مرصد عالمي يؤكد تفشي المجاعة في مناطق جديدة بالسودان

تقريره أكد أن طرفَي القتال يعرقلان وصول المساعدات... و«تقدم» تستنكر «نهج الإنكار»

TT

مرصد عالمي يؤكد تفشي المجاعة في مناطق جديدة بالسودان

24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)
24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)

قال مرصد عالمي للجوع، الثلاثاء، إن نطاق المجاعة في السودان اتسع إلى خمس مناطق جديدة، ومن المرجح أن يمتد إلى خمس مناطق أخرى، بحلول مايو (أيار) المقبل.

جاء ذلك في الوقت الذي يواصل فيه الطرفان المتحاربان في السودان تعطيل المساعدات الإنسانية اللازمة للتخفيف من وطأة واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العصر الحديث.

وذكرت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، أن ظروف المجاعة تأكدت في مخيمي أبو شوك والسلام للنازحين داخلياً في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بالإضافة إلى مناطق سكنية وأخرى للنازحين في جبال النوبة.

وخلصت اللجنة أيضاً إلى أن المجاعة، التي كُشف عنها لأول مرة في أغسطس (آب)، لا تزال مستمرة في مخيم زمزم بشمال دارفور. وتتوقع اللجنة، التي تتألف من خمسة أعضاء وتدقق وتتحقق من وجود المجاعة، امتداد المجاعة إلى خمس مناطق أخرى في شمال دارفور بحلول مايو، وهي أم كدادة، ومليط، والفاشر، والطويشة واللعيت. وحددت اللجنة 17 منطقة أخرى في أنحاء السودان معرَّضة لخطر المجاعة.

أم تحتضن طفلها الذي يعاني سوء التغذية الحاد في مستشفى جنوب كردفان (رويترز)

وتشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 24.6 مليون شخص، أي نحو نصف العدد الكلي للسودانيين، في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية حتى مايو المقبل، وهي زيادة كبيرة عما كان متوقعاً في يونيو (حزيران) عند 21.1 مليون خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) حتى فبراير (شباط).

ونُشرت النتائج على الرغم من استمرار الحكومة السودانية في تعطيل عمل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المرتبط بتحليل انعدام الأمن الغذائي الحاد، والذي يساعد المانحين والمنظمات الإنسانية على توجيه المساعدات إلى الأماكن التي تشتد الحاجة إليها.

وأعلنت الحكومة، الاثنين، تعليق مشاركتها في ذلك النظام العالمي لمراقبة الجوع، متهمة إياه «بإصدار تقارير غير موثوقة تقوض سيادة السودان وكرامته».

والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هو هيئة مستقلة تموّلها دول غربية وتشرف عليها 19 من المنظمات الإنسانية الكبرى والمؤسسات الحكومية الدولية. ويلعب التصنيف دوراً محورياً في النظام العالمي لرصد الجوع والتخفيف من وطأته، وهو مصمم لدق ناقوس الخطر بشأن تطور الأزمات الغذائية حتى تتمكن المنظمات من التحرك ومنع المجاعات والحيلولة دون تفشي الجوع.

طفل سوداني يتلقى العلاج في عيادة لمنظمة «أطباء لا حدود» بمخيم ميتشي بتشاد (أ.ب)

وبموجب نظام التصنيف، تعكف «مجموعة عمل فنية» ترأسها عادة الحكومة الوطنية على تحليل البيانات وتصدر تقارير دورية تصنف المناطق على مقياس من واحد إلى خمسة. وهذه المراحل هي «لا مشكلة»، أو الحد الأدنى من انعدام الأمن الغذائي، ثم مرحلة انعدام الأمن الغذائي الحاد «الضغط»، ثم مرحلة «الأزمة»، ومرحلة «الطارئ» وأخيراً مرحلة «المجاعة»، التي صنف بموجبها السودان.

السودان يعارض

ويخوض الجيش السوداني حرباً مع «قوات الدعم السريع»، ويعارض بشدة إعلان المجاعة خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى ضغوط دبلوماسية لتخفيف الإجراءات على الحدود ويتسبب في تواصل «قوات الدعم السريع» بشكل أكبر مع الخارج.

وفي رسالة إلى التصنيف ولجنة مراجعة المجاعة ودبلوماسيين، قال وزير الزراعة السوداني، الاثنين، إن أحدث تقرير للتصنيف يفتقر إلى بيانات محدثة عن معدلات سوء التغذية وتقييمات إنتاج المحاصيل خلال موسم الأمطار الصيفية الماضي.

وتقول الرسالة إن موسم المحاصيل كان ناجحاً. كما أشارت الرسالة إلى «مخاوف جدية» بشأن قدرة التصنيف على جمع البيانات من المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

وأظهرت وثيقة اطلعت عليها «رويترز» أن الحكومة السودانية علقت في أكتوبر التحليل الذي كانت تقوده بنفسها. وبعد استئناف العمل، لم تقرّ مجموعة العمل الفنية بوجود مجاعة.

وقال تقرير لجنة مراجعة المجاعة، الذي صدر الثلاثاء، إن المجموعة التي تقودها الحكومة استبعدت بيانات رئيسة متعلقة بسوء التغذية من تحليلها.

«تقدم» تأسف لـ«سياسة الإنكار»

واعتبرت «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم)، الثلاثاء، انسحاب الحكومة السودانية المؤقتة في بورتسودان، من نظام التصنيف المتكامل لمراحل انعدام الأمن الغذائي، «خطوة غير مسؤولة». وقالت «تقدم» وهي التحالف السياسي الأكبر في البلاد، في بيان إن قرار الانسحاب يأتي في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي خلَّفتها الحرب، التي أثرت بشدة على قدرة الدولة على معالجة القضايا الإنسانية الملحة.

حمدوك رئيس تنسيقية «تقدم» التي استنكرت انسحاب الحكومة من نظام تصنيف المجاعة (فيسبوك)

وأضافت في بيان على «فيسبوك» أن نهج «سياسة الإنكار» سيؤدي إلى تراجع المنظمات الدولية التي تعتمد في تقديمها للمساعدات على التصنيف المتكامل لتحديد المناطق الأكثر احتياجاً للمساعدات.

ودعت «تقدم» المجتمع الدولي إلى ممارسة المزيد من الضغوط على طرفَي القتال لاتخاذ تدابير لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع السودانيين في مناطق النزاعات.

وكانت الحكومة السودانية عرقلت عمل التصنيف في وقت سابق، حسب تحقيق نشرته «رويترز» في الآونة الأخيرة، من هذا العام؛ مما أدى إلى تأخير تأكيد وجود مجاعة أشهر عدة في مخيم زمزم، حيث لجأ النازحون إلى أكل أوراق الأشجار من أجل البقاء على قيد الحياة.

وأدت الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 إلى تراجع إنتاج المواد الغذائية ومعدلات التجارة فيها ودفعت أكثر من 12 مليون سوداني إلى ترك منازلهم؛ مما جعلها أكبر أزمة نزوح في العالم. وتُتَهم «قوات الدعم السريع» بنهب إمدادات غذائية إنسانية وأخرى تجارية ووضع عوائق أمام الزراعة وحصار بعض المناطق؛ مما أدى إلى ارتفاع تكلفة التجارة وأسعار المواد الغذائية. كما تمنع الحكومة وصول المنظمات الإنسانية إلى بعض أجزاء البلاد.

البحث عن ممرات آمنة

وقال مدير تحليل الأمن الغذائي والتغذية لدى برنامج الأغذية العالمي، جان مارتن باور: «لدينا الطعام وشاحنات على الطريق وأفراد على الأرض. نحتاج فقط إلى ممر آمن لتقديم المساعدات».

امرأة نازحة سودانية تستريح داخل ملجأ في مخيم زمزم شمال دارفور 1 أغسطس 2024 (رويترز)

وحسب «رويترز»، فإن «قوات الدعم السريع» نفت الاتهامات الموجهة لها بنهب الإمدادات الغذائية، قائلة إنها «مجرد مزايدات بلا دليل». وذكرت أن ملايين الأشخاص في المناطق التي تسيطر عليها يواجهون «خطر الجوع»، وأنها ملتزمة «بضمان وصول المساعدات إلى المتأثرين».

وقالت الحكومة إن «قوات الدعم السريع» هي مَن تعوق توصيل المساعدات.

ويقول تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إن طرفي الصراع فرضا «إجراءات بيروقراطية وعمليات موافقة... تحدّ بشدة من نطاق الجهود الإنسانية وحجمها».

الحكومة السودانية تعرقل

وجاء في التقرير أن 10 في المائة فقط من الأشخاص في المناطق التي استعرضها التصنيف حصلوا على مساعدات غذائية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

وقال ما لا يقل عن 12 من عمال الإغاثة والدبلوماسيين لـ«رويترز» إن التوترات تزايدت بين الحكومة السودانية ومنظمات الإغاثة الإنسانية بعد أن خلص التصنيف المتكامل إلى أن مخيم زمزم يعاني المجاعة في أغسطس.

وقالت المصادر إن الحكومة تبطئ وتيرة إرسال المساعدات، وإن جهازي المخابرات العامة والعسكرية التابعين للحكومة يشرفان على توصيل المساعدات، وإن الموافقة على إدخال المساعدات الدولية تخضع لأهداف سياسية وعسكرية للجيش السوداني.

وتؤخر الحكومة إجراءات الموافقة على إصدار تأشيرات دخول لموظفي الإغاثة، وقال عدد منهم إن الحكومة تثبط عزيمة المنظمات غير الحكومية التي تسعى لتقديم مواد إغاثية في منطقة دارفور المتضررة بشدة، التي تسيطر «قوات الدعم السريع» على معظم مناطقها.

وقال أحد كبار مسؤولي الإغاثة الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن الحكومة أبلغت منظمات الإغاثة بأنه «لا توجد احتياجات مشروعة في دارفور؛ لذا يجب ألا تعملوا هناك، وإذا واصلتم الاستجابة للاحتياجات هناك، فلا تتوقعوا الحصول على تأشيرات».

الحرب في السودان والقيود المفروضة على توصيل المساعدات تسببتا في مجاعة في شمال دارفور (رويترز)

وخلال الأشهر الأربعة الماضية، ارتفع عدد الطلبات التي قدمها موظفو إغاثة غير تابعين للأمم المتحدة من أجل الحصول على تأشيرة دخول للسودان والتي لم يتم البت فيها، كما انخفض معدل الموافقة على طلبات أخرى، وفقاً لبيانات نشرتها المنظمات غير الحكومية العالمية في السودان.

وتقول «رويترز» إن الحكومة لم ترد على أسئلتها للتعليق على حظر التأشيرات، وقالت في أوقات سابقة إن غالبية طلبات التأشيرات تمت الموافقة عليها.

وقالت ثلاثة مصادر لـ«رويترز» إن الحكومة السودانية حثّت الأمم المتحدة في أكتوبر على سحب كبير مسؤولي المساعدات الإنسانية في منطقة دارفور بعد أن سافر إلى هناك دون تصريح من الحكومة.

وذكرت المصادر أن طلبات الحصول على تصريحات للسفر توقفت، وأن الحكومة أبلغت الأمم المتحدة بأنها ستطرد المسؤول إذا لم يتم سحبه. وامتثلت الأمم المتحدة لطلب الحكومة في النهاية. ولم ترد الحكومة على أسئلة متعلقة بإبعاد هذا المسؤول. وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن المنظمة لا تعلق على «ترتيبات عمل» الموظفين.


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان (رويترز-أرشيفية)

مشاورات بين الجيش و«الكتلة الديمقراطية» لتشكيل برلمان سوداني مؤقت

بعد قرابة العام من تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية، قوى سياسية تجري مشاورات مع الجيش السوداني لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة) p-circle

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين لـ«الدعم السريع»

قالت ثمانية مصادر، من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات موَّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً ​لوجيستياً للموقع....

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended