حزب «البعث» السوري يتداعى

حوّل حكام سوريا الجدد المقر السابق للحزب في دمشق «مراكز المصالحة والتسوية»

بشار الأسد (الثاني يمين) في الجلسة الختامية لمؤتمر «حزب البعث» الحاكم في دمشق 20 يونيو 2000 (سانا - أ.ب)
بشار الأسد (الثاني يمين) في الجلسة الختامية لمؤتمر «حزب البعث» الحاكم في دمشق 20 يونيو 2000 (سانا - أ.ب)
TT

حزب «البعث» السوري يتداعى

بشار الأسد (الثاني يمين) في الجلسة الختامية لمؤتمر «حزب البعث» الحاكم في دمشق 20 يونيو 2000 (سانا - أ.ب)
بشار الأسد (الثاني يمين) في الجلسة الختامية لمؤتمر «حزب البعث» الحاكم في دمشق 20 يونيو 2000 (سانا - أ.ب)

بعد أيام قلائل من إطاحة «هيئة تحرير الشام» في سوريا بالرئيس بشار الأسد، أعلن «حزب البعث» الحاكم تجميد أنشطته، ما يمثل تغييراً صادماً في حظوظ الجماعة السياسية، التي حكمت لأكثر من 6 عقود، حسب تقرير وكالة «أسوشييتد برس».

ولجأ الكثيرون من أعضاء قيادة الحزب إلى الاختباء، بينما فر البعض الآخر إلى خارج البلاد. وفي خطوة رمزية، حوّل حكام سوريا الجدد المقر السابق للحزب في العاصمة دمشق، إلى مركز يصطف داخله أعضاء سابقون بالجيش وقوات الأمن، لتسجيل أسمائهم وتسليم أسلحتهم، فيما يعرف بـ«مراكز المصالحة والتسوية».

في الوقت ذاته، تتصاعد الدعوات لحل «حزب البعث العربي الاشتراكي»، الذي حكم سوريا رسمياً منذ عام 1963. ويرى الكثير من السوريين - بما في ذلك أعضاء سابقون بالحزب - أن حكمه أضر بالعلاقات مع الدول العربية الأخرى، وساعد في تفشي الفساد الذي أدى إلى انهيار الدولة التي مزقتها الحرب.

من بين هؤلاء، محمد حسين علي، 64 عاماً، الذي عمل في شركة نفط حكومية، وكان عضواً في الحزب لعقود حتى استقال في بداية الانتفاضة السورية المناهضة للحكومة عام 2011، التي تحولت إلى حرب أهلية. وقال: «لا ينبغي حل الحزب فحسب، بل يجب أيضاً أن يذهب إلى الجحيم».

يذكر أن علي لم يغادر البلاد قط، وقد أكد أنه سعيد بانتهاء حكم «البعث».

هويات معتقلين في فرع أمني بدمشق بعد سقوط الأسد (أ.ف.ب)

من جهته، قال مسؤول في «هيئة تحرير الشام»، التي قادت الإطاحة بالأسد، إنه لم يجر بعد اتخاذ قرار رسمي بشأن ما يجب فعله مع «حزب البعث».

وأشار المسؤول، الذي اشترط عدم كشف هويته، لأنه غير مخول له بالتحدث عن الأمر، إلى أن زعيم «هيئة تحرير الشام»، أحمد الشرع، قال إن المسؤولين الذين ارتكبوا جرائم ضد الشعب السوري على مدى العقود الماضية، سيمثلون أمام العدالة. وألمح إلى أن هذا يشمل أعضاء «حزب البعث».

أكبر تمثال لحافظ الأسد كما بدا أمس بعد نحو 3 أسابيع من إسقاطه في بلدة ديرعطية شمال دمشق (أ.ف.ب)

يذكر أن الحزب، الذي كان هدفه توحيد الدول العربية في أمة واحدة، تأسس على يدي اثنين من القوميين العرب السوريين، ميشيل عفلق وصلاح الدين بيطار، عام 1947. وفي فترة ما، حكم الحزب بلدين عربيين، العراق وسوريا.

واشتعلت حالة من التنافس بين الفرع السوري تحت حكم الأسد ووالده الراحل حافظ، والفرع العراقي تحت حكم صدام حسين، الذي أطاح به الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.

وأصبح «حزب البعث» داخل سوريا، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً للغاية بعائلة الأسد التي تولت السلطة منذ عام 1970. وعلى امتداد عقود، استغلت العائلة الحاكمة الحزب وآيديولوجيته القومية العربية للسيطرة على البلاد.

وشغل الكثيرون من أبناء الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها آل الأسد، وظائف عسكرية عليا، وجرى استغلال عضوية الحزب كغطاء لمنحه طابعاً وطنياً، بدلاً من الطابع الطائفي.

عناصر من أجهزة الجيش والشرطة والأمن قدموا لتسوية أوضاعهم في مركز المزة بدمشق (الشرق الأوسط)

من جهته، قال عبد الرحمن علي، جندي سابق، ظل عضواً في «حزب البعث» لعقود، وحرص على القدوم إلى مقر الحزب لقطع علاقاته العسكرية به، إنه لم يكن لديه أي فكرة عن تأسيس الحزب على يد عفلق وبيطار، وذكر أنه «لطالما اعتقد أن حافظ الأسد هو المؤسس».

أضاف علي، (43 عاماً): «أشعر بالسعادة. لقد تحررنا من الخوف. حتى الجدران كانت لها آذان. لم نجرؤ على التعبير عن آرائنا مع أي شخص»، في إشارة إلى أجهزة الأمن والاستخبارات المخيفة، التي اعتقلت وعذبت الأشخاص الذين عبروا عن انتقادهم للأسد أو المسؤولين الحكوميين.

منظمة «طلائع البعث» في سوريا فرضت تجديد الولاء اليومي للحزب وقائده قبل بدء ساعات الدراسة (متداولة)

جدير بالذكر أن الكثير من السوريين كانوا ملزمين بالانضمام إلى «طلائع البعث» و«شبيبة الثورة»، الفرعان الخاصان بالأطفال والشباب بالحزب، أثناء وجودهم في المدرسة الابتدائية، وذلك بغرض التأكيد على الآيديولوجية القومية العربية والاشتراكية.

وكان من الصعب على الأشخاص الذين لم يكونوا أعضاء بالحزب، الحصول على وظائف حكومية أو الانضمام إلى الجيش أو أجهزة الأمن والاستخبارات.

صورة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد على غلاف تقرير فوق مكتب بمقر «حزب البعث» حيث ينتظر جنود سابقون تسجيل أسمائهم في «عملية المصالحة» في دمشق الاثنين (أ.ب)

عام 2012، بعد عام من اندلاع الانتفاضة السورية، جرى إلغاء فقرة من الدستور تنص على أن «حزب البعث» زعيم الأمة والمجتمع، في خطوة سعت إلى تهدئة مطالب الجمهور بالإصلاح السياسي. إلا أنه على صعيد الممارسة العملية، ظل الحزب مسيطراً، حيث شغل أعضاؤه مقاعد الأغلبية في البرلمان والحكومة.

عناصر من أجهزة الجيش والشرطة والأمن قدموا لتسوية أوضاعهم في مركز المزة بدمشق الثلاثاء (الشرق الأوسط)

جندي سابق آخر، لم يذكر سوى اسمه الأول، غدير، خوفاً من تعرضه للانتقام باعتباره من أبناء الطائفة العلوية، قال إنه جاء من عائلة فقيرة، وانضم إلى الحزب حتى يتمكن من دخول الجيش للحصول على دخل ثابت. وقال: «لا يمكنك الحصول على أي وظيفة إذا لم تكن بعثياً».

وفي حين أن قِلة من الناس يتباكون على سقوط الحزب في سوريا، فإن البعض يخشون أن الأغلبية السنية التي تسيطر الآن على البلاد، قد تشن حملة تطهير مماثلة لتلك التي حصلت في العراق بعد سقوط صدام حسين.

وقد جرى تشكيل لجنة لاجتثاث «حزب البعث» في العراق، وكانت مهمتها الرئيسة التخلص من الموالين لصدام داخل أروقة الحكومة والمؤسسات العسكرية. واعتبرت الأقلية السنية أن هذا الأمر وسيلة لتصفية الحسابات الطائفية من قبل الأغلبية الشيعية في البلاد. وأسهم الاستياء السني والحرمان من الحقوق الذي أعقب ذلك، في صعود جماعات متطرفة في البلاد، بما في ذلك تنظيما «القاعدة» و«داعش» في العراق.

طابور أمام مركز المزة للمصالحة والتسويات أمس (الشرق الأوسط)

في سوريا، دعا بيان لـ«حزب البعث»، صدر بعد 3 أيام من سقوط الأسد، جميع الأعضاء إلى تسليم أسلحتهم وسياراتهم العامة للسلطات الجديدة.

وفي 24 ديسمبر (كانون الأول)، كان عضو الحزب والعقيد السابق في الجيش، محمد مرعي، من بين مئات الأشخاص الذين اصطفوا في المقر السابق للحزب وسلموا الأسلحة.

وقال مرعي إنه ينبغي منح الحزب فرصة أخرى؛ لأن مبادئه جيدة، لكن أسيء استغلالها على مدى عقود. ومع ذلك، أوضح أنه ربما يرغب في الانضمام إلى حزب آخر، إذا أصبحت سوريا ديمقراطية متعددة الأحزاب في المستقبل.

وقد سلم مسدسه سوفياتي الصنع «ماكاروف»، وتسلّم وثيقة تفيد بأنه يستطيع الآن التحرك بحرية في البلاد، بعد المصالحة مع السلطات الجديدة. وقال: «أريد أن أصبح مواطناً سورياً عادياً مرة أخرى، وأن أعمل على بناء سوريا جديدة».


مقالات ذات صلة

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تهديد إسرائيل لـ«المصنع» يختبر ضمانات أميركا بتحييد البنى التحتية اللبنانية

عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
TT

تهديد إسرائيل لـ«المصنع» يختبر ضمانات أميركا بتحييد البنى التحتية اللبنانية

عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني بمحيط نقطة المصنع الحدودية مع سوريا التي هددت إسرائيل بقصفها (إ.ب.أ)

يضع تهديد إسرائيل بقصف معبر المصنع البقاعي (شرق) الذي يربط لبنان بسوريا عبر مركز جديدة يابوس، الولايات المتحدة الأميركية، أمام اختبار هو الأول من نوعه، للتأكد من أن الضمانات التي أعطتها للحكومة بتحييد البنى التحتية اللبنانية وعدم استهدافها، خصوصاً تلك الواقعة خارج منطقة العمليات العسكرية، لا تزال سارية المفعول، وأن التهديد الإسرائيلي يبقى تحت سقف الضغط الاقتصادي لعزل لبنان عن البر العربي، لتأليب اللبنانيين على «حزب الله» وتحميله المسؤولية حيال تقنين دخول المساعدات براً إلى النازحين.

السلطات اللبنانية أخلت مراكز الأمن العام في نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (أ.ب)

ورغم أن إسرائيل أبقت إنذارها مفتوحاً، فإن لبنان يأخذه على محمل الجد ويدعوه للقلق، وهذا ما استدعى تكثيف الاتصالات بواشنطن التي تولاها رئيسا الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، واستمرت حتى الفجر، وشملت بشكل أساسي السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الموجود في واشنطن في إجازة عائلية، طالبين منه تدخل بلاده لدى إسرائيل لسحب إنذارها من التداول، خصوصاً أن تذرّعها باستخدام «حزب الله» المعبر لتهريب السلاح ليس دقيقاً وفي غير محله. وهذا ما تبلغته إسرائيل من الحكومة السورية، كما علمت «الشرق الأوسط»، عبر شبكات التواصل القائمة بين البلدين.

وأبقى الرئيسان عون وسلام تواصلهما بالوزراء المختصين وقادة الأجهزة الأمنية والجمارك، لمواكبة الإجراءات التي اتُّخذت وأدت لإخراج الشاحنات المحملة بالبضائع ويفوق عددها الـ200 والمتوقفة على طول الطريق بين المصنع وجديدة يابوس ونقلها إلى أماكن آمنة، إضافة إلى تفريغ الإدارات الأمنية والجمركية من محتوياتها ونقلها إلى مركز محافظة البقاع في زحلة.

لا تهريب للأسلحة

وفي هذا السياق، استغرب مصدر أمني بارز ما تتذرع به إسرائيل بتهديدها قصف «المصنع»، وقال: «لو افترضنا أن (حزب الله)، وهذا غير صحيح، يستخدمه لتهريب السلاح، فهل يجرؤ على تهريبه؟ ليس بسبب الإجراءات المشددة المفروضة من الأجهزة الأمنية اللبنانية لمكافحة كل أشكال التهريب ومنعها، وإنما بكيفية الحصول عليه، ومن أين سيؤمنه؛ هل من الجانب السوري في ظل انقطاع التواصل بين النظام الحالي والحزب والتعاون والتنسيق القائم بين البلدين لضبط الحدود؟».

وقال المصدر الأمني، لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان هناك من تهريب كما تدّعي إسرائيل، فلا مجال لـ(حزب الله) سوى سلوك المعابر غير الشرعية، مع أنها تخضع لمراقبة مشددة من وحدات الجيش اللبناني المنتشرة على طول الحدود بالتعاون مع القوى الأمنية اللبنانية، وبالتنسيق مع الوحدات العسكرية السورية المتمركزة على الجانب السوري».

وأكد أن «لبنان لم يسبق له أن تبلّغ من لجنة (الميكانيزم) المشرفة على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، عن حصول عمليات تهريب عبر المعابر غير الشرعية، بخلاف ما تدّعيه إسرائيل بأن بعضها لا يزال مشرعاً أمام التهريب». وقال: «نحن من جانبنا لا مصلحة لنا بالسماح له، وعلينا التقيُّد بقرار الحكومة بضبط هذه المعابر، مع أن إسرائيل تريد الحصول على ثمن سياسي لقاء عزوفها عن تهديد المصنع، يتعلق حكماً بنزع سلاح (حزب الله) تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء في هذا الخصوص».

تفتيش أمني مشدد

وكشف المصدر أن «مسؤولين إسرائيليين سبق لهم أن أبلغوا الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، بأن (حزب الله) يستمر في تهريب السلاح عبر سوريا، ونقلت شكواها إلى أركان الدولة اللبنانية الذين أكدوا لها عدم صحة ما يدعونه. وسألوها إذا كانوا زوّدوها بأدلة وقرائن وصور جوية لإثبات ما يقولون، فكان جوابها أنهم تحدثوا معها في العموميات ولم يزوّدوها بما يدعم اتهاماتهم».

ولفت إلى أن «إسرائيل تدّعي أيضاً أن سلاحاً وصل إلى الحزب كان مخبأً بالشاحنات التي وصلت إلى لبنان مقبلة من العراق محملة بالمساعدات للنازحين»، مؤكداً أن «هذا الادعاء ليس في محله لأنها تخضع لتفتيش مزدوج تتولاه الأجهزة الأمنية السورية قبل عبورها عبر (جديدة يابوس) إلى (المصنع)، حيث تخضع حمولتها لتفتيش دقيق من قبل الأجهزة اللبنانية». وأضاف أن «الجواب أتاها من هيئة المنافذ والجمارك السورية بتأكيدها أن معبر جديدة يابوس مخصص لعبور المدنيين من لبنان وإليه، ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية».

إغلاق حركة العبور على نقطة المصنع الحدودية مع سوريا بعد تحذير إسرائيلي (رويترز)

ومع أنه سبق لإسرائيل، قبل سقوط نظام بشار الأسد، أن استهدفت الطريق الواقع بين معبري المصنع وجديدة يابوس، ما أدى إلى قطعه قبل أن يعاد إصلاحه بتدخل أميركي، فإن تهديدها بضرب «المصنع» سيؤدي حكماً إلى حصر حركة العبور بين البلدين في معبر جوسية الذي يربط بلدة القاع البقاعية بحمص، فيما المعابر في شمال لبنان لا تزال مقفلة باستثناء «العريضة» الذي يقتصر عبوره على المشاة ريثما تسمح السلطات السورية بإعادة فتح معبري العبودية والبقيعة اللذين يخضعان لإعادة تأهيل وترميم، على أن يُستأنف العبور عليهما في أبريل (نيسان) الحالي، كما تبلّغ المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير من الجانب السوري.

لذلك، فإن الحكومة اللبنانية أخذت تتصرف منذ الآن، على أن الإنذار الإسرائيلي بقصف «المصنع» يبقى قائماً إلى أن تقرر واشنطن التدخل لدى تل أبيب وتطلب منها الكف عن تهديدها بقصفه، رغم أنه يعدّ أحد أهم الشرايين الحيوية، بالمعنى الاقتصادي للكلمة، التي تربط لبنان بالدول العربية عبر سوريا، تحديداً الخليجية منها، ويشكل المتنفس الوحيد لحركة الاستيراد والتصدير.

قطع صلة لبنان بالعالم العربي

وفي هذا السياق، اعتبر مصدر وزاري أن «استمرار التهديد الإسرائيلي لـ(المصنع)، يعني انقطاع لبنان قسراً عن البر العربي، وإخضاعه لحصار غير مسبوق يرفع من منسوب أزماته الاقتصادية والمعيشية التي يتخبط بها، وحركة النزوح التي فاقت 1.2 مليون نازح تزيد من وطأتها، تحت ضغط استحالة تأمين المساعدات للنازحين بسبب تعطيل حركة المرور على معبر المصنع، التي من شأنها أن تعيق إيصال احتياجاتهم الضرورية من غذائية وغيرها، ولو بالحد الذي يتيح للحكومة إيواءهم وتوفير مستلزماتهم إلى حين تسمح الظروف بعودتهم إلى بلداتهم الجنوبية، مع أن إسرائيل دمرت معظمها».

وأكد أن «معبر المصنع يعدّ أحد أهم البنى التحتية، بالمفهوم الاقتصادي للكلمة، ويعتمد عليه لبنان لإنعاش دورته الاقتصادية عبر تكثيف حركة التصدير والاستيراد منه وإليه». وقال إن «إقفاله يبقى أفعل سلاح تستخدمه إسرائيل للضغط على لبنان ومن خلاله (حزب الله)، للتسليم بشروطها بإيداع سلاحه بعهدة الدولة».

فرض الخناق على لبنان

وتوقف المصدر أمام قول مسؤول إسرائيلي إنه لا يمكن نزع سلاح «حزب الله» ما لم نحتل كل لبنان، وسأل: «هل استعاضت تل أبيب عن احتلالها بفرض الخناق عليه وعزله برياً عن محيطه العربي؟ وكيف ستتصرف سوريا في تعاطيها مع توقف حركة المرور بين البلدين؟ ولفت إلى أن إبقاء إسرائيل على تهديدها بقصف (المصنع) يعني حكماً أنها ماضية في ضغطها على الحكومة، وإنما اقتصادياً هذه المرة، لتضييق الخناق على (حزب الله) ومطالبته بنزع سلاحه، خصوصاً أنه سيجد نفسه محرجاً أمام أكثرية اللبنانيين بتحميله مسؤولية إقحام لبنان في حرب لا يريدها والتي توخى منها ربطه بإيران».

وقال إن «تهجيرها الجنوبيين وسكان الضاحية الجنوبية لبيروت وتدميرها الممنهج لمنازلهم، كل ذلك يأتي في سياق التلازم مع الحصار الاقتصادي في حال استمر إقفال المعبر للضغط على الحزب لتأليب السواد الأعظم من اللبنانيين عليه»، لافتاً إلى أن «الاتصالات التي تولتها قيادة قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، وهيئة (الصليب الأحمر الدولي)، لم تؤدِّ لإقناع إسرائيل بالسماح بإصلاح شبكة المياه التي أُصيبت بأضرار وأدت لانقطاع المياه التي تُزود بها منطقة مرجعيون من بلدة القليعة».

استعداد للتداعيات

وأكد المصدر أن «الحكومة أخذت تتصرف كأن التهديد قائم، ويمكن لإسرائيل أن تنفذه في أي لحظة وهي تستعد لمواجهة تداعياته، ما استدعى إخلاءه من عناصر الأمن العام والجمارك وقوى الأمن الداخلي، وأفرغت المركز من محتوياته، فيما أعادت قوة الجيش المولجة بأمنه انتشارها بالتموضع على أعلى تلة تبعد عنه 400 متر، فيما أقام الأمن العام بالتعاون مع الجمارك حواجز على بعد 500 متر منه، لمنع الاقتراب من نقطة المركز أو الدخول إليه حتى إشعار آخر، على أن تستمر هذه الإجراءات إلى حين تتبلغ الحكومة، ما يدعو للتفاؤل بأن إسرائيل أعادت النظر بتهديدها إفساحاً في المجال أمام عودة العبور الآمن بين البلدين».


الرئيس اللبناني يُحذّر من المساس بالسلم الداخلي: زمن الحرب الأهلية انتهى

البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
TT

الرئيس اللبناني يُحذّر من المساس بالسلم الداخلي: زمن الحرب الأهلية انتهى

البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في بكركي (البطريركية المارونية)

حذّر الرئيس اللبناني جوزيف عون من أن السلم الأهلي خط أحمر، معتبراً أن «مَن يحاول المساس به يقدم خدمة لإسرائيل»، مشدّداً على أن «التفاوض ليس تنازلاً، والدبلوماسية ليست استسلاماً».

جاء ذلك خلال مشاركته في قداس «الفصح» في البطريركية المارونية؛ حيث التقى البطريرك بشارة الراعي وعقد معه خلوة.

ووسط احتدام الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» وتنامي الانقسامات السياسية اللبنانية على خلفيتها، أصدر عون تحذيره الحاد بخصوص السلم الأهلي، قائلاً: «منذ سنوات ونحن ننتظر قيامة لبنان، وفي ظلّ الدمار والتهجير همّنا هو الحفاظ على السلم الأهلي الذي هو خط أحمر، ومن يحاول المسّ به فهو يقدّم خدمة لإسرائيل».

وأضاف عون: «أقول لمن يملك فائضاً من الأحلام والأوهام إن زمن عام 1975 (تاريخ اندلاع الحرب الأهلية) انتهى، والظروف تغيّرت»، مشيراً إلى أن «بعض الإعلام يلعب دوراً مدمّراً». وتابع: «نحن مع حرية التعبير، شرط أن تكون حرية مسؤولة»، مضيفاً بالعامية اللبنانية: «ألف عدو برّات (خارج) الدار ولا عدو جوات (داخل) الدار». وشدد على أنه «لا أحد يريد الفتنة، لأن اللبنانيّين تعبوا من الحروب».

ووجه عون تحية لـ«أهلنا الصامدين في الجنوب، خصوصاً في البلدات الحدودية، وأقول لهم: سنقوم بالمستحيل لتأمين مقوّمات الحياة لكم، ولن ننساكم»، في إشارة إلى سكان 7 قرى تسكنها أغلبية مسيحية لا يزالون يقيمون فيها، رغم التوغلات الإسرائيلية في محيطها.

نوافذ التفاوض

وفي ظل الحرب المتواصلة، وإغلاق الجانب الإسرائيلي أي نافذة للتفاوض مع لبنان لوقف إطلاق النار، جدّد عون موقفه حيال إعلانه استعداد لبنان التفاوض، مهاجماً في الوقت نفسه رافضي هذا الخيار من قوى سياسية لبنانية، وفي مقدمها «حزب الله».

وقال عون: «البعض قال عن التفاوض: «شو جايينا (ماذا سيأتينا) من الدبلوماسية؟، وأنا أقول «شو جاييني من حربك؟».

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه البطريرك الماروني بشارة الراعي في بكركي (البطريركية المارونية)

وشدد عون على أن «التفاوض ليس تنازلاً، والدبلوماسية ليست استسلاماً»، مشيراً إلى أن «اتصالاتنا مستمرة لوقف القتل والدمار والجراح».

وردّ على الأشخاص الذين يتهجّمون على الجيش والقوى الأمنية، بسؤالهم: «أنتم ماذا قدمتم للجيش؟ الجيش ينفذ المصلحة الوطنية ويعرف عمله، ولولا الجيش لما كنّا في بكركي اليوم».

كما أكد عون أن «العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ممتازة، وقد عايدني بالفصح، والعلاقة ممتازة أيضاً مع رئيس الحكومة نواف سلام، ونقوم بالواجب، ولم يصلنا أي جواب حول التفاوض».

وعن الخطوة بحقّ السفير الإيراني الذي أصدر وزير الخارجية جو رجّي قراراً باعتباره «شخصاً غير مرغوب به»، قال عون: «التقيت الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) ووزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) أكثر من مرّة، وكان كلامهما عن عدم التدخل في شؤون الآخرين، والسفير الإيراني ليس سفيراً (في لبنان بعد) ولم يقدّم أوراق اعتماده، وهو موجود في السفارة من دون صفة ووظيفة».

عظة الراعي

وكان البطريرك الراعي قد قال خلال قداس الفصح في بكركي: «لبنان يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات، وتتداخل فيها التحديات. دمار وقتل وتهجير، واعتداءات وتعديات مستمرة على الأرض والسيادة، وأزمات اقتصادية ومالية واجتماعية أثقلت كاهل المواطنين، وتراجع في مؤسسات الدولة، وواقع عام أدخل البلاد في حالة من القلق والجمود».

وتابع: «هذه الاعتداءات وهذه الحروب هي أمر مرفوض من الدولة ومن الشعب، لأنها تمسّ كرامة الإنسان، وتضرب استقرار الوطن، ولا يمكن أن تُقبل بوصفها أمراً واقعاً».

وتابع: «الأزمات مهما تعاظمت لا تقفل الطريق. لبنان ليس بلداً للموت، بل للحياة. هو بلد قام عبر تاريخه مرات عديدة، وكل مرة نهض من تحت الركام. واليوم، هو مدعو إلى قيامة حقيقية، قيامة ثابتة، قائمة على الحق والحياة. مدعو، لكي يعيش بسلام دائم، ويؤدّي دوره وسط الأسرة العربية والدولية، وأن ينعم بنظام الحياد الإيجابي، المعترف به من الأسرة الدولية».

ردود فعل على تصريح عون

وسرعان ما لاقت تصريحات عون تأييداً، وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في بيان: «أؤيد، فخامة الرئيس، كل ما جاء على لسانك في التصريح الذي أدليت به في بكركي. أما بالنسبة للسلم الأهلي الذي نتمسك به جميعاً، فالدولة بمؤسساتها القضائية والأمنية والعسكرية هي الوحيدة التي تستطيع لعب دور حاسم في ترسيخه».

وتابع جعجع: «القاصي والداني يعرفان أن هناك انقساماً عمودياً في البلاد من جرّاء كل ما يحدث: هناك نزوح كبير، وهناك أزمة اقتصادية كبيرة، وشح وفقر و(تعتير)». وفي ظروف مثل هذه، الدولة وحدها بمؤسساتها هي القادرة على الحفاظ على السلم الأهلي».

بدوره، أشاد وزير الإعلام، بول مرقص، في بيان «بالمواقف والمبادرات» الوطنية التي أدلى بها الرئيس عون، معتبراً أنها تعبّر «بوضوح عن ثوابت الدولة اللبنانية وتمسكها الكامل بمسؤولياتها السيادية».

وأكد أن «ما قاله عن أن التفاوض ليس تنازلاً والدبلوماسية ليست استسلاماً، وإشارته إلى أن الاتصالات مستمرة لوقف القتل والدمار وغيرها من المواقف الوطنية يعكس إرادة راسخة لدى الدولة في بسط سيادتها على كامل أراضيها، بما يحفظ وحدة لبنان واستقراره ويصون مؤسساته الشرعية».

كما نوّه مرقص بتشديد رئيس الجمهورية على «ضرورة منع الفتنة بكل أشكالها، ورفض أي خطاب أو ممارسة من شأنها الإساءة إلى السلم الأهلي»، مشدداً على أن هذه المواقف «تُشكل دعوة جامعة لكل اللبنانيين للالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مناخ التهدئة والتضامن الوطني في هذه المرحلة الدقيقة».

وختم وزير الإعلام مؤكداً أن «حماية السلم الأهلي تبقى أولوية وطنية قصوى، وأن التمسك بالوحدة الداخلية هو السبيل الأساس لمواجهة التحديات الراهنة».


زيلينسكي في سوريا للاجتماع مع الشرع وفيدان ينضم إليهما

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر 2025(حساب الرئيس الأوكراني)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر 2025(حساب الرئيس الأوكراني)
TT

زيلينسكي في سوريا للاجتماع مع الشرع وفيدان ينضم إليهما

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر 2025(حساب الرئيس الأوكراني)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر 2025(حساب الرئيس الأوكراني)

قال مصدران سوريان لـ«رويترز»، اليوم (الأحد)، إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قام بأول زيارة له إلى سوريا للاجتماع مع نظيره الرئيس أحمد الشرع.

وذكر أحد المصدرين، وهو مستشار حكومي، أن المحادثات مرتبطة بقضايا الدفاع وسط حرب الشرق الأوسط، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

الرئيس الأوكراني والوفد المرافق في مطار دمشق

وعملت أوكرانيا على التواصل مع السلطات السورية الجديدة منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وأرسل زيلينسكي وزير خارجيته إلى دمشق في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لإجراء محادثات مع القيادة السورية الجديدة، وحثها على إنهاء الوجود الروسي على أراضيها. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن أوكرانيا وسوريا استعادتا العلاقات الدبلوماسية رسمياً، بعدما التقى رئيسا البلدين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

الشيباني يستقبل نظيره فيدان هاكان

من جهة أخرى، وصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان العاصمة السورية دمشق، الأحد، وقالت وكالة (الأناضول) أنه سيلتقي بالرئيسين السوري أحمد الشرع والأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اجتماع ثلاثي.

وأوضحت مصادر في الخارجية التركية، أنه من المنتظر أن يناقش فيدان مع الشرع وزيلينسكي، قضايا ثنائية وإقليمية.

وخلال المحادثات التي ستُقيّم المشاريع الثنائية لإعادة إعمار سوريا، سيتم استعراض الجهود المبذولة لدعم بناء القدرات في سوريا.

وكذلك ستتم مناقشة التهديدات التي تواجه الأمن السوري، إلى جانب تقييم التقدم المحرز في ملف دمج شمال شرق سوريا في الحكومة السورية، في إطار اتفاقيتي 17 و29 يناير (كانون الثاني) الماضي.

كما سيتم بحث تأثير الحرب في المنطقة على سوريا، وتقييم قضايا إقليمية أخرى، لا سيما الوضع في لبنان.