«سامي»: جاءني «قيصر» بصور ضحايا التعذيب فتقاسمنا الخطورة والهموم

قال إن «سرية المداهمة» قتلت أكثر من نصف الضحايا... وقتلى الفرع 227 الأكثر فقداً لعيونهم (1 من 3)

TT

«سامي»: جاءني «قيصر» بصور ضحايا التعذيب فتقاسمنا الخطورة والهموم

أسامة عثمان خلال المقابلة (الشرق الأوسط)
أسامة عثمان خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

على مدى 10 أعوام، انشغل العالم بمعرفة الهوية الحقيقية لرجلين: «سامي» و«قيصر». سرّب الرجلان مشاهد التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، فصدر قانون «قيصر» الأميركي وحصلت محاكمات في أوروبا. وبعد سقوط الأسد، اختار «سامي» أن يكشف هويته الحقيقية للمرة الأولى، وهي أسامة عثمان، عبر «الشرق الأوسط». لكن قلق الرجل في اللقاء الأول القصير محدد الهدف وقتها لم يتح كتابة القصة الكاملة لـ«سامي» و«قيصر». فكان هذا اللقاء في باريس مع أسامة عثمان، ليروي لنا كيف وُلِد «قيصر» و«سامي»، ورحلتهما من ريف دمشق إلى محاكم العالم لملاحقة الجلادين.

* بماذا شعرت حين بلغك أن بشار الأسد فرّ من سوريا؟

- الحقيقة أننا حرمنا من أن نعيش الفرحة بسقوط بشار الأسد في لحظة حاسمة. لم يقل: أنا أستقيل أو أتنحى أو سأترك البلاد. هو بكل بساطة ركب طائرته وغادر البلاد. لا نعرف كيف ولم يتم تأكيد سقوطه في لحظة واحدة، وإنما عشنا أياماً عدة حتى نتأكد أن بشار الأسد فعلاً لم يعد في سوريا، وأن سوريا أصبحت سوريا فقط. سوريا الحرة وليست سوريا الأسد. لذلك كانت فرحتنا أيضاً مجتزأة وممتدة على مدى هذه الأيام تختلط بالأمل والخوف والرغبة والترقب، حتى تأكدنا أخيراً أن بشار الأسد قد رحل إلى الأبد عن سوريا.

«وصلنا يا قيصر»

* هل كان هذا رد فعل شريكك «قيصر» نفسه؟

- خلال هذه الأيام لم أتصل بـ«قيصر». كانت مشاعرنا متضاربة، ونحاول أن نصل إلى خبر أكيد بسقوط بشار الأسد، وما الذي ستؤول إليه الأمور. الحقيقة أن زحمة الأحداث والابتهاج المشوب بالقلق حرماني من أن أتصل بـ«قيصر» في هذه اللحظة التي خرجنا في سبيل الوصول إليها والتي تحققت أخيراً. بعد ذلك، ربما ومن خلالكم، أقول له: وصلنا يا «قيصر». تحقق ما كنا نحلم به وأسقطنا الأسد. ليس «سامي» و«قيصر»، وإنما دماء هؤلاء الشهداء في المعتقلات وخارجها، وجهود جميع السوريين الذين دفعوا الكثير من الدماء حتى وصلنا إلى هذه اللحظة اليوم. نحن أحرار، وسوريا حرة.

* هل شعرت أن جهد هذه السنوات الطويلة لم يذهب هدراً؟

- أشعر أن الشعب السوري دفع ثمناً أكبر بكثير مما يستحقه مجرم مثل بشار الأسد. هو لم يكن باقياً في منصبه طوال السنوات السابقة بذكائه ولا بقوته ولا بمحبة الشعب له، وإنما نعلم جميعاً أنه بقي بواسطة الآلة الأمنية القمعية لنظامه ولحلفائه وجميع أفراد الميليشيا المجرمة التي استجلبها إلى سوريا لتستبيح الدماء والأعراض والمقدرات.

* هل تعتبر حلفاء الأسد شركاء في التعذيب؟

- حلفاء الأسد هم شركاء في تدمير سوريا. لكن أنا من موقعي في منظمة حقوقية لدي ملفات تتعلق بمعتقلين ماتوا تحت التعذيب، لا أستطيع أن أقول إن من قام بتعذيب هؤلاء هي الجهة الفلانية أو الجهة الفلانية إلا ما تثبته الوثائق والأدلة الموجودة بين أيدينا. لكن بشكل عام من الناحية المنطقية، طبعاً هؤلاء كانوا شركاء في قتل كل من قُتل في سوريا. وكل قطرة دم سالت في سوريا، حلفاء الأسد شركاء فيها. كل من رفع يده في مجلس الأمن بفيتو ضد قرار يحرر السوريين من سلطة بشار الأسد وهيمنته ونظامه القمعي، هو شريك أيضاً.

الصورة الأولى ولحظة القرار

* متى ولدت فكرة جمع الأدلة على عمليات التعذيب في السجون السورية؟

- في بداية الثورة وبعد مضي شهرين تقريباً - أظن في مايو (أيار) 2011 - اتفقت مع «قيصر» على أن يتم جمع الصور التي ترده والتي كما قال لي حينها تظهر عليها آثار تعذيب شديد. وهذا الأمر لم يكن يحصل سابقاً في قسم الأدلة القضائية؛ لأن اختصاص القسم هو تصوير الحوادث التي يكون أحد أطرافها من مؤسسات الدولة، أو أبناء المؤسسات الأمنية والعسكرية في الجيش السوري بشكل طبيعي وروتيني.

بعد بداية الثورة أصبحت هذه الصور تتضمن أشخاصاً تظهر عليهم آثار تعذيب شديد وتدل على أن وفاتهم لم تكن بشكل طبيعي أو نتيجة حادث. كان «قيصر» في هذه المرحلة لا يريد أبداً أن يكون شريكاً حتى في تصوير هذه الفظائع. أراد أن ينأى بنفسه تماماً عن هذه الآلة المجرمة، إما عبر الانشقاق - وهذا يعرضه لخطر شديد ويعرض عائلته لهذا الخطر - وإما عبر التقاعد أو الاستقالة من الجيش بشكل ما.

في هذه الفترة، كانت لا تزال في ذاكرتي مشكلة المفقودين في مجزرة حماة عام 1982. لدينا في سوريا آلاف الحالات التي لم تعترف الدولة بأنهم اعتقلوا ولم تعترف بأنهم ماتوا. هؤلاء في نظر القانون مفقودون. والمفقود سيسبب مشاكل قانونية وإدارية في نقل الملكية وفي الإرث وفي الطلاق وفي حالات إنسانية كثيرة لعائلته وأبنائه وإخوته. هذه المشكلة كانت كبيرة جداً، والكثير من العائلات السورية عانت منها طوال عقود عدة، فتبادر إلى ذهني أن جمع هذه الأدلة ربما سيوفر لأهلنا السوريين الدليل على أن أبناءهم الذين فقدوا تم اعتقالهم من المظاهرات أو في الشوارع أو في المداهمات، وقد آل بهم الأمر إلى أن يصبحوا ضحايا تحت التعذيب.

رغم بشاعة الأمر، فإنه كان على الأقل سيوفر دليلاً قانونياً واضحاً وأيضاً مريحاً. يعني أنت لن تكون متوازناً نفسياً إذا فُقد لك قريب. (أما) عندما تعلم أنه مات، فلا حول ولا قوة إلا بالله. كانت تتصل بنا بعض الأمهات في مرحلة لاحقة، وتقول إحداهن: «يعني بس بدي أتأكد». تريد أن تصل إلى درجة من الارتياح وتتوقف هذه اللهفة وهذه الهواجس التي تعتريها أن ابنها تحت التعذيب أو أين هو الآن؟ ماذا يُفعل به؟

قررنا أن نقوم بجمع هذه البيانات. قلنا: ربما (بما أن) الثورة المصرية شهران وتونس ثلاثة أشهر. كذلك ربما بضعة أشهر وتنتهي الثورة في سوريا ونقوم بإعلان ما لدينا من وثائق لأبناء شعبنا في سوريا. طال الأمد وامتدت الشهور، وزادت آلة الإجرام للنظام في انتهاك دماء وحرمات السوريين ومقدراتهم. هنا انتقلنا إلى جمع هذه البيانات بشكل رتيب. حتى لم نكن نفكر ماذا سنفعل بعد ذلك. كنا نعيش خوفاً ونسمع القصف العشوائي، وأيضاً المداهمات العشوائية للنظام.

* حين أراك «قيصر» الصورة الأولى، ماذا كان رد فعلك؟ كان عليك أن تتخذ قراراً، إما تناسي هذا الموضوع أو السير فيه. بماذا شعرت؟

- النظام السوري يُتوقع منه كل شيء، ونحن مستعدون نفسياً منذ البداية لمواجهة نظام مجرم لأن ما حصل في الثورة السورية من عمليات اعتقال وقتل تحت التعذيب هو أمر ليس جديداً. الجديد هو الزخم وزيادة عمليات القتل بهذا الشكل الذي رأيناه حتى كادت تصل إلى العشرات يومياً. كان يصل إلى «قيصر» قبل أن يترك عمله عدد كبير من الجثث يومياً للتصوير. أؤكد أن ما تم في الثورة السورية كان يمارسه النظام لعقود بحق السوريين في السجون المختلفة، نظام حافظ الأسد ثم بشار الأسد. الذي حصل الآن أن هذا الأمر ظهر إلى العلن نتيجة الثورة السورية، ونتيجة ما أصبح لدينا من تكنولوجيا متطورة.

* ماذا قلت لـ«قيصر» حين رأيت الصور؟

- في البداية، شعرت بالخوف على «قيصر»؛ لأنه كان من الممكن في أي لحظة أن يتحول إلى صورة مثل هؤلاء. قررت مباشرة أنه ينبغي أن نقوم بجمع هذه الصور، لأن العمل الذي يقوم به «قيصر» والقسم الذي هو فيه في المؤسسة العسكرية التي يعمل بها يمكن من خلاله أن نجمع بيانات كثيرة تفيدنا فيما بعد. وكما ذكرت سابقاً لم أكن بهذه اللحظة، لا أنا ولا «قيصر»، نفكر بأن يتطور الأمر إلى قضاء عالمي، وإلى محاولات محاصرة النظام بهذه الجرائم.

* هل كان «قيصر» متحمساً؟

- «قيصر» كان أمام خيارين: إما أن يترك العمل وهذا يعرضه للخطر ويعرض أهله للخطر، أو أن يجد طريقة قانونية للانسحاب من هذا العمل. لكن هو بنفسه كان يرى أن قرار الانسحاب لا يليق بنا ولا يليق بأهلنا. يعني أنا لم أضغط على «قيصر» كي يستمر في العمل طبعاً. هذا كان قراراً مشتركاً وبتوافق وقناعة من الطرفين. تقاسمنا الخطورة وتقاسمنا الهموم، وتقاسمنا العمل في الداخل وفي الخارج أيضاً.

* هل فكرت أن هذا الموضوع قد يكلفك حياتك في أي لحظة؟

- نظام الأسد يشكل خطراً وتهديداً على حياة كل إنسان في سوريا، سواء ارتكبت شيئاً أو لم ترتكب. يعني عندما تقوم بقصف مدينة بصواريخ «سكود» أو بالبراميل المتفجرة أو بمدفعية الهاون ومدفعية الميدان، فأنت بالتأكيد تشكل خطراً على جميع المدنيين الموجودين في مرمى هذه الأسلحة. لذلك لم نكن نحن بمعزل عن هذه الصورة، ولم نكن منفصلين عن هذا الواقع. نحن نتعرض لهذا الخطر بشكل دائم، وحتى قبل الثورة. ربما الثورة هي التي أفضت إلى تسريع هذه العملية وإظهار إجرام النظام.

أسامة عثمان خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

قيامنا بهذا الأمر، وهو أرشفة هذه البيانات، رتّب علينا خطورة مضاعفة بشكل مؤكد، لكن في خضم هذه الثورة التي يدفع فيها الجميع دماءهم في سبيل الحرية، لم أفكر يوماً أن هذا الأمر الذي أقوم به وهذا الخطر الذي يترتب عليه هو أمر زائد على الآخرين. بالعكس، أنا كنت أجد أنني أقوم بدوري على طريقتي الخاصة في هذه الثورة.

توسيع المجموعة على حسب الحاجة

* في البدايات من كان يعمل في إطار هذا الموضوع؟ أنت و«قيصر» فقط؟

- في الأشهر الأولى، نعم. كان الأمر كما ذكرت سرياً للغاية، حتى على عائلاتنا وأهلنا وبيوتنا. بعد ذلك، كان لا بد من بناء فريق يحيط بنا لتأمين الحماية لي ولـ«قيصر»، وتأمين الكثير من الخدمات التي تحول دون فقدان هذه البيانات فيما لو قُتل أحدنا أو كلانا. لذلك بدأ الفريق يتوسع بعد شهرين أو بعد الأشهر الثلاثة الأولى، وامتد بنا الأمر وأصبح هذا الفريق الأساسي الذي تشكّل في سوريا يضم إليه أشخاصاً آخرين في مراحل مختلفة، حسب الهدف الذي نريد أن نحققه في الداخل أو بعد أن خرجنا.

* كيف حافظتم على السرية في الفريق؟

- السرية الحقيقية لم تكن مطلقة. لا أستطيع أن أزعم أنني كنت محاطاً بسرية كاملة إلا في المرحلة الأولى. يعني في المرحلة التي سبقت خروجنا من البلاد، كان عدد الأشخاص الذين يطلعون على هذه البيانات محدوداً جداً. تقريباً 6 أشخاص، منهم أخي و«قيصر» و3 أشخاص آخرين. وطبعاً زوجتي كانت على اطلاع بهذا الأمر. فإذا أردت أن تحصيهم فهم 7 أشخاص.

* تحركت لأنك شاهدت هذه الصور. أين كانت الصورة الأولى؟ من سجن صيدنايا مثلاً؟

- الصور كانت تأتي من قسم الأدلة القضائية في فرع الشرطة العسكرية، وهذا الأمر يعني أن هذه الصور تتبع الضحايا الذين يتم قتلهم تحت التعذيب في فروع الأمن المنتشرة في مدينة دمشق. ليست لدينا صور مكتوب عليها أو محددة بأنها صور صادرة عن سجن صيدنايا.

«قيصر» مخفياً هويته بمعطف أزرق خلال جلسة نقاش في الكونغرس الأميركي لقانون حماية المدنيين السوريين (أ.ف.ب)

الفرع 227 والعيون المفقودة

* ما هو الفرع الأكثر قسوة؟ هل اختلف التعذيب بين فرع وآخر؟

- بعد أن قمت بأرشفة الصور الأرشفة البدائية، وهي أن أقوم بفرز الصور حسب تبعيتها للفرع، تبين لي أن ما يزيد على 50 في المائة من الضحايا يعودون إلى الفرع 215. هذا الفرع يسمى «سرية المداهمة». هو في الأساس ليس فرعاً أمنياً، وإنما هو سرية مداهمة واقتحام يفترض أنها تقوم بالتعاون مع بقية الفروع الأمنية. لكنها تحولت إلى ما سُمي فيما بعد بـ«الفرع 215»، الذي قام بأكثر من 50 في المائة من عمليات قتل المعتقلين تحت التعذيب، لكن ما لفت انتباهي أن المعتقلين في الفرع 227 كان فيهم نسبة كبيرة من الأشخاص الذين فقدوا عيونهم. لا أستطيع أن أقول ولا أدعي أن هذه العيون انتزعت انتزاعاً من محاجرها، أو أنها تعرضت (لذلك) عندما تم إلقاؤها في العراء. كانت هناك الحشرات التي تقوم بأكل العيون في محاجرها، وهذا نلاحظه من عدد كبير من الصور لتجمع الحشرات على العين بشكل واضح في صور اللقطات القريبة. فربما يكون جفاف العين هو الذي أدى إلى أن يظهر الضحية وكأن عينه مفقودة، أو نتيجة هذه الحشرات التي تقوم بأكلها.

* هل تم معظم القتل بالرصاص أم بآلات حادة؟

- لا يمكنني أن أعطي إجابة لهذا السؤال لأنها مرهونة بالأطباء المختصين بهذا الأمر. ربما يكون لي رأي، ولكن بوصفه ملفاً حقوقياً لا أستطيع أن أقول فيه بالرأي والظن، لذلك قمت بعد أن وصلت إلى أوروبا بتزويد السلطات الألمانية بنسخة كاملة من هذا الملف كي تعمل على تدقيق هذه البيانات. اليوم عندما أقول إن هذه الوثيقة تدين بشار الأسد، لا يكون لكلامي قيمة لأنني لست صاحب اختصاص. لذلك أردت أن أضفي هذه القيمة على «ملفات قيصر» بأن أخرجها من أي تداول إعلامي أو سياسي إلى سياق قانوني بحت، فلجأت إلى السلطات الألمانية والفرنسية. وطلبت حتى من هذه السلطات أخذ شهادتي، حتى إذا تعرض «سامي» لأي مكروه لا تُفقد المعلومات التي يملكها.

في ألمانيا تم تأكيد أن هذا الملف صحيح وحقيقي، وأنه يعود إلى السلطات في سوريا.

* متى تم ذلك؟

- هذا الكلام كله بعد 2015. التواصل مع السلطات الألمانية تم عن طريق مكتب «المركز الألماني للحقوق والحريات الدستورية» بمساعدة محامي صديق سوري اسمه إبراهيم القاسم، عمل معنا في تلك الفترة. وقدمت شهادتي وسلمت نسخة من الملف إلى المدعي العام الاتحادي. بعد ذلك بعام أو أكثر، تم تأكيد أن هذا الملف ملف تعذيب ويشكل انتهاكات لحقوق الإنسان، وأن المسؤول عنه حكومة النظام السوري.

امرأة وأطفال ومرضى بين الضحايا

* هل هناك أطفال ونساء بين صور الضحايا؟

- القسم الذي يسمى «الضحايا تحت التعذيب» في هذا الملف توجد فيه صورة لامرأة واحدة. أما الأطفال، فإذا كنا نتكلم عن الأشخاص دون الثامنة عشرة، فنعم يوجد - ليس فقط أطفال - وإنما يوجد أيضاً مرضى كان واضحاً أنه تم انتزاعهم من المشافي أو تم قتلهم في المشافي، لا أستطيع أن أجزم، ولكن الأجهزة الطبية التي تجدها على أجسادهم مثل الأنابيب في الذراع وملصقات قياس الضغط ودقات القلب والقسطرة وغيرها، و«أكياس السيروم»، وكل هذه تدل على أن هؤلاء كانوا مرضى يتلقون العلاج بطريقة أو بأخرى ثم قُتلوا.

* حين كانوا يقتلون معتقلاً معيناً، ماذا يُسمّون العملية؟

- يكتبون على الملف: وفاة الموقوف رقم كذا فقط.

* من دون شرح الأسباب؟

- فيما بعد يتم تنظيم ضبوط بالضحايا. هذه التفصيلة بالذات أحب أن يقولها «قيصر» بنفسه عندما يقرر أن يظهر، لأنها هي صلب عمل «قيصر». يعني هذا السياق الدقيق من العمل داخل فرع الأمن العسكري أو الشرطة العسكرية؛ فهذا يعود إلى «قيصر»، فإذا تكلمت أنا إنما أتكلم نقلاً أو أتكلم بما سمعت. ولا أستطيع أن أقول بما لم أره؛ لأنني تقدمت كما ذكرت سابقاً بشهادات حقوقية أمام القضاء الألماني وأمام وحدة مكافحة جرائم الحرب الفرنسية.

لذلك لا ينبغي أن أخوض في أي تفاصيل قد تسيء إلى المسار القانوني، لأن العمل الحقوقي والأدلة القضائية ينبغي لهما ألا ينتهكان على صفحات التواصل الاجتماعي وعلى شاشات الإعلام بشكل يفقدهما قيمتهما القانونية. الشعب السوري يعرف ما أقول تماماً، لأننا عانينا كثيراً من فقدان القيمة القانونية لأدلة قاسية جداً، كانت عندما تصل إلى المحكمة تكاد قيمتها القانونية أن تكون معدومة.

* كم تقدر عدد الصور التي احتواها الملف؟

- الملف يتضمن صوراً لضحايا قتلوا تحت التعذيب. ولكل صورة لقطات عدة. أحياناً قد تكون لجثة واحدة لقطتان إلى 5 أو 6 لقطات، حسب الإصابات والعلامات المميزة في جسم الضحية، لذلك لدينا أقل من 27000 لقطة لأقل من 7000 ضحية.

رحلة الخروج من سوريا

* متى توقف جمع الأدلة؟

- في نهاية عام 2013، أصبح هناك خطر كبير على الأشخاص القائمين على هذا الملف وعلى البيانات التي بحوزتنا. كان يمكن أن نبقى ونحصل على بيانات أكثر، ولكن عندما تقارن خطورة الوضع الذي أنت فيه بفائدة أن تجمع صوراً أكثر، تجد أنه من الأنسب أن تخرج بما لديك قبل أن تفقد ما لديك وأن يفقدك أهلك.

* خرجت بأي تاريخ وكيف؟

- أنا لم أكن مطلوباً للنظام. خرجت بشكل طبيعي لاتجاه لبنان في نهاية عام 2013، بعد ذلك تبعتني العائلات و«قيصر»، وانتهت عملية التوثيق. ليست لدينا وثائق بعد سبتمبر (أيلول) 2013. أمضيت في بيروت أقل من أسبوعين. وتنقلت في دول عدة، واستطعت إخراج العائلات وإخراج «قيصر» أيضاً. بعد ذلك كانت محطة مميزة جداً في عمر هذا الملف في قطر.

* هل خرج «قيصر» إلى بيروت أيضاً؟

- «قيصر» لم يكن معي حين خرجت. كنت أنا وشخص آخر. كان «قيصر» في سوريا، ولا يزال على رأس عمله. لم يذهب إلى بيروت، ولا أريد أن أجيب على أسئلة دقيقة حول حركة «قيصر» في فترة خروجه، وأترك هذا له وأيضاً للمحامين.

* تحدثت عن محطة الدوحة. ماذا جرى فيها؟

- في محطة الدوحة كنت أنا و«قيصر» وبعض الإخوة. تم التأكد مرة أخرى من أن هذا الرجل فعلاً كان موظفاً في النظام السوري في المؤسسة العسكرية، وأن هذه الصور حقيقية غير مفبركة، وهذه مرحلة كانت قبل أن أقوم أنا بتسليم نسخة من هذا الملف إلى السلطات الألمانية. هنا، كانت الشرارة الأولى، وهنا كانت ولادة «سامي» و«قيصر».

ولادة اسمي «قيصر» و«سامي»

* من سمّاكما «سامي» و«قيصر»؟ هل أنتما من اخترتما الاسمين؟

- قيصر هو «الشاهد الملك»، كما يقولون، باعتبار أن هذه قضية والشاهد الأهم والأخطر فيها هو «قيصر». في اللغة العربية نقول: «الشاهد الملك»، وهذه كلمة طويلة. الملك ربما يكون كأن نقول «قيصر»، فليكن «قيصر» إذن. لا أستطيع أن أذكر مَنْ مِنَ الحاضرين اقترح هذا الاسم ومن وافق عليه، لكن في النهاية تم إقرار أن هذا هو «قيصر».

* و«سامي»؟

- التفت الحاضرون إليّ وقالوا: وأنت يجب أن يكون لك اسم. اقترحوا أسماء عدة وجدتها غير ذات دلالة وطويلة، فضلت أن أكون «سامي». كان عندي صديق مقرب جداً وأحبه، ربما لم ألتقه الآن منذ 15 عاماً. فقلت «سامي». هذا أيضاً سيكون سهلاً في اللغات الأخرى.

* هل طالت إقامتكما في الدوحة؟

- كانت إقامة محدودة.

* ثم إلى أوروبا؟

- ثم إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

سنوات ضعف الثورة

* هل تلقيت دعماً من دول أم من منظمات؟ هذه الحركة تحتاج إلى أموال وحماية.

- نحن كأشخاص لم نتلق هذا الدعم. كنا في هذه المرحلة نتعامل مع مجموعة من السوريين في المعارضة وهم قاموا بترتيب هذه اللقاءات من دون أن نكون نحن على علاقة مباشرة مع الجهة المضيفة. يعني أنا في قطر لم أجلس مع الإخوة في الحكومة القطرية بشكل مباشر أبداً. بعد ذلك انتقلنا إلى تركيا. ونحن هنا أشخاص ولسنا منظمة، ولسنا جهة نتلقى تمويلاً أو تحتاج إلى مساعدات أو أي شيء. بعد تركيا انتقلنا إلى أوروبا، وأصبحنا نتصرف كأفراد نحمل هذا العبء. متطوعون منذ اليوم الأول في الثورة، وحتى اليوم.

لاحقاً، حين وجدت أن وتيرة الاهتمام بالملف السوري أصبحت منخفضة جداً، والأرض في سوريا بدأت تعود للنظام بعد التدخل الروسي، وانحسر الاهتمام الدولي بالملف تدريجياً. في هذه المرحلة تساءلت: لماذا تحملت هذه المخاطر وحملت هذه المخاطر لأهلي ولمن هم حولي من دون أن أحصل على فائدة؟ هل الفائدة أن أذهب إلى أوروبا وأصبح لاجئاً هناك؟ هذا ليس ما خرجت لأجله، ولا ما أريده لي ولأبنائي. كانت هناك مهمة أصبحت تذوب أمام عيني وتتفكك. أحسست أنني أخسر هدفي وأخسر السبب الذي خرجت من أجله، لذلك بادرت بشكل مباشر بالتواصل مع السلطات الفرنسية، وقلت لهم: أريد أن أعطيكم نسخة من الملف، وأريد أن أتقدم بشهادتي أمام وحدة مكافحة جرائم الحرب الفرنسية، وقد كان.

فرنسا لم تكن تعمل بمبدأ الولاية القضائية العالمية، يعني إذا لم يكن المجرم أو الضحية فرنسياً أو مقيماً على الأراضي الفرنسية، فإن القضاء الفرنسي لا يستطيع أن يقيم محاكمة. الدولة التي تتحقق فيها هذه الشروط هي ألمانيا. بدأنا برحلة لدعم مسار حقوقي يرسخ مبدأ أساسياً وهو أن هذا النظام مجرم ارتكب انتهاكات حقوق إنسان، وارتكب أعمال إبادة جماعية، والهدف من هذه الحركة أن نحول دون إعادة تلميع هذا النظام بأي شكل من الأشكال، مهما كانت المستجدات على الأرض السورية، سواء كان متغلباً عسكرياً أو حتى لو كان مقبولاً سياسياً من بعض الدول. وضعنا العصا في العجلة وأوقفنا عجلة التطبيع مع النظام، وجعلنا من الصعوبة بمكان أن يُعاد تسويقه.

السياسة لا تعمل بالمبادئ الأخلاقية، لكنْ لدينا ملعب حقوقي يمكن أن نعمل فيه، وبأضعف الوسائل. وقد كان. لذلك أصبح «ملف قيصر» هو العقبة الوحيدة لسنوات عدة من ضعف الثورة السورية وانصراف العالم عنها. كان «ملف قيصر» في هذه اللحظة هو العقبة الوحيدة أمام فرش البساط الأحمر لبشار الأسد في عواصم العالم.

ولذلك رأيت أن نقوم بتشتيت الخطر، فعندما يكون هذا الملف في حوزة أشخاص محدودين، ولا يقومون بأي عمل أو ربما يقومون في المستقبل بأي عمل، قد يُستهدف هؤلاء الأشخاص. لكن عندما تحول هذا الملف إلى مسألة دولية ومسألة حقوقية وتعطي شهادتك، وتعطي نسخة من هذا الملف إلى الجهات التي يمكن أن تعمل عليه وليس جهة واحدة، فأنت تشتت الخطر الذي قد تتعرض له كشخص.

كواليس «قانون قيصر»

* من صاحب فكرة الذهاب إلى أميركا؟

- لم تكن لدينا فكرة أن نذهب إلى أميركا. حصل ضغط علينا من بعض المنظمات السورية العاملة في الولايات المتحدة لعرض هذه القضية على الإدارة الأميركية. كان عندي قناعة أن إدارة الرئيس باراك أوباما لا تريد أن تفتح هذا الملف وغير مهتمة بفتحه، فعندما كنت في الأردن، وصلت الصور الأولى من هذا الملف إلى مكتب الخارجية الأميركية عن طريق عضو مجلس شعب منشق عن النظام السوري اسمه محمد برمو. ولم تبد الخارجية الأميركية أي اهتمام بهذا الأمر إطلاقاً.

بعدها بسنة تقريباً تم الضغط علينا من قبل المنظمات السورية الموجودة في الولايات المتحدة. هم يعلمون تماماً كواليس صنع القرار في الولايات المتحدة ويعرفون كيف يستطيعون أن يصنعوا فارقاً وأثراً باستخدام هذا الملف، حتى لو كان الجالس في البيت الأبيض لا يريد. كانت معركة طويلة خاضها إخوتنا في المنظمات السورية في الولايات المتحدة، وتُوّجت بما سُمي فيما بعد بـ«قانون حماية المدنيين السوريين»، الذي أطلق عليه اسم «قانون قيصر».

* هل تعتقد أن «قانون قيصر» ساهم مساهمة كبيرة في تقويض النظام السوري؟

- هذا السؤال معطل إلى حد كبير. ربما يحتاج إلى دراسات لكي تحدد فعلاً ما الذي فعله «قانون قيصر» بالنظام السوري، لكن بالتأكيد «قانون قيصر» جعل من الصعب على النظام السوري أن يعيد تأهيل آلته العسكرية، وأن يستطيع دعم قواته و«شبيحته» وحتى قوات الميليشيا التي استعان بها من دول أخرى في المزيد من أعمال القمع والقتل في سوريا.

في النهاية هذا القانون هو قانون أميركي يتقاطع مع مصلحة السوريين في نقاط عدة فقط، ولا أقول أبداً إن «قانون قيصر» هو ثمرة «ملف قيصر» فقط. هناك جهود كبيرة بذلت من المنظمات السورية في الولايات المتحدة حتى وصلوا إلى هذه المرحلة وسمي باسم «قيصر»؛ تشريفاً وتكريماً لهذا الرجل، وليس لأن القانون هو امتداد للملف.

غداً حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

شمال افريقيا جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

 ‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بـ«العدوان غير المشروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مظاهرة سابقة لصحافيين وسط العاصمة للمطالبة بـ«رفع القيود» عن رجال الإعلام (رويترز)

تونس: محامو إعلاميَين موقوفَين منذ 2024 يطالبون بالإفراج عنهما

طالب محامو الإعلاميَين التونسيَين البارزَين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، الموقوفين منذ العام 2024، بالإفراج عنهما مع انطلاق محاكمتهما.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية.

«الشرق الأوسط» (تونس-روما)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
TT

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة»، فيما توعد «حزب الله» بالرد على أي خرق، قائلاً في بيان إن «المقاومة حاضرة وجاهزة للدفاع عن أرضها وشعبها، وهو حق تكفله المواثيق الدولية».

وبدأت المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت، الأحد، زيارة رسمية إلى تل أبيب حيث من المقرر أن تلتقي خلالها مع كبار المسؤولين الإسرائيليين.

وأفاد مكتبها الإعلامي بأن المحادثات «ستتمحور حول الفرص المتاحة لتثبيت وقف الأعمال العدائية وتمهيد الطريق نحو استقرار دائم في لبنان وشمال إسرائيل».

تحركات لخفض التصعيد

ولا تحمل بلاسخارت إلى تل أبيب أي مبادرة لبنانية جديدة، بالنظر إلى وجود الآلية القائمة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهي الهدنة الممدة ثلاثة أسابيع، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للتحركات، وأشارت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التطورات الأخيرة يومي السبت والأحد، «استدعت تحركات لخفض التصعيد، وإعادة تثبيت الهدنة في الجنوب» على ضوء ما وصفته بـ«التصعيد الخطير» في الجنوب.

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان). وبينما كان من المقرر أن يمتد عشرة أيام، أعلن ترمب في 23 من الشهر نفسه، تمديده لثلاثة أسابيع إضافية. وبموجب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، تحتفظ إسرائيل بحرية اتخاذ «كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة».

نتنياهو

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاكه منذ سريانه قبل أقل من أسبوعين.

وقال نتنياهو في مستهل الاجتماع الأسبوعي للحكومة: «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار». وأضاف: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات، وهو أمر بديهي، بل أيضاً لإحباط التهديدات الفورية وحتى التهديدات الناشئة».

«حزب الله» يتجنب اتفاق 2024

ويرفض «حزب الله» وقف إطلاق النار «من جانب واحد»، حسبما تقول مصادر لبنانية مطلعة على مواقفه، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب «يتجنب ما حصل في عام 2024 (بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تلا الحرب الماضية) حين كانت إسرائيل تقصف وتحتل وتنسف المباني وتمنع السكان من العودة، فيما كان الحزب يلتزم الصمت». وقالت المصادر إن الحزب «يرد على خروقات الاتفاق الممدد، ويرى أنه معنيّ بعدم السماح لإسرائيل خلال الهدنة، بتنفيذ ما لم تنفذه حين كان القتال على أشده».

آليات عسكرية إسرائيلية في إحدى قرى جنوب لبنان (رويترز)

ودان «حزب الله» اتهامات نتنياهو وقوله إن «(حزب الله) هو من يقوّض وقف إطلاق النار»، وأن للعدو حقاً في «حرية العمل» في لبنان «وفقاً للاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية ولبنان». وحذر الحزب «بشدة من الخطورة البالغة لتصريحه لجهة محاولة توريط السلطة اللبنانية في اتفاق ثنائي حصل فقط بينه وبين واشنطن، ولم يكن للبنان أي رأي فيه أو موقف منه، وبالتالي فهو لم يوافق عليه».

وهاجم «حزب الله» في بيان، مسار المفاوضات، قائلاً إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مخزية مع ممثلي كيان غاصب لقيط يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرع لهذا العدو اعتداءاته».

وتابع الحزب: «تقف السلطة اليوم صامتة عاجزة عن القيام بأبسط واجباتها الوطنية تجاه أرضها وشعبها، متفرجة على العدو وهو ينسف البيوت ويحرق الأخضر واليابس، وهي مطالبة بتوضيح صريح لشعبها عمّا يتذرع به العدو من اتفاق معها يمنحه حرية الاعتداء والتدمير والقتل».

وأكد أن «استمرار العدو في خرقه لوقف إطلاق النار، وفي اعتداءاته من قصف وتجريف وتدمير للمنازل أو استهداف للمدنيين، وقبل ذلك كله، استمراره في احتلال الأراضي اللبنانية وانتهاكاته لسيادتها، سيقابل بالرد والمقاومة الحاضرة والجاهزة للدفاع عن أرضها وشعبها، وهو حق تكفله المواثيق الدولية»، مضيفاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها، ولا على سلطة متخاذلة عن حماية وطنها، فأبناء هذه الأرض هم الضمانة الحقيقية في مواجهة هذا العدوان ودحر الاحتلال».

دعم مسار التفاوض

وبدأ لبنان وإسرائيل قبل أسبوعين مسار اللقاءات المباشرة بين سفيرَي البلدين، تمهيداً لبدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين لإنهاء حالة الصراع. وخلافاً لـ«الثنائي الشيعي»، تدعم قوى سياسية لبنانية هذا المسار، كما تدعم البطريركية المارونية هذا المسار.

وقال البطريرك الماروني، بشارة الراعي، في عظة الأحد: «لبنان اليوم يعيش حالة بين رجاء وخوف، بين انتظار وقلق، بين هدنة نترقب ثباتها، وواقع لا يزال هشاً. نعيش زمناً ننتظر فيه أن تدوم هدنة وقف إطلاق النار، نراقب بحذر، نأمل في المفاوضات الجارية. لكننا نبقى يقظين، لأن التجارب علمتنا أن الاستقرار لا يُبنى على التمنيات فقط، بل على العمل الدؤوب». وأكد الراعي «أننا نرفض الحرب، ونتوق إلى السلام، لكن السلام لا يكون شعاراً فقط، بل يحتاج إلى قرار، إلى إرادة، إلى عمل جدي، إلى طرح السلاح جانباً».


«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)

قال «حزب الله» اللبناني، اليوم الأحد، إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرع لهذا العدو اعتداءاته».

وأضاف «حزب الله»، في بيان، أن «السلطة اللبنانية ادعت أن شرطها الأساسي في الذهاب إلى اجتماعها المشؤوم في واشنطن مع العدو هو المطالبة بوقف اعتداءاته وبدء انسحابه من أراضينا المحتلة، إلا أننا لم نسمع منها تصريحاً علنياً وواضحاً يشترط ذلك».

وتابع: «بل على العكس، ما صدر عن ممثلة لبنان هو فقط مديح بحق الرئيس الأميركي، شريك العدو في سفك دماء اللبنانيين، ممّا شجّع العدو على الاستمرار في اعتداءاته وخروقاته».

وأكد «حزب الله» إدانته لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحزب هو من يقوض وقف إطلاق النار، وأكد أن مواصلة استهداف القوات الإسرائيلية داخل لبنان هو «ردّ مشروع على خروقاته المتمادية لوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول لإعلان الهدنة المؤقتة، والتي تجاوزت 500 خرق براً وبحراً وجواً، من قصف ونسف وتدمير للبيوت، وأدت إلى سقوط عشرات الشهداء».

وشدد «حزب الله»، في بيانه، على أن «استمرار العدو في خرقه لوقف إطلاق النار، وفي اعتداءاته من قصف وتجريف وتدمير للمنازل أو استهداف للمدنيين، وقبل ذلك كله، استمراره في احتلال الأراضي اللبنانية وانتهاكاته لسيادتها، سيقابل بالرد».

ويتأرجح وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، رغم إعلان ترمب تمديده لثلاثة أسابيع، الخميس، وحديثه بنبرة متفائلة عن آفاق السلام بين البلدين عقب جلسة تفاوض على مستوى السفراء عقدت في البيت الأبيض.

وفي ظل تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك الهدنة، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «حزب الله» «يقوّض» الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 17 أبريل (نيسان). وكانت مدته الأولية عشرة أيام، لكن ترمب أعلن تمديده لثلاثة أسابيع إضافية.

وقال نتنياهو، في اجتماع للحكومة، «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار».

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية عن غارة على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان، الأحد، بعد إنذار من الجيش الإسرائيلي بإخلائها مع ست قرى أخرى، في ما قال إنه رد على «خرق» «حزب الله» لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقبل الغارات الأخيرة، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن ضربات إسرائيلية يومي الجمعة والسبت في أنحاء جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل 12 شخصاً.

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة السبت. كما نزح أكثر من مليون شخص بسبب النزاع.


لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
TT

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة ركّزت على جملة من الملفات المرتبطة بالعلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، والتحديات المشتركة التي يواجهها البلدان، بالإضافة إلى معالجة ذيول الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء السورية.

ورغم أن الزيارة إلى دمشق تكتسب أهمية خاصة من حيث التوقيت والمضمون، لا سيما أنها أتت في ظل تطورات لبنانية وإقليمية معقدة للغاية، فقد اكتفى البيان الذي أصدره الحزب الاشتراكي، بالتأكيد على أن الزيارة شددت على «تحسين العلاقات اللبنانية - السورية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وإسقاط نظرية حلف الأقليات والأخذ باعتبار الروابط الاجتماعية والجغرافية، ودعم استقرار لبنان»، مشيراً إلى أنه «جرى التأكيد على وحدة سوريا بكل أطيافها، وطمأنة كل مكونات الشعب السوري ومعالجة الأحداث الأليمة (في إشارة إلى أحداث السويداء)».

فيما قال البيان الرئاسي السوري المختصر إن الرئيس أحمد الشرع التقى الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق. وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

تطوير العلاقات

في هذا السياق، أوضح أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن، الذي رافق جنبلاط إلى دمشق، أن الزيارة «بحثت بالعمق تطوير وتوطيد العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة احترام سيادة واستقلال البلدين، مع الأخذ في الاعتبار الروابط الجغرافية والتاريخية والاجتماعية التي تجمعهما».

وأكد أبو الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن سوريا «تبقى الدولة العربية الوحيدة التي تربطها حدود مباشرة بلبنان، وأن القيادة السورية الحالية تسعى إلى إعادة صياغة هذه العلاقة انطلاقاً من واقع جديد، حيث انتهى زمن الوصاية السورية مع رحيل بشار الأسد»، مشيراً إلى أن «بعض الأطراف في سوريا وإسرائيل تحاول إحياء ما يُعرف بـ(حلف الأقليات)، إلا أن هذا الطرح لم يعد قائماً في نظر القيادة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، كما أن دمشق تركّز على مصالحها الاستراتيجية ضمن محيطها العربي».

نوايا إسرائيلية بإقامة «خط أصفر»

وبتقاسم لبنان وسوريا خطر الاعتداءات الإسرائيلية على سيادة البلدين، شدد أبو الحسن على أن المحادثات بين الشرع وجنبلاط «تناولت خطر التصعيد الإسرائيلي ضدّ لبنان وسوريا، ووجود هواجس مشتركة من نوايا إسرائيلية بإقامة (خط أصفر) في جنوب لبنان يمتد من الناقورة إلى جبل الشيخ، مع احتمالات توسعه ليشمل مناطق في جنوب سوريا».

وقال: «هذا التوجه يعكس قلقاً مشتركاً من وجود مخطط إسرائيلي خطير، ما يستدعي تنسيقاً وجهداً مشتركاً لمواجهته واستثمار علاقات البلدين بالدول الشقيقة والصديقة».

أحداث السويداء

واستأثرت أحداث السويداء بجانب كبير من المحادثات بين الشرع وجنبلاط، خصوصاً أن الأخير لعب دوراً بارزاً في معالجة تداعياتها والحدّ من خطر تمددها، ورفضه المطلق لمطلب ضمّ السويداء إلى إسرائيل أو المطالبة بتأمين حماية إسرائيلية للمنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

وقال أبو الحسن: «ركّزت المباحثات على ضرورة معالجة تداعيات أحداث السويداء الأليمة، والعمل على استكمال نتائج اللقاء الذي عُقد في عمّان بمشاركة سوريا والأردن والولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن النائب السابق وليد جنبلاط «جدد التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وتعزيز دور الدولة المركزية، بما يضمن المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويحول دون بروز أي قوى تنازع الدولة على سيادتها».

وشهدت العلاقات اللبنانية السورية تحسناً ملحوظاً، برزت من خلال التنسيق بينهما لضبط الحدود ومنع التهريب بالاتجاهين، إلّا أن هناك قلقاً سورياً بعد المعلومات عن ضبط أنفاق في الداخل السوري لتهريب السلاح إلى لبنان، والمعلومات التي تحدثت عن توقيف خلية أمنية في دمشق مرتبطة بـ«حزب الله». وتحدث أبو الحسن عن ضرورة «تبديد الهواجس لدى البلدين بما يحفظ أمنهما، والعمل على بناء الثقة بين المؤسسات الرسمية لديهما».