنه رئيس هذا النظام.

ليس لدينا في ملفنا أي وثيقة تحمل توقيع بشار الأسد، لذلك من الناحية القانونية تقع المسؤولية على عاتق رؤساء الأجهزة الأمنية بشكل مباشر كتسلسل أوامر. لكن في سوريا الجميع يعلم أن ما يحصل في أصغر فرع أمني وسجن هو أمر ممنهج ومخطط يعلم به ويرضى عنه رأس النظام.

* هل لاحظتم أن الضحايا ينتمون إلى منطقة معينة أو طائفة معينة أو انتماء ما؟

- الضحايا في ملف قيصر هم سوريون، ونحن ندافع عن كل السوريين. إذا كانت الضحايا لدينا تحمل أرقاماً وليس أسماء فكيف لي أن أعرف أن هؤلاء ينتمون إلى طائفة معينة وهؤلاء ينتمون إلى طائفة أخرى.

هناك مؤشرات يمكن أن نأخذ بها. لدينا صور تحمل أوشاماً على أجساد الضحايا. وقد تفاجأ إذا قلت لك إن هناك أكثر من صورة، يحمل الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره. فأنت تقول هذا الرجل من مؤيدي بشار الأسد. لا أعلم من أي طائفة، لكن هذا الرجل وصل إلى مرحلة أن يضع وشماً على كامل جسده بصورة بشار الأسد فأكيد أنه يحب بشار الأسد.

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

هناك أوشام أيضاً لغير سوريين - ربما - وأقول ربما لأن وشم خريطة فلسطين مثلاً ليس خاصاً بإخوتنا الفلسطينيين لأننا جميعاً نحب فلسطين، لكن يغلب الظن هنا أن تقول ربما هذا الرجل فلسطيني من إخوتنا الفلسطينيين في سوريا.

من خلال هذه الأوشام يمكن لك أن تظن أو تتنبأ بأن هذا الرجل لديه الميل السياسي الفلاني أو ينتمي إلى الدولة الفلانية. لكن لا أستطيع ولا أزعم أن هؤلاء الضحايا كانوا من طائفة معينة لأنني لا أملك الدليل. عندما أستطيع ربط الأسماء مع الأرقام وينتهي هذا العمل الشاق، أستطيع أن أقول إن نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا من الطائفة الفلانية أو لا.

المعركة الحقيقية في سوريا

* هل تعتقد أن سوريا جديدة في طريقها إلى الولادة قريباً؟

- إن شاء الله، ولكن أنا لا أريد أن أكون متشائماً. المعركة الحقيقية لبناء سوريا بدأت يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 بسقوط الأسد وتحرير دمشق. المعركة بدأت الآن، وما سبق كان فقط كسراً لهذا النظام القمعي وإزاحة رأس النظام فقط.

* متى سترجع إلى سوريا؟

- أنا أتحين الفرصة لكي أرجع إلى سوريا في أقرب وقت ممكن. لدي بعض الترتيبات الإدارية. إجراءات إدارية فقط. لو كان الأمر متاحاً ربما كنت من اليوم الأول قد ذهبت إلى سوريا، لكن هناك عقبات إدارية كثيرة تحول الآن بيني وبين الذهاب.

* هل لا يزال لديك خوف بسبب دورك في ملفات قيصر؟

- الخوف الذي كان قائماً ربما هو الآن مستمر، والمبررات التي دفعتنا لأن نخفي أسماءنا لأننا نخشى على أنفسنا وعائلاتنا ربما لا تزال قائمة. المخاطر أصبحت أكبر لأن النهج أو المبدأ الذي نسير عليه الآن هو المطالبة بمحاسبة ومساءلة كل من ارتكب جرائم ضد أبناء الشعب السوري. هذا الأمر يعني أن هناك الآلاف من الأشخاص الذين لا يعجبهم هذا النهج أو هذا المبدأ الذي نسعى إليه، لذلك نعم هناك خطورة كبيرة، وأنا مدرك لحجم هذا الخطر. وأنوي أن أسير في هذا الطريق وأتحمل النتائج كافة التي تترتب على القرار الذي اتخذته. لو كان بإمكاني أن أحقق شيئاً وأنا مختفٍ لفعلت، ولكن وصلنا إلى مرحلة بات ظهورنا وتقدم الملف أمرين متلازمين.

* يعني هل قيصر يفكر في الرجوع إلى سوريا؟

- أترك إجابة هذا الأمر له.

سيرة ذاتية

* أين ولدت وماذا درست؟

- أنا ولدت في سوريا في مدينة التل من ريف دمشق عام 1966. درست في سوريا. أول سنوات دراستي الابتدائية كانت في ليبيا في مدينة بنغازي التي أحبها كثيراً. أكملت دراستي بعد ذلك في مدينة التل ودرست في جامعة دمشق الهندسة المدنية.

* أين عملت بعد تخرجك؟

- عندما تخرجت كان هناك قانون فرضه حافظ الأسد أن كل مهندس يتخرج يجب أن يخدم في مؤسسات الدولة لمدة 5 سنوات، فكان لابد من أن تكون موظفاً في هذا النظام، وأنا أقول النظام لأنني أعتقد أن نظام بشار الأسد ليس فقط المؤسسات الأمنية بل كل مؤسسة خدمية في سوريا هي مؤسسة تنتمي إلى نظام الأسد وتجري عليها الأحكام الأمنية نفسها وكذلك الرقابة الأمنية الشديدة. بالنهاية كلها مؤسسات أمنية. لذلك كنت مضطراً أن أمضي فترة خدمة في إحدى مؤسسات الدولة في محافظتنا. كنا على الأغلب بصفتنا مهندسين مدنيين نذهب إلى وزارة الإدارة المحلية ويتم توزيعنا على البلديات فبدأت في بلدية رنكوس في القلمون بريف دمشق.

بعد ذلك، حصلت مشكلة مع رئيس البلدية ومع المحافظ في ذلك الوقت كان المجرم علي زيود، وتم نفينا إلى بلديات أبعد فخدمت أيضاً، لعام تقريباً أو أقل، في بلدية قرية في أعالي القلمون اسمها حوش عرب.

* مشكلة سياسية؟

- لا، لا. مشكلة إدارية. نحن عندما تسلمنا العمل في هذه البلدية أنا وزملائي المهندسون، وللصدفة كلنا من مدينة التل، كنا نسيّر شؤون الناس، يعني أنت تحتاج إلى ترخيص وأمورك نظامية فخذ ترخيصك واذهب وابن. عندك مشكلة أو تجاوز، نحلها بإنسانية ونحلها بأبسط الطرق. هذا الأمر لم يكن يناسب جو العمل في البلديات التي تقوم على دائرة من الرشوة والابتزاز. رئيس البلدية في النهاية قال: «إذا أنا لم آخذ أموالاً من الناس، فكيف أستطيع أن أعطي المال للمحافظ؟ يعني ببساطة إذا أنتو ما خليتوني آخذ رشوة من الناس، شلون بدفع الرشوة للمحافظ؟».

* هل كان يفترض أن تنتمي إلى حزب «البعث» مثلاً؟

- ليس بشكل إلزامي، ولكن لن تكون أمورك بخير إذا لم تكن منتمياً إلى الحزب. في الصف العاشر طلبني مدير المدرسة رحمه الله، وقال لي: أنت من الأوائل أنت وفلان، ويجب أن ندخل في «شبيبة الثورة» ونصبح أعضاء في حزب «البعث»، لأن عدم دخولكم سيجعل الآخرين يدخلون ونحن نريد عناصر جيدة، ومن هذا الكلام. رفضت والآخر الذي كان معي رفض. هو اعتقل بعد أسبوع ومات. بعد عدة سنوات عرفنا أنه قُتل من دون أن نعرف الملابسات.

أنا أصبحت متوتراً، فلدينا ضابط تدريب عسكري في المدرسة ولدينا موجه ولدينا المدير. هذا يرسلني إلى هذا لكي يقنعني ثم يعود إلى هذا لكي يقنعني، وفي آخر المطاف أنا أتحجج بأن أبي مسافر. قلت له: أسأل أبي، أسأل فلاناً، أسأل... في النهاية، قال لي: الآن هل ستكون معنا في حزب «البعث» أو لا؟ قلت له: لا. قال لي «اطلع برا». كلمة «اطلع برا» معناها أن لها ما بعدها، وأنا قلق. كنت طفلاً. كان عمري 16 سنة.

* لم تنتمِ إلى الحزب قطّ؟

- نعم، لم أنتمِ إلى الحزب قطّ. بعد ذلك مرت الأمور رغم هذه التوترات. كانوا يعتقلون الأساتذة. ونحن في المدرسة كنا في طابور الصباح عندما دخلت دورية من الأمن السياسي واعتقلوا أستاذ مادة التربية الدينية أمام أعيننا، ثم ما علمناه فيما بعد أنه قُتل.

* بأي تهمة؟

- في ذلك الوقت، كنا نعيش مرحلة «الإخوان المسلمين» والصراع ما بين النظام و«الإخوان»، و«الطليعة المقاتلة» في تلك الفترة كانت تعمل في دمشق وفي المدن السورية الأخرى، لذلك كانت أول تهمة لأي شخص «أنت إخوان... أبوك إخوان... قريبك إخوان». جو أمني نعيشه في المدرسة ونحن صغار. لم أنتم إلى الحزب، ولم أكن قط - لا في المدرسة ولا في الجامعة ولا بعد ذلك - في هذا الحزب ولا في غيره.

* انتميت إلى أي حزب آخر؟

- مطلقاً. أنا اليوم أنتمي إلى منظمة «ملفات قيصر للعدالة». وهذا العمل الحقوقي يجب أن يكون منزهاً عن أي انتماء سياسي آخر مهما كان واسع الطيف. هذه المنظمة كي تدافع عن جميع السوريين فيجب ألا يسيّس هذا الملف الإنساني أبداً.


مقالات ذات صلة

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

المشرق العربي عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز) p-circle

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء الخارجية والدفاع السوريون والأتراك خلال لقائهم في دمشق (الدفاع التركية - إكس)

سوريا وتركيا تتهمان «قسد» بالمماطلة بتنفيذ اتفاق الاندماج وسط تصعيد في حلب

اتهمت أنقرة ودمشق «قسد» بالمماطلة في تنفيذ اتفاقية الاندماج في الجيش السوري الموقعة في 10 مارس الماضي، وأكدتا رفض أي محاولات للمساس بوحدة سوريا واستقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

الرئيس السوري يهنئ الشعب برفع عقوبات «قيصر» ويؤكد بدء مرحلة البناء

رحّب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الجمعة، برفع الولايات المتحدة نهائياً العقوبات المفروضة على سوريا، في خطوة تمهّد لعودة الاستثمارات إلى البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تجمع الناس خلال مسيرة إحياءً للذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في إدلب (إ.ب.أ) p-circle

سوريا تُرحّب بإلغاء «قانون قيصر»: خطوة نحو التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

رحّبت وزارة الخارجية السورية، اليوم (الخميس)، بتصويت مجلس النواب الأميركي أمس لصالح إلغاء «قانون قيصر».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مجلس الشيوخ الأميركي (أ.ف.ب) p-circle

«النواب الأميركي» يقرّ إلغاء «عقوبات قيصر» المفروضة على سوريا

أقر مجلس النواب الأميركي، الأربعاء، مشروع قانون يتضمن إلغاء عقوبات «قيصر» التي كانت مفروضة على سوريا، وذلك ضمن مناقشته مشروع موازنة الدفاع للعام 2026.

واشنطن بوست

«حزب الله» أمام «قرار شجاع» لإبطال توسعة إسرائيل للحرب

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» في تجمع داعم لإيران دعا له الحزب يناير الماضي (أ.ف.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» في تجمع داعم لإيران دعا له الحزب يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» أمام «قرار شجاع» لإبطال توسعة إسرائيل للحرب

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» في تجمع داعم لإيران دعا له الحزب يناير الماضي (أ.ف.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» في تجمع داعم لإيران دعا له الحزب يناير الماضي (أ.ف.ب)

تُبدي القوى السياسية قلقها حيال طلب الخارجية الأميركية من موظفيها الحكوميين، غير الأساسيين في سفارتها في بيروت، مغادرة لبنان فوراً، لما يمكن أن يترتب على هذه الخطوة الاحترازية من ارتدادات سلبية على الوضع الداخلي في حال تعثّرت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وبالتالي فإن لبنان محكوم بضبط إيقاعه السياسي على ما ستؤول إليه الجولة الجديدة من المفاوضات التي تُعقد يوم الخميس، في جنيف، بوساطة من سلطنة عمان.

فالترقب الذي يضع لبنان على لائحة الانتظار، كما تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، يعني حكماً أن مصير الانتخابات النيابية وحصرية السلاح بيد الدولة، معلَّقان على المسار الذي ستبلغه المفاوضات، وما إذا كانت ستتوقف ويستعاض عنها بضربات عسكرية يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى النظام في إيران، وهذا يتطلب من «حزب الله» أن يتخذ قراراً شجاعاً بموافقته بلا تردد على حصرية السلاح بيد الدولة لتفويت الفرصة على إسرائيل بتوسعة الحرب، خصوصاً أن التدبير الاحترازي للخارجية الأميركية يدعو للريبة، وما إذا كان مقدمة لتوسعتها بغطاء أميركي.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك دعا إليه الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت 4 فبراير الحالي تحت عنوان «البلاد كلّها مقاومة» (إ.ب.أ)

واستباقاً لاحتمال تعثر المفاوضات، فإن لبنان الرسمي، بدءاً برئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، لم ينقطع عن التواصل مع المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة لتحييد البلد عن الحرب وعدم تحويله مجدداً ساحة لصراع الآخرين على أرضه، وذلك بالتلازم مع تكثيف اتصالاته بـ«حزب الله» طالباً منه عدم التدخل إلى جانب إيران في حال اندلعت المواجهة الأميركية - الإيرانية، مع إصراره على إلزام إسرائيل بتطبيق وقف الأعمال العدائية وانسحابها من جنوب لبنان إفساحاً في المجال أمام بسط سلطة الدولة بالكامل على أراضيها كافة.

في هذا السياق قالت المصادر السياسية، المواكبة للاتصالات التي يتولاها عون بالتكافل والتضامن مع رئيس الحكومة نواف سلام، إن تحرُّكه باتجاه «حزب الله» لم يأتِ من فراغ، وإنما بعد تهديد أمينه العام نعيم قاسم بالتدخل بذريعة عدم وقوفه على الحياد، وإن كان احتفظ لنفسه بتحديد طبيعته.

ولفتت إلى أنها تولي أهمية فوق العادة للتواصل المفتوح بين قيادة «حزب الله» ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل. وأكدت أن ما يصارح به قاسم بري، لا يبوح به للآخرين كما يجب، لا سيما أن غالبية اللبنانيين ومعهم المجتمع الدولي، بانقطاع تواصله مع «حزب الله»، يقرّون بدوره إلى جانب عون وسلام لإخراج البلد من التأزم الذي يعانيه محلياً وإقليمياً، واستمرار احتلال إسرائيل قسماً من أراضيه. وقالت إنه لا خيار أمام الحزب سوى التضامن مع إيران لارتباطه عقائديا وإيمانياً بولاية الفقيه. لكن لا بد من الانتظار للوقوف على ما يقصده بتضامنه.

نعيم قاسم متحدثاً إلى تجمع دعا له «حزب الله» في الضاحية الجنوبية الشهر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكنّ السؤال، حسب المصادر: كيف سيتضامن قاسم، في حال اشتعلت المواجهة؟ وهل ينزلق لاتخاذ خطوة غير مدروسة أسوةً بإسناده غزة مع ارتفاع منسوب الضغوط الدولية عليه لتسليم سلاحه، وتحذيره من التدخل الذي سيقابَل برد إسرائيلي يحظى بعدم ممانعة أميركية في ظل الاختلال في ميزان القوى؟ رغم أن مسؤولين في الحزب لا يتوقفون عن ترديد مقولة استعادته قدراته العسكرية، فيما لم يتمكن من توفير الحماية لأبرز قياداته وكوادره العسكرية والأمنية الذين اغتالتهم إسرائيل وما زالت تلاحقهم، وإن كان التركيز حالياً يستهدف البقاعين الأوسط والشمالي.

ومع أن قيادة «حزب الله» تُصغي إلى النصائح المحلية والغربية التي أُسديت إليها، مباشرةً أو بالواسطة، بعدم التدخل إسناداً لإيران وضرورة تجاوبها مع الدعوات لتسليم سلاحها أساساً لانخراطها في مشروع الدولة، فهي في المقابل كما تقول المصادر، تحرص على عدم الإجابة عليها بوضوح بمواقف عملية، رغم أنها تدرك جيداً أن التحذيرات الإسرائيلية ليست من باب التهويل، أو أنها تأتي في سياق الحرب النفسية التي تمارَس على الحزب وبيئته بعد أن لجأت في الأسبوع الماضي إلى توسعة اعتداءاتها لتشمل البقاعين الأوسط والشمالي لتمرير رسالة نارية للحزب بأن الغارات التي شنّتها ما هي إلا عيّنة على الرد الذي تعدّه في حال قرر التدخل عسكرياً إسناداً لإيران.

مسيَّرة عرضها «حزب الله» ضمن مناورة عسكرية في بلدة عرمتى جنوب لبنان مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

وكشفت المصادر عن أن طبيعة تدخل الحزب، في حال اندلعت المواجهة لم تُحسم بعد، ولا تزال موضع نقاش وتقييم داخلي على قاعدة أنه إن كان ليس في مقدور قاسم إلا أن يقول ما قاله في معرض تأكيد تضامنه مع إيران فكيف سيترجم هذا التضامن؟ وهل من جدوى لتدخل الحزب عسكرياً ما دام تدخّله لم يؤدِّ إلى تعديل ميزان القوى ولا لتبدُّل في طبيعة المواجهة، وأن مجرد إسناده يعني من وجهة نظرنا أنه سيرتب على البلد المزيد من الخسائر البشرية والمادية، وربما يفتح الباب أمام تأليب بيئته عليه، فيما لن يجد من يجاريه في موقفه محلياً أو دولياً، بل سيرفع من منسوب الضغوط عليه ويجد نفسه محشوراً في الزاوية بدلاً من أن يدقق حساباته ويتخذ القرار الذي يُبطل ذرائع إسرائيل بالتدخل ويوفر الحماية للبلد؟

وسألت المصادر الحزب: ألم يتخذ عبرة من إسناده لغزة؟ وما الفائدة من إصراره على تمسكه بسلاحه في موقف لا يُصرف سياسياً ويبقى تحت سقف رفع معنويات بيئته التي لا يغيب عن بالها السؤال عن الأسباب الكامنة وراء عدم تصدّيه للاعتداءات الإسرائيلية، رغم الوعود التي يطلقها بالرد عليها، وهل يتذرع بالتزامه بوقف إطلاق النار، مع أن من الأفضل له تخليه عنه ووقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي؟

فتمسك «حزب الله» بسلاحه والنظر إليه على أنه مصدر حضوره في المعادلة السياسية رغم اعتراف خصومه بدوره وعدم التنكر له، لن يسمح بسيطرته مجدداً على القرار السياسي للحكومة وإعادة البلد إلى ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وبالتالي لن يتمكن من أن يعيد خلط الأوراق محلياً، ولن يبدّل من الضغط الدولي والعربي عليه لتسليم سلاحه لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة تنفيذاً للقرار 1701، والتزاماً بما نص عليه اتفاق الطائف في هذا الخصوص، وبالتالي لن يغيّر من تراجع نفوذ محور الممانعة في الإقليم، خصوصاً أن مخاوف اللبنانيين من لجوء إسرائيل إلى توسعتها الحرب لن يبدّدها إصرار «حزب الله» على عدم إجراء مراجعة نقدية لخطابه السياسي، بدءاً بتعاطيه بمسؤولية حيال ما أصاب البلد بتفرده بإسناده لغزة، وهذا يتطلب منه التواضع والكف عن المكابرة والانكفاء للداخل ووقوفه خلف الدولة، ما دام تمسكه بمقاومته سيزيد من حجم التكلفة البشرية والمادية على البلد ولن يحد منها تلويح نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي بأنْ لا بديل عن خيار المقاومة، وتهديده سابقاً ببتر اليد التي تمتد إلى سلاحه.


نتنياهو وبن غفير يتفقان على «تخفيف صيغة» قانون إعدام الأسرى

TT

نتنياهو وبن غفير يتفقان على «تخفيف صيغة» قانون إعدام الأسرى

الأسير الفلسطيني معزز عبيات عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية عام 2024 (رويترز)
الأسير الفلسطيني معزز عبيات عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية عام 2024 (رويترز)

نقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر إسرائيلية قولها إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير توصلا إلى اتفاق بشأن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يقوم على «تخفيف صياغة» مشروع القانون، خشيةً من «إلحاق ضرر دولي بإسرائيل».

وأفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن «نتنياهو اعتبر الصيغة أشد صرامة حتى من المعايير القائمة في الولايات المتحدة»، موضحة أن «الاتفاق، الذي تخضع تفاصيله للموافقة النهائية من رئيس الوزراء والسلطات القضائية، رغم أنه ينص صراحةً على وجوب فرض عقوبة الإعدام على الأسرى؛ إلا أنه عملياً، يُسمح للمحاكم باستثناء البعض من هذا القانون، لأسباب خاصة أو في ظروف استثنائية. كما سيكون من الممكن استئناف الحكم والمطالبة بتخفيفه».

وأشارت الصحيفة إلى أنه تم قبول طلب الوزير المتطرف بن غفير بفرض عقوبة الإعدام كعقوبة إلزامية من حيث المبدأ، لكنه اضطر مقابل ذلك إلى التنازل ومنح المحكمة سلطة تقديرية، ومع ذلك، سيُطلب من القضاة تعليل سبب تغيير قرار فرض عقوبة الإعدام.

وتم الاتفاق على قاعدة أن «القانون الحالي متشدد جداً»، وجادل مسؤولون من مكتب نتنياهو، بن غفير بأن «إسرائيل لا يمكنها السماح بسنّ قانون متشدد في صياغته أكثر من القوانين المطبقة في الولايات المتحدة».

ووفقاً لمصادر، لم يوافق نتنياهو على مشروع القانون بالصيغة التي اقترحها بن غفير، ثم في خطوة غير معتادة، طلب مكتبه تقديم تحفظ على الصيغة التي اقترحتها عضو الكنيست ليمور سون هار-ماليخ نيابةً عن بن غفير.

وكان المجلس الوزاري السياسي الأمني عقد عدة ​​مناقشاتٍ حول مشروع القانون، الذي لا يزال في مرحلة الإعداد في اللجنة المختصة تمهيداً للقراءتين الثانية والثالثة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي صادقت الهيئة العامة للكنيست، بالقراءة الأولى على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي تقدمت به ليمور سون هرملخ من حزب «عوتسما يهوديت»، بعد تصويتٍ أيده 36 عضواً مقابل معارضة 15، وأُحيل إلى اللجنة البرلمانية المختصة تمهيداً للتصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة.

وجاءت الجلسة آنذاك بعد مصادقة لجنة الأمن القومي في الكنيست على طرح مشروع القانون أمام الهيئة العامة، للتصويت عليه، بدعم مباشر من نتنياهو.

أسير فلسطيني محرَّر (يسار) يُقبِّله شقيقه لدى وصوله إلى رام الله قادماً من سجن عوفر الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ويلزم مشروع القانون بصيغته الحالية القضاة الإسرائيليين بإنزال عقوبة الإعدام بحق كل فلسطيني تثبت مشاركته بأي شكل في قتل إسرائيليين، بدل الحكم عليه بالمؤبد.

وعادة يواجه أي فلسطيني الحكم المؤبد (مدى الحياة) مقابل كل إسرائيلي تم قتله، سواء قتله بنفسه أو أرسل المنفذين أو خطط أو وجه العملية أو قدم المساعدة.

وكانت المذكرة التوضيحية لمشروع القانون تنص على أن أي «إرهابي» يُدان بارتكاب جريمة قتل «بسبب الكراهية العنصرية أو القومية أو نية إيذاء دولة إسرائيل والشعب اليهودي، سيواجه حكماً إلزامياً بالإعدام، ليس كخيار أو تقدير، بل كحكم إلزامي».

وفي المقابل، اعتبر الفلسطينيون مشروع القانون بأنه وحشي ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ورفضته السلطة الفلسطينية، وحذرت منه واعتبرته جريمة حرب مكتملة الأركان، كما رفضته «حماس» وحذرت من تداعياته.


تصعيد «داعش» شرقاً و«سرايا الجواد» غرباً... هل سوريا على أعتاب عنف جديد؟

لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
TT

تصعيد «داعش» شرقاً و«سرايا الجواد» غرباً... هل سوريا على أعتاب عنف جديد؟

لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)
لقطة من الأعلى لعملية أمنية مزدوجة لاستهداف «سرايا الجواد» بريف جبلة (الداخلية السورية)

في حين أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، تنفيذ عملية أمنية مزدوجة في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية على الساحل السوري، واستهدفت مقراً لميليشيا «سرايا الجواد»، فإن شرق سوريا يشهد تصعيداً لعمليات تنظيم «داعش» ضد دوريات وعناصر الأمن العام والجيش... وانتشر، الثلاثاء، تحذيران من التنظيم للمدنيين بالابتعاد عن المقار العسكرية والأمنية في كل المحافظات السورية، فهل تؤشر تلك التطورات إلى موجة عنف جديدة أمام الحكومة السورية؟

وكان قائد الأمن الداخلي بمحافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، قد أعلن، الثلاثاء، عن تنفيذ عملية أمنية مزدوجة في منطقتي بيت علوني وبسنيا بريف جبلة في محافظة اللاذقية بعد عملية رصد دقيقة استمرت أياماً عدة، استهدفت أحد أهم معاقل ميليشيا «سرايا الجواد».

عملية أمنية في بيت علوني وبسنيا بريف جبلة لاستهداف «سرايا الجواد» (الداخلية السورية)

وقال الأحمد إنه «بعد اشتباك استمر ساعة كاملة، نجحت قواتنا في تحييد متزعم (السرايا) في الساحل، بشار عبد الله أبو رقية، إضافة إلى اثنين من قيادييها، وإلقاء القبض على 6 عناصر آخرين، كما فُجّر مستودع أسلحة وعبوات ناسفة للميليشيا بشكل كامل، وأسفرت العملية عن مقتل أحد عناصر قوات المهام الخاصة، وإصابة عنصر بجروح طفيفة».

و«سرايا الجواد» فصيل مسلح ظهر في ريف جبلة على الساحل السوري، خلال أغسطس (آب) الماضي، وأعلن عن بدء عملياته ضد القوات الحكومية السورية في المنطقة وطالبها بخروج قواتها من الساحل، علماً بأن هذا الفصيل يتبع سهيل الحسن أحد أبرز الرموز العسكرية في النظام السابق.

التطور الأمني في مناطق الساحل يتزامن مع تصعيد تنظيم «داعش» عملياته ضد دوريات الأمن العام والقوات السورية شرق البلاد.

وتداولت مواقع سورية صوتيات لقياديين في التنظيم تحذر المدنيين وتطلب منهم الابتعاد عن المقار العسكرية والأمنية التابعة للأمن العام في كل المحافظات، وذلك بعد أيام من إعلان المتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، بدء مرحلة جديدة من العمليات ضد الدولة السورية، ترافق مع تصعيد الهجمات في محافظتَي الرقة ودير الزور، التي استهدفت عناصر الأمن العام والجيش السوري.

تصعيد شرقاً وتحرك غرباً

الباحث عباس شريفة، رداً على سؤال من «الشرق الأوسط»، يرى أنه «إذا كان هناك من رابط بين تصعيد (داعش) شرقاً والتحرك في الساحل غرباً، فإن ذلك يعود إلى وجود (تخادم) بين الفلول و(الدواعش) في زعزعة الاستقرار وإعادة رسم المشهد الأمني»، مرجعاً ذلك إلى «هدف تشتيت ذهنية المؤسسة الأمنية وتوسيع نطاق التحرك للفلول و(الدواعش)»، مؤكداً على أنه «ليس بالضرورة أن يكون الأمر منسقاً بينهما، لكنه دون شك متناغم».

وتعليقاً على أسباب تصعيد «داعش» عملياته في هذا التوقيت، قال الباحث عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط»، إن التنظيم يشعر بـ«خطر وجودي» منذ «سقوط النظام البائد وانتهاء الذرائع الكبرى التي كان يعتمد عليها لتأمين الموارد البشرية وتجنيد الشباب»، فـ«المظلومية السُنّية انتهت». والتنظيم يَعُدّ الرئيس أحمد الشرع «العدوَّ رقم واحد»؛ «لأنه يضرب مشروعيته وسرديته، ولذلك ركزت كلمة المتحدث باسم التنظيم على (الشرعية)، عادّاً (هيئةَ تحرير الشام)، التي تشكل العمود الفقري للإدارة السورية الجديدة، (علمانيةً) ولا تطبق الشريعة، وبالتالي؛ يُعدّ هذا مبرراً لاستئناف العمليات ضدها».

من مقطع فيديو لعملية أمنية استهدفت «سرايا الجواد» بريف جبلة الثلاثاء (الداخلية السورية)

ورأى شريفة أن هناك 3 أسباب لتصعيد «داعش» عملياته؛ «أولها: انضمام سوريا إلى (التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب)، وهذا يقرع ناقوس الخطر لدى التنظيم الذي يتحرك في حيز جغرافي تسيطر عليه دولة وراءها تحالف دولي كبير مزود بالتكنولوجيا والمعلومات. السبب الثاني: مجموعة العمليات الكبيرة الناجحة التي نفذتها الدولة السورية وأسفرت عن تحييد عدد من عناصر التنظيم في حواضر دمشق وحلب وحمص؛ الأمر الذي أثر بشكل كبير جداً على حركة التنظيم وفاعليته؛ فلذلك يريد الآن إثبات وجوده. أما السبب الثالث؛ فهو سعي التنظيم من خلال الصوتيات إلى إعادة لملمة صفوفه وإحصاء القوة الكامنة ومعرفة قدرته على التحريك والضرب في الوقت الذي يقرره».

كما لفت الباحث عباس شريفة إلى «سبب آخر مهم، هو تفكيك (مخيم الهول)»، وقال: «عملية التفكيك حرمت التنظيم من تجنيد أطفال المخيم. كما أن مساهمة الدولة السورية في عملية نقل سجناء التنظيم إلى العراق أفقدته ورقة مهمة؛ إذ كان يخطط لضرب السجون وتحرير عناصره».

في مراحله الأخيرة

الباحث المختص في الجماعات الإسلامية، عرابي عرابي، يعدّ أن تنظيم «داعش» يعيش مراحله الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التنظيم عمل خلال العام الماضي على «إعادة هيكلة صفوفه القيادية، ولكن لم يتمكن من إعادة بناء تسلسل قيادي متماسك؛ لأنه تعرض للتفكيك مرات عدة»، وذلك وفق متابعة الباحث للمصادر المفتوحة.

يضيف عرابي أن «التنظيم اليوم يمتلك آلة الإعلام ليستخدمها في مواجهة الدولة والتحريض عليها»، لافتاً إلى أن «العمليات التي ينفذها ليست استراتيجية؛ إنما (تكتيكية) متناثرة ينفذها عناصر منفردون أو خلايا صغيرة، ضد دوريات الأمن والجيش المنتشرة»، مشيراً إلى أن هذه استراتيجية التنظيم «للتكيّف» التي «ترتكز أيضاً على التصعيد الإعلامي والاستقطاب بالتجنيد».

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

وبشأن ما إذا كان التنظيم قادراً على إثارة موجة عنف جديدة، يرى أنه «يستطيع تنفيذ عمليات واختراقات من خلال خلايا صغيرة، وعمليات متقدمة عنيفة جداً، ولكن حتى الآن لم يتمكن من ذلك في سوريا منذ عام؛ لأنه لا يمتلك بنية قيادية ولا تماسكاً بين الخلايا».

وأكد عرابي على أن «التنظيم يعمل على استهداف الدولة (إعلامياً) بعد عام من ضخ الإعلام الرديف للتنظيم حملات دعائية تكفر الدولة وتتهمها بـ(العمالة للغرب وإهمال حقوق المسلمين)، والآن تتصدر هذه الحملات إعلام التنظيم الرسمي في محاولة لاستقطاب تأييد أوسع من الحاضنة التي من الممكن أن تناصره في هذه المرحلة. مع التأكيد على أن التنظيم لا يمكنه استهداف الدولة على الأرض، إلا إذا حصل على إمداد أو دعم من جهات معينة تريد الاستثمار في العنف».

Your Premium trial has ended